65 اخوته فألقوه في غيابة الجب وأخرجته السيارة فباعوه بيع العبيد، وكادت له امرأة العزيز فزج في ضيق السجن، وصبر على أذى الاخوة، وكيد امرأة العزيز ومكر النسوة، على ما في الفاحشة من المفاسد، وما في العدول عنها من المصالح، فآثر الأعلى عن الأدنى، واختار عقوبة الد نيا بالسجن على ارتكاب الحرام، فكانت العاقبة أن نجاه الله تعالى منهم، ورفعه فوق اخوته وأذل له العزيز وامرأته، وأقرت المرأة والنسوة ببراءته، ومكن له تعالى في الأرض وجعل له العاقبة والنصر والملك والحكم، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين1. قال تعالى: " وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اس تُض عِفُوا فِي الأ َر ضِ وَنَج عَلَهُم أَئِمَّةً وَنَج عَلَهُمُ ال وَارِثِينَ " (القصص ، آية : 5.) وقال تعالىوَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَر ضِ يَتَبَوَّأُ مِن هَا حَي ثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَح مَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَج رَ ال مُح سِنِينَ 56} وَلأََج رُ الآخِرَةِ خَي رٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ " (يوسف ، آية : 56 ـ57.) 5 ـ عفو وصفح ودعاء بالمغفرة قال تعالى: " لاَ تَث رَيبَ عَلَي كُمُ ال يَو مَ يَغ فِرُ اللهُّ لَكُم وَهُوَ أَر حَمُ الرَّاحِمِينَ " (يوسف ، آية : 92.) ولما احترفوا بتفضيل الله عليهم وأقروا بخطئهم وقدم لهم المعذرة، أجابهم ـ عليه السلام ـ بالصفح، وقال: " لاَ تَث رَيبَ عَلَي كُمُ ال يَو مَ " أنه ـ عليه السلام ـ مع قدرته وتمكنه مع ما سلف من اساءتهم، لم يقل لهم إلا قول الكرام، اقتداء باخوانه من الأنبياء والرسل "لاَ تَث رَيبَ " أي: لا لوم ولا تعنيف ولا هلاك، "عَ لَي كُمُ ال يَو مَ " وإن كان هذا الوقت مظنة للوم والتأنيب، فإذا انتفى ذلك فما الظن بما بعده2. 1 سورة يوسف، أحمد نوفل صـ135. 2 ................................
عدد الصفحات ٦٥66 إن احساس الاخوة العميق بعظم الذنب، جعلهم يقفون عند حد الاعتراف، ولا يتعدونه إلى طلب العفو، وربما كانوا مهيئين هذا الطلب لعرضه في اللحظة المناسبة أثناء الحديث الذي اعتقدوا أنه سيطول مع أخيهم، ولكن يوسف عليه السلام وفر عليهم مشقة هذا الطلب، ولم يحوجهم للخوض في المسألة التي لا تخص سواه لأكثر من الاعتراف الذي أدلوا به بمحض إرادتهم، إنه ـ عليه السلام ـ يتنازل عن كل حق له ويأبى خلقه الكريم في ذلك اليوم الذي قدر فيه فعفا، حتى عن مجرد توجيه اللوم إلى الذين ألقوه في غيابة الجب، إن اليوم في نظره ـ عليه السلام ـ أولى أن تبدأ به صفحة جديدة، من الصفا والمودة، وبمجرد توجيه اللوم، وعودة إلى الماضي البعيد، وهذا يتعارض مع الصفحة البيضاء النقية التي يريد أن يبدأ بها هذا اليوم. لقد مرت تلك الأيام المتعبة بخيرها وشرها، فيجب أن نسدل الستار على حلوها ومرها، ولم يبق إلا أن نطرد أشباحها المروعة عن مسرح الخيال ونتحاشى المطالعة في ذلك التاريخ المظلم، لكأنه ـ عليه السلام ـ يقول لهم ما قاله الشاعر: يا من عدى ثم اعتدى ثم اغترف ثم انتهى ثم أرعوى ثم اعترف أبشر بقول الله في آياته إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف فحيث حملوا شهادة التوبة بأيديهم وأقروا بخطئهم وذنبهم وشفيع المذنب إقراره، فلا تثريب عليهم اليوم، الإنسان يصيب ويخطئ، ويسرع ويبطئ، فتقبل يوسف ـ عليه السلام ـ الاعتذار، وآثر العفو عن اخوته، والعدول عن الانتقام إلى العفو والغفران عن فضيلة عالية، وهو خلق الأنبياء ـ عليهم السلام ـ جميعاً وخلق المؤمنين 1. 1 موسوعة تفسير سورة يوسف صـ1427.
عدد الصفحات ٦٦67 إن يوسف عليه السلام، قد طوى سريعاً هذه الصفحة السوداء مما كان بينه وبين اخوته، ويغطي على آثارها بالصفح الجميل. إنه لا بد أن نعرف أن العفو مقصور على الذين يستحقونه، فانه بالنسبة لمن عفا أبلغ وأنفع من أية وسيلة أخرى، وإن هناك نفوساً أخرى لا يجدى معها إلا استئصال الشأفة1. ونكتفي في هذه ال مناسبة بذكر حادثة واحدة في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم بعد ما جرى للمسلمين في غزوة (أحد) ما جرى، وبلغه صلى الله عليه وسلم أن أبا سفيان يريد أن يغير على المدينة مرة أخرى لاستئصال البقية الباقية من المسلمين، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القوم، حتى انتهى إلى حمراء الأسد، وهي من المدينة على ثمانية أميال، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في جهة ذلك أبا عزة الجمحي، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أسره ببدر، ثم منَّ عليه فقال: يا رسول الله أقلني، فقال صلى الله عليه وسلم: "والله لا تمسح عارضيك بمك ة بعدها، وتقول خدعت محمد مرتين، اضرب عنقه يا زبير"، فضرب عنقه، قال ابن هشام: وبلغني عن سعيد بن المسيب أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين"، اضرب عنقه يا عاصم بن ثابت"، فضرب عنقه2. وهذا ما أخذ به القانون الدولي فيالحروب، فالأسير الذي أسر في الحرب وفك أسره، إذا عاد إلى القتال مرة أخرى، وأسر يقتل. ولما أعفاهم ـ عليه السلام ـ من التثريب كانوا في مظنة السؤال عن كمال العفو المزيل للعقاب من الله تعالى، فأتبعه الجواب عن ذلك بالدعاء لهم، فقال: "يَغ فِرُ اللهُّ لَكُم وَهُوَ أَر حَمُ الرَّاحِمِينَ "، أي: إذا رحمتكم أنا وعفوت عنكم، فهو يغفر لكم بالأولى، فأنه أرحم مني، لأنه أرحم الراحمين كلهم، وهو يغفر الصغائر والكبائر، ويتفضل على التائب. 1 الشأفة: الأصل 2 السيرة النبوية3 /110) لابن هشام
عدد الصفحات ٦٧68 لقد سمح لهم ـ عليه السلام ـ سماحاً تاماً من غير تعبير لهم على ذكر الذنب السابق، ودعا لهم ب المغفرة، وهذا نهاية الاحسان الذي لا يتأتى إلا من خواص1. وما أنسب ما وقع من يوسف بالمراتب الثلاثة المذكورة في قوله تعالى "وَال كَاظِمِينَ ال غَي ظَ وَال عَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُّ يُحِبُّ ال مُح سِنِينَ " (آل عمران ، آية : 134.) فيوسف عليه السلام كظم غيظه بقوله: "لاَ تَث رَيبَ عَلَي كُمُ ال يَو مَ ". ثم عفا عنهم بقوله: "يَغ فِرُ اللهُّ لَكُم "، ثم أحسن إليهم بقوله بعد ذلك مباشرة "وَأ تُونِي بِأَه لِكُم أَج مَعِينَ ". 6 ـ من فيض نور الآية الكريمة ـ كان يوسف ـ عليه السلام ـ مثلاً رائعاً في العفو الصفح، فقد عفا عنهم وصفح الصفح الجميل ثم دعا لهم بالمغفرة والرحمة من الله الرحمن الرحيم. ـ العفو مع القدرة يورث العزة والرفعة. ـ إن يوم تصفية النفوس والبغضاء والشحناء، والعودة بها إلى نور الصفاء والاخاء والمحبة هو يوم عيد عظيم. ـ على كل مسلم أن يتأسى باخلاق الانبياء في العفو و الصفح والمغفرة، فهذا هو خلق القرآن الكريم وخلق سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم. ـ تمثل الرسول صلى الله عليه وسلم لما فتح باخيه يوسف عليه السلام فعفا عن أهل مكة العفو العظيم وهم الذين آذوه وقاتلوه وأخرجوه من مكة، وكان ذلك العفو سبباً في دخول الناس في دين الله أفواجا. 1 تيسير الكريم الرحمن للسعدي2 /446.)
عدد الصفحات ٦٨69 السابع عشر: فتح مكة والعفو الشامل كان القرشيون قد حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بضراوة لا مثيل لها استمرت عقدين من العداء المستحكم توجه قريش إلى الإسلام كرسالة وإلى النبي صلى الله عليه وسلم كإنسان مرسل، وإلى الم سلمين كجماعة مؤمنة وتنوعت مظاهر العداء ومست كل ما يتعلق بالأسلام فكان العداء منصباً على مبادئ الإسلام والرسول الكريم، وأصحابه من المسلمين ونعرض هنا أمثلة ترسم صورة لهذا العداء؟ أولَا: العداء المبادئ الإسلام، كان عداء قريش الدعوة الجديدة التي أرسل بها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم واضحاً ومستعراً من وجوه ذلك : ـ اعتراضهم على مبدأ الوحدانية: لم يكن كفار مكة ينكرون بأن الله خلقهم وخلق كل شئ، قال تعالى: " وَلَئِن سَأَل تَهُم مَّن خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأ َر ضَ لَيَقُولُنَّ اللهَُّ قُلِ ال حَم دُ للهَِِّ بَل أَك ثَرُهُم لاَ يَع لَمُونَ " (لقمان ، آية : 25.) لكنهم كانوا يعبدون الاصنام ويزعمون أنها تقربهم إلى الله قال تعالى "أَلاَ للهَِِّ الدِّينُ ال خَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَو لِيَاء مَا نَع بُدُهُم إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهَِّ زُل فَى إِنَّ اللهََّ يَح كُمُ بَي نَهُم فِي مَا هُم فِيهِ يَخ تَلِفُونَ إِنَّ اللهََّ لاَ يَه دِي مَن هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ " (الزمر ، آية : 3).ٍ ـ كفرهم بالآخرة: أما دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان باليوم الآخر، فقد قابلها المشركون بالسخرية والتكذيب، قال تعالى:" وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَل نَدُلُّكُم عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُم إِذَا مُزِّق تُم كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُم لَفِي خَل قٍ جَدِيدٍ * أَف تَرَى عَلَى اللهَِّ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لاَ يُؤ مِنُونَ بِالآ خِرَةِ فِي ال عَذَابِ وَالضَّلاَلِ ال بَعِيدِ " (سبأ، آية : 7 ـ8.) ـ اعتراضهم على الرسول صلى الله عليه وسلم
عدد الصفحات ٦٩70 اعترضوا على شخص الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد كانوا يتصوّر ون: أن لا يكون بشراً مثلهم، وأنه ينبغي أن يكون ملكاً أو مصحوباً بالملائكة وقال تعالى: " وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤ مِنُوا إِذ جَاءهُمُ ال هُدَى إِلاَّ أَن قَالُوا أَبَعَثَ اللهُّ بَشَرًا رَّسُولاً "(الإسراء ، آية : 94.) وقال تعالى : "وَقَالُوا لَو لا أُنزِلَ عَلَي هِ مَلَكٌ وَلَو أَنزَل نَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الأم رُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ * وَلَو جَعَل نَاهُ مَلَكًا لَّجَعَل نَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَس نَا عَلَي هِم مَّا يَل بِسُونَ " (الأنعام ، آية : 8 ،9.) 4 ـ موقعهم من القرآن الكريم كذلك لم يصدقوا أن القرآن الكريم منزل من عند الله، واعتبروه ضرباً من الشَّعر، الذي كان ينظمه الشعراء، مع أن كل من قارن بين القرآن، وأشعار العرب يعلم أنه مختلف عنها قال تعالى: " وَمَا عَلَّم نَاهُ الشِّع رَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِن هُوَ إِلاَّ ذِك رٌ وَقُر آنٌ مُّبِينٌ * لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ ال قَو لُ عَلَى ال كَافِرِينَ " (يس ، آية : 69 ـ70.) ثانياا ايذاؤهم الجسدي للرسول الكريم: لم يفتر المشركون من أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أن صدع بدعوته إلى أن خرج من بين أطهرهم، وأظهره الله عليهم، ويدل على ذلك ـ مبلغ الأذى ـ تلك الآيات الكثيرة التي كانت تتنزل عليه في هذه الفترة تأمر بالصبر وتدله على وسائله وتنهاه عن الحزن، وتضرب له أمثلة من واقع اخوانه المرسلين، مثل قوله تعالى: " وَاص بِر عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاه جُر هُم هَج رًا جَمِيلاً " (المزمل ، آية : 10.) وقال تعالى فَاص بِر لِحُك مِ رَبِّكَ وَلاَ تُطِع مِن هُم آثِمًا أَو كَفُورًا " (الإنسان ، آية : 24.) ومن الأمثلة التي تدل ما تعرَّض له النبي صلى الله عليه وسلم من الإيذاء، عن ابن مسعود رضي الله عنه: "بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي عند الكعبة فجمع قريش في مجالسهم، إذ قال قائل منهم ألا تنظرون
عدد الصفحات ٧٠71 إلى هذا المرائي؟ أيكم يقو م إلى جزور آل فلان فيعمد إلى فرث ها، ودمها، وسلاها فيجيء به، ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه؟ وثبت النبي صلى الله عليه وسلم ساجداً، فضحكوا حتى مال بعضهم إلى بعض من الضحك، فانطلق منطلق إلى فاطمة عليها السلام ـ وهي جويرية ـ فأقبلت تسعى، وثبت النبي صلى الله عليه وسلم ساجداً حتى ألقته عنه، وأقبلت عليهم تسبهم، فلمَّا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، ثم سمَّى اللهم عليك بعمرو بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، قال ابن مسعود: فوالله لقد رأيتهم صرعى يوم بدر ثم سحبوا إلى القَلِيب 1 ـ قليب بدر ـ ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأتبع أصحاب القليب2 لعنة، وقد بينت الروايات الصحيحة الأخرى: أن الذي رمى الروث عليه هو عقبة بن أبي معيط وأن الذي حرَّضه هو أبو جهل 3، وأن المشركين تأثَّروا بدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم وشق عليهم الأمر، لأنهم يرون أن الدعوة بمكة مستجابة4. ـ إجتماع الملأ من قريش وضربهم الرسول صلى الله عليه وسلم: اجتمع إشراف قريش يوماً في الحجر فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا ما رأينا مثل ما صبرنا علي ه من أمر هذا الرجل قط، سفه أحلامنا، وسب آلهتنا، لقد صرنا منه على أمر عظيم، فبينما هم في ذلك، إذ طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوثبوا وثبة رجل واحد، وأحاطوا به يقولون: أنت الذي تقول كذا وكذا ـ لما كان يقول من عيب آلهتهم ودينهم ـ فيقول ـ نعم، أنا الذي أقول ذلك، ثمَّ أخذ رجل منهم بمجمع ردائه، فقام أبو بكر رضي الله عنه دونه، وهو يبكي ويقول: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله 5. 1 القليب: البئر المفتوحة 2 البخاري رقم520. 3 مسلم رقم1794. 4 السيرة النبوية الصحيحة للعمري (ذ1 /149.) 5 البخاري رقم3687. رقم4815.
عدد الصفحات ٧١72 هذا بعض ما لاقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم من أذيَّة المشركين، وقد ختم المشركون أذاهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمحاولة قتله في أواخر المرحلة المكية وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر ما لاقاه من أذى قريش قبل أن ينال الأذى من أحد من أتباعه، يقول: "لقد أُخِفت في الله عز وجل وما يخاف أحد، ولقد أوذيت في الله وما يؤذي أحد، ولقد أتت عليَّ ثلاثون من بين يوم وليلة، وما لي ولا لبلا ل طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه، ومع ماله صلى الله عليه وسلم من عظيم القدر، ومنتهى الشرف إلا أنه قد حظي من البلاء بالحمل الثقيل، والعناء الطويل منذ أول يوم صدع فيه بالدعوة، ولقي النبي صلى الله عليه وسلم من سفهاء قريش أذى كثيراً، فكان إذا مرَّ على مجالسه م بمكة استهزؤوا به، وقالوا ساخرين: هذا ابن أبي كبشة1، يكلم من السماء، وكان أحدهم يمرُّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول له ساخراً: أما كُلِّمت اليوم من السَّماء؟ 2 ولم يقتصر الأمر على مجرَّد السخرية، والاستهزاء، والإيذاء النفسي، بل تعدَّاه إلى الإيذاء البدني، بل قد وصل الأمر إلى أن يبصق عدوَّ الله أمية بن خلف في وجه النبي صلى الله عليه وسلم3. وحتى بعد هجرته ـ عليه السلام ـ إلى المدينة، لم تتوقف حدَّة الابتلاء، والأذى، بل أخذت خطاً جديداً، بظهور أعداء جدد، فبعد أن كانت العداوة تكاد تكون مقصورة على قريش بمكة صار له صلى الله عليه وسلم أعداء من المنافقين المجاورين بالمدينة، ومن اليهود، والفرس والروم، وأحلافهم، وبعد أن كان الأذى بمكة شتماً وسخرية، وحصاراً، وضرباً، صار مواجهة عسكرية مسلحة، حامية الوطيس، فيها فر وكر وضرب، وطعن، فكان ذلك بلاء في الأموال والأنفس على السَّواء 4. 1 والد الرسول من الرضالة 2 الروض الأنف2 /33) وما بعدها 3 المصدر نفسه2 /48.) 4 السيرة النبوية للصلابي1 /215)، زاد اليقين لأبي شنب صـ37.
عدد الصفحات ٧٢73 وهكذا كانت فترة رسالته صلى الله عليه وسلم وحياته، سلسلة متصلة من المحن والابتلاء، فما وهن لما أصابه في سبيل الله، بل صبر، واحتسب حتى لقي ربه1، لقد واجه الرسول صلى الله عليه وسلم من الفتن والأذى، والمحن ما لا يخطر على بال، في مواقف متعددة، وكان ذلك على قدر الرسالة التي حُمِّلها، ولذلك استحق المقام المحمود والمنزلة الرفيعة عند ربه، وقد صبر على ما أصابه، إشفاقاً على قومه أن يصيبهم مثل ما أصاب الأمم الماضية من العذاب، وليكون قدوة للدعاة والمصلحين2، فإذا كان الاعتداء الأثيم قد نال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يعد هناك أحد أكبر من الابتلاء والمحنة، وتلك سنة الله في الدّعوات، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قلت: يا رسول الله، أي الناس أشدُّ بلاء؟ قال: الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يُب تلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلباً، اشتد بلاؤه، وإن كان دينه رقة ابتلى حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة3. ثالثاا: اذهبوا، فأنتم الطلقاء ما ذكرناه بعض صور البلاء التي كانت تصر عليها قريش تجاه النبي صلى الله عليه وسلم، واستمر العداء للرسالة، والرسول والمؤمنين وكتب الس يرة تصور لنا ذلك، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم عندما دخل مكة المكرمة موطن قريش التي استمر جحودها وإنكارها للحق بعد إبرام المسلمين عهداً معها هو صلح الحديبية بنقض صلح الحديبية، فقريش استمرت في العدوان، ونكثت العهد وخالفت شروط الصلح وأعانت حلفاءها بني بكر على خزاعة حليفة المسلمين بالخيل والسلاح والرجال وهاجم بنو بكر، حلفاؤهم قبيلة خزاعة عند ماء يقال له الوتير، وقتلوا أكثر من عشرين من رجالها، ولما لجأت خزاعة إلى الحرم الآمن، ولم تكن مجهزة للقتال، لتمنع بني بكر منه، 1 السيرة النبوية1 /215) للصلابي 2 المصدر نفسه1 /215.) 3 سنن ابن ماجة رقم4024، سنن الترمذي رقم2398.
عدد الصفحات ٧٣74 قالت لقائدهم، يا نوفل، إنا قد دخلنا حرم إلهك، فقال نوفل: لا إله اليوم، يا بني بكر أصيبوا ثأركم عندئذ خرج عمرو بن سالم الخزاعي، في أربعين من خزاعة، حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة وأخبروه بما كان من بني بكر، وبمن أصيب منهم وبمناصرة قريش بني بكر عليهم، ووقف عمرو بن سالم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد بين ظهراني الناس، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن سمع وتأكد من الخبر أرسل إلى قريش فقال لهم: أما بعد، فإنكم إن تبرؤوا من حلف بني بكر، أتُدوا 1 خزاعة، وإلا أوذنكم بحرب، فقال قرظة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف صهر معاوية: إن بني بكر قوم مشائيم، فلا ندري ما قتلوا لنا سيد ولا لبد2، ولا نبرأ من حلفهم، فلم يبق على ديننا أحد غيرهم ولكن نؤذنه بحرب3. وبهذا الكتاب أكد النبي صلى الله عليه وسلم عدم الغدربقريش، بل أبلغهم بموقفه بوضوح تام كان أبو سفيان ممن خالفوا رأي قريش في خيار حرب المسلمين، ولذا حاول بقدومه المدينة أن يعيد للصلح مكانه ويطيل أمده، إلا أنه لم يجد استجابة للمسلمين. 1ـ ميزان القوى يرجح كفة المسلمين أ ـ اقتصادياا: إن قريش لم تكن مستعدة للحرب لا على المستوى الاقتصادي حيث لم يعادل اقتصادها اقتصاد دولة المسلمين التي اتسعت رقعتها بإسلام أغلب القبائل العربية الأمر الذي زاد من موارد الدولة. ب ـ سياسياا: لم تكن قريش سياسياً في حالة تسمح لها بمواجهة الوحدة السياسية للمسلمين بعد أن تخلصوا من يهود المدينة بعد محاولتهم الغدر واغتيال النبي الكريم، في المقابل كانت قريش منقسمة في مواقفها تجاه المسلمين، فأبوا سفيان والعديد معه لم يكونوا مع خيار الحرب. 1 أي تدفعوا دية قتلاهم 2 اللبد: الصوف 3 المطالب العلية لابن حجر4 /243) رقم4261.
عدد الصفحات ٧٤75 ج ـ عسكرياا كما أن الميزان العسكري لم يكن كذلك متساوياً، فالمسلمين أعدوا بسهولة جيشاً من عشرة الآف مقات ل ولم يكن لقريش ثلث هذا العدد وهكذا كانت كل الظروف لصالح المسلمين وكان من الممكن أن يقضوا على قريش دون أي مقاومة تذكر. ومع هذا تجاوز سلوك النبي الكريم والمسلمين كل ما يمكن أن يتوقعه الإنسان، فالعفو أمام هذا التراكم من الإيذاء والنكران لابد أن يصدر عن صاحب رسالة تعلو بالإنسان فوق نفسه وحظوظها لأجل غاية تستحق هذا الترفع الممدوح. 2ـ بوادر العفو والغفران خرج أبو سفيان بن الحارث، وعبد الله بن أمية بن المغيرة من مكة، فلقيا رسول الله صلى الله عليه وسلم بثنية العقاب فيما بين مكة والمدينة، فالتمسا الدخول عليه، فكلمته أم سلمة، فقالت: يا رسول الله، ابن عمك وابن عمتك وصهرك، فقال: لا حاجة لي فيهما، أما ابن عمي فهتك عرضي، وأما ابن عمتي وصهري فهو الذي قال لي بمكة ما قال فلما خرج الخبر إليهما بذلك، ومع أبي سفيان بن الحارث ابن له، فقال والله ليأذنن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لأخذن بيد ابني هذا ثم لتذهبن في الارض حتى نموت عطشا، أو جوعاً فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لهما، فدخل عليه، فأنشده أبو سفيان قوله في إسلامه واعتذاره مما كان مضى فيه وجاء في الأبيات: هداني هاد غير نفسي ودلني على الله من طرّد ت كل مطرّد
عدد الصفحات ٧٥76 فلما أنشد رسول الله صلى الله عليه وسلم: على الله من طردت كل مطرّد، ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدره، فقال: أنت طرّدتني كل مطرّد 1. كان أبو سفيان بن الحارث يهجو بشعره رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً، وأما عبد الله بن أمية، فقد قال لرسو ل الله صلى الله عليه وسلم: فوالله لا أؤمن بك حتى تتخذ إلى السماء سلماً، ثم ترتقي فيه، وأنا أنظر إليك حتى تأتيها، ثم تأتي بصك معه أربعة من الملائكة يشهدون لك، كما تقول، ثم وايم الله، لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدقك2. ومع فداحة جرمهما فإن النبي صلى الله عليه وسلم عفا عنهما، وقبل عذرهما، وهذا مثال عال في الرحمة والعفو، والتسامح، ولقد كفرّ أبو سفيان بن الحارث عن أشعاره السابقة بالقصيدة البليغة التي قالها في مدح النبي صلى الله عليه وسلم وبيان اهتدائه به، ولقد حسن إسلامه، وكان له موقف مشرف في الجهاد مع رسول الله في معركة حنين3. إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقف عند فداحة جرمهم بل عفا عنهما وقبل عذرهما، ولم يتعلل بعظم الاساءة سواء لشخصه صلى الله عليه وسلم أو للإسلام والمسلمين بل تجاوز ذلك بأن صفح عنهما صفحاً جميلاً، وكان له أثراً ايجابياً بعد أن انتشر خبر العفو بين أهل مكة. 3ـ العفو يتواصل مع سيد قريش جاء أبو سفيان الذي خرج يلتقط الأخبار، إلى النبي صلى الله عليه وسلم صحبة عمه العباس رضي الله عنه فلم ينشغل النبي صلى الله عليه وسلم في محاسبة أبي سفيان ولم يصرف في مقاضاته وهو ك الأسير داخل معسكر المسلمين، بل توجه ليحدثه عن هدف سام عاش النبي صلى الله عليه وسلم لأجله هو الدعوة إلى الله فوجه كلامه لأبي سفيان: ويحك يا أبا سفيان، ألم 1 السيرة النبوية لابن هشام4 /43 ـ44.) 2 المصدر نفسه1 /295 ـ300)، السيرة للصلابي2 /398.) 3 التاريخ الإسلامي للحميدي7 /182)
عدد الصفحات ٧٦77 يأت لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله، قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك. والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد اغنى عني بعد قال: ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك تعلم أني رسول الله؟ قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك أما هذه والله في النفس منها حتى الآن شيئاً، فقال له العباس: ويحك أسلم قبل أن تضرب عنقك، قال: فشهد شهادة الحق فأسلم قال العباس: قلت يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فأجعل له شيئاً، قال: نعم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن1. لقد كان لتلك الطريقة المحمدية أثرها في أبي سفيان الذي تغير إلى الولاء الكامل للدعوة الجديدة وكانت له موقف كبيرة في الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في معركة حنين، كما كان هذا الأسلوب النبوي الكريم عاملاً في امتصاص الحقد من قلب أبي سفيان زعيم قريش وبرهن له بأن المكانة التي كانت عند قومه لن تنتقص شيئاً في الإسلام، إن هو أخلص له وبذل في سبيله. ونحن إذ نعيش ظروفاً في وطننا فإننا ندعو أبناء هذا الو طن إلى التفاوض، طبعاً بعد التعويض الكامل لكل من مسه الأذى ولقيه العنت ووقع عليه الظلم، وإقامة العدل والقسط على القتلة ومن تورط في الاغتصاب، لنمضي تجاه المستقبل فليس فينا من هو خير من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قابل عظيم الجرم والإساءة بعظيم الرحمة والعفو والتسامح، لقد فعل هذا مع قوم إلى جانب الإيذاء والاساءة الكبيرة، فإنهم لم يكونوا مسلمين وأما نحن وقومنا فالإسلام يجمعنا في منطقة وسط نلتقي فيها للتصالح. 4ـ تأمين الأجواء للعفو العام 1 السيرة النبوية للصلابي2 /399.)
عدد الصفحات ٧٧78 لقد أعلن في مكة قبيل دخول جيش المسلمين أسلوب منع التجوال، لكي يتمكنوا من دخول مكة بأقل قدر من الاشتباكات والاستفزازات، وإراقة الدماء واعطى الناس أماناً بالتزام أحد ثلاث ـ من دخل المسجد فهو آمن. ـ ومن أغلق بابه فهو آمن. ـ ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن. وجعل صلى الله عليه وسلم لدار أبي سفيان مكانة خاصة كي يكون أبو سفيان ساعده في اقناع المكيين بالسلم والهدوء، ويستخدمه كمفتاح أمان يفتتح أمامه الطريق إلى مكة دون إراقة دماء، ويشيع في نفسه عاطفة الفخر التي يحبها أبو سفيان حتى يتمكن الإيمان في قلبه1. لقد دخل أبو سفيان إلى مكة مسرعاً، ونادى بأعلى صوته: يا معشر قريش هذا محمد جا ءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فقامت إليه هند بنت عتبة، فأخذت بشاربه، فقالت: أقتلوا الحَمِي ث الدِّسم الاح مسَ ـ تشبّهه بالزق لسمنه ـ قُبّح من طليعة قوم، قال: ويلكم، لا تغرنكم هذه من أنفسكم فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، قالوا: قاتلك الله وما تغني عنا دارك؟ قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، وتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد2. ولقد دخلت قوات المسلمين مكة دون مقاومة تذكر إلا ما كان من جهة خالد بن الوليد الذي قابل عكرمة بن أبي جهل في نفر ممن خافوا الانتقام، فهزمهم خالد فهربوا خارج مكة، ثم عاد عكرمة ليأخذ أماناً وعفواً من رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسلم ويشارك في الجهاد في فتوحات الشام ويقتل في اليرموك شهيداً. 1 دراسات في السيرة، عماد الدين خليل صـ 245. 2 البداية والنهاية لابن كثير4 /290)، د. محمد فوزي فياض
عدد الصفحات ٧٨79 5ـ دخول خاشع متواضع دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام وهو واضع رأسه تواضعاً لله، حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إن ذقنه ليكاد يمس واسطة الرجل ودخل وهو يقرأ سورة الفتح مستشعراً نعمة الفتح وغفران الذنوب وإفاضة النصر العزيز1. وعندما دخل مكة فاتحاً ـ وهي قلب جزيرة العرب ومركزها الرو حي والسياسي، رفع كل شعار من شعائر العدل والمساواة والتواضع والخضوع، فأردف أسامة بن زيد وهو ابن مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يردف أحداً من أبناء بني هاشم، وأبناء أشراف قريش، وهم كثير وكان ذلك يوم الجمعة لعشرين ليلة خلت من رمضان سنة ثمان من الهجرة2. يقول محمد الغزالي في وصف دخول النبي صلى الله عليه وسلم لمكة على حين كان الجيش الزاحف يتقدم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقته تتوج هامته عمامة سوداء، ورأسه خفيض من شدة التخشع لله، لقد انحنى على رحله، وبدأ عليه التواضع الجم، إن الموكب الضخم المهيب الذي ينساب به حثيثاً إلى جوف الحرم، والفيلق الدّارع الذي يحفُّ به ينتظر إشارة منه فلا يبقى بمكة شيء آمن، إن هذا الفتح المبين ليذكره بماض طويل منصوراً مؤيداً وأي كرامة عظمى حقه الله بها هذا الصباح الميمون، وكلما استشعر هذه النعماء ازداد لله على راحلته خشوعاً وانحناء3. 6ـ هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تأمين الجبهة الداخلية في مكة عند دخوله يوم الفتح، ولذلك عندما بلغه مقولة سعد بن عبادة لأبي سفيان: اليوم 1 صور وعبر من الجهاد النبوي في المدينة صـ396. 2 السيرة النبوية للصلابي2 /406) 3 فقه السيرة للغزالي صـ379 ـ380.
عدد الصفحات ٧٩80 يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة، قال صلى الله عليه وسلم: هذا يوم يُعظم الله فيه الكعبة ويوم تكسى فيه الكعبة1. وأخذ الراية من سعد بن عبادة، وسلمها لأبنه قيس بن سعد، وبهذا التصرف الحكيم حال دون أي احتمال لمعركة جانبية هم في غنى عنها، وفي نفس الوقت لم يُثره ولا آثار الانصار، فهو لم يأخذ الراية من انصاري ويسلمها لمهاجر، بل أخذها من أنصاري وسلمها لابنه، ومن طبيعة البشر ألا يرضى الإنسان بأن يكون أحد أفضل منه إلا ابنه2. ولما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، واطمأن خرج حتى جاء البيت، فطاف به، وفي يده قوس، وحول البيت وعليه ثلاثمائة وستون صنماً، فجعل يطعنها بالقوس ويقول :" وَقُل جَاء ال حَقُّ وَزَهَقَ ال بَاطِلُ إِنَّ ال بَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا " (الإسراء، آية : 81). وقال تعالى قُل جَاء ال حَقُّ وَمَا يُب دِئُ ال بَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ " (سبأ، آية : 49.) والأصنام تتساقط على وجوهها3، وإنه لمنظر رائع لنصر الله، وعظيم تأييده لرسوله صلى الله عليه وسلم، إذ كان يطعن تلك الآلهة الزائفة المنثورة حول الكعبة بعصا معه، فما يكاد يطعن الواحد منها بعصاه حتى ينكفئ على وجهه، أو ينقلب على ظهره جذاذ 4، ورأى في الكعبة الصور، والتماثيل، فأمر بالصور وبالتماثيل فكسرت 5، وأ بى أن يدخل جوف الكعبة حتى أخرجت الصور، وكان فيها صورة يزعمون أنها صورة إبراهيم وإسماعيل وفي أيديهما من الازلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قاتلهم الله، لقد علموا ما استقسما بها قط6. ثم دخل البيت وكبّر في نواحيه ثم صلى، فقد روى ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة هو وأسامة وبلال وعثمان بن طلحة، فأغلقها عليه، ثم مكث فيها، قال ابن عمر: فسألت بلالاً 1 البخاري رقم4280. 2 السيرة النبوية للصلابي2 /406.) 3 السيرة النبوية للندوي صـ339. 4 فقه السيرة للسيوطي صـ282. 5 السيرة النبوية للندوي صـ329. 6 البخاري رقم4288.
عدد الصفحات ٨٠