97 لقد كانت سياسته صلى الله عليه وسلم مع خصومه مرنة إلى أبعد الحدود وبهذه السياسة الحكيمة استطاع صلى الله عليه وسلم أن يكسب هوازن وحلفاءها إلى صف الإسلام، واتخذ من هذه القبيلة القوية رأس حربة يضرب بها قوى الوثنية في المنطقة ويقودها زعيمهم مالك بن عوف الذي قاتل ثقيف في الطائف حتى ضيق عليهم، وقد فكر زعماء ثقيف في الخلاص من المأزق بعد أن أحاط الإسلام بالطائف من كل مكان، فلا تستطيع تحركاً ولا تجارة، فمال بعض زعماء ثقيف إلى الإسلام مثل عروة بن مسعود الثقفي الذي سارع إلى اللحاق برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في طريقه إلى المدينة بعد أن قسم غنائم حنين، واعتمر من الجعرانة، فالتقى به قبل أن يصل إلى المدينة، وأعلن إسلامه، وعاد إلى الطائف وكان من زعماء ثقيف محبوباً عندهم، فدعاهم إلى الإسلام وأذّن في أعلى منزله، فرماه بعضهم بسهام، فأصابوا فطلب من قومه أن يدفنوه مع شهداء المسلمين في حصار الطائف1. إن الإنسان ليعجب من فقه النبي صلى الله عليه وسلم في معاملة النفوس، وفي سعيه الحثيث لتمكين دين الله تعالى، لقد استطاع أن يزيل معالم الوثنية، وبيوتات العبادة الكفرية في مكة، وما حولها، ورتب صلى الله عليه وسلم الأمور التنظيمية للأراضي التي أضيفت للدولة الإسلامية، فعين عتاب بن أسيد أميراً على مكة، وجعل معاذ بن جبل مرشداً، وموجهاً ومعلماً ةمربياً 2، وعين على هوازن مالك بن عوف قائداً 3، ومجاهداً ، ثم اعتمر، ورجع إلى المدينة صلى الله عليه وسلم. 2 ـ إسلًم كعب بنزهير ـ الشاعر ـ: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف، جاءه كعب بن زهير ـ الشاعر ابن الشاعر ـ وكان قد هجا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ضاقت به الأرض، وضاقت عليه نفسه، وحثه أخوه "بُجَي رة" على أن يأتي 1 السيرة النبوية لابن هشام4 /192.) 2 المصدر نفسه4 /153.) 3 السيرة النبوية2 /443.)
عدد الصفحات ٩٧98 رسول الله صلى الله عليه وسلم تائباً مسلماً ، وحذَّره من سوء العاقبة، إن لم يفعل ذلك، فقال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتي اشتهرت بقصيدة "بانت سعاد" فقدم المدينة، وغدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث صلَّى الصبح، ثم جلس إليه ووضع يده في يده، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعرفه، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن كعب بن زهير جاء يستأمنك تائباً مسلماً، فهل أنت قابل منه؟ فوثب عليه رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله دعني وعدو الله أضرب عنقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعه عنك، فقد جاء تائباً ...، وأنشد كعب قصيدته اللآَّمية التي قال فيها: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول متيمٌ إثرها لم يف د مكبول1 وما سعاد غداة الطرف إذ رحلوا إلا أغنُّ قرير العين مكحول2 ومنها إن الرسول لنور يستضاء به مهند من سيوف الله مسلول في عصبة من قريش قال قائلهم ببطن مكة لما أسلموا زُولُوا شُمُّ العرانين أبطال لبُوسُهُم من نسج داود في الهيجا سرابيل 1 مكبول: مقيد 2 السيرة النبوية، لأبي شهبة2 /487.)
عدد الصفحات ٩٨99 ويقال: إنه لما أنشد رسول الله قصيدته، أعطاه بردته، وهي التي صارت إلى الخلفاء1. قال ابن كثير: هذا من الأمور المشهورة جداً 2 ويقال: إن الرسولصلى الله عليه وسلم قال له بعد ذلك: لولا ذكرت الأنصار بخير، فإن الأنصار لذلك أهل3، فقال من سرّه كرم الحياة فلا يزال في مقنب من صالحي الأنصار4 ورثوا المكارم كابراً عن كابر إن الخيار هم بنو الأخيار المكرهين السّمهريَّ بأذرُع كسولف الهندي غير قصار والناظرين بأعين محمرة كالجمر غير كليلة الأبصار والبائعين نفوسهم لنبيهم للموت يوم تعانق وكرار والقائدين الناس عن أديانهم بالمشرفي وبالقنا الخطَّار 5 1 المصدر نفسه 2 .البداية والنهاية4 /373). 3 المصدر نفسه. 4 مقنب: جماعة 5 المشرفي: السيف والقنا: الرماح: الخطار: المهتز
عدد الصفحات ٩٩100 يتطهرون يرونه نسكاً لهم بدماءِ من خلقوا من الكفار إلى أن قال: لو يعلم الأقوام علمي كله فيهم لصدَّقني الذين أُمَاري 1 قوم إذا خوت النجوم فإنهم للطارقين2 النازلين مقاري3 وبإسلام كعب بن زهير تستطيع القول بأن الشعراء المعارضين للدَّعوة الإسلامية قد انتهى دورهم، فقد أسلم ضرار بن الخطاب، وعبد الله بن الزَّبعري، وأبو سفيان بن الحارث، والحارث ب ن هشام، والعباس بن مرداس، وتحوَّلوا إلى الصَّفِّ الإسلامي واستظلوا بلوائه عن قناعة، وإيمان، ولم يكتف بعضهم بأن تكون كلمته في الدفاع عن الإسلام، بل كل سيفه إلى جانب كلمته، وهذا من بركات فتح مكة4. 1 أماري: أجادل 2 خوت: سقطت، الطارقون: الذين يأتون الليل 3 السيرة النبوية لابن هشام4 /167 ،168.) 4 من معين السيرة للشامي صـ431،432 ،433.
عدد الصفحات ١٠٠101 التاسع عشر: عفو الصديق رضي الله عنه 1 ـ حديث الإفك حاك المنافقون في أعقاب غزوة بني المصطلق حادثة الإفك بعد فشل كيدهم في المحاولة الأولى لإثارة النعرة الجاهلية، فقد ألمت بالبيت النبوي هذه النازلة الشديدة، والمحنة العظيمة التي كان القصد منها النيل من النبي صلى الله عليه وسلم ومن أهل بيته الأطهار، وكانت حلقة من سلسلة فنون الإيذاء والمحن التي لقيها رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعداء الدين، وكان من لطف الله تعالى بنبيِّه وبالمؤمنين أن كشف الله زيفها، وبطلانها، وقد سجل التاريخ بروايات صحيحة موقف المؤمنين من هذه الفرية، لا سيما موقف أبي أيوب، وأم أيوب، وهي مواقف يتأسى بها المؤمنون عندما تعرض لهم في حياتهم مثل هذه الفرية، فقد انقطع الوحي، وبقيت الدروس لتكون عبرة، وعظة للأجيال إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها1. وتحدثنا عائشة رضي الله عنها عن براءتها ونزول الوحي في ذلك وقد لبث الوحي شهراً لا يوحي إليه في شأني بشيء، قال : فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث جُلس، ثم قال: أما بعد: يا عائشة، فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا 2، فإن كنت بريئة فسيبرِّئك الله، وإن كنت ألممت بذنب، فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه، فلما قضي رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته، قلص3 دمعي حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب رسول الله عني فيما قال: قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت لأمي: أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيراً من القرآن: إني والله لقد علمت، لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم، وصدقتم به، فلئن قلت 1 السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصليَّة صـ 440. 2 كناية عما رميت به من الإفك. 3 قلص دمعي: ارتفع وذهب
عدد الصفحات ١٠١102 لكم، إني بريئة، والله يعلم أني بريئة، لا تصدِّقوني بذلك ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أنِّي منه بريئة لتصدقُني، والله ما أجد لي ولكم مثلاً إلا قول أبي يوسف1. قال فَصَب رٌ جَمِيلٌ وَاللهُّ ال مُس تَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ " (يوسف، آية : 18.) قالت: ثم تحولت، فاضطجعت على فراشي، قالت: وأنا حينئذ أعلم أنِّي بريئة، وأن الله مبرِّني ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحياً يتلى ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيَّ بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا ببرِّئني الله بها. قالت: فوالله ما رام2 رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البُرَحاءِ 3 حتى أنه ليتحدر منه العرق مثل الجمان4، وهو يوم شات من ثقل القول الذي ينزل عليه. قالت فلما سُرِّي 5، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك، فكانت أوَّل كلمة تكلَّم بها: يا عائشة أما الله عز وجل ـ فقد برَّأك ـ فقالت أمي قوم ي إليه، قالت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله عز وجل، وأنزل الله: " إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالإ ِف كِ عُص بَةٌ مِّنكُم لاَ تَح سَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَل هُوَ خَي رٌ لَّكُم لِكُلِّ ام رِئٍ مِّن هُم مَّا اك تَسَبَ مِنَ الإ ِث مِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِب رَهُ مِن هُم لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ * لَو لاَ إِذ سَمِع تُمُوهُ ظَنَّ ال مُؤ مِنُونَ وَال مُؤ مِنَاتُ بِأَنفُسِهِم خَي رًا وَقَالُوا هَذَا إِف كٌ مُّبِينٌ * لَو لاَ جَاؤُوا عَلَي هِ بِأَر بَعَةِ شُهَدَاء فَإِذ لَم يَأ تُوا بِالشُّهَدَاء فَأُو لَئِكَ عِندَ اللهَِّ هُمُ ال كَاذِبُونَ * وَلَو لاَ فَض لُ اللهَِّ عَلَي كُم وَرَح مَتُهُ فِي الدُّن يَا وَالآ خِرَةِ لَمَسَّكُم فِي مَا أَفَض تُم فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِذ تَلَقَّو نَهُ بِأَل سِنَتِكُم وَتَقُولُونَ بِأَف وَاهِكُم مَّا لَي سَ لَكُم بِهِ عِل مٌ وَتَح سَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللهَِّ عَظِيمٌ * وَلَو لاَ إِذ سَمِع تُمُوهُ قُل تُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُب حَانَكَ هَذَا بُه تَانٌ عَظِيمٌ * يَعِظُكُمُ اللهَُّ أَن تَعُودُوا لِمِث لِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤ مِنِينَ * وَيُبَيِّنُ اللهَُّ لَكُمُ الآ يَاتِ 1 هو يعقوب عليه السلام 2 ما رام: ما برح وما فارق مجلسه 3 البرحاء: شدة الكرب من شدة الوحي 4 الجمان: حبات اللؤلؤ الصغير 5 سري: انكشف عنه ما يجده من الهم والثقل
عدد الصفحات ١٠٢103 وَاللهَُّ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ال فَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّن يَا وَالآ خِرَةِ وَاللهَُّ يَع لَمُ وَأَنتُم لاَ تَع لَمُونَ * وَلَو لاَ فَض لُ اللهَِّ عَلَي كُم وَرَح مَتُهُ وَأَنَّ اللهَّ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ " (النور، آية : 11 ـ20.) فلما أنزل الله هذا في براءتي، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقر ابته منه وفقره ـ وكان ممن وقع في الحديث ولم يتثبت وخاض فيه ـ والله لا أنفق على مسطح شيئاً أبداً بعد الذي قال لعائشة ما قال، فأنزل الله: "وَلاَ يَأ تَلِ أُو لُوا ال فَض لِ مِنكُم وَالسَّعَةِ أَن يُؤ تُوا أُو لِي ال قُر بَى وَال مَسَاكِينَ وَال مُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهَِّ وَل يَع فُوا وَل يَص فَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغ فِرَ اللهَُّ لَكُم وَاللهَُّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يَر مُونَ ال مُح صَنَاتِ ال غَافِلاَتِ ال مُؤ مِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّن يَا وَالآ خِرَةِ وَلَهُم عَذَابٌ عَظِيمٌ " (النور ، آية : 22 ـ23.) قال أبو بكر: بلى والله! إنِّي أحبُّ أن يغفر الله لي، فأرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، قال: والله لا أنزعها منه أبداً 1. 2 ـ العفو في حروب الردة كان لأبي بكر بعد نظر، وبصيرة نافذة، ونظرة بعواقب الأمور، ولذلك كان يستعمل الحزم في محله، والعفو عندما تقتضي إليه الحاجة، فقد كان حريصاً على جمع شتات القبائل تحت راية الإسلام، فكان من سياسته الحكيمة عفوه عن زعماء القبائل المعاندة بعد رجوعهم إلى الحق، فإنه لما استخضع قبائل اليمن المرتدة وأراهم سطوة دولة المسلمين وقوة شكيمتهم ومضاء عزيمتهم، واعترفت القبائل بما أنكرت واستكانت لحكم الإسلام وأطاعوا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى أبو بكر أنه من تأليف القلوب ترك استعمال القوة مع زعماء هذه القبائل، بل اللين هنا والرفق أوفق، فرفع العقوبة عنهم وألان القول لهم، ووظف نفوذهم في قبائلهم لصالح الإسلام والمسلمين2. 1 البخاري رقم4141، مسلم رقم2770. 2 تاريخ الدعوة إلى الإسلام صـ256 يسري محمد
عدد الصفحات ١٠٣104 فعفا عن زلتهم وأحسن إليهم، فقد فعل ذلك مع قيس بن يغوث المرادي وعمرو بن معد يكرب، فقد كانوا من صناديد العرب وأفرسهم وأكثرهم شجاعة، فعزّ على أبي بكر أن يخ سرهما وحرص على أن يستخلصهما للإسلام ويستفذهما من التردد بين الإسلام والردة، فقد قال أبو بكر لعمرو: أما تخزي أنك كل يوم مهزوم أو مأسور لو نصرت هذا الدين لرفعك الله، فقال عمرو: لا جرم لأفعلن، ولن أعود فأطلقه الصديق، ولم يرتد عمرو بعده قط، بل أسلم وحسن إسلامه، ونصره الله وأصبح له بلاء عظيم في الفتوحات. وندم قيس على ما فعل، فعفا عنه الصديق، وكان للعفو عن هذين البطلين من أبطال عرب اليمن آثاره العميقة والعريضة، فقد تألف به الصديق قلوب أقوام قد عادوا إلى الإسلام بعد الردة خوفاً أو طمعاً، وعفا عن الاشعث بن قيس 1، وبذلك أسر الصديق قلوبهم، وامتلك أفئدتهم، فكانوا في مستقبل الأيام نصراً للإسلام وقوة المسلمين، وأصبحت لهم يد عظيمة في هذا المجال2 أ ـ الأشعث بن قيس الكندي كان ممن قاتل المسلمين مع المرتدين في اليمن ولما تم القضاء على ردة كندة وعاد عكرمة بن أبي جهل ومعه السبايا والأخماس، وبرفقتهم الأشعث بن قيس، الذي صار مبغضاً إلى قومه، ولاسيما نساؤهم، لأنهم عدوه سبب ذلتهم ولأنه عندما صالح المسلمين كان أول ما بدأ به اسمه، فكانت نساء قومه يسمينه: عُرف النار، ومعناه بلغتهم الغادر 3، ولما قدم الأشعث على أبي بكر، قال: ماذا تراني أصنع بك، فإنك قد فعلت ما علمت؟ قال: تمنُّ علي فتفكني من الحديد وتزوجني أختك، فإني قد راجعت وأسلمت، فقال أبو بكر: قد فعلت فزوجه أم فروة أبنة أبي قحافة، فكان في المدينة حتى فتح العراق4. وفي رواية جاء فيها: فلما خشى أن يقع به قال: أو تحتسب في خير فتطلق إساري وتقيلني عثرتي وتقبل إسلامي، وتفعل بي مثل ما فعلته بأمثالي وترد 1 الصديق أول الخلفاء للشرقاوي صـ115 ،116. 2 تاريخ الدعوة إلى الإسلام صـ256. 3 حركة الردة للعتوم صـ107. 4 تاريخ الطبري4 /155.)
عدد الصفحات ١٠٤105 على زوجتي وقد كان خطب أم فروة بنت أبي قحافة مقدمه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجه وأخرها إلى أن يقدم الثانية فمات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفعل الاشعث ما فعل، فخشيى ألا ترد عليه، قال تجدني خير أهل بلادي لدين الله تعالى، فتجافى له عن عدمه، وقبل منه ورد عليه أهله، وقال: انطلق فليبلغني عنك خير وخلى عن القوم فذهبوا، وقسم أبو بكر في الناس الخمس1. ب ـ وفد بني أسد وغطفان إلى الصديق وحكمه عليهم: لما قدم وفد بزاخة ـ أسد وغطفان ـ على أبي بكر يسأله الصلح، خيّرهم أبو بكر بين حرب مُجلية أو خطة مخزية، فقالوا: يا خليفة رسول الله أما الحرب المجلية فقد عرفناها، فما الخطة المخزية؟ تؤخذ منكم الحلقة أي السلاح ـ والكُراع وتتركون أقوام اً تتبعون أذناب الإبل حتى يُرى الله خليفة نبيه والمؤمنين أمراً يعذرونكم به، وتؤدون ما أصبتم منا، ولا نؤدي ما أصابنا منكم، وتشهدون أن قتلانا في الجنة، وأن قتلاكم في النار، وتدون قتلانا ولا ندي قتلاكم، فقال عمر: أما قولك تدون قتلانا، فإن قتلانا قتلوا على أمر الله لا ديات لهم، فامتنع عمر وقال عمر في الثاني: نعم ما رأيت وأخذ الصديق برأي الفاروق رضي الله عنه وخضعت بنو أسد وغطفان لشروط أبي بكر2. ج ـ عيينة بن حصن وطليحة الأسدي بعد أن تم القضاء على قوة طليحة الأسدي ببزاخة، عاد فريق كبير من العرب إلى حظيرة الإسلام، فقد أقبلت بنو عامر بعد هزيمة بزاخة يقولون: ندخل فيما خرجنا منه فبايعهم خالد على ما بايع عليه أهل بزاخة من أسد وغطفان وطيء قبلهم وأعطوه بأيديهم على الإسلام ولم يقبل أحداً من أسد ولا غطفان ولا هوازن ولا سليم ولا طيء إلا أن يأتوه بالذين حرقوه ومثلوا وعدوا على أهل الإسلام في حال ردتهم فأتوه بهم.. فمثل خالد بن الوليد بالذين عدوا على الإسلام، فأحرقهم بالنيران، ورضخهم بالحجارة ورمى بهم من الجبال، 1 نفس المصدر السابق 2 أبو بكر الصديق للصلابي صـ210.
عدد الصفحات ١٠٥106 ونكسهم في الآبار، وخزقهم بالنبال، وبعث بقرّة بن هبيرة بالأسارى، وكتب إلى أبي بكر: إن بني عامر أقبلت بعد إعراض، ودخلت في الإسلام بعد تربص، وإني لم أقبل من أحد قاتلني أو سالمني شيئاً حتى يجيئوني بمن عدا على المسلمين فقتلتهم كل قتلة وبعثت إليك بقرّة وأصحابه 1، وكان عيينة بن حصن من بين الأسرى فأمر خالد بشد وثاقه تنكيلاً به وبعثه إلى المدينة ويداه إلى عنقه، إزراء عليه وإرهاباً لسواه فلما دخل المدينة على هيئته تلقا ه صبيان المدينة مستهزئين وأخذوا يلكزونه بأيديهم الصغيرة قائلين: أي عدو الله، ارتددت عن الإسلام فيقول: والله ما كنت آمنت قط، وجيء به إلى خليفة رسول الله، ولقي من الخليفة سماحة لم يصدقها وأمر بفك يديه، ثم استتابه، فأعلن عيينة توبة نصوحاً واعتذر عما كان منه وأسلم وحسن إسلامه 2. ومضى طليحة حتى نزل كلبا3، على النقع، فأسلم ولم يزل مقيماً في كلب حتى مات أبو بكر، وكان إسلامه هناك حين بلغه أن أسداً، وغطفان، وعامراً قد أسلموا ثم خرج نحو مكة معتمراً في إمارة أبي بكر، ومرّ بجنبات المدينة، فقيل لأبي بكر: هذا طليحة، فقال: ما أصنع به خلوا عنه، فقد هداه الله للإسلام4، وقد جاء عند ابن كثير: وأما طليحة فإنه راجع الإسلام بعد ذلك أيضاً وذهب مكة معتمراً أيام الصديق واستحى أن يواجهه مدة حياته وقد منع الصديق المرتدين من المشاركة في فتوحاته بالعراق والشام، ويحتمل أن يكون ذلك من باب الاحتياط لأمر الأمة، لأن من كان له سوابق في الضلال والكيد للمسلمين لا يؤمن أن يكون رجوعه من باب الاستسلام لقوة المسلمين، فأبو بكر رضي الله عنه، من الأئمة الذين يرسمون للناس خط سيرهم ويتأسى بهم الناس بأقوالهم وأفعالهم فهو لذلك يأخذ بمبدأ الاحتياط لما فيه صالح الأمة، وإن كان في ذلك وضع من شأن بعض الأفراد5، وهذا درس عظيم تتعلمه 1 تاريخ الطبري4 /82.) 2 الصديق أول الخلفاء صـ87. 3 أي نزل في قبيلة كلب 4 التاريخ الإسلامي9 /59.) 5 المصدر نفسه9 /67.)
عدد الصفحات ١٠٦107 الأمة في عدم وضع الثقة بمن كانت لهم سوابق في الإ لحاد ثم ظهر م نهم العودة إلى الالتزام بالدين1. إن وضع الثقة الكاملة بهؤلاء وإسناد الأعمال القيادية لهم قد جرّ على الأمة أحياناً ويلات كثيرة وأوصلها إلى مآزق خطيرة، على أن أخذ الحذر من مثل هؤلاء لا يعني اتهامهم في دينهم ولا نزع الثقة منهم بالكلية، وهذا معلم من سياسة الصديق في التعامل مع أمثال هؤلاء2. رجع طليحة الاسدي إلى دار قومه، فأقام بها حتى خرج إلى العراق3، وقد كان إسلامه صحيحاً ولم يغمض عليه فيه 4. إن أبا بكر الصديق رضي الله عنه لم يستعن في حروب الردة ولا في حركة الفتوحات بمرتد، فقد كتب إلى عماله ألا يستعينوا بمرتد في جهاد العدو، ويؤكد على خالد بن الوليد وعياض بن غنم ألا يغزو معهم أحد قد ارتد حتى يرى رأيهم فيهم، فلم تشهد أيامه مرتداً 5، ويقول الشعبي: كان أبو بكر رضي الله عنه لا يستعين في حروبه بأحد من الردة حتى مات6. ولذلك كان بعض من ارتد وحسن إسلامهم بعد ذلك يستحيون من مواجهة أبي بكر فطليحة بن خويلد مثلاً يذهب إلى مكة معتمراً، وما استطاع مقابلة أبي بكر حتى مات، وأما عمر رضي الله عنه فقد استنفرهم بعد أن تابوا وصلح حالهم وأخذوا قسطاً من التربية الإسلامية إلا أنه لم يول منهم أحداً 7، وقد جاء في رواية أنه قال لسعد بن أبي وقاص في شأن طليحة بن خويلد الأسدي وعمرو بن معدي كرب الزبيدي: استعن بهما ولا تولينهما على مائة 8، 1 أبو بكر الصديق للصلابي صـ215. 2 المصدر نفسه 3 التاريخ الإسلامي9 /59.) 4 يطعن فيه 5 عبد الله بن سبأ وأثره في احداث الفتنة سليمان العودة صـ55. 6 البدايو والنهاية6 /347.) 7 التاريخ الإسلامي10 /375.) 8 المصدر نفسه
عدد الصفحات ١٠٧108 فنستفيد من سنة الخليفتين الراشدين أبي بكر وعمر اللذين قال عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر1. نستفيد من سنتهما أن أبواب التوبة والرجوع مفتوحة لمن أراد، ويكون معصوم الدم والمال، وله ما للمسلمين وعليه ما عليهم غير أنه لا يُولى شيئاً من أمور المسلمين المهمة خاصة الاعمال القيادية، وذلك لاحتمال أن تكون توبته نفاقاً، وإذا كانت كذلك، وتولى قيادة المسلمين، فإنه يفسد في الارض ويقلب موازين الحياة فيقرب أمثاله من المفسدين ويبعد المصلحين الصادقين، ويحوّل المجتمع الإسلامي إلى مجتمع تسوده مظاهر الفساد، فكانت هذه السنة الراشدة من الخليفتين الراشدين لحماية المجتمع من تسلل المفسدين إلى قيادته وتوجيهه ولعل حكم هذه السنة أيضاً ملاحظة عقوبة المفسدين بنقيض قصدهم، الذين يفسدون من أجل الحصول على الزعامات والقيادات، إذا أظهروا التوبة، وعادوا إلى الحق والعدل، يحرمون من هذه القيادات عقوبة لهم، ورد عاً لكل من تسوّل له نفسه أن يخرج عن الصواب ويبحث عن الزعامة لو بمعاداة الخير والهدى والرشاد وتعطي لهم فرصة للرجوع والإندماج. العشرون: صلح الحسن بن علي مع معاوية رضي الله عنهما: إن المصالحة خطوة مهمة في بناء الوطن ولن تتم بلا حوار ونقاش بين كل فئات الوطن وشرائح نسيجه، حوار لا يكون فيه غالب ولا مغلوب، بل يتسم بالكثير من المساواة والعدل، أملاً في الوصول دولة القانون، ودولة الحرية ودولة التنمية، ودولة المواطن ودولة الدستور ودولة الكرامة. إن ما قام به الحسن بن علي بن أبي طالب يعد سابقة تاريخية مهمة في وقائع الممارسة السياسية، وهو إلى جانب العفو العام بعد فتح مكة يعدان حالتين تاريخيتين فريدتين ينبغي الوقوف عندهما ملياً واستخراج قيم العدالة 1 سنن الترمذي المناقب باب52 رقم3742.
عدد الصفحات ١٠٨109 والمصالحة والعفو في مفهومنا نحن المسلمين ولا توجد الكثير من الحوادث في التاريخ الإنساني تروي لنا تنازل القادر على الحكم واستبداله بحياة بسيطة وكان الحسن يطلب معنى عميقاً هو حماية نفسه من سؤال الله تعالى له عن دماء تراق بسببه، كما إن الحسن ترفع عن مبررات حاول الكثير من اتباعه أن يذكرونه بها تتمثل في أن معاوية هو من قاتل والده علي رضي الله عنه، ولكن الحسن كان عزمه لا يلين على أن المصالحة بين فئات الأمة ومجموعاتها هي الأولى وفيها المصلحة الراجحة وبالتالي تقدم على ما سواها من مشاعر ومعاني خاصة وشخصية. لم تنقص الحسن رضي الله عنه الشرعية، فقد بويع الحسن بيعة عامة وبايعه الأمراء الذين كانوا مع والده وكل الناس الذين بايعوا لأمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وباشر سلطته كخليفة، فرتب اعمال وأمرّ الأمراء وجند الجنود وفرق العطايا، وزاد المقاتلة في العطاء مائة فاكتسب بذلك رضاءهم1، وكان في وسعه أن يخوض حرباً لا هوادة فيها ضد معاوية وكانت شخصيته الفذة من الناحية السياسية والعسكرية، والأخلاقية والدينية تساعد على ذلك مع وجود عوامل كوجود قيس ين سعد بن عبادة، وحاتم بن عدي الطائي وغيرهم من قادة المسلمين الذين لهم من القدرات القيادية الشيء الكثير، إلا أن الحسن بن علي مال إلى السلم والصلح لحقن الدماء، وتوحيد الأمة، ورغبة فيما عند الله وزهده في الملك، وغير ذلك من الاسباب التي سيأتي بيانها وتفصيلها وقد تنازل الحسن بن علي من موقف قوة، وهناك دلائل تشير إلى ذلك منها: 1ـ الشرعية التي كان يملكها لقد اختير الحسن بن علي بعد والده اختياراً شورياً وأصبح الخليفة الشرعي على ا لحجاز واليمن والعراق وكل الأماكن التي كانت خاضعة لوالده، وقد استمر في خلافته ستة أشهر، وتلك المدة تدخل ضمن الخلافة الراشدة التي أخبر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن مدتها ثلاثون سنة ثم تكون 1 تاريخ العراق في ظل الحكم الأموي صـ67 علي حسن الخربوطلي
عدد الصفحات ١٠٩110 ملكاً، فقد روى الترمذي بإسناده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك1. وقد علق ابن كثير على هذا الحديث فقال: إنما كملت الثلاثون بخلافة الحسن بن علي، فإنه نزل عن الخلافة لمعاوية في ربيع الأول سنة إحدى وأربعين، وذلك كمال ثلاثين سنة من موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه توفى في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، وهذا من دلائل نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وبذلك يكون الحسن بن علي خامس الخلفاء الراشدين2. وقد تحدث عن شرعية الحسن بن علي بالخلافة كثير من علماء أهل السنة منهم: أبو بكر العربي3، والقاضي عياض، وابن كثير4، وشارح الطحاوية5، والمناوي6، وابن حجر الهيثمي7، ولو أراد الحسن أن يتعب معاوية بحكم أن الشرعية معه لأمكن ذلك، ولقام بترتيب حملة إعلامية منظمة في أوساط أهل الشام لكسب ثقتهم أو على الأقل زعزعة موقف معاوية بينهم، فقد كان يملك قوة معنوية ونفوذاً روحياً لا يستها ن به بحكم الشرعية التي يستند إليها، ولكونه حفيد الرسول صلى الله عليه وسلم8. 2ـ تقييم الحسن بن علي للموقف وقدراته القيادية فعندما قال له نفير الحضرمي: إن الناس يزعمون أنك تريد الخلافة، فقال: كانت جماجم العرب بيدي يسالمون من سالمت، ويحاربون من حاربت فتركتها ابتغاء وجه الله9، فهذه شهادة الحسن رضي الله عنه، فإنه كان في وضع قوي، وبأن أتباعه على استعداد لمحاربة من يريد أو مسالمتهم، كما 1 سنن الترمذي مع شرحة تحفة الأحوذي (6 /397 ـ395.) 2 مرويات خلافة معاوية، خالد الغيث صـ155. 3 شرح النووي على صحيح مسلم12 /201.) 4 البداية والنهاية11 /134.) 5 شرح الطحاوية صـ545. 6 فيض القدير2 /409.) 7 الصواعق المحرقة11 /206.) 8 الدولة الأموية للصلابي (1 /183.) 9 البداية والنهاية11 /206.)
عدد الصفحات ١١٠111 كان رضي الله عنه يملك من الملكات الخطابية والفصاحة البيانية، وصدق العاطفة وقوة التأثير والقرب من رسول الله ما يجعله أكثر قوة وتماسكاً.
عدد الصفحات ١١١112 3ـ وجود بعض القيادات الكبيرة في صفة كان معسكر الحسن بن علي فيه من القيادات الكبيرة، كأخيه الحسين رضي الله عنه، وعبد الله بن جعفر، وقيس بن سعد بن عبادة، وهو من دهاة العرب، وعدي بن حاتم وغيرهم فلو أراد الخلافة لأعطى المجال لقيادته للتحرك نحو تعبئة الناس والدخول في الحرب مع معاوية، وعلى الأقل يكون خليفة على دولته إلى حين1. 4ـ معرفته لنفسية أهل العراق: كانت له قدرات خاصة في التعامل مع أهل العراق، ومعرفة نفوسهم، ولذلك زاد لهم في العطاء منذ بداية خلافته، كما أن مهمته التي قادها في نجاح مشروعه الإصلاحي كانت أصعب من حربه لمعاوية، ومع ذلك تغلب على الكثير من العوائق التي واجهته، ومع ذلك تغلب على الكثير من العوائق التي واجهته، فقد حاولوا قتله، ورفض بعض الناس الصلح، وغير ذلك من العوائق إلا أنه تغلب عليها كلها وحقق الأهداف التي رسمها من حقن الدماء، ووحدة الأمة، وأمن السبيل، وعودة حركة الفتوح.. الخ مما يدل على قدراته القيادية الفذة2. 5ـ تقييمعمرو بن العاص ومعاوية لقوات الحسن رضي الله عنه: فقد جاء في البخاري: استقبل والله الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص: إني أرى كتائب لا تولى حتى تقتل أقرانها، فقال معاوية: أي عمرو، إن قتل هؤلاء من لي بأمور الناس؟ من لي بنسائهم؟ من لي بضيعتهم؟ فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس عبد الرحمن بن سمرة، وعبد الله بن عامر بن كرير، فقال: اذهبا إلى هذا الرجل فأعرضا عليه وقولا له واطلبا إليه3. 1 الدولة الأموية للصلابي1 /184.) 2 المصدر نفسه1 /185.) 3 البخاري، ك الصلح رقم2704.
عدد الصفحات ١١٢