17 وقع من يوسف بالمراتب الثلاثة المذكورة في قوله تعالى وَال كَاظِمِينَ ال غَي ظَ وَال عَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُّ يُحِبُّ ال مُح سِنِينَ "(آل عمران ، آية : 134.) فيوسف عليه السلام كظم غيظه بقوله لاَ تَث رَيبَ عَلَي كُمُ ال يَو مَ "، ثم عفا عنهم بقوله: " يَغ فِرُ اللهُّ لَكُم ". ثم أحسن إليهم بقوله بعد ذلك مباشرة: " وَأ تُونِي بِأَه لِكُم أَج مَعِينَ " (يوسف ، آية : 93.) إن يوسف عليه السلام آثر العفو عن اخوته والعدول عن الانتقام إلى العفو والغفران، وهذه من الفضائل الحميدة من أخلاق الأنبياء عليهم السلام وأخلاق المؤمنين. ـ وهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه كان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره، وكان ممن وقع في حديث الافك ولم يتثبت وخاض فيه ضد السيدة عائشة، فقال الصديق: والله لا أنفق على مسطح شيئاً أبداً بعد الذي قال في عائشة ما قال، ولما أنزل الله براءة السيدة عائشة في سورة النور، وكان من الآيات التي ذكرت في الحادثة قوله تعال ى: " وَلاَ يَأ تَلِ أُو لُوا ال فَض لِ مِنكُم وَالسَّعَةِ أَن يُؤ تُوا أُو لِي ال قُر بَى وَال مَسَاكِينَ وَال مُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهَِّ وَل يَع فُوا وَل يَص فَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغ فِرَ اللهَُّ لَكُم وَاللهَُّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يَر مُونَ ال مُح صَنَاتِ ال غَافِلاَتِ ال مُؤ مِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّن يَا وَالآ خِرَةِ وَلَهُم عَذَابٌ عَظِيمٌ " (النور ، آية : 22 ـ23.) قال أبو بكر: بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي، فأرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، قال: والله لا أنزعها أبداً. ـ وفي حروب الردة، كان لأبي بكر بعد نظر وبصيرة نافذة ومعرفة بعواقب الأمور، ولذلك كان يستخدم الحزم في محله والعفو عندما تقتضي إليه الحاجة، فقد كان حريصاً على جمع شتات القبائل تحت راية الإسلام، فكان من سياسته الحكيمة عفوه عن زعماء القبائل المعاندة بعد رجوعهم إلى الحق،
عدد الصفحات ١٧18 فإنه لما استخضع قبائل اليمن المرتدة وأراهم سطوة دولة المسلمين وقوة شكيمتهم ومضاء عزيمتهم واعترفت القبائل بما أنكرت واستكانت لحكم الاسلام، وأطاعوا خليفة رسول الله رأى أبو بكر أنه من تأليف القلوب ترك استعمال القوة مع زعماء هذه القبائل ، بل اللين هنا والرفق أوفق، فرفع العقوبة عنهم وألان القول لهم، ووظف نفوذهم في قبائلم لصالح الإسلام والمسلمين، فعفا عن ذلتهم وأحسن إليهم، فقد فعل ذلك مع قيس بن يغوث المرادي، وعمرو بن معد يكرب، والأشعث بن قيس الكندي، فقد، فقد كانوا من صناديد العرب وأفرسهم وأ كثرهم شجاعة، ويجد الباحث شيء من التفصيل في فقه الصديق في التعامل مع مثل هذه القيادات في الدولة. ـ وأما الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما قاد الصلح مع معاوية وفق مراحل، ودوافع وشروط وترتب عليه نتائج وسمي ذلك الاتفاق الذي تنازل فيه الحسن لمعاوية بعام الجماعة، ويجد القارئ شيئاً من التفصيل في هذا الكتاب، لقد قامت هذه المصالحة على إعطاء الأمن للناس والعودة إلى الشرعية المتأسسة على المرجعية المتفق عليها في المجتمع وتقديم وحدة الأمة على المصالح الفئوية، والمتابع لمسار تاريخ المسلمين بعد المصالحة يلحظ بوضوح ا لآثار الكبيرة التي ترتبت عليها سواء بتحقيق الأمن والرفاه الاجتماعي أو بتوسع رقعة الدولة وزيادة مواردها، وهو أمر يحتم علينا اليوم السعي بغية الوصول إلى صيغ المصالحة بين فئات المجتمع المتنوعة وتطبيقات راسخة تؤسس لمرحلة جديدة من الأمن الاستقرار، وهو أمر يسترعي انتباهنا إلى أن الحوار مع كل فئات المجتمع مهما اختلفت بات أمراً ملحاً لا يجوز التراخي فيه فضلاً عن فداحة الخطأ في إشاحة النظر عنه، فمجتمعنا وبرغم الكثير من الاحتكاكات التي سقط جراء بعضها قتلى في كل الاتجاهات وعلى مختلف الجبهات لا يزال يملك استناداً لهذه الخبرة التاريخية أن يفتح باباً واسعاً للحوار والمصالحة ربما يصير بعد ذلك نموذجاً ومثالاً يحتذى به. ـ وأما التجارب الإنسانية المعاصرة، فقد اطلعت على مجموعة كبيرة منها:
عدد الصفحات ١٨19 أوغندا / هيئة التحريات حول اختفاء الأشخاص بوليفيا / الهيئة الوطنية للتحريات حول الاختفاءات. الأرجنتين / الهيئة الوطنية. الفلبين / الهيئة الرئاسية حول حقوق الأشخاص. رواندا / الهيئة الدولية للبحث حول انتهاكات حقوق الانسان. تشيلي / الهيئة الوطنية حول الحقيقة والمصالحة. السلفادور / لجنة تقصي الحقائق بشأن السلفادور. سيراليون / هيئة الحقيقة والمصالحة. غانا / مفوضية المصالحة الوطنية. البراغواي / هيئة الحقيقة والعدالة. صربيا / هيئة الحقيقة والمصالحة. المغرب / هيئة الانصاف والمصالحة. جنوب أفريقيا / مفوضية جنوب أفريقيا للحقيقة والمصالحة. وكانت تجربة جنوب أفريقيا من أهم التجارب لذلك اهتممت بها في هذا الكتاب، ووجدت رسالة من نيلسون مانديلا للثورات العربية تستحق القراءة، جاء فيها: اخوتي في بلاد العرب: اخوتي في تونس ومصر: اعتذر أولاً عن الخوض في شؤونكم الخاصة، وسامحوني إن كنت دسست أنفي فيما لا ينبغي التقحم فيه، لكنني أحسست أن واجب النصح أولاً، والوفاء
عدد الصفحات ١٩20 ثانياً لما أوليتمونا أياه من مساندة أيام قراع الفصل العنصري يحتمان علي رد الجميل وإن بإبداء رأي محّصته التجارب وعجمتُه الأيام، وأنضجته السجون أحبتي ثوار العرب. لازلت أذكر ذلك اليوم بوضوح، كان يوماً مشمساً من أيام كيب تاون. خرجت من السجن بعد أن سلخت بين جدرانه عشرة آلاف يوم. خرجت إلى الدنيا بعد وًوريت عنها سبعاً وعشرين سنة لأني حلمت أن أرى بلادي خالية من الظلم والقهر والاستبداد. ورغم أن اللحظة أمام سجن فكتور فستر كانت كثيفة على المستوى الشخصي إذ سأرى وجوه أطفالي وأمهم بعد كل هذا الزمن، إلا أن السؤال الذي ملأ جوانحي حينها هو، كيف سنتعامل مع إرث الظلم لنقيم مكانه عدلاً؟ أكاد أحس أن هذا السؤال هو ما يقلقكم اليوم. لقد خرجتم لتوكم من سجنكم الكبير، وهو سؤال قد تُحدد الإجابة عليه طبيعة الاتجاه الذي ستنتهي إليه ثوراتكم. إن إقامة العدل أصعب بكثير من هدم الظلم. فالهدم فعل سلبي والبناء فعل إيجابي. أو على لغة أحد مفكريكم ـ حسن الترابي ـ فإن إحقاق الحق أصعب بكثير من إبطال الباطل. أنا لا أتحدث العربية للأسف، لكن ما أفهمه من الترجمات التي تصلني عن تفاصيل الجدل السياسي اليومي في مصر وتونس تشير بأن معظم الوقت هناك مهدر في سب وشتم كل من كانت له صلة قريبة أو بعيدة بالأنظمة السابقة، فذاك أمر خاطئ في نظري، أنا أتفهم الأسى الذي يعتصر قلوبكم وأعرف أن مرارات الظلم ماثلة، إلا أنني أرى أن استهداف هذا القطاع الواسع من مجتمعكم قد يسبب للثورة متاعب خطيرة، فمؤيدو النظام السابق كانوا يسيطرون على المال العام وعلى مفاصل الأمن والدولة، وعلاقات البلد مـع الخارج، فاستهدافهم قد يدفعهم إلى أن سيكون اجهاض الثورة أهم هدف لهم
عدد الصفحات ٢٠21 في هذه المرحلة التي تتميز عادة بالهشاشة الأمنية وغياب التوازن. أنتم في غنى عن ذلك احبتي. إن أنصار النظام السابق ممسكون بمعظم ال مؤسسات الاقتصادية التي قد يشكل استهدافها أو غيابها أو تحييدها كارثة اقتصادية أو عدم توازن أنتم في غنى عنه الآن. عليكم أن تتذكروا أن أتباع النظام السابق في النهاية مواطنون ينتمون لهذا البلد، فاحتواؤهم ومسامحتهم هي أكبر هدية للبلاد في هذه المرحلة، ثم إنه لا يمكن جمعهم ورميهم في البحر أو تحييدهم نهائياً ثم إن لهم الحق في التعبير عن أنفسهم وهو حق ينبغي أن يكون احترامه من أبجديات ما بعد الثورة. أعلم أن مما يزعجكم أن تروا ذات الوجوه التي كانت تنافق للنظام السابق تتحدث اليوم ممجدة الثورة، لكن الأسلم أن لا تواجهوهم بالتبكيت إذا مجدوا الثورة، بل شجعوهم على ذلك حتى تحيدوهم وثقوا أن المجتمع في النهاية لن ينتخب إلا من ساهم في ميلاد حريته. إن النظر إلى المستقبل والتعامل معه بواقعية أهم بكثير من الوقوف عند تفاصيل الماضي المرير. أذكر جيداً أني عندما خرجت من السجن كان أكبر تحد واجهني هو أن قطاعاً واسعاً من السود كانوا يريدون أن يحاكموا كل من كانت له صلة بالنظام السابق، لكنني وقفت دون ذلك وبرهنت الأيام أن هذا كان الخيار الأمثل ولولاه لانجرفت جنوب إفريقيا إما إلى الحرب الأهلية أو إلى الديكتاتورية من جديد، لذلك شكلت "لجنة الحقي قة والمصالحة" التي جلس فيها المعتدي والمعتدى عليه وتصارحا وسامح كل منهما الآخر. إنها سياسة مرة لكنها ناجعة. أرى أنكم بهذه الطريقة ـ وأنتم أدرى في النهاية ـ سترسلون رسائل اطمئنان إلى المجتمع الملتف حول الديكتاتوريات الأخرى أن لا خوف على مستقبلهم
عدد الصفحات ٢١22 في ظل الديم قراطية والثورة،، مما يجعل الكثير من المنتفعين يميلون إلى التغيير، كما قد تحجمون خوف وهلع الديكتاتوريات من طبيعة وحجم ما ينتظرها، تخيلوا لو أننا في جنوب إفريقيا ركزنا ـ كما تمنى الكثيرون ـ على السخرية من البيض وتبكيتهم واستثنائهم وتقليم أظافرهم؟ لو حصل ذلك لما كانت قصة جنوب إفريقيا واحدة من أروع قصص النجاح الإنساني اليوم. أتمنى أن تستحضروا قولة نبيكم: "أذهبوا فأنتم الطلقاء". نلسون روهلالا مانديلا ـ هوانتون ـ جوهانزبيرغ هذا الخطاب فيه من الحكم والدروس والعبر وتجارب الحياة الشيء الكثير ولذلك لم نغفل عنه. كما أنني في هذا الكتاب أضفت الجهود الفكرية والعلمية والحلول العملية التي قدمت لإنجاح المصالحة ا لوطنية فاعتبرتها وثائق مهمة لا ن ستغنى عنها اضفتها للكتاب. وختمته بالحديث عن خطر الذنوب وعواقبها على الفرد والمجتمع، والدعوة إلى التوبة وبيان شروطها، وأثر التوبة في حد الحرابة، وفي حد القتل، فيما يتعلق بحقوق العباد المالية، وغير المالية وفي تكفير الكبائر، وعلى الإنسان وعلى الناحية الصحية والنفسية والإجتماعية والخلقية ثم الخاتمة. هذا وقد أنهيت كتاب العدالة والمصالحة الوطنية في 12/1/2012م الساعة الثانية وعشر دقائق ظهراً الموافق 18/2/1433هـ والفضل لله من قبل ومن بعد، وأسأله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعل عملي لوجهه خالصاً، ولعباده نافعاً، وأن يثيبني على كل حرف كتبته ويجعله في ميزان حسناتي وأن يثيب إخواني الذين أعانوني بكل ما يملكون من أجل إتمام هذا الجهد المتواضع، ونرجو من كل مسلم يطلع
عدد الصفحات ٢٢23 على هذا الكتاب ألا ينسى العبد الفقير إلى عفو ربه ومغفرته ورحمته ورضوانه من دعائه: " رَبِّ أَو زِع نِي أَن أَش كُرَ نِع مَتَكَ الَّتِي أَن عَم تَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَن أَع مَلَ صَالِحًا تَر ضَاهُ وَأَد خِل نِي بِرَح مَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ " (النمل ، آية : 19.) ـ وقال تعالى مَا يَف تَحِ اللهَُّ لِلنَّاسِ مِن رَّح مَةٍ فَلاَ مُم سِكَ لَهَا وَمَا يُم سِك فَلاَ مُر سِلَ لَهُ مِن بَع دِهِ وَهُوَ ال عَزِيزُ ال حَكِيمُ " (فاطر ، آية : 2.) وصلى الله علىسيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم "سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين" الفقير إلى عفو ربه ومغفرته ورحمته ورضوانه علي محمد الصَّلاَّبي
عدد الصفحات ٢٣24 المدخل إن المصالحة الوطنية بين أبناء الشعب الليبي ضرورة دينية، وإنسانية، وحضارية، واقتصادية، واجتماعية، وسياسية، ونفسية، لا يستغنى عنها ليبي ولا ليبية من أجل تأكيد التلاحم بين أبناء الشعب، وترسيخ قواعد الوحدة الوطنية وإشاعة أجواء المحبة والانسجام بين مكوناته المختلفة ولمعالجة الآثار التي تركها النظام الديكتاتوري الاستبدادي، وظروف حرب التحرير من الظلم والجور والانتقام، فيجب على أبناء هذا الشعب شيباً وشباباً رجالاً ونساء السعي الحثيث والعمل المتواصل الدؤوب للوصول إلى الأهداف والمقاصد السامية والقيم الإنسانية الرفيعة التي خرجت من أجلها الشعوب. فالمصلحة الوطنية ضرورة دينية: لأن الله تعالى أمر المسلمين بعد إنتهاء الحرب بينهم بالصلح على مبادئ الع دل وقيم القسط وبين سبحانه وتعالى المنهجية التامة والكاملة في القتال بين المسلمين والمراحل التي يجب علينا أن نلتزم بها: 1 ـ قال تعالىوَإِن طَائِ فَتَانِ مِنَ ال مُؤ مِنِينَ اق تَتَلُوا فَأَص لِحُوا بَي نَهُمَا فَإِن بَغَت إِح دَاهُمَا عَلَى الأ ُخ رَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَب غِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَم رِ اللهَِّ فَإِن فَاءت فَأَص لِحُوا بَي نَهُمَا بِال عَد لِ وَأَق سِطُوا إِنَّ اللهََّ يُحِبُّ ال مُق سِطِينَ * إِنَّمَا ال مُؤ مِنُونَ إِخ وَةٌ فَأَص لِحُوا بَي نَ أَخَوَي كُم وَاتَّقُوا اللهََّ لَعَلَّكُم تُر حَمُونَ " (الحجرات ، آية 9 ـ10.) ففي هذه الآية الكريمة بيان للتعاليم الربانية التي يجب على المسلمين الالتزام بها، فقد أثبت سبحانه وتعالى صفة الإيمان للمسلمين المتقاتلين ولم ينزع عنهم صفة الإيمان بسبب القتال. وعند اندلاع القتال بين المسلمين أمر الله بالعمل على ايقافه بالسعي للإصلاح، فإن امتنعت إحدى الطائفتين عن الإصلاح وإيقاف القتال أمر الله المسلمين جميعاً بالعمل على قتال الفئة الباغ ية الظالمة الجائرة حتى ترجع وتنقاد لأحكام الشريعة الإسلامية، فإن رجعت أو انهزمت أمام الطائفة الأخرى، فعلى المسلمين أن يجتهدوا في إصلاح ذات البين على أسس العدل وأصول القسط،
عدد الصفحات ٢٤25 وبين سبحانه وتعالى إن الله يحب المقسطين، مرغباً لنا للوصول إلى محبة ا عز وجل، والفرق بين العدل والقسط، هو أن القسط عدل مع مراعاة المشاعر والأحاسيس والنفوس للمهزومين والمكلومين والمصابين في هذا القتال، فلا بد في المصالحة الوطنية أن تقوم على العدل ومراعاة مشاعر وأحاسيس ونفوس الناس. ثم بين سبحانه وتعالى بأن المؤمنين إخوة، وحرك العواطف الأخوية المتبلدة بسبب الحرب في أ عماق النفس البشرية، مذكراً بمعاني الأخوة الخالدة في عقيدتنا وديننا لكي تتغير النفوس من أعماقها نحو قيم السلم والأمن والتسامح والعفو والصفح وتتجاوز تبعات مرحلة القتال بالبعد الإيماني الأخوي الذي يقرب به العبد المؤمن لخالقه جل في علاه. وأمر المولى عز وجل القيادات المؤثرة في المجتمع وأفراد الشعب بالإصلاح بين الإخوة وإزالة آثار الحرب النفسية والاجتماعية والاقتصادية. وذكرهم بالخوف من الله وإتقاء سخطه وعقبه وذلك بتقواه في الأعمال والأقوال وفي مشاعر الانتقام أو تشوق النفس لقهر وإذلال المغلوب، أو سيطرة الضغائن والأحقاد على المشهد العام بعد إنتهاء الحرب، لأن هذه التقوى الطريق لرحمة الله لهذا الشعب وهذا الوطن المحبب إلينا جميعاً. 2 ـ وبين سبحانه وتعالى في سورة النساء أن حديث الناس وكلامهم لا خير في كثير منه إلا من أمر بصدقة أو المعروف أو الإصلاح بين الخلق، قال تعالى: "لاَّ خَي رَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّج وَاهُم إِلاَّ مَن أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَو مَع رُوفٍ أَو إِص لاَحٍ بَي نَ النَّاسِ وَمَن يَف عَل ذَلِكَ اب تَغَاء مَر ضَاتِ اللهِّ فَسَو فَ نُؤ تِيهِ أَج رًا عَظِيمًا " (الآية ـ 114). فالإصلاح بين الناس من الأعمال الصالحة التي يترتب عليها الأجر العظيم من الخالق الجواد الكريم إذا كان السعي يراد به مرضاة الله ووجهه الكريم ومعنى " بَي نَ النَّاسِ " أي عموم الناس ولو كان بين يهود ونصارى أو غير ذلك.
عدد الصفحات ٢٥26 فالآية الكريمة تلقي بظلالها على النفس المتعلقة بخالقها لتحقيق هذه العبودية التي نحن في أشد الحاجة إليها في مجتمعنا الجديد بعد الخروج من عقود الظلم والاستبداد والجهل والتخلف. 3 ـ قال تعالى يَس أَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ للهِِّ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَّ وَأَص لِحُوا ذَاتَ بِي نِكُم وَأَطِيعُوا اللهَّ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤ مِنِينَ * إِنَّمَا ال مُؤ مِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُّ وَجِلَت قُلُوبُهُم وَإِذَا تُلِيَت عَلَي هِم آيَاتُهُ زَادَت هُم إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِم يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُو نَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَق نَاهُم يُنفِقُونَ * أُو لَـئِكَ هُمُ ال مُؤ مِنُونَ حَقًّا لَّهُم دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِم وَمَغ فِرَةٌ وَرِز قٌ كَرِيمٌ " (الأنفال ، آية : 1 ـ4.) فقد بين سبحانه وتعالى بأن تقوى الله عز وجل هي القوة الدافعة لإصلاح ذات البين وأنه من طاعة الله ورسوله والحرص على ذلك من شعب الإيمان التي يحبها المولى عز وجل. 4 ـ وقد ذكر سبحانه وتعالى بأن الصلح من جنس الخيرية المطلقة التي حث الله عليها عباده، قل تعالى: "وَإِنِ ام رَأَةٌ خَافَت مِن بَع لِهَا نُشُوزًا أَو إِع رَاضًا فَلاَ جُنَا حَ عَلَي هِمَا أَن يُص لِحَا بَي نَهُمَا صُل حًا وَالصُّل حُ خَي رٌ وَأُح ضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُح سِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَّ كَانَ بِمَا تَع مَلُونَ خَبِيرًا " (النساء ، آية : 128.) والإصلاح يحتاج إلى عدم التقصي في استيفاءالحقوق بين المتنازعين بترك كل فريق بعضاً من حقه ليجتمعا على كلمة سواء، ولكن طبيعة النفس البشرية شحيحة في التنازل عن حقوقها للوصول للصلح لذلك بين سبحانه وتعالى إن الإحسان وتقوى الله، ومراقبته في الصغائر والكبائر، وفي السر والعلن، كفيلة بالتغلب على شح النفوس المانعة من المصالحة، قال تعالى: "وَإِن تُح سِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَّ كَانَ بِمَا تَع مَلُونَ خَبِيرًا " (النساء ، آية : 128). 5 ـ قال تعالىوَإِن خِف تُم شِقَاقَ بَي نِهِمَا فَاب عَثُوا حَكَمًا مِّن أَه لِهِ وَحَكَمًا مِّن أَه لِهَا إِن يُرِيدَا إِص لاَحًا يُوَفِّقِ اللهُّ بَي نَهُمَا إِنَّ اللهَّ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا " (النساء ، آية : 35)، وهذه الآية تتحدث في الخلافات الزوجية وفي كيفية الإصلاح بين الرجل والمرأة في الأسرة الصغيرة، وبين المولى عز وجل أهمية النية
عدد الصفحات ٢٦27 والقصد في تحقيق هدف الحكمين، فكيف إذا كان الإصلاح على مستوى الشعب والأمة فالنوايا مطايا وحسن القصد والتوجه الذي يراد به وجه الله يعين المصلحين على تحقيق المقصود والمأمول من الوساطة، فهذا المعنى في قوله تعالى: "إِن يُرِيدَا إِص لاَحًا يُوَفِّقِ اللهُّ بَي نَهُمَا " (النساء ، آية : 35.) 6 ـ قال تعالى: "فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَي ءٍ فَمَتَاعُ ال حَيَاةِ الدُّن يَا وَمَا عِندَ اللهَِّ خَي رٌ وَأَب قَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِم يَتَوَكَّلُونَ * وَالَّذِينَ يَج تَنِبُونَ كَبَائِرَ الإ ِث مِ وَال فَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُم يَغ فِرُونَ * وَالَّذِينَ اس تَجَابُوا لِرَبِّهِم وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَم رُهُْ شُورَى بَي نَهُم وَمِمَّا رَزَق نَاهُم يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ ال بَغ يُ هُم يَنتَصِرُونَ * وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّث لُهَا فَمَن عَفَا وَأَص لَحَ فَأَج رُهُ عَلَى اللهَِّ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انتَصَرَ بَع دَ ظُل مِهِ فَأُو لَئِكَ مَا عَلَي هِم مِّن سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظ لِمُونَ النَّاسَ وَيَب غُونَ فِي الأ َر ضِ بِغَي رِ ال حَقِّ أُو لَئِ كَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِن عَز مِ الأ ُمُورِ "الشورى ، آية : 36 ـ43.) "وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ ال بَغ يُ " أي: وصل إليهم من أعدائهم " هُم يَنتَصِرُونَ " لقوتهم وعزتهم، ولم يكونوا أذلاّء عاجزين، عن الانتصار، فوصفهم بالإيمان والتوكل على الله، واجتناب الكبائر والفواحش الذي تكفر به الصغائر والانقياد التام، والاستجابة لربهم وإقامة الصلاة، والإنفاق في وجوه الإحسان، والمشاورة في أمورهم والقوة، والانتصار على أعدائهم، فهذه خصال الكمال قد جمعوها، ويلزم من قيامها فيهم فِ عل ما هو دونها وإنتفاء ضدها. " وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّث لُهَا فَمَن عَفَا وَأَص لَحَ فَأَج رُهُ عَلَى اللهَِّ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انتَصَرَ بَع دَ ظُل مِهِ فَأُو لَئِكَ مَا عَلَي هِم مِّن سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظ لِمُونَ النَّاسَ وَيَب غُونَ فِي الأ َر ضِ بِغَي رِ ال حَقِّ أُو لَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِن عَز مِ الأ ُمُورِ "الشورى ، آية : 40 ـ43.) ذكر الله في هذه الآية مراتب العقوبات وإنها على ثلاث مراتب، عدل، وفضل، وظلم، فمرتبة العدل جزاء سيئة بسيئة مثلها، لا زيادة ولا نقص، فالنفس بالنفس وكل جارحة بالجارحة المماثلة لها والمال يضمن بمثله.
عدد الصفحات ٢٧28 ومرتبة الفضل: العفو والإصلاح عن المسيء ولهذا قال " فَمَن عَفَا وَأَص لَحَ فَأَج رُهُ عَلَى اللهَِّ " يجزيه أجراً عظيماً وثواباً كثيراً، وشرط الله في العفو والإصلاح فيه ليدل ذلك على أنه إذا كان الجاني لا يليق بالعفو عنه وكانت المصالحة الشرعية تقتضي عقوبته، فإنه في هذه الحال لا يكون مأموراً به، وفي جعل أجر العافي على الله مما يهيج على العفو وأن يعامل العبد الخلق بما يحب أن يعامله الله به، فكما يحب أن يعفو الله عنه فليعف عنهم، وكما يحب أن يسامحه الله، فليسامحهم. وأما مرتبة الظلم فقد ذكرها بقوله: " إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ": الذين يجنون على غيرهم ابتداءً، أو يقابلون الجاني بأكثر من جنايته، فالزيادة ظلم. " إِنَّمَ ا السَّبِيلُ " أي: إنما تتوجَّه الحجَّة بالعقوبة الشرعية " عَلَى الَّذِينَ يَظ لِمُونَ النَّاسَ وَيَب غُونَ فِي الأ َر ضِ بِغَي رِ ال حَقِّ ". وهذا شامل للظلم والبغي على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، "أُو لَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ " أي موجع للقلوب والأبدان بحسب ظلمهم وبغيهم، "وَلَمَن صَبَرَ ": على ما يناله من أذى الخلق "وَغَفَرَ " لهم بأن سمح لهم عما يصدر منهم "إِنَّ ذَلِكَ لَمِن عَز مِ الأ ُمُورِ "، أي من الأمور التي حث الله عليها وأكَّدها وأخبر أنه لا يلقَّا ها إلا أهل الصبر والحظوط العظيمة، ومن الأ مور التي لا يوفق لها إلا أولو ا لعزائم والهمم وذوو الألباب والبصائر، فإن ترك الانتصار للنفس بالقول أو الفعل من أشق شيء عليها، والصبر على الأذى والصفح عنه ومغفرته ومقابلته بالإحسان أشقَّ وأشقَّ ولكنه يسير على من يسَّره الله عليه، وجاهد نفسه على الاتصاف به، واستعان الله على ذلك، ثم إذا ذاق العبد حلاوته ووجد آثاره تلقاه برحب الصدر وسعة الخلق، والتلذُّذ فيه 1. 7 ـ وقال تعالىوَإِن عَاقَب تُم فَعَاقِبُوا بِمِث لِ مَا عُوقِب تُم بِهِ وَلَئِن صَبَر تُم لَهُوَ خَي رٌ لِّلصَّابِرينَ * وَاص بِر وَمَا صَب رُكَ إِلاَّ بِاللهِّ وَلاَ تَح زَن عَلَي هِم وَلاَ تَكُ فِي ضَي قٍ مِّمَّا يَم كُرُونَ *إِنَّ اللهَّ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّح سِنُونَ " (النحل ، آية : 126 ـ 128) يقول الله تعالى مبيحاً للعدل ونادباً للفضل والإحسان وَإِن عَاقَب تُم ": من 1 تفسير السعدي صـ90.
عدد الصفحات ٢٨29 أساء إليكم بالقول والفعلفَعَاقِبُوا بِمِث لِ مَا عُوقِب تُم بِهِ " من غير زيادة منكم على ما أجراه معكم "وَلَئِن صَبَر تُم ": عن المعاقبة وعفوتم عن جرمهم "لَهُوَ خَي رٌ لِّلصَّابِرينَ " من الاستيفاء وما عند الله خير لكم وأحسن عاقبة. ثم أمر رسوله بالصبر على دعوة الخلق إلى الله والاستعانة بالله على ذلك وعدم الاتكال على النفس، فقال: "وَاص بِر وَمَا صَب رُكَ إِلاَّ بِاللهِّ " هو الذي يعينك عليه ويثبتك "وَلاَ تَح زَن عَلَي هِم "إذا دعوتهم فلم تر منهم قبولاً لدعوتك، فإن الحزن لا يجدي عليك شيئاً، " وَلاَ تَكُ فِي ضَي قٍ " أي شدّة وحرج " مِّمَّا يَم كُرُونَ " فإن مكرهم عائداً إليهم، وأنت من المتقين المحسنين والله مع المتقين المسحينين بعونه وتوفيقه وتسديده وهم الذين اتقوا الكفر والمعاصي وأحسنوا في عبادة الله، بأن عبدوا الله كأنهم يرونه، فإن لم يكونوا يرونه فإنه يراهم، والإحسان إلى الخلق ببذل النفع لهم من كل وجه1. وقد تحدث المفسرون كما تحدثت كتب علوم القرآن عن أسباب نزول هذه الآية " وَإِن عَاقَب تُم فَعَاقِبُوا بِمِث لِ مَا عُوقِب تُم بِهِ .." إلى آخر سورة النحل فذكر جمع من المفسرين: أن هذه الآيات نزلت في أعقاب غزوة أحد وروى الحافظ البزار عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على حمزة بن عبد المطلب حين أستشهد فنظر إلى منظر لم يُنظر أوجع للقلب منه، وقد مثل المشركون به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد كنت وصولاً للرحم فعولاً للخيرات، والله لولا حزن من بعدك عليك، لسرَّني أن أتركك حتى يحشرك الله من بطون السباع أما والله لأمثلن بسبعين منهم مكانك فنزلت هذه الآية، فكفر رسول الله عن يمينه2. وقد ذكر بعض العلماء: أن هذه الآيات الثلاثة الأخيرة من سورة النحل، تكرر نزولها، فنزلت يوم أحد، ونزلت عند فتح مكة والحكمة في تكرير نزولها: شدة الحاجة إلى العمل بمعانيها، عند الرغبة في التشفي ودعوة القرآن إلى الصبر. 1 تفسير السعدي صـ519. 2 قال السيوطي في الدر: وأخرج ابن سعد، والبزار، وابن المنذر، وابن مردوية، والحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل
عدد الصفحات ٢٩30 وهذه الآيات دعوة إلهية إلى الصبر والاحتمال، وهي دستور مفيد للإنسان وللجماعات والأمم، وسواء كان نزولها في غزوة أحد أو عند فتح مكة أو عند حياة المسلمين بمكة قبل الهجرة، فإن معانيها عامة وأوامرها وآدابها مطلوبة للحياة والأفراد1. أولَا: واجبات الخصمين لتحقيق الإصلًح ذات البين: 1ـ دفع السيئة بالتي هي أحسن وهي على مراتب: المرتبة الأولى: دفع السيئة بالحسنة: قال تعالى:" اد فَع بِالَّتِي هِيَ أَح سَنُ السَّيِّئَةَ نَح نُ أَع لَمُ بِمَا يَصِفُونَ " (المؤمنون، آية: 96.) قال تعالى اد فَع بِالَّتِي هِيَ أَح سَنُ فَإِذَا الَّذِي بَي نَكَ وَبَي نَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ " المرتبة الثانية: مقابلة السيئة بالصفع الجميل: قال تعالى:" فَاص فَحِ الصَّف حَ ال جَمِيلَ " (الحجر، آية: 85.) وقال تعالى فَاص فَح عَن هُم وَقُل سَلاَمٌ فَسَو فَ يَع لَمُونَ " (الزخرف، آية: 89.) المرتبة الثالثة: مقابلة السيئة بالصبر الجميل قال تعالى:" فَاص بِر صَب رًا جَمِيلاً " (المعارج، آية: 5.) وقال تعالى فَاص بِر إِنَّ وَع دَ اللهَِّ حَقٌّ وَلاَ يَس تَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ " (الروم، آية : 60.) وقال تعالى فَاص بِر عَلَى مَا يَقُولُونَ " (ق، آية: 39.) 1 تفسير القرآن الكريم، د. عبد اله شحاتة7 /2741.)
عدد الصفحات ٣٠31 المرتبة الرابعة: دفع السيئة بالهجر الجميل قال تعالى:" وَاص بِر عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاه جُر هُم هَج رًا جَمِيلاً " (المزمل، آية : 10.) المرتبة الخامسة: مواجهة السيئة بطلب الصلح قال تعالى:" وَإِنِ ام رَأَةٌ خَافَت مِن بَع لِهَا نُشُوزًا أَو إِع رَاضًا فَلاَ جُنَا حَ عَلَي هِمَا أَن يُص لِحَا بَي نَهُمَا صُل حًا وَالصُّل حُ خَي رٌ " (النساء، آية : 138.) المرتبة السادسة: دفع السيئة بسيئة مثلها من غير زيادة قال تعالى:" وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّث لُهَا فَمَن عَفَا وَأَص لَحَ فَأَج رُهُ عَلَى اللهَِّ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ " (الشورى، آية : 40.) فمن ألتزم بهذه القواعد فقد سيطر على أخلاقه. قال تعالى:" وَال كَاظِمِينَ ال غَي ظَ وَال عَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُّ يُحِبُّ ال مُح سِنِينَ " (آل عمران ، آية : 134.) 2ـ الَستجابة لداعي الإصلًح على المتنازعين أن يتقوا الله، ويسارعوا إلى إنهاء الخصام ويلبوا داعي الصلح إذا تقدم به الراغبون لإصلاح ما بينهم فلا تأخذهم العزة بالإثم فتمنعوا عن قبول دعوة المصالحة، ويستمروا بالمقاطعة والهجر، فيفوتهم قبول الأعمال وكسب الأجر من الله وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بغض الله تعالى لمن كانت صفته شديد الخصومة واللجاج. أ ـ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم1. والألد الشديد اللدد، أي الجدال ومن كانت هذه صفته وطباعه فهو شر على مجتمعه، وخطر على أمنهم، فهو يهدم ولا يبني، عمله الإفساد في الأرض 1 البخاري رقم2457.
عدد الصفحات ٣١32 وأما من يستجيب للصلح، ويرغب فيه، ويميل إليه، فهو خير الناس، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم فضله بقوله :"وخيرهما الذي يبدأ بالسلام"1. فالذي يبادر إلى إصلاح ذات البين، فهو في ميزان الإسلام من الخيرين، وهذا دليل على طهارة القلب وسموا النفس، وطيب المعدن، فهذه الصفات جعلته يحوز على الفضل بسبب قبول الصلح. 3ـ عدم الَستجابة لوسوسة الشيطان في إيقاع النزاع إن الشيطان حريص على التحريش بين الناس، وزرع الخصومات والعداوات وتفكيك الأسر، والتفريق بين المتحابين والمتآخين فهو عدو للإنسانية، قال تعالى:" إِنَّ الشَّي طَانَ لَكُم عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَد عُو حِز بَهُ لِيَكُونُوا مِن أَص حَابِ السَّعِيرِ " (فاطر، آية : 6.) فالعاقل من يحرص على وحدة الصفح وتجاوز الآلآم والجروح والمصائب التي وقعت ويحب الخير للجميع، يعفو عن من ظلمه ويعطي من حرمه وهذا ما ينبغي أن يتصف به المسلم، لأن التنازع له مضار عديدة فهو يؤدي إلى الفشل، وتمزق المجتمع وضعف الدولة مما يمكن أعداء الشعب من التدخل في شؤونه، كما أنه مدخل واسع من مداخل الشيطان، يتمكن به من افساد ذات البين ونشر الكراهية بين الناس وإشاعة البغضاء بين أبناء الأسر والأخ وأخيه والإبن وأبيه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن الشيطان قد آسى أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش2 بينهم3. فالشيطان حريص على إيقاع الخصام بين الناس، فالإسلام يدعو إلى التصالح ويحث أتباعه على سلوك هذا المنهج، ولنا اسوة في مسلك الواعظ البر الرافض للشر أبو ذر عمر بن ذر فقد شتمه رجل، فقال: يا هذا، لا تغرقن في 1 البخاري رقم6077. 2 التحريش : أي حملهم على الحروب والفتن 3 مسلم رقم2812.
عدد الصفحات ٣٢