1
عدد الصفحات ١2 بسم الله الرحمن الرحيم الإهداء إلى شهداء الثورات الشعبية في ليبيا وتونس ومصر واليمن وسوريا وغيرها. وإلى الشعوب المتطلعة لتحكيم شريعة الله بينها، والحريصة على إعادة دور الأمة الحضاري من جديد،أهدى هذا الكتاب. قال تعالى:" فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحاا وَلََ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداا " (الكهف، آية : 110)
عدد الصفحات ٢3 بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، ومن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَّ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّس لِمُونَ " (آل عمران ، آية : 102.) "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّف سٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِن هَا زَو جَهَا وَبَثَّ مِن هُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُوا اللهَّ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَر حَامَ إِنَّ اللهَّ كَانَ عَلَي كُم رَقِيبًا " (النساء ، آية : 1.) "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهََّ وَقُولُوا قَو لاً سَدِيدًا * يُص لِح لَكُم أَع مَالَكُم وَيَغ فِر لَكُم ذُنُوبَكُم وَمَن يُطِع اللهََّ وَرَسُولَهُ فَقَد فَازَ فَو زًا عَظِيمًا " (الأحزاب، الآية : 70 ـ71.) يا رب لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد إذا رضيت وللك الحمد بعد الرضى أما بعد، إن الشعوب الإسلامية تمر بمرحلة جديدة في تاريخها المعاصر فقد أذن الله لها لها بالنهوض والتخلص من الإستبداد والنظم الجيرية الدكتاتورية وبدأت نقطة الإنطلاق في تونس الحبيبة العزيزة التي أذاقها نظام بن علي سوء العذاب، فعمل على تجفيف منابع الهدى والإيمان والتُقى وأوقع البلاد في
عدد الصفحات ٣4 الفقر والذل والبطالة والضنك فكانت البداية من هذا الشعب المتحضر المتمدن. وبدأنا نرى قول الله تعالى يتحقق في حياتنا: " وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اس تُض عِفُوا فِي الأ َر ضِ وَنَج عَلَهُم أَئِمَّةً وَنَج عَلَهُمُ ال وَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُم فِي الأ َر ضِ وَنُرِي فِر عَو نَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِن هُم مَّا كَانُوا يَح ذَرُونَ " (القصص ، آية : 5 ـ6.) إن الثورة التونسية المباركة أرض عقبة بن نافع الذي دعا للقيروان عام 62هـ، وكان مجاب الدعوة عندما تحرك بجيوشه منها إلى ساحل المحيط الأطلسي في المغرب، وقد استخلف عليها زهير البلوي دعا لها قائلاً: "يا رب أملأها علماً وفقهاً وأملأها بالمطيعين لك، واجعلها عزاً لدينك، وذلاً على من كفر بك، وأمنعها من جبابرة الأرض، وقد فتحت للإنسانية صفحات جديدة في تاريخها. الثورة التونسية أرض الزيتونة التي تخرج منها العلماء والفقهاء والأدباء والمفكرون والقراء والزهاد والعبَّاد. تونس أرض أبو القاسم الشابي صاحب القصيدة الثورية المشهورة التي تغنى بها التونسيون في ثورتهم المباركة: إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر ولا بد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر وانجلى الليل بفضل الله، وانكسر القيد برحمته. وكان لهذه الثورة السلمية الحضارية الإنسانية، أثر على عقول الناس وقلوبهم وأفكارهم ومشاعرهم، فغير الله بها النفوس والأفكار والمشاعر، ووصل صداها
عدد الصفحات ٤5 في آفاق المعمورة وتفاعل معها وأيدها الأحرار من بني الإنسان في كلمكان، فكانت مصر على استعداد تام لدفع الظلم وإزالة الظلام، فمصر العظيمة بتاريخها وحضارتها وثقافتها كانت على موعد قدري " وَكَانَ أَم رُ اللهَِّ قَدَرًا مَّق دُورًا "، واستلهمت روح الثورة التونسية وطورتها واستفادت منها، وأحدث المصريون ما لم يتوقعه إلا من عرف تاريخ هذا الشعب المحب للحرية، المتعطش للعدالة، الرافض للظلم، والاستبداد، المتطلع إلى دوره الطبيعي في الحياة. إن كسر قيود الاستبداد وقهر الديكتاتورية، وانطلاق المصريين لأهدافهم السامية، كالحرية والعدالة والكرامة والشورى، بداية نهضة لهذه الأمة التي لا تستغني عن دورهم الريادي عبر العصور وتوالي الدهور، فالذي نتوقعه في العقود القادمة نهضة لا مثيل لها في العالم الإسلامي، فالأمة بدأت تتوجه بمجموعها لإعادة دورها الحضاري، والشهادة على الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور. إن الثوار في بلادنا العربية، تونس، مصر، ليبيا، اليمن وسوريا قالوا لشعوبهم بلسان الحال والمقال: أضيئوا الأنوار لينتهي الفساد. أضيئوا الأنوار لتتكسر قيود الحرية. أضيئوا الأنوار لتنتهي البطالة. أضيئوا الأنوار لتشرق تونس، مصر، ليبيا، اليمن وسوريا. فاستجابت تلـك الشـعوب، وأضاءت كـل أوطانها لكي تتخـذ خطوات جادة فـي الحياة والعمل والمأكل والمشرب أولاً ثم التعليم، والصحة والحريات والديمقراطية الحقيقية، المستمدة من قيمنا وحضارتنا وثقافتنا وديننا. إن هذه الثورات قامت لكي يعيش الإنسان الذي يبني الدولة ويصنع الحضارات، وينشر دين الله في الآفاق.
عدد الصفحات ٥6 كان للثورة التونسية والمصرية فضل السبق، وأخرجت الثورات نماذج وطنية ساهمت في صناعة التاريخ الجديد لهذه الشعوب، وخلد التاريخ المعاصر صور من التضحيات والبذل والعطاء لا تمحى من ذاكرة الشعوب. وأما ليبيا فكانت كعادتها يأتي منها الجديد، فالثورة الليبية اختلفت عن مصر وتونس وخرجت من السلمية إلى حرب نضال وكفاح وجهاد وتحرير، تركت آلام وأحزان وقتلى وشهداء وأرامل وأيتام، ودمار في المدن والقرى ومؤسسات الدولة، وفرض عليهم النظام هذا التوجه بدون خيار منهم. استمدت الثورة الليبية وكل الثورات العربية روح النضال من عقيدتها، ولكن تميزت الثورة الليبية بكثرة التكبير والسعي للشهادة في سبيل الله، لأنها كانت حرباً طاحنة، والتاريخ أعاد للذاكرة ت ضحيات الليبيين في الزنتان والجب ل الغربي ونالوت ويفرن وجاد والفريان والزاوية ومصراطة وبنغازي والبيضاء وطبرق وطرابلس وغيرها ضد إيطاليا 1911م، وفي كل ليبيا في الشرق والغرب والجنوب والشمال، أي بعد مائة عام خرج أحفاد سليمان البارون ورمضان السويحلي وعبد النبي بالخير الورفلي، وأحمد المريض، وعمر المختار وأحمد الشريف السنوسي وغيرهم من قادة الجهاد. انتشرت صور عمر المختار ورمضان السويحلي واستمد الأحفاد من الأجداد البسالة والعزيمة والنضال والكفاح وانتصرت الثورة في ليبيا بحمد الله وفضله بعد ملحمة بطولية دموية في إزالة نظام الظلم والاستبداد والقمع. ويريد الشعب الليبي أن يخرج من نفق الظلم ويلملم جراحه، ويبني مستقبله ويعمر بلاده دار دار، شارع شارع، زنقة زنقة، مدينة مدينة وقرية قرية. ويريد أن يحافظ على الحريات العامة وذلك بمراعاة أحكام الشريعة الإسلامية، والمواثيق والمعاهدات الدولية للحقوق والحريات، والقيم والعادات والتقاليد الليبية الأصيلة.
عدد الصفحات ٦7 ويتطلع إلى تحقيق طموحاته في الحرية والتنمية والعدالة والشورى، وأن يتأسس اقتصاد حر مستدام قادر على الاندماج في الاقتصاد العالمي، ومتنوع وتنافسي كفيل بأن يلبي احتياجات المواطن الليبي الآنية، والمستقبلية، وتأمين فرص أفضل للجميع ومستوى معيشي مرتفع، مع تقريب الفوارق بين الطبقات. وأن يرى مؤسسة قضائية مستقلة تكون بمثابة صمام الأمان للمجتمع الليبي بكافة مؤسساته وأفراده، وضمانة جوهرية لاستقراره وحفظ حقوق أفراده. وأن يكون نظام متكامل للرعاية الصحية يقدم خدمات صحية وقائية وعلاجية عالية الجودة، ولائقة لكل مواطن وأن تبني الدولة استراتيجية وطنية للرعاية الصحية يكون من أولى أولوياتها تحسين خدمات المستشفيات، و ضمان تطوير الرعاية المستمرة، وخدمات الصحة النفسية، وتقديم خدمات الطوارئ، ورفع كفاءتها، ويتمنى الشعب بناء نظام تعليمي يواكب المعايير العالمية المعاصرة، ويضاهي أفضل النظم التعليمية في العالم، ويرسخ مبادئ الحرية، وينشر ثقافة قبول الآخر، ويدعو للحوار، ويؤمن با لعمل الجماعي، وروح الفريق، والايجابية والمبادرة، وترعى القيم والتقاليد والثوابت. وأن تحل أزمة السك ن والعمل وتطور الرياضة، وتعاد بناء المنظومة الرياضية في ليبيا تنظيمياً وتشريعياً بشكل احترافي علمي مدروس، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة الاهتمام بالنشاط الرياضي في كافة مراحل التعليم، مع نشر الوعي الري اضي ومكافحة التعصب والاهتمام بال نشيء وغير ذلك من الأهداف التي تسعى الشعوب لتحقيقها. وهذا لا يمكن بدون عدالة ومصالحة وطنية لتجاوز مرحلة الحرب والآثار التي تركتها، إن تحقيق العدالة والمصالحة الوطنية فريضة شرعية وضرورة دينية والثورات التي تنجح في تحقيق المصالحة الوطنية ستحقق أهدافها والتي تفشل تعجز عن الوصول إليها.
عدد الصفحات ٧8 وهذا الكتاب يركز على أهمية تحقيق العدالة والمصالحة لأنها الطريق للوصول للأهداف المذكورة. فالله عز وجل قال في محكم كتابه: "وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ ال مُؤ مِنِي نَ اق تَتَلُوا فَأَص لِحُوا بَي نَهُمَا فَإِن بَغَت إِح دَاهُمَا عَلَى الأ ُخ رَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَب غِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَم رِ اللهَِّ فَإِن فَاءت فَأَص لِحُوا بَي نَهُمَا بِال عَد لِ وَأَق سِطُوا إِنَّ اللهََّ يُحِبُّ ال مُق سِطِينَ * إِنَّمَا ال مُؤ مِنُونَ إِخ وَةٌ فَأَص لِحُوا بَي نَ أَخَوَي كُم وَاتَّقُوا اللهََّ لَعَلَّكُم تُر حَمُونَ " (الحجرات ، آية : 9 ـ10.) وقال تعالى وَالصُّل حُ خَي رٌ " (النساء ، آية : 128.) والمصالحة الوطنية التي ندعوا إليها مستمدة من كتاب الله، والسنة ا لنبوية والتجربة التاريخية الإسلامية والإنسانية، فهي من أولويات العمل الوطني، وهي مسؤولية كافة أبناء الشعب، وأساسها العدل والانصاف القائم على إعادة الحقوق إلى أصحابها ورد المظالم، وجبر الضرر والاعتراف بحق الضحايا ورد الاعتبار إليهم وتكريس الاحساس بالمواطنة تحقيقاً للسلم والأمن الأهليين. وقد كان للملتقى الأول لمجالس الحكماء والشورى بليبيا (من أجل المصالحة الوطنية) في الزاوية في الفترة من 1 ـ3 محرم1433هـ الموافق28 ـ11 ـ 2011م جهود مشكورة وبيان ختامي جميل أصدر فيه المجتمعون من العلماء والحكماء مجموعة من التوصيات، من أهمها: 1 ـ التأكيد على أن الشريعة الإسلامية هي القاعدة الأساسية لأي مصالحة وطنية. 2 ـ التعجيل بإصدار قانون العدالة الانتقالية وبما يحفظ حقوق الليبيين وتفعيل الأجهزة الأمنية والضبطية والدوائر الجنائية بالمحاكم والتعجيل بإحالة المحتجزين والمتحفظ عليهم إلى القضاء.
عدد الصفحات ٨9 3 ـ ضرورة تقديم كل من سفك دماء الليبيين أو انتهك أعراضهم أو اختلس أموالهم أو شارك أو حرض على ارتكاب هذه الجرائم ضدهم إلى المحاكم. 4 ـ إنشاء صندوق مالي تموله الدولة لتعويض المتضررين من اعتداءات قوات وأعوان الطاغية، ويشمل التعويض عن الأضرار المادية والمعنوية. 5 ـ العمل على خلق البيئة المناسبة والظروف الموضوعية الملائمة لتحقيق السلم والأمن الاهلي ين، وذلك بالاسراع بتأسيس الجيش والأمن الوطنيين وتنظيم حمل السلاح، واستيعاب الثوار فيها وفقاً لرغباتهم وتأهلهم مهنياً، وخلق فرص عمل مناسبة لهم لادماجهم في المجتمع الجديد الذي ثاروا من أجله. 6 ـ العمل على وضع ميثاق شرف لوسائل الاعلام بحيث تلتزم هذه الوسائل بالعمل على تعزيز الوحدة الوطنية والابتعاد عن كل ما من شأنه اثارة النعرات القبلية أو الجهوية أو العرقية أو المذهبية. 7 ـ اعادة النظر ومراجعة السياسة التربوية، والمناهج التعليمية بحيث ترسخ روح الوحدة الوطنية وتسهم في نشر ثقافة التسامح والسلم الاجتماعيين ونبذ العنف وتأكيد ثقافة الحوار بين الأفراد والجماعات وزرع روح المصالحة في أوساط الشباب. 8 ـ عدم اللجوء إلى ممارسات العقاب الجماعي، كالتهجير وحرق المساكن والحرمان من الخدمات العامة. 9 ـ دعوة الوعاظ وأئمة المساجد إلى أن يضمنوا خطبهم ومواعظهم الدعوة للتصالح والمصالحة والتسامح والعفو. 10 ـ الاستفادة من تجارب الدول التي مرت بظروف مماثلة، والاستعانة بالمنظمات الدولية المختصة مع مراعاة خصوصيات المجتمع الليبي.
عدد الصفحات ٩10 11 ـ إعادة هيكلة مؤسسات الدولة التي مارست أعمال قمع ضد الشعب الليبي وتطهيرها من أعوان النظام المنهار، وإعادة النظر في مهامها لتكون في خدمة الوطن والمواطن، بدلاً من التجسس عليه، وقمعه واضطهاده. 12 ـ دعم أسر الشهداء والمفقودين ورعايتهم والاهتمام برعاية أوضاع الجرحى والمعتقلين للتخفيف من الأضرار المادية والنفسية والتي لحقت بهم ولتوفير معيشي لائق لهم. 13 ـ الاسراع بتنفيذ برامج الاعمار في المناطق المتضررة لما له من أثر لازالة الآثار السلبية، والتأهيل النفسي تمهيداً لولوج عهد جديد يسوده التفكير الايجابي لتحقيق المصالحة. 14 ـ حث مؤسسات المجتمع المدني على المساهمة الفاعلة في إنجاح خطوات المصالحة الوطنية. وهذه التوصيات مهمة وتحتاج لتحقيقها ثقافة واسعة في مفهوم العدالة والمصالحة، وتسعفنا التجربة النبوية في فتح مكة، عندما تمكن من أعداء الدعوة الاسلامية والذين اعترضوا على الو حدانية، وكذبوا باليوم الآخر، واعترضوا على الرسول صلى الله عليه وسلم في رسالته، واعتبروا القرآن الكريم ضرباً من الشعر. ولم يفتر المشركون عن أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أن صدع بدعوته إلى أن خرج من بين أظهرهم، وأظهره الله عليهم ويدل على ذلك مبلغ الأذى تلك الآيات الكثيرة التي كانت تتنزل عليه في هذه الفترة، تأمره بالصبر وتدله على وسائله وتنهاه عن الحزن وتضرب له أمثلة من واقع أخوانه المرسلين، مثل قوله تعالى: " وَاص بِر عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاه جُر هُم هَج رًا جَمِيلاً "(المزمل ، آية : 10.)
عدد الصفحات ١٠11 في هذاالكتاب بعض صور البلاء التي كانت تصر عليها قريش تجاه النبي صلى الله عليه وسلم، واستمر العداء للرسالة والرسول والمؤمنين، وعندما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ماذا فعل بخصومه وأعدائه؟: ـ مع أبي سفيان بن الحارث ابن عمه وعبد الله بن أمية ابن عمته، فكان الأول يهجوه بشعره كثيراً، وأما الثاني فقال لرسول الله: فوالله لا أؤمن بك حتى تتخذ إلى السماء سلماً ثم ترتقي فيه وأنا أنظر إليك حتى تأتيها، ثم تأتي بصك معه أربعة من الملائكة يشهدون لك كما تقول، ثم وايم الله لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدقك، ومع فداحة جرمهما فإن النبي صلى الله عليه وسلم عفا عنهما، وقبل عذرهما، وهذا مثال عال في الرحمة والعفو والتسامح، فلم يتعلل بعظم الاساءة سواء لشخصه أو للإسلام والمسلمين، بل تجاوز ذلك بأن صفح عنهما صفحاً جميلاً كان له أثراً إيجابياً بعد أن انتشر خبر العفو بين أهل مكة، وهو في الطريق إليها. ـ وأما زعيم قريش الذي قاد الجيوش في أحد وفي الخندق، فقد عفا عنه وجعل له نصيباً من الفخر (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن). لقد كان لتلك الطريقة المحمدية أثرها في أبي سفيان الذي تغير من الولاء الكامل للدعوة الجديدة، فكان له مواقف كبيرة في الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في معركة حنين، كما كان هذا الأسلوب النبوي الكريم عاملاً في امتصاص الحقد من قلب أبي سفيان زعيم قريش وبرهن له بأن المكانة التي كانت عند قومه، لم تنتقص شيئاً في الاسلام، إن هو أخلص له وبذل في سبيله. ـ وهذا صفوان بن أمية، لقد حاول قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عمير بن وهب، ومع هذا فقد أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمان، ثم خيره في الأمر أربعة أشهر وعمل على كسبه بإعطائه من مال العطايا الكبيرة التي لا تقدر من إنسان عادي، وقد وصف لنا صفوان بن أمية عطاء
عدد الصفحات ١١12 رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: والله لقد أعطاني رسول الله صلى ا عليه وسلم ما أعطاني، وانه لأبغض الناس إليَّ ، فما برح يعطيني حتى أنه لأحب الناس إليَّ . ـ وهذا عكرمة بن أبي جهل، فقد كان سلوك النبي صلى الله عليه وسلم في فتح مكة لطيفاً حانياً ، يكفي وحده لاجتذابه إلى الاسلام، فقد أعجل نفسه عن لبس ردائه وابتسم له ورحب به، وفي رواية: مرحباً با لركب المهاجر، وأسلم وحسن إسلامه، واستشهد بعد ذلك في اليرموك. ـ وهذا شاعر قريش عبد الله الزبعري كان من أشد الن اس عداوة للإسلام وهجاءً لرسول الله صلى الله علي ه وسلم قبل رسول الله توبته ودخوله في الإسلام وآنسه وخلع عليه حلة، وقال بعد ذلك شعراً كثيراً يعتذر فيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الشعراء مثل الفضائيات في التأثير الاعلامي، ومما قال ابن الزبعري: أيام تأمرني بأغوى خطة سهم وتأمرني بها مخزوم وأمد أسباب الردى ويقودني أمر الغواة وأمرهم مشؤوم فاليوم آمن بالنبي محمد قلبي ومخطئ هذه محروم مضت العداوة وانقضت أسبابها ودعت أواصر بيننا وحلوم فاغفر فدى لك والديَّ كلاهما زللي فإنك راحم مرحوم
عدد الصفحات ١٢13 ـ وهذا زعيم هواز ن مالك بن عوف الذي قاد المشركين في حنين، فبعد هزيمته أرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ووعده برد أهله وأمواله عليه، وإكرامه بمائة من الابل إن قدم عليه مسلماً، فجاء مالك مسلماً فأكرمه وأمَّ ره على قومه، وبعض القبائل المجاورة، ولقد تأثر مالك وجادت قريحته لمدح النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما إن رأيت ولا سمعت بمثله في الناس كلهم بمثل محمد أوفى وأعطى للجزيل إذا اجتذى ومتى تشاء يخبرك عما في غد وإذا الكتيبة عردت أنيابها بالسمهري وضرب كل مهند فكأنه ليث على أشباله وسط الهباءة1 خادر في مرصد فهذه المنهجية النبوية في التعامل مع الخصوم بعد هزيمتهم في الحرص على كسبهم والاستفادة من خبرتهم وفتح أبواب الأمل والتوبة والبناء لمستقبلهم تحتاج للتأمل والتفكر كي نستفيد منها في حياتنا. وقد نال أهل مكة عفواً عاماً برغم أنواع الأذى التي ألحقوها بالرسول صلى الله عليه وسلم ودعوته، ورغم قدرة الجيش الإسلامي على إبادتهم، وقد جاء إعلان العفو عنهم وهم مجتمعون قرب الكعبة، ينتظرون حكم الرسول صلى الله عليه وسلم فقال لهم: ماذا تظنون أني فاعل بكم؟ فقالوا خيراً، أخ كريم، وابن أخ كريم، فقال" لاَ تَث رَيبَ عَلَي كُمُ ال يَو مَ يَغ فِرُ اللهُّ لَكُم وَهُوَ أَر حَمُ الرَّاحِمِينَ ". وفي رواية: فأذهبوا فأنتم الطلقاء. 1 الهباء: غبار الحرب: الخادر: المقيم في عرينه
عدد الصفحات ١٣14 وقد ترتب على هذا العفو العام حفظ الأنفس من القتل أو السبي وأصبحت الأراضي بيد أصحابها، وعدم فرض الخراج عليها. إلى جانب ذلك الصفح الجميل كان هناك الحزم الأصيل الذي لابد أن تتصف به القيادة الحكيمة الرشيدة، ولذلك استثنى قرار العفو الشامل بضعة عشر رجلاً أمر بقتلهم ـ وإن وجدوا معقلين بأستار الكعبة ـ لأنه عظمت جرائمهم في حق الله ورسوله وحق الإسلام، ولما كان يخشاه منهم من إثارة الفتنة بين الناس بعد الفتح، ومن هؤلاء من قتل ومنهم من جاء مسلماً تائباً فعفا عنه الرسول صلى الله عليه وسلم، وحسن إسلامه. إن الخبرة التاريخية من فتح مكة تؤكد الفرق الواضح بين العفو والمصالحة من جهة وبين العدالة الحاسمة لفتح كافة الملفات السابقة وملاحقة كل الجزيئات مما يشغل الوطن بأسره لسنوات أو عقود لا أحد يقدر نهايتها، ثم إلى متى سنواصل تطبيق تلك العدالة بدون أي تحول تجاه الانتقام والتوسع في القصاص، مما يعود بنا من جديد لنقطة البداية، فيصبح الظالم مظلوماً يطالب هو بتطبيق العدالة الحاكمة على من كان مظلوماً وضحية بالأمس القريب، كان العفو في فتح مكة انطلاقة جديدة للإسلام والمسلمين ودعوتهم بين العالمين. وماذا لو استسلم المسلمون لمشاعرهم البشرية الراغبة بأقل تقدير في تنزيل العدل الحاسم الذي تفصل فيه التهم وتجمع فيه الأدلة ويصبح للقضاء كلمته الأخيرة، وغالباً ما يضيق مجال الصفح بعد أن تنكأ الجراحات من جديد، وبالتأكيد فإ ن تطبيق هذا العدل الحاسم كان سيقضي على شخصيات مهمة شاركت في رسم تاريخ البشرية جمعاء في حركة الفتوحات الإسلامية وتقوية الدولة وإدارة الحكم ونشر العلم. إن امتناع القيادة والأصحاب عن المطالبة بالعدالة الصارمة لغايات أسمى وأهداف أعظم كان الخيار الأصوب من الناح ية السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، والثقافية والدينية، فمن الناحية السياسية يحفظ العفو
عدد الصفحات ١٤15 الجميل وحدة الأمة السياسية حيث يركز على حركة ما بعد العفو على تصحيح الأخطاء وتقوية الدولة وإشراك الجميع دون إقصاء، وتعميق مفاهيم الشراكة والتعاون والتعايش وتثقيف وتنشئة الأجيال عليه. وأما من جهة الأمن فإن العدل الحاسم قد يقود إلى رفض بعض من سيمسهم هذا العدل بسبب مخاوف من نتائجه التي قد تكون سلباً للحياة أو الأموال والنفوذ وهو ما لن يقبله الكثير ممن كان مع النظام سابقاً. وهي إذ ترفض هذه الفكرة فإنها لا تزال تملك الكثير من عناصر القوة الميدانية والسياسية مما يجعل الأوطان تقف على شفا حروب وصراعات أهلية قد لا يخرج منها أي منتصر، ولا نحصد منها سوى ترسيخ ثقافة الانتقام والملاحقة، وتشكيل قوى معارضة في الداخل والخارج وتجد من يمدها ويدعمها من الدول التي كانت تدعمنا سابقاً فلا ثبات في عالم السياسة وإنما مصالح الدول هي الحاكمة في العلاقات. وأما من الناحية الاقتصادية، فإننا لن نختلف كثيراً في تلمس ما يترتب على رفض العفو والمصالحة والتغافر من آثار على الوطن والمواطن بعدما يتخندق المتخاصمون وتنطلق مدافع الحرب. وأما الاعتبارات الإجتماعية، فإن العفو العام يزيد بلا شك من تآلف مكونات ووشائج المجتمع المتنوعة ثقافياً ولغوياً وعرقياً ودينياً في حال اختلاف الأديان. وهذا مقصد بعيد المدى يجب التفكير فيه بدلاً من الإصرار على طريقة تنتهي إلى التنافر وتمزق مكونات المجتمع وإعادة تخندقها خوفاً من الانتقام باسم العدالة. وأخيراً لا آخراً فإن العفو يصنع خبرة تاريخية تتأسس عليها ثقافة الأجيال، الأمر الذي يوحد ضمير الوطن ويزيد من مساحات التعايش والقبول
عدد الصفحات ١٥16 بالاختلاف وتتعمق ثقافة تقديم المصلحة العامة على الخاصة، والممتدة على الآنية المؤقتة. إننا في وطنن ا اليوم بحاجة إلى أن نتماسك ونت غافر، لنؤسس ونمهد لخبرة العدل في إحقاق الحقوق والقسط في مراعاة المشاعر والعفو والتسامح لفتح شموس الآمال وصروح البناء التي ستتحول إلى مناهج للتعليم وموجهات للفكر، ومحددات للثقافة وإطار لبناء دستور الدولة التي لا يقوم على الاقصاء والانتقام واللمز، كما هو واقع الحال في بعض الدساتير التي تغلبت نزعة الانتقام على واضعيها. وأما في القرآن الكريم فقصة يوسف عليه السلام مثل رفيع، وقدوة حسنة، في التغلب على التقاطع وآلام الماضي وأحزانه، فلما اعترف اخوة يوسف بتفضيل الله له وأقروا بخطئهم وقدموا له المعذرة وشعروا بعظم الذنب قال لهم يوسف عليه السلام " لاَ تَث رَيبَ عَلَي كُمُ ال يَو مَ يَغ فِرُ اللهُّ لَكُم وَهُوَ أَر حَمُ الرَّاحِمِينَ " (يوسف ، آية : 92.) لا تثريب عليكم: أي لا لوم ولا تعنيفعَلَي كُمُ ال يَو مَ "، ويتنازل عن كل حق له ويأبى خلقه الكريم في ذلك اليوم الذي قدر فيه العفو حتى عن مجرد توجيه اللوم إلى الذين ألقوه في غيابة الجب، إن اليوم في نظره أولى أن تبدأ به صفحة جديدة من الصفا والمودة، وفي مجرد توجيه اللوم، عودة إلى الماضي البغيض، وإحياء له، وهذا يتعارض مع الصفحة البيضاء النقية التي يريد أن يبدأ بها هذا اليوم. لقد مرت تلك الأيام المتعبة بخيرها وشرها، فيجب أن يسدل الستار على حلوها ومرها ولم يبق إلا أن يطرد أشباحها المروعة عن مسرح الخيال، ويتحاشى المطالعة في ذلك التاريخ المظلم، فقد طوى سريعاً هذه الصفحة السوداء مما كان بينه وبين اخوته وغطى على آثارها بالصفح الجميل. لقد عفا عفواً تاماً من غير تعبير لهم عن ذكر الذنب السابق، ودعا لهم بالمغفرة وهذا نهاية الاحسان الذي لا يتأتى إلا من الخواص، وما أنسب ما
عدد الصفحات ١٦