المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الشفاء في علل القراءات لأبي الفضل أحمد بن محمد الحريري البخاري

حبيب الله بن صالح بن حبيب الله السلمي

صفحة ٢ من ٤٩

16 الفصل الأول: ترجمة المؤلف: وفيه خمسة مباحث : المبحث الأول: اسمه ونسبه وكنيته ولقبه. المبحث الثاني: مولده ونشأته وطلبه للعلم . المبحث الثالث: شيوخه وتلاميذه. المبحث الرابع: مؤلفاته . المبحث الخامس: وفاته.

عدد الصفحات ١٨

ترجمة المؤلف 17 تمهيد لقد قد مت كتب التر اجم والفهارس خدمات جليلة وواسعة للباحثين؛ مك نتهم من الوقوف على تراجم كثير من الأعلام والمصنِ فين؛ بيد أنه ا-في الوقت ذاته - لا تزال تقف عاجزة دون الوصول إلى تراجم كثير من ال علماء الذين ع رفت كتبهم , وصارت مرجعاا في فنونها؛ لا سيما علماء القراءات وتوجيهها, كالإمام أبي زرعة مؤلف كتاب حجة القراءات, والإمام ابن إدريس مؤلف كتاب المختار, وغيرهما. ومؤلف هذا الكتاب من أولئك العلماء الذين لم ي عث ر لهم على ترجمة حتى الآن فيما أعلم؛ تبين لي ذلك وتجلى بعد البحث والتنقيب والاطلاع على كتب الفهارس والتراجم والمواقع المتخصصة وغيرها, فوجدته ا قد سكتت عنه سكوتاا مطبقاا , ثم سألت كل من علمت أن له باعاا في الاطلاع والمعرفة والبحث حول هذا الأمر فلم أهتد إلى شيء من ذلك. هذا؛ وإن كتاب المؤلف هو أصدق من يترجم له ويبين مكانته, ومن خلاله يمكن الوصول إلى بعض المعلومات المتعلقة بنسبه وتتلمذه وشيوخه والفترة الزمنية التي عاش فيها, وغير ذلك, بل إن المعلومات التي يذكرها هؤلاء المؤلفون في كتبهم ت ع د إضافة علمية لكتب الفهارس والتراجم, هذا إن لم تكن هي أولى ما ينبغي تسطيره فيها حول أولئك الأعلام, إذ تعريف الإمام بنفسه أولى من تعريف غيره به, خصوصاا ما يتعلق بتراجم أهل القراءات وعلومها التي لا زالت تعاني من نقص كبير في هذا الأمر. وبناءا على ما نص عليه المؤلف في هذا الكتاب وما وجد ت له من نسخ خطية كذلك تمكنت-بحمد الله- من التعرف على بعض المعلومات المهمة حول المؤلف ونشأته وشيوخه, سواء أكان ذلك بشكل قطعي كما في اسم المؤلف ونسبه وكنيته ولقبه أم كان ذلك عن طريق الترجيح وغلبة الظن كما في المباحث الأخرى. وقد اقتضت طبيعة البحث العلمي أن يكون عرض الترجمة وفق المباحث التالية:

عدد الصفحات ١٩

ترجمة المؤلف 18 إنتسمية المؤلفِ نفس ه في كتابِه ت ع د من أوثقِ طرقِ معرفةِ اسمِ المؤلفِ ون س بِه كما أسلفت, وقد صر ح المؤلف -رحمه الله- في مقدمةِ كتابِه بقوله: «فهذه ح ج ج القراءاتِ المشهورةِ, وعلل الرواياتِ المأثورةِ, رت بها أبو الفضلِ أحمد بن محم دِ بنِ محم د الحريري الب خ ارِي »(1) ,وبهذا النصِ يتضح ما يلي: اسمه: أحمد بن محم دِ بنِ محم د . كنيته: أبو الفضل. لقبه: ذكر المؤلف لنفسِه لقبين: الأول: البخاري. وهو نسبة إلى بلدةِ ب خ ارى المعروفة (2). وهذا اللقب متفق عليه بين نسختي الكتاب, سواء ما ذكره المؤلف في مقدمةِ الكتابِ, أو من خلالِ ما ك تِب على غِلافِ النسختين. الثاني: وهذا الذي اختلفت فيه نسختا الكتاب كما يلي: أ‌. «الحريري»بالحاء المهملة: وهو المكتوب في النسخة الأو (الأصل)؛ نسبة إلى صنعة الحرير. وممن اشتهر بهذه النسبة: أبو محمد القاسم بن علي الح ريري (ت516هـ) صاحب المقامات المشهورة. ب‌. «الجريري»بالجيم, وهو المثبت في النسخة الثانية (ب)(3): وهذا اللقب إما أن يكون نسبة إلى جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه, وإما أن يكون نسبة إلى اتباع مذهب محمد بن ـــــــــــــــــ (1) لوح2/أ (2) وهي من أعظم مدن ما وراء النهر, ولا زالت تعرف باسمها إلى اليوم, وقيل تسمى: بومجكث, وتقع اليوم أوزبكستان. ينظر: معجم البلدان 1/353 ,الروض المعطار1/83, موجز تاريخ الإسلام1/471, تاريخ بخارى27. (3) لوح5/أ المبحث الأول : اسمه ونسبه وكنيته ولقبه

عدد الصفحات ٢٠

ترجمة المؤلف 19 جرير الطبري, وهو الأكثر في التراجم, وكذلك فإنه بالتتبع أكثر من ينتسب إلى جرير بن عبد الله يضيف في لقبه: «البج»أو يقول«البجلي الجريري»(1). وهذا الخلط بين النسبت-أعني: «الجريري والحريري»- قد وقع كثيرا في كتب الأنساب والتراجم, وأبرز أسبابه سببان: 1. أن يكون الع ل م قد اجتمعت فيه النسبتان, كما قال السم عاني- رحمه الله -« :وأبو الطيب أحمد بن سليمان الجريريّ, ويقال له الحريري بالحاء, اجتمع فيه النسبتان, فمن قال له الحريري فينسبه إلى بيع الحرير, ومن قال الجريريّ بالجيم فلأجل تفقهه على مذهب محمد بن جرير الطبري»(2) انتهى 2. أن يكون ذلك نتيجة تصحيف من النس اخ وهو كثير في نسخ المخطوطات, وفي غاية النهاية وغيره أمثلة لذلك(3), وعليه فيكون الاسم واحداا, ولكنه تصح ف في أحد النسخت وكلا الاحتمالين وارد هنا؛ إلا أن احتمال التصحيف في النسخة الثانية(ب) عندي أقوى؛ لكثرة ما وقع في هذه النسخة من التصحيفات المشابهة لهذا, ولجودة النسخة الأولى (الأصل), وسعة اطلاع ناسخها وعلمه, وسيأتي شواهد ذلك في وصف النسخ. وبناءا عليه فإني أختار أن ي ل ق ب المؤلف بــ«الحريريِ»بالحاءِ المهملة, حتى يظهر دليل قاطع يرجح اللقب الآخر, أو يصححهما معا, والله أعلم. ـــــــــــــــــ (1) الأنساب للسمعا3/265. (2) المصدر السابق (3) ينظر: غاية النهاية1/7 ,1/55, وفيات الأعيان1/125.

عدد الصفحات ٢١

ترجمة المؤلف 20 لم ينص المؤلف على مولده ولا نشأته, ولكنه ومن خلال شيوخه الذين ذكرهم في كتابه يمكن القول بأن المؤلف قد تلقى علوم القراءات وتوجيهها على شيوخه في بخارى, حيث كان يقيم مقرئ المشـرق تاج الدين الزندني آنذاك, ورحل إلى سمرقند وبها قرأ على بعض شيوخه هناك. وهاتان المدينتان كانتا حاضرتين من حواضر الإسلام إلى أن غزاها التتار(قرابة سنة 617هـ) وفعلوا فيهما ما فعلوا, وفرقوا كثيرا من سكانهما في البلدان, ثم تبعت ذلك العديد من الاضطرابات في سمرقند وغيرها من تلك البلدان , حتى جاء تيمورلنك قرابة سنة 765 هـ وأعاد إليها الحضارة الإسلامية مرة أخرى. وبين هذين الحدثين كانت حياة المؤلف ونشأته ووفاته. ومع ما مرت به هذه الحقبة الزمنية من الاضطرابات والمحن؛ إلا أنها لم تكن لتقضي على الحياة العلمية في تلك البلدان, وإن كانت قد أضعفتها وأوهنتها عما كانت عليه, وربما كانت هذه الأحداث سببا من الأسباب التي جعلت بعض العلماء ينتقلون بين تلك البلدان طلباا للعلم ونشراا له(1). ـــــــــــــــــ (1) ينظر: الكامل لابن الأث10/288, تاريخ الإسلام للذهبي52/179, المغول التتار بين الانتشار والانحسار 119. المبحثالثاني : مولده ونشأته وطلبه للعلم

عدد الصفحات ٢٢

ترجمة المؤلف 21 صر ح المؤلف مواضع عدة من كتابه بذكر ألقاب اثنين من شيوخه, وبعد البحث في كتب التراجم ترج ح عندي أن المقصود بذلك إمامان من أئمة هذا العلم, وهما: الأول: تاج الدين, محمد بن محمد بن محمد أبو المحامد البخاري الزندني(1), قال عنه ابن الجزري: «مقرئ المشرق, إمام واعظ مقرئ ناقل, تلا بالصحيح والشاذّ على محمد بن محمد بن عمر الجنبذي, وأخذ التفسير والحديث عن حافظ الدين البخاري, قرأ عليه أبو حنيفة الأنزاري وكتب عنه أبو العلاء الفرضي, وقال: له معرفة تامة بروايات القراء وطرقهم في السبع والشواذ, عارف بعلل القراءات وبفنونها, قرأ عليه كثير من الن اس, ولم يؤر خ موت ه قلت: أظنه بقي إلى قريب السبعمائة بل تجاوزها»(2). وقد ذكره المؤلف في (ثلاثة مواضع), الأول«وسمعت عن شيخي وأستاذي تاج الملة والدين -أدام الله مجده - أنه قال مرارا: إدغام الراء في اللام لأبي عمرو جائز عند القراء, ومذهب حسن..»(3), والثا «وهذا مذهب مقبول معمول وعليه شيخنا وأستاذنا تاج الحق والدين, رحمة الله عليه.. »(4), والثالث «قال الشيخ الإمام العلامة تاج الحق والدين رحمه الله, ترك الاختلاس في الإعراب حسن لئلا يلتبس الرفع بالجزم..»(5). الثا محمد بن محمد بن عمر الشهابي, أبو أحمد وأبو محمود الخالدي الـج نْب ذِي السمرقندي, قال عنه ابن الجزري: «أستاذ ناقل عارف إمام, أخذ الروايات عن والده, قال الذهبي عنه: صدر القراء بسمرقند, كان عارفا بالمشهور والشاذ, قرأ على والده ولا أدري ـــــــــــــــــ (1) نسبة إلى قرية من قرى بخارى, واسمها: زندنة. ينظر: اللباب في تهذيب الأنساب2/79, تاريخ بخارى31. (2) غاية النهاية2/254. وينظر: توضيح المشتبه4/126, طبقات المفسرين2/246. (3) لوح13/ب (4) لوح32/ب (5) لوح37/أ المبحث الثالث: شيوخه وتلاميذه

عدد الصفحات ٢٣

ترجمة المؤلف 22 والده على من قرأ, روى عنه ولده محمد وأبو رشيد الغزال, وقد سمع الحا فظ أبا سعد السمعاني, مات في حدود سنة سبع وستمائة كذا قال الذهبي, ولا شك أنه بقي إلى بعد العشرين وستمائة حتى قرأ عليه أبو المحامد محمد بن محمد البخاري»(1). وقد ذكره المؤلف بلقب «شمس الملة والدين رحمه ا »عند قوله «وسمعت عن شيخي وأستاذي تاج الملة والدين أدام الله مجده أنه قال مرارا إدغام الراء في اللام لأبي عمرو جائز عند القراء ومذهب حسن, كذا قرأت على أستاذي وشيخي شمس الملة والدين -رحمه الله- بسمرقند في داره»(2). وليس في علماء سمرقند من هو أقرب لهذا اللقب من الإمامالجنبذي, ويعضده أيضا أنه شيخ تاج الدين المتقدم أيضا. والله أعلم. وعلى هذا؛ فيكون المؤلف قد قرأ على شيخه تاج الدين الزندني, وقرأ أيضا على شيخ شيخه وهو الجنبذي السمرقندي, وليس ذلك ببعيد(3). وأما تلاميذه فلم أقف على ذكر أحد منهم ـــــــــــــــــ (1) غاية النهاية 2/246. (2) لوح13/ب (3) وممن اشتهر بلقب شمس الدين السمرقندي: محمد بن محمود بن محمد بن أحمد, شمس الدين, السمرقندي الأصل لكن مولده بهمذان, وإقامته ببغداد, وكذلك فإن وفاته كانت (حدود780ه) وهذا بعيد عن زمن المؤلف, والله أعلم. ينظر غاية النهاية 2/292, الأعلام7/87 .

عدد الصفحات ٢٤

ترجمة المؤلف 23 لا سبيل إمعرفةِ م صنفات إمام من الأئمة إلا من أحد الطرق التالية: 1. مانص ت عليه كتب التراجم. 2. ما ذكره تلاميذه وغيرهم ممن جاء بعده 3. ما ذكره المؤلف في كتابه 4. ما وجد منسوباا إليه(1). وبما أن كتب التراجم والفهارس لم تذكر شيئا عن المؤلفوكذلك فإن المؤلف لم ي ذكر في كتابه هذا شيئا من كتبه الأخرى, كما أني لا أعرف كتاباا ذ كِ ر له, أو نسب إليه نسبة قطعية حتى الآن(2) سوى هذا الكتاب, وعليه فلا يثبت للمؤلف إ كتاب واحد, وهو: الشفاء في علل القراءات, وهو الذي بين أيدينا. والله أعلم. ـــــــــــــــــ (1) نقلاا عن المختار 1/49. (2) نسب الشيخ أبو يوسف الكفراوي«كتاب البشارة من كتاب الإشارة»للمؤلف, وهذا الكتاب حققه الأخ عمير الجنباز ونسبه إلى ابن العراقي, وقد حصل حوله نقاشات طويلة على الشبكة العنكبوتية على عنوان: فصل الخطاب في مؤلف كتاب البشارة من كتاب الإشارة, وعنوان: فتح الكريم الوهاب في الرد على مقال الكفراوي المسمى بفصل الخطاب, ولم ي سفر النقاش عن نتيجة قطعية نظرا لعدم وجود المرجح الكافي لأحد الطرفين, ولعل الله أن ييسر في قادم الأيام ما يدل إلى الصواب. والله المستعان. المبحث الرابع: مؤلفاته

عدد الصفحات ٢٥

ترجمة المؤلف 24 لا يمكن تحديد وفاة المؤلف إلا بواسطة تلاميذه, أو من خلال كتب التراجم والفهارس, ونحوها, وبما أنن ي لم أقف على شيء من ذلك, فإنه يستحيل الجزم بتاريخ وف اته تحديداا , ولكنني أستطيع أن أ ع ينِ الفترة الزمنية التي عاش فيها من خلال المقدمات التالية: 1. ما قدمت من الكلام حول شيوخ المؤلف, وذلك أن الإمام تاج الدين توفي قريباا من سنة (700هـ) والإمام السمرقندي توفي (بعد620.)هـ 2. تاريخ كتابة النسخة الأولى (الأصل) من المخطوط, حيث كتبت في سنة( 706)هـ , وهذا التاريخمن الأهمية بمكان فيما نحن بصدده. 3. آخر من نقل عنه المؤلف نق لاا صريحاا هو الإما م الفاسي( مؤل ف اللآلئ الفريدة في شرح القصيدة) وهو متوفى سنة 656.هـ فهذه المقدمات تدل على أن المؤلف عاش في القرن السابع الهجري, و على أنه توفي في حدود سنة (700هـ أو بعدها بقليل), والله تعالى أعلم. ولعل الله أن ييسر لي في قادم الأيام شيئاا من ترجمته, أو مستنداا يكشف تاريخ وفاته بدقة أكثر. المبحث الخامس: وفاته

عدد الصفحات ٢٦

25 الفصل الثاني: دراسة الكتاب وفيه خمسة مباحث: المبحث الأول : توثيق اسم الكتاب ونسبته إلى المؤلف. المبحث الثاني : قيمة الكتاب العلمية. المبحث الثالث : مصادر المؤلف في الكتاب. المبحث الرابع : منهج المؤلف في كتابه. المبحث الخامس : النسخ الخطية للكتاب.

عدد الصفحات ٢٧

دراسة الكتاب 26 مما دأب عليه أكثر المصنفين أن يسم وا أنفسهم وكتبهم في مقدمة الكتاب, وهو أجل طرق التوثيق وأبين ها, فإن أغفل المؤلف هذا الأمر احتيج إلى البحث عن الطرق الأخرى التي تكشف اسم الكتاب واسم مصنفه, كنسخ الكتاب, والنقول التي نقلت عنه, وغير ذلك, وقد يؤتى بها مع الطريقة الأولى زيادة في التوثيق وإتماماا للفائدة. والكتاب الذي بين أيدينا قد ثبتت تسميت ه ونسبت ه إلى مؤلِ فِ ه بما لا يدع مجالاا للشكِ , وذلك من طريقين: 1. نص المؤلِ ف في مقدمته على اسمه واسم كتابه, فقال: «فهذه حجج القراءات المشهورة, وعلل الروايات المأثورة, رت بها أبو الفضل أحمد بن محمد بن محمد الحريري البخاري, عصمه الله من النوائب والمحن, وحفظه من المكاره وفقد السكن, تذكرة لذوي العقول والألباب, وع د ة للأحباب والأصدق اء والأصحاب, وسما ها الشفاء »وهذا أعلى درجات التوثيق لاسم الكتاب ولاسم مؤلفه, ك أسلفت. 2. اتفقت النسختان الخطيتان في صفحتي الغلاف على تسمية مؤلف الكتاب وهو: أبو الفضل أحمد بن محمد بن محمد البخاري, وكذلك اتفقتا على تسمية الكتاب بـ(الشفاء), واختلفتا فيما زاد على ذلك. فكتب على النسخة الأولى (الأصل): «الشفاء في علل القراءات»وفي النسخة الثانية (ب): «الشفاء في نقل اختلاف القراء» والحق أن الكتاب يجمع الأمرين, ويقبل العنوانين؛ ولكن مقدمة المؤلف -كما قدمت- مع ما تميزت به النسخة الأولى من الإتقان والدقة, وكذلك نصّ ناسخها عند الانتهاء من نسخها بقوله: «وقع الفراغ عن كتابة هذه النسخة الشريفة في علل القراءات..»كل ذلك يدل على أن عنوان النسخة الأولى هو الصواب, وأنه مقصود المبحث الأول: توثيق اسم الكتاب ونسبته إلى المؤلف

عدد الصفحات ٢٨

دراسة الكتاب 27 المؤلف والله أعلم. وأما كتب الفهارس والتراجم والتوجيه فقد أغفلت ذكر الكتابِ وذكر مؤلفِ ه, ولم تذكر شيئا من ذلك كما أسلفت.

عدد الصفحات ٢٩

دراسة الكتاب 28 تتجلى قيمة أي كتاب -من حيث الجملة - بموضوعه الذي يعالجه, وكتاب «الشفاء» متعلق بعلم جليل وهو علم توجيه القراءات, والذي به تظهر جلالة المعاني وجزالتها؛ إلا أن المؤلفات فيه تتفاضل وتتغاير, وي ت سِ م كل واحد منها بسمات وخصائص تـ م يِ زه عن غيره, بها ت عرف قيمت ه, وعليها مدار أهميته. هذا, وإن من أبرز ما تميز به كتاب الشفاء أموراا أهمها: أولا: أن الكتاب يعد من أوسع كتب توجيه القراءات من حيث كثرة الروايات والطرق عن الأئمة العشرة , وذلك أنه اشتمل على الروايتين المشهورتين عن كل قارئ من العشرة ويزيد بعض الروايات الأخرى كرواية العباس ورواية شجاع كلاهما عن أبي عمرو, ورواية المفضل الضبي وحماد بن أبي زياد كلاهما عن عاصم, و رواية ابن فليح ورواية زمعة كلاهما عن ابن كثير, ورواية العجلي وغيره عن حمزة, ورواية قتيبة ونصير وغيرهما عن الكسائي, إضافة إلى اختيار أبي حاتم السجستاني. ثانيا: العناية بتوجيه القراءات الثلاث, وهو مما قل ت العناية ب ه عند المتقدمين على وجه التفرد والاختصاص, وقد جمع المؤلف فيها مادة علمية جيدة, ساعده على جمعها وترتيبها ما توفر له من المصادر والمراجع. ثالثا: العناية بتوجيه أصول القراءات, كالهمز والإدغام والإمالة وغيرها, بل إنه يكاد يمر على جميع الكلمات الأصولية المختلف فيها في كل سورة من سور القرآن, وهذا مما لم ينتهجه أكثر علماء التوجيه في مصنفاتهم. رابعا: وفرة المصادر العلمية التي استقى منها المؤلف مادت ه في كتابه, وتنوعها, وذلك من ناحيتين: 1. أنه حوى كثيرا من النقولات النفيسة عن كتب المشارقة, وبعضها من الكتب المفقودة والتي لها عناية بهذا الفن, ككتاب العلل الكبير للعراقي, ومعرفة ما يتفاضل به القراء وشرحه المبحث الثاني : قيمة الكتاب العلمية

عدد الصفحات ٣٠

دراسة الكتاب 29 للمروزي, وغيرها. 2. توسعه في النقل عن أئمة القراءة والعربية والتفسير ك العراقي وأبي علي الفارسي وسيبويه والخليل والفراء والزجاج والنقاش والرماني وأبي عمرو بن العلاء وحفص عن عاصم واليزيدي وحماد بن زيد وعبد الوارث وغيرهم, وبعض أولئك لا تعرف كتبهم حتى الآن, , وسيأتي ذكرهم مفصلا افي مصادر الكتاب إن شاء الله. خامسا: التوسع في مناقشة بعض المسائل التي تحتاج إلى تفصيل وبيان, حتى يكاد الكتاب يضاهي كتاب الحجة لأبي علي الفارسي -أحيانا-؛ بل ربما تجاوزه في بعض المواطن, وسيأتي مثاله في منهجه. سادسا: الربط بين الكلمات و المسائل المتشابهة في القرآن, مع توجيه ما يختص به القارئ من تلك المواضع دون غيرها, أو يخالف فيه مذهبه. وسيأتي مفصلاا عند منهجه. سابعا: الجمع بين التوجيه اللفظي للكلمة, والتوجيه المعنوي, أو الإجمالي للآية مع الربط والتأليف بين معاني عدد من القراءات في الكلمة الواحدة, ومن أمثلة ذلك: أ‌. قوله بعد أن ذكر خلاف القراء في كلمة(أف) [23] :«وهذه الأوجه لغات بمعنى: فلا تقل لهما ما فيه أدنى ت بر م , أي: إذا أ س ن ا فينبغي أن تتولى من خِدمتِهما والإحسانِ إليهما قولاا مثل ما ت و ل يا من خدمتِك والإحسانِ إليك من غيرِ ض ج ر ولا كراهة فيهما؛ لأ ن «أف»كلمة تستعمل فيما ي كر ه وي سْت قْذ ر وي ضج ر منه وهي في الأصلِ مصدر س مِي به الفعل من قول الع ر ب: أ ف ةا وت ف ةا أي: ن تْناا ود فْراا. وقد قيل: الأ ف : و س خ الأظفارِ, وال ت ف : ما ي ؤخ ذ من الأرض من شيء حقير . وقيل : الأف : و س خ الأذنِ, والتف : و س خ الأظفارِ. وقيل : معناه: الاحتقار والاستصغار . وذكر ابن الأ نْباري أن «أف»لا ي ث ن ى ولا يج مع ولا ي ؤنث ولا ي ستعمل له ماض و مستقبل ولا مصدر ؛ لأن ه ج رى عند هم مجرى الأصواتِ الم حْكِي ةِ نحو : غاقِ وص هْ وم هْ.

عدد الصفحات ٣١

دراسة الكتاب 30 ف و جْه ﭽ ف َّ ُ أ ﭼ بفتحِ الفاء: أن ه اسم للفعل ب ني على الفتحِ لالتقاءِ الساكنين طلباا للخِف ةِ في الم ض اعفِ كما قالوا: م د ور د . و و جْه ﭽَّف َّ ُ أﭼ بكسرِ الفاء بلا تنوين: أن ه اسم للفعل أيضاا وب ني على الكسر؛ لأن ه أصل حركةِ التقاء الساكنين كما قالوا: م دِ يا هذا, بالكسر لذلك. و و جْه ﭽَّف َّ ُ أﭼ بالكسر والتنوين: مثل و جْهِ ﭽف َّ ُ أﭼ بالكسرِ بلا تنوين إلا أن التنوين يدل على تنكيره. وقال أبو بك ر بن الأ نْباري: من خ ف ض ون و ن قال خ ف ضْت لأ ن الأداة مبنية على الجزمِ, والمجزوم إذا ح رِك ح رِك إلى الكسر وأ لحِق التنوين بعد الكسرِ تكثيراا للحروفِ, فقيل: صه ومه بالتنوين لقلةِ حروفهما. وقيل طاق وغاق في حكاية صوتِ المِطْر ق ةِ وصوتِ الغرابِ؛ تكثيراا للحرفين أيضاا, إذ الألف حرف خفي قد تأتي صِل ةا للفتحة فتكون غير معتدٍّ بها, ... قال: ودخل التنوين في «أف» مكثِراا لها لم ا جرت الفاء مجرى حرف واحد بالإدغامِ اللازمِ فيها. ق ر أ الـم ف ض ل هنا بالفتحِ, وفي الأ نبياءِ بالكسرِ بلا تنوين, وفي الأحقافِ بالكسرِ والتنوين؛ ليجمع الوجوه الثلاثة في السور الثلاث». ب‌. قوله بعد ما ذكر خلاف القراء في قوله تعالى: (وقرن) [الأحزاب:33] :«والوجهان المعنى واحد , وهو أمر اللهِ نساء الن بِيِ أن يلزمن بيوته ن و ي سْك ن فيها بمعنى: ك ن أهل بيوت وهدوء ؛ ترغيباا منه لهن في صيانةِ أنفسِهن أكثر من صيانةِ غيرِهن لها. فمعنى ﭽ وَق رۡنََّﭼ بكسرِ القافِ على وجهين: أحد هما: أن ه من الو قارِ, ي قال منه: وق ر فلان في مكانِه ي قِر و ق وراا إذا ل زِم ه وه د أ فيه, والأمر منه للمرأة: قِرِي, وللاثنين: قِر ا, وللنِساءِ: قِرْن , بمنزلةِ عِدِي وعِدا وعِدْن , من و ع د ي عِد على ح ذفِ فاءِ الفعلِ بناءا على المستقبلِ؛ لأ نه ا ساقطة من المستقبلِ

عدد الصفحات ٣٢

دراسة الكتاب 31 لوقوعِ الواوِ فيه بين ياء وكس ـرة كراهةا لذلك, ولو قيل على الأصلِ لقيل: ايقِرْن , وفي المستقبل: ي وْقِر ولكن ه لم ي ق ل لما ذكرت ه قبل . والآخر : أن ه من الق رارِ يقال منه: قر في مكانِه يقِر قراراا بكس ـرِ القافِ في المستقبلِ في أكثرِ اللغاتِ, وأصل ه: اقْرِرْن بإظهارِ الر اءين الأولى منهما مكسورة إلا أنها ح ذِف ت لثقلِ الت ضعيفِ و ن قِل ت كسـرته ا إلى القافِ فك سِ ـر ت واست غني بِت ح ر كِ القافِ عن ألفِ الوصلِ فح ذِف ت فبقي قِرْن . ومعنى ﭽ ﭶ ﭼ بفتحِ القافِ أن ه من الق ر ارِ فقط, على لغةِ من يقول : ق ر في مكانِه يق ر بفتحِ القافِ في المستقبل, عن الف ر اءِ والز ج اج وغيرِهما, وأصل ه: اقْ ر رْن بإظهارِ الر اءين الأولى منهما مفتوحة ؛ إلا أنه ا ح ذِف ت استخفافاا ون قِل ت حركت ها إلى القافِ ف ف تِح ت واست غْنِي لذلك عن ألفِ الوصلِ فسقطت, ومثل ه مما ح ذِف منه عين الفعلِ كراهةا للت ضعيفِ مع كثرةِ دورِه قوله: ﭽ ﮥ ﮦ ﭼ [65], وقوله ﭽ ﯵ ﯶ ﯷ ﭼ [97], وأصل ه: ظ للت م وظ لِلْت». ثامنا: التنوع في طرق الاحتجاج عند مؤلف الكتابومن مظاهر ذلك: أ‌. الاحتجاج باللغة والشعر: كما في قوله تعالى: (لا ي لِتْك م) [الطور:14], وفي قوله تعالى:(بِم صرِْخِيِ) [22]. ب‌. الاحتجاج بالمعنى: كما في قوله تعالى: (بما تقولون) [الفرقان: 19] ,وقوله تعا (ت ق ول ) [الجن:5]. ت‌. الاحتجاج بالرسم: كما في قوله تعالى: (تسئلني) [الكهف:70], وقوله تعالى:(و يخاف عقباها)[15]. ث‌. الاحتجاج بالرواية ومتابعة الشيوخ: كما في قوله تعالى: (والصافات صفا)[1]. ج‌. الاحتجاج بكونه الأصل: كما في قوله تعالى: (ر ب ما) [الحجر:2], وقوله تعالى:(ش غ ل [يس: 55].

عدد الصفحات ٣٣