المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

العدالة والمصالحة الوطنية ضرورة دينية وإنسانية

علي محمد الصلابي

صفحة ٣ من ١٤

33 شتمنا ودع للصلح موضعاً فإنا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه1. 4ـ التنازل عن جزء من بعض حقه على الخصم أن يتنازل عن جزء من حقه رغبة في تقريب وجهات النظر، وتأليفاً للخصم الآخر، حتى يقبل الصلح المؤدي إلى تأليف القلوب وتسكين الغضب وتهدئة ثوراته ودليل ذلك ما ورد من مواقف كثيرة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم حيث تنازل بعض أصحاب الحق عن جزء من حقهم، كموقف كعب بن مالك مع خصمه حين ارتفعت أصواتهما، حتى سمع رسول الله كلامهما وهو في بيته، فخرج إليهما رسول الله صلى الله عله وسلم حتى كشف سج ف حجرته، فنادى كعب بن مالك فقال:" يا كعب" فقال لبيك يا رسول الله فأشار بيده، أن ضع الشطر، فقال كعب: قد فعلت يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" قم فاقض فعندما يتنازل الخصم عن بعض حقه فهو يعمل المعروف2. ومن المواقف الخالدة في التاريخ، تنازل الحسن بن علي رضي الله عنه عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما حيث تآلف المسلمون واجتمعوا واصطلحوا حتى سمي ذلك العام بعام الجماعة3. وكان الحسن رضي الله عنه يتمتعبقوة، وكانت الكتائب أمثال الجبال، ومع ذلك قبل الصلح، وتنازل عن ملك رغبة في تحقيق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن ابني هذا سيد، ولعل الله يصلح به بين فئتين من المسلمين"4. فإن الحسن ترك الملك لا لقلة، ولا لذلة، ولا لعلة، بل لرغبته فيما عند الله لما رآه من حقن دماء المسلمين، وراعى أمر الدين ومصلحة الأمة، وفيه فضيلة الإصلاح بين الناس، ولا سيما في حقن دماء المسلمين1. 1 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء5 /113) أبو نعيم الأصفهاني 2 البخاري رقم2710. إصلاح ذات البين صـ141 كامل أحمد 3 البداية والنهاية لابن كثير(8 /16.) 4 فتح الباري5 /306 ـ307) رقم2704.

عدد الصفحات ٣٣

34 وسيأتي الحديث عن صلح الحسن مفصلاً بإذن ا 5 ـ الَستعانة بالوسطاء الخيرين قد يقع الإنسان في خطأ ثم يأسف عما بدر منه، ويريد المسامحة، فما عليه إلا أن يعتذر إلى من أساء إليه بنفسه، أو بواسطة الآخرين ممن يتوسم فيهم القدرة على الإصلاح، كما حصل لعبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، قال في بيع أو عطاء أعطته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها "والله لتنهين عائشة أو لأحجرن عليها2، فقالت: أهو قال هذا؟قالوا: نعم، قالت: هو والله عليَّ نذر لا أكلم ابن الزبير أبداً، فاستشفع ابن الزبير إليها حين طالت الهجرة، فقالت: لا والله، لا أشفع فيه أبداً، ولا أحنث إلى نذره، فلما طال ذلك على ابن الزبير كلم المسور بن مخرمة3، وعبد الرحمن بن الأسود بن يغوث وقال لهما: أنشدكما بالله لما أدخلتماني على عائشة فإنها لا يحل لها أن تنذر قطيعتي، فأقبل به المسور وعبد الرحمن مشتملين بأرديتهما حتى استأذنا على عائشة، فقالا: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أندخل؟ قالوا: كلنا4؟ قالت: نعم أدخلوا كلكم ولا تعلم أن معهما ابن الزبير، فلما دخلوا دخل ابن الزبير ا لحجاب فاعتنق عا ئشة وطفق يناشدها ويبكي، وطفق الم سور وعبد الرحمن يناشدانها ألا كلمته5، وقبلت منه، ويقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عما قد عملت من الهجر، فإنه لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، ولما أكثروا على عائشة من التذكير والتحريج، طفقت تذكرهما وتبكي وتقول: إني نذرت والنذر شديد، فلم يزالا بها حتى كلمت ابن الزبير، واعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة، وكانت تذكر نذرها بعد ذلك فتبكي حتى تبل دموعها خمارها6. 1 الفتح(13 /66.) 2 كانت لا تمسك شيئاً مما جاءها من رزق تصدقت به. 3 المسور بن مخرمة الزهري، الاصابة لابن الحجر رقم7993. 4 إصلاح ذات البين صـ143. 5 المصدر نفسه صـ143. 6 الفتح10 /491 ـ492) رقم6073.

عدد الصفحات ٣٤

35 فإن ابن الزبير قد استعان بهؤلاء النفر من الصحابة رض وان الله عنهم ـ ليوفقوا بينه وبين عائشة رضي الله عنهما، وقد استعملا الحيلة حتى تمكن ابن الزبير رضي الله عنه من الدخول على خالته عائشة ليرضاها وليعتذر منها، وحاول هو ومن معه ليرضيها حتى رضيت ـ رضي الله عنهماـ وانتهت القطيعة وحلت الألفة وعادت المياه إلى أراضيها فرضي الله عن الجميع1. 6 ـ الرضى بالحكم بعد صدوره عندما يختار المتخاصمان من يصلح بينهما يكون ذلك على أساس الثقة بالصلح، وأنه قادر على معرفة القضية وإصدار الحل المناسب المرضي للطرفين، وأنه نزيه وعادل، وغير مجامل، وأنه سيصدر عنه الصلح بما يوافق الحق والصواب. والغرض من هذا هو فض النزاع وإيصال المظلوم إلى حقه، أو بعض حقه، ودفع إثم الظلم عن الظالم، ودليل ذلك حادثة الزبير رضي الله عنه وأخيه الأنصاري الذي خاصمه في شراج ذي الحرة، فاحتكما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يسلك بهما مسلك الصلح، فقال للزبير: أسق يا زبير، ثم أرسل إلى جارك2، فالرسول صلى ا عليه وسلم أصدر الحكم على أساس أنه صلح، والصلح هو تنازل عن جزء من الحق بغرض إنهاء الخصام، ولكن الأنصاري لم يرض بهذا الصلح الصادر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال مقالته التي أغضبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما جعله يصدر الحكم قضاءً وحكماً: "أسق ثم أحبس حتى يبلغ الجدر"3، فقد استوعى للزبير حقه في صريح الحكم4، وهذه الواجبات التي ذكرناها من أهم الأمور التي تحقق إصلاح ذات البين وتعين على إنهاء الخصام وإحلال المودة والوئام بين أفراد المجتمع5. 1 إصلاح ذات البين صـ143. 2 فتح الباري5 /309) رقم2708. 3 الجدر: أي يصل الماء إلى أصول النخل 4 الفتح5 /309) رقم2708. 5 إصلاح ذات البين صـ144.

عدد الصفحات ٣٥

36 ثانياا: إصلًح ذات البين في القصاص، والدية و الحدود الصلح في القصاص أمر جائز، بل هو أفضل من الاستيفاء والعفو أفضل من الصلح، لقوله تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَي كُمُ ال قِصَاصُ فِي ال قَت لَى ال حُرُّ بِال حُرِّ وَال عَب دُ بِال عَب دِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أَخِيهِ شَي ءٌ فَاتِّبَاعٌ بِال مَع رُوفِ وَأَدَاء إِلَي هِ بِإِح سَانٍ ذَلِكَ تَخ فِيفٌ مِّن رَّبِّكُم وَرَح مَةٌ فَمَنِ اع تَدَى بَع دَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ " (البقرة، آية : 178.) وقد جاءت السنة مؤكدة لما نص عليه القرآن وعن ابن عباس رضي الله عنهما، كانت في بني إسرائيل قصاص ولم تكن فيهم الدية، فقال الله لهذه الأمة:" كُتِبَ عَلَي كُمُ ال قِصَاصُ فِي ال قَت لَى " إلى هذه الآية:" فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أَخِيهِ شَي ءٌ " قال ابن عباس: فالعفو أن يقبل الدية في العمل، قال:" فَاتِّبَاعٌ بِال مَع رُوفِ " أن يطلب بمعروف ويؤدي إليه بإحسان1. والصلح جائز في القصاص بأكثر من الدية2. والذي يملك العفو عن القصاص 1ـ عفو الورثة العفو حق لجميع الورثة عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل في المشهور عنه، ومالك في رواية عنه، يستوي في ذلك من يرث بالفرض، أو التعقيب ويدخل في ذلك الزوج والزوجة وإن مات أحد الورثة انتقل الحق أيضاً إلى ورثته 3. والدليل على ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما أن يودي وإما أن يقاد4، وهذا الحديث عام للرجال والنساء وروى عن معمر عن الأعشى، عن 1 فتح الباري12 /305.) 2 إصلاح ذات البين صـ168. 3 فتح القدير للشوكاني3 /223.) 4 البخاري، ك الديات، باب من قتل له قتيل

عدد الصفحات ٣٦

37 زيد بن وهب، أن عمر بن الخطاب رفع إليه رجلاً قتل رجلاً، فجاء أولياء المقتول، يريدون قتله، فقالت أخت القاتل، وهي امرأة المقتول: قد عفوت عن حصتي من زوجي ، فقال عمر: عُتق الرجل من القتل1. فهذه الأحاديث والآثار تدل على أن القصاص حق مشترك بين الجميع، والعفو حق لكل الورثة، وقد اعتبر عمر رضي الله عنه عفو الزوجة عن دم زوجها مسقطاً للقصاص عن القاتل، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة2. 2ـ عفو القتيل قبل وفاته ذهب بعض الفقهاء إلى اعتبار عفو المجني عليه مسقطاً للقصاص عن الجاني لقوله تعالى:" وَكَتَب نَا عَلَي هِم فِيهَا أَنَّ النَّف سَ بِالنَّف سِ وَال عَي نَ بِال عَي نِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَال جُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّم يَح كُم بِمَا أنزَلَ اللهُّ فَأُو لَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ " (المائدة، آية : 45.) ـ وقال تعالى وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّث لُهَا فَمَن عَفَا وَأَص لَحَ فَأَج رُهُ عَلَى اللهَِّ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ " (الشورى، آية : 40.) ـ وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من رجل يصاب بشيء في جسده ويتصدق به إلا رفعه الله به درجة، وحط عنه به خطيئته3. وعن الأشعث بن سؤر عن أبي بكر بن حفص قال:" كان بين قوم من بني عدي وبين حي من الأحياء قتال، ورمي بالحجارة وضرب بالنعال، فأصيب غلام من آل عمر، فأبى على نفسه، فلما كان قبل خروج نفسه قال، إني عفوت رجاء الثواب للإصلاح بين قومي، فأجازه ابن عمر4. وهذا القول موافق لروح الشريعة ومقاصدها الكبرى 1 المحلى لابن حزم2 /242.) 2 إصلاح ذات البين صـ169. 3 سنن ابن ماجة(2 /898) الترمذي4 /14.) 4 المحلى لابن حزم12 /257.)

عدد الصفحات ٣٧

38 3ـ عفو الولي نيابة عن الصغير اتفق الفقهاء على أن ولي الصغير لا يملك العفو عن القصاص الواجب له إذا كان العفو إلى غير مال، أو إلى مال لا تدعو حاجة الصغير إليه، قال الإمام الكاساني: أن يكون العفو من صاحب الحق، لأنه إسقاط للحق، وإسقاط الحق ـ ولا حق محال ـ فلا يصح العفو من الأجنبي لعدم الحق ولا من الأب، والجد في قصاص وجب لل صغير، لأن الحق للصغير لا لهما، وإنما لهما ولاية الاستيفاء لحق وجب للصغير والعفو ضرر محض، لأنه إسقاط الحق أصلاً ورأساً لا يملكانه 1. 4ـ عفو السلطان إذا قتل شخص وليس له وارث يطالب بدمه، فإن وليه السلطان بإجماع الفقهاء، لأن إرثه ثابت لعامة المسلمين، والسلطان من ينوب عنهم في استيفاء حقوقهم2. ثالثاا: الشروط الواجب توافرها للحكم بصحة العفو اشترط الفقهاء عدة شروط وهي: 1ـ أن يكون العافي بالغاً والدليل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل3. 2ـ العقل: فلا يصح عفو زائل العقل للحديث السابق. 3ـ أن يكون مختاراً: فلا يصح العفو من المكره ، فالقرآن الكريم والسنة لا تعتبر بأفعال المكره، لقوله تعالى:" إِلاَّ مَن أُك رِهَ وَقَل بُهُ مُط مَئِنٌّ بِالإِيمَانِ " (النحل، آية : 106.) 1 بدائع الصنائع للكاساني7 /246.) 2 إصلاح ذات البين صـ173. 3 سنن أبي داود2 /452) صحيح

عدد الصفحات ٣٨

39 وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه1. رابعاا: سقوط القصاص بإصلًح ذات البين إذا تم الصلح بالشروط المعروفة التي تجعل الصلح صحيحاً، فقد أجمع العلماء على أن الصلح عن دم العمد مسقط للقصاص عن الجاني، سواء كان العوض المصالح عليه مالياً أو غير مالي، قليلاً أو كثيراً، وكان الصلح من قبل ورثة المجني عليه أو بعضهم2، وذلك لأن القصاص حق ثابت لكل واحد منهم، فملك المصالحة عنه، كما هو الشأن في سائر الحقوق المشتركة، وإذا سقط نصيب أحد الأولياء في القصاص بمصالحته، سقط نصيب الباقي، لأن القصاص لا يتجزأ ولمن يصالح من أولياء الدم له حق المطالبة بحصته من الدية، لأنه تعذر القصاص، نتيجة لمصالحة بعض الأولياء فيصير إلى الدية3. خامساا: إصلًح ذات البين في الدية 4: يصح ال صلح عن دم العمد بما يزيد وينقص عنها 5، وتكون الدية عقوبة أصلية كما في القتل والجرح والقطع خطأ أو تكون بديلة عن القصاص إذا صالح مستحق القصاص على مال، حيث يجوز بالزيادة على قدر الدية. أما إذا كانت الدية بديلة عن القصاص العمد جاز أن تكون على قدر دية الخطأ، أو أكثر، أو أقل من جنس الدية، أو من غير جنسها حالة أو مؤجلة لأن هذا مال وجب بعقد فيجب فيه ما اتفق عليه، أما الدية الواجبة بالقتل، أو القطع، أو الجرح الخطأ فهي مقدرة بالشرع، وهي مال من الأموال للمجني 1 صحيح ابن ماجة رقم2043. 2 فتح الوهاب لأبي يحيى زكريا الأنصاري2 /134.) 3 إصلاح ذات البين صـ175. 4 فتح الباري5 /306.) 5 الكافي في فقه الإمام المبجل أحمد بن حنبل2 /208) عبد الله بن قدامة

عدد الصفحات ٣٩

40 عليه قررته الشريعة، وحددت مقداره فلا يجوز الزيادة عليها1،والصلح في الدية حق لجميع الورثة2. سادساا: إصلًح ذات البين في الحدود تتفاوت آراء الفقهاء في قضية الصلح في الحدود بناء على طبيعة الحد بحسب البيان الآتي: 1 ـ ما كان حق الله غالباً عليه مثل الزنا، والسرقة، فلا يجوز فيه الصلح 2 ـ ما كان حق العبد غالباً فيه، ف يجوز فيه الصلح، مثل القصاص. 3 ـ ما اختلف فيه الفقهاء في كونه حقاً لله أو للعبد، كالقذف، فمن رجح أن حق الله غالباً عليه قال: بعدم جواز الصلح فيه، ومن رجح أن حق العبد غالب عليه، قال: بجواز الصلح فيه3. فلو صالح زانياً أو شارباً للخمر، أو سارقاً على ألا يقيم ع ليهم الحد لم يصح الصلح مع هؤلاء، لكون هذه الحدود حقاً محضاً لله عز وجل، وحقوق الله لا يجوز الصلح عنها باتفاق الفقهاء، ودليلهم ما رواه البخاري، عن أبي هريرة وزيد بن خالد رضي الله عنهما قالا: "كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقام رجل، فقال: أنشدك بالله إلا ما قضيت بيننا بكتاب الله، فقام خصمه وكان أفقه منه، فقال: أقض بيننا بكتاب الله وأذن لي، قال: قل، قال: إن ابني هذا كان عسيفاً 4 على هذا فزنا بإمرأته، فافتديت منه بمائة شاة وخادم، ثم سألت رجالاً من أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وعلى أمرأته الرجم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسه بيده لأقضين بينكما بكتاب الله جل ذكره، المائة شاة والخادم رد وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فأرجمها5. 1 بدائع الصنائع للكاساني6 /49.) 2 إصلاح ذات البين صـ176. 3 بدائع الصنائع6 /48.) 4 العسيف: الأجير 5 البخاري، ك الحدود رقم6827.

عدد الصفحات ٤٠

41 قال ابن حجر وفيه ان الحد لا يقبل الفداء، وهو مجمع عليه في الزناوالسرقة والحرابة وشرب المسكر، واختلف في القذف، والصحيح كغيره، وإنما يجزئ الفداء في البدن، كالقصاص في النفس والأطراف، وأن الصلح المبني على غير الشرع يرد ويعاد المال المأخوذ فيه1. فالرسول صلى الله عليه وسلم قد أبطل الصلح الواقع بين زوج المرأة ووالد العسيف المؤدي إلى اسقاط الحد مع حرصه ـ عليه السلام ـ وحبه لاصلاح ذات البين، لكنه رفض هذا الصلح المبطل لحدود الله، وأمر بتنفيذ الحد إن اعترفت المرأة، كما هو في كتاب الله، وظاهر الحديث يدل على جواز الصلح عن الحدود قبل رفعها إلى الحاكم، حيث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُعن ف على من أصلح بينهم، ويؤيد ذلك ما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب"2. وكذلك ما رواه مالك بن الزبير بن العوام رضي الله عنهما أنه لقي رجلاً قد أخذ سارقاً و هو يريد أن يذهب به إلى السلطان فيشفع له الزبير ليرسله، فقال: لا أبلغ به السلطان، فقال الزبير: إذ بلغت به السلطان فلعن الشافع3 والمشفع ولما رواه مالك على ابن شهاب عن صفوان بن أمية قيل له: إن لم تهاجر هلكت، فقدم صفوان إلى المدينة فنام في المدينة وتوسد رداءه فجاء سارق وأخذ رداءه فأخذ صفوان السارق وجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تقطع يده، فقال صفوان إني لم أرده بهذا هو عليه صدقة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا كان قبل أن تأتيني به"4، فالصلح جائز قبل الرفع إلى الحاكم، أما بعد رفعه فلا يجوز الصلح في الحد5. 1 فتح الباري لابن حجر12 /141.) 2 سنن أبي داؤود رقم3476. 3 موطأ مالك، ك الحدود رقم29. 4 المصدر نفسه رقم685. 5 إصلاح ذات البين صـ184.

عدد الصفحات ٤١

42 سابعاا: المصالحة في الأحاديث النبوية 1 ـ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل سلامي من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته وتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذي صدقة1. 2 ـ وعن أم كلثوم بنت عقبة ابن أبي معيط رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيراً أو يقول خيراً" 2. 3 ـ عن أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليالٍ، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام3" 4 ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد مسلم لا يشرك بالله شيئاً، إلا رجلٌ كانت بينه وبين أخيه شحناء، فقال: انظروا هذين حتى يصطلحا، انظروا هذين حتى يصطلحا4. ثامناا: العفو في الأحاديث النبوية والرحمة 1 ـ عن أبي مسعود رضي الله عنه قال: كأني أنظر إلى رسول الله صلى ا عليه وسلم يحكي نبياً من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، ضربه قومه 1 متفق عليه 2 متفق عليه 3 رواه مالك في الموطأ 4 المصدر نفسسه

عدد الصفحات ٤٢

43 فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه، ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم يعلمون1. 2 ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه قال: "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب"2. 3 ـ وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله"3. 4 ـ وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله اخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليالٍ" 4. 5 ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة" 5. 6 ـ وعن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً" 6. 7 ـ وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"7. 1 متفق عليه 2 متفق عليه 3 رواه مسلم 4 رواه مالك في الموطأ 5 رواه مسلم 6 متفق عليه 7 متفق عليه

عدد الصفحات ٤٣

44 تاسعاا: إصلًح ذات البين لَ يحل الحرام ولَ يحرم الحلًل 1ـ شرع الصلح لإحقاق الحق وإصلاح المعوج، وتحقيق إصلاح ذات البين، فلو أن شخصاً صالح آخر على تحريم حلال أو تحليل حرام فهذا لا يجوز فقد نهى عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قال: الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرم حلالاً، أو أحلّ حراماً 1 . عاشراا: فضل إصلًح ذات البين في السنة 1ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما عمل ابن آدم شيئاً أفضل من الصلاة وإصلاح ذات البين وخلق حسن2. 2ـ وعن أم الدرداء عن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال: قال رسول ا صلى الله عليه وسلم: ألا أخبركم بأفضل من درجة الصوم والصلاة والصدقة، قالوا: بلى، قال: إصلاح ذات البين، وفساد ذات البين الحالقة3. الحادي عشر: أهمية إصلًح ذات البين: 1ـ تخفيف العبء عن القضاء قد يتم الصلح بين الخصوم قبل رفع الدعوى أمام القضاء، وهذا العمل يخفف العبء عن العاملين في مجال القضاء الرسمي، وصدق القائل: لو أنصف الناس استراح القاضي وبات كلّ عن أخيه راضي 2ـ تخفيف العبء عن الخصوم إن إنهاء النزاع بين الخصوم صلحاً فيه تخفيف كبير عنهم، وذلك من خلال إجراءات الترافع بجلسة أو جلستين وسهولتها وانهائها، أما ما يجري في 1 سنن الترمذي3 /624) سنن أبي داود3 /304.) 2 رواه البخاري في التاريخ الكبير1 /63.) 3 سنن أبو داود4 /280) رقم4919.

عدد الصفحات ٤٤

45 المحاكم فيها كثير من التعقيد والمشقة كما أنها تستغرق وقتاً وجهداً وتكاليف باهظة وفي هذا مشقة وتعب واستنزاف لجهودهم، وأموالهم. 3ـ تحقيق العدالة: إن حسم الخلاف بين طرفي النزاع عن طريق الصلح أدعى إلى الإنصاف وأدنى إلى تحقيق العدالة، حيث إن المتخاصمين أعلم من غيرهم بمعرفة استحقاق كل منهم فيما يدعيه، أو فيما يدعي عليه، لأن كلا منهما يعلم في قرارة نفسه أين الحق، ولمن هو الحق المتنازع عليه. وهذا المعنى قد أشار إليه الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي روته أم سلمة رضي الله عنها قالت: جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواريث بينهما قد درست1، ليس بينهما بيّنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكم تختصمون إلىّ وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض وإنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها أسطاماً 2 في عنقه يوم القيامة، فبكى الرجلان وقال كل واحد منهما: حقي لأخي. فقال رسول الله: أما إذ قلتما فاذهبا فاقتسما، ثم توخيا الحق، ثم استهما، ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه3. 4ـ نشر الوعي الإجتماعي ذلك أنه يستأصل شأف ة الخصومة ويؤلف القلوب المتنافرة، ويضع حداً لما تتركه الخصومات من أحقاد في النفوس، وضغناء في الصدور. 5ـ إشاعة السلام بين أفراد المجتمع 1 درست: درس درساً ودروساً عفا وذهب أثره 2 الأسطام: المسعار وهو حديدة عريضة الرأس 3 رواه أحمد6 /320) سنن أبي داود رقم3853.

عدد الصفحات ٤٥

46 عندما يصطلح الناس، وتزال العداوات والمخاصمات فيما بينهم، ويحل الوفاق محل الخلاف، عند ذلك يأمن الناس بعضهم بعضاً، ويحلّ السلام الاجتماعي بين أفراد المجتمع. 6ـ تأليف القلوب لاشك أن الخصام يفرق المتاحبين، ويعمق بينهم العداوة والخلاف، وتتنافر القلوب وتتباغض، فعندما يتم الإصلاح والتصالح1 ـ على أسس العدل، وقيم القسط وإحقاق الحقوق والتصافح، والتغافر والتراحم، تتآلف القلوب. الثاني عشر: وسائل إصلًح ذات البين: فوسائل إصلاح ذات البين كثيرة منها الشفهية والسمعية والبصرية، أو المقروءة وتشمل كل من الاتصال الفردي والخطبة والمحاضرة والندوة والمذياع والشريط المسموع والمسرح والتلفزيون، والكتاب والصحيفة والمجلة والإنترنت وأجهزة الاتصال وغيرها ولو استخدمت هذه الوسائل بحق لعاش الناس في حب وإخاء وتآلف ولضاق الخصام والشجار على مستوى الأفراد والجماعات والقبائل والدول. 1ـ دور المجتمع في إصلاح ذات البين: أ ـ الأسرة: فالبيت إن أحسن فيه تربية الأبناء، فإن المجتمع الكبير سيستقبل الأعضاء الذين يحسنون إدارة وتوجيه دفة الحكم، فالبيت يتعلم فيه الكبير والصغير دروساً في الحب أوالكراهية وعندما يكون الأب قدوة في البيت فلا خصام في داخل الأسرة ولا شجار خارج البيت وإنما يعيش كل فرد من أفراد الأسرة في جو متسامح يتسم بالعفو عمن ظلمه وينبذ الخلاف ويكره الشقاق، فالبيت بيت مسلم يقتدى بالنبي صلى الله عليه وسلم في تحمل الأذى والعفو والصفح، فعندما ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف قام بالدعوة لا يدع أحداً من أشرافهم إلا جاءه وكلمه فلم يجيبوه وخافوا على أحداثهم، 1 إصلاح ذات البين صـ41 ،42.

عدد الصفحات ٤٦

47 فقالوا: يا محمد اخرج منبلدنا والحق بمحابك من الأرض وأغروا سفهاءهم، فجعلوا يرجمونه بالحجارة حتى إن رجليه لتدميان1، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم متجهاً إلى مكة بعد خروجه من الحائط 2 كئيباً محزوناً كسير القلب، فلما بلغ قرن المنازل بعث إليه جبريل ومعه ملك الجبال يستأمره أن يعلق عليهم الأخشبين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ـ عز وجل ـ وحده لا شريك به شيئاً 3. فهذه سماحته وعفوه وصفحه صلى الله عليه وسلم مع خصومه، بل شعوره أن الله سيخرج من أصلابهم شباباً يعبدونه وحده لا شريك له، فالأسرة هي المحضن ـ الحصن الأول ـ يقول الإمام علي رضي الله عنه: علموهم وأدبوهم4، فالأسرة هي الدرع الحصين التي يحتمي بها الإنسان عند الحاجة ويتقوى بها5، فعلى الأسرة أن تتعلم كي تعلم أفرادها، يقول الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: تعلموا تعلموا، فإن علمتم فأعملوا 6 . فالأسرة عليها أن تؤهل نفسها لتؤهل أبناءها. ب ـ المجتمع: تتجدد مسؤولية المجتمع عند تربية أبنائه وتوجيهها إلى الخير أو الشر فهو الوسط الذي ينشأ فيه الأفراد ومن خلال تعاملهم مع بعضهم البعض يؤثرون ويتأثرون سلباً وإيجاباً، لذلك فهو يؤثر على جميع الأفراد والجماعات المكونة لهذا المجتمع، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قصة القاتل الذي ينبغي التوبة من جرائمه السابقة، ففي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم7، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وفيه: ... انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناساً يعبدون الله، فأعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك، فإنها أرض 1 الوفاء بأحوال المصطفى10 /212) لابن الجوزي 2 الحائط: البستان 3 البخاري، ك بدء الخلق1 /458.) 4 إصلاح ذات البين صـ223. 5 المصدر نفسه صـ 223. 6 سنن الدارمي1 /103.) 7 إصلاح ذات البين صـ222.

عدد الصفحات ٤٧

48 سوء1، أنظر كيف دلّه على البيئة الصالحة والمجتمع النظيف الطاهر العابد لربه، فالمجتمع يعمل على التأثير في الشخص سلباً، أو إ يجاباً بل المجتمع ربما يكون رادعاً ومؤثراً في سلوك الشخص، فقد اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم المجتمع وسيلة لتأديب الرجل الذي كان يؤذي جاره، فقد ورد حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رجل يا رسول الله: إن لي جاراً يؤذني. فقال: انطلق فأخرج متاعك إلى الط ريق. فانطلق فاخرج متاعه فاجتمع الناس عليه فقالوا: ما شأنك؟ قال: لي جار يؤذيني فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: انطلق فأخرج متاعك إلى الطريق، فجعلوا يقولون: اللهم ألعنه، اللهم أخزه فبلغه ما قالوه، فأتاه فقال: أرجع إلى منزلك فوالله لا أؤذيك2. ج ـالمسجد: فالمسجد مكان لإقامة المحاضرات والندوات والدروس العلمية والمواعظ الإيمانية التي تدعو الناس إلى التحاب وسلامة الصدور، وإصلاح ذات البين وكل ذلك من خلال كلام الله تعالى، ومن خلال كلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وفعله وفعل أصحابه واتباعه من أهل الفضل والكرم رضي الله عنهم جميعاً 3. 2ـ دور المؤسسات التربوية في المصالحة أ ـ المنهج: فالتعليم عمود النهضة وعمادها وذخر أي أمة وسندها، فالأمة الإسلامية أمة العلم والتعلم إذ هي التي بدأ كتابها السماوي "القرآن الكريم" بكلمة "أقرأ" في أول ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، فالمنهج يغرس في المتعلم العلم والخلق والسلوك والإخلاص والأمانة، لا سيما إذا تضمن نماذج من صور القرآن وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم من خلال القصص والحكايات الصحيحة والواقعية، يختار لهم من القصص الداعمة للحب والوفاء والألفة 1 البخاري رقم32830 مسلم ك التوبة 2 الأدب المفرد للبخاري رقم68 (1 /216.) 3 إصلاح ذات البين صـ236.

عدد الصفحات ٤٨