المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

العدالة والمصالحة الوطنية ضرورة دينية وإنسانية

علي محمد الصلابي

صفحة ١٣ من ١٤

193 وعن ثوبان رضي الله عنهقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يزيد في العمر إلا البر، ولا يرد القدر إلا الدعاء، إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه1. 5ـ الَضطراب والقلق النفسي إن المعصية تؤثر على نفس المذنب فتجعله قلقاً متوتر الأعصاب ذا نفسية مضطربة حائرة، تشعر بالضيق، ولا تحس بلذة الطمأنينة والأمان، قال تعالى:" وَمَن أَع رَضَ عَن ذِك رِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَح شُرُهُ يَو مَ ال قِيَامَةِ أَع مَى " (طه، آية : 124.) الشعوربالذنب من المشاعر المدمرة لنفسية الإنسان، وكثير من الأمراض النفسية الكثيرة الانتشار في أيامن ا هذه عودها إلى شعور الفرد الشاعر بالذنب2، ولذلك لم يكن غريباً أن يقع الشعور بالذنب ضمن أعراض كثيرة من الأمراض النفسية والعقلية، فمن بين أعراض مرض القلق يوجد الشعور بالذنب أو الميل نحو لوم الذات، وتأنيبها وتعنيفها وعقابها، ومن بين أعراض مرض الاكتئاب يوجد أيضاً الشعور بالذنب 3. آثار الذنوب على المجتمع للذنوب والمعاصي آثارها وعواقبها الوخيمة على المجتمعات والأمم فبسببها أهلك الله الأمم الخالية: قال تعالى:" فَكُلاًّ أَخَذ نَا بِذَنبِهِ فَمِن هُم مَّن أَر سَل نَا عَلَي هِ حَاصِبًا وَمِن هُم مَّن أَخَذَت هُ الصَّي حَةُ وَمِن هُم مَّن خَسَف نَا بِهِ الأ َر ضَ وَمِن هُم مَّن أَغ رَق نَا وَمَا كَانَ اللهَُّ لِيَظ لِمَهُم وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُم يَظ لِمُونَ " (العنكبوت، آية : 40.) ومن ألوان العذاب التي عاقب الله بها أرباب الذنوب والمعاصي في الأمة الإسلامية جرياً على سنة الله في الكون لكل من ابتعد عن منهج الله وشرعه منها: 1ـ انقسام الأمة إلى شيع وأحزاب متناحرة يخبرنا القرآن الكريم أن الأمة الإسلامية عرضة لهذا العذاب إن حادت عن منهج الله، يقول تعالى:" قُل هُوَ ال قَادِرُ عَلَى أَن يَب عَثَ عَلَي كُم عَذَابًا مِّن فَو قِكُم أَو مِن تَح تِ أَر جُلِكُم أَو يَل بِسَكُم شِيَعاً وَيُذِيقَ بَع ضَكُم بَأ سَ بَع ضٍ " (الأنعام، آية : 65.) 1 سنن ابن ماجة، ك القدر رقم4022 (2 /1334.) 2 التوبة في ضوء القرآن الكريم د. آمال نصير صـ123. 3 التوبة وصحة المسلم العقلية، مجلة كلية الملك خالد العسكرية العدد السادس صـ 70 عبد الرحمن العيسوي

عدد الصفحات ١٩٣

194 ومعنى من فوقكم أي ينزلالصواعق، أو من جهة أمرائكم، ومعنى أو من تحت أرجلكم بالخسف والزلازل أو من جهة سفلتكم وخدمكم ومعنى يلبسكم شيعاً أي يخلط عليكم أمركم فتنقسمون إلى فرق متناحرة وشيع متحاربة 1. 2ـ الإصابة بالجوع والخوف ونقص الثمرات إن من أعظم ما تُبتلى به المجتمعات بسبب الذنوب ه و الجوع الذي يعني فقدان أساسيات الحياة من الطعام والشراب، والخوف الذي يعني انعدام الأمن والطمأنينة النفسية وحلول الفزع والرعب في النفوس. قال تعالى:" وَضَرَبَ اللهُّ مَثَلاً قَر يَةً كَانَت آمِنَةً مُّط مَئِنَّةً يَأ تِيهَا رِز قُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَت بِأَن عُمِ اللهِّ فَأَذَاقَهَا اللهُّ لِبَاسَ ال جُوعِ وَال خَو فِ بِمَا كَانُوا يَص نَعُونَ " (النحل، آية : 112.) وقد ربط الله بين الاستغفار وإنزال الرزق والخيرات من السماء في مواضع متعددة في القرآن الكريم "وَأَنِ اس تَغ فِرُوا رَبَّكُم ثُمَّ تُوبُوا إِلَي هِ يُمَتِّع كُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤ تِ كُلَّ ذِي فَض لٍ فَض لَهُ وَإِن تَوَلَّو ا فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَي كُم عَذَابَ يَو مٍ كَبِيرٍ " (هود، آية : 3.) وقال سبحانه وَيَا قَو مِ اس تَغ فِرُوا رَبَّكُم ثُمَّ تُوبُوا إِلَي هِ يُر سِلِ السَّمَاء عَلَي كُم مِّد رَارًا وَيَزِد كُم قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُم وَلاَ تَتَوَلَّو ا مُج رِمِينَ " (هود، آية : 52.) ويقول تعالى عن نوح عليه السلام فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَال وَبَنِيَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا" (نوح، آية : 10 ـ12.) فمفهوم المخالفة في الآيات يفيد أن الاستمرار على المعاصي يمنع هذه الخيرات، وأما من ابتعد عن السيئات فإن هذه الخيرات ستكون من نصيبه وهذا ما أفاده مفهوم الموافقة2. مثل قوله تعالى وَلَو أَنَّ أَه لَ ال قُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَح نَا عَلَي هِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَر ضِ وَلَـكِن كَذَّبُوا فَأَخَذ نَاهُم بِمَا كَانُوا يَك سِبُونَ " (الأعراف، آية : 96.) وقال عز وجل وَلَو أَنَّ أَه لَ ال كِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَو ا لَكَفَّر نَا عَن هُم سَيِّئَاتِهِم وَلأد خَل نَاهُم جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَلَو أَنَّهُم أَقَامُوا التَّو رَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِم لأكَلُوا مِن فَو قِهِم وَمِن تَح تِ أَر جُلِهِم مِّن هُم أُمَّةٌ مُّق تَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّن هُم سَاء مَا يَع مَلُونَ " (المائدة، آية : 65 ـ66.) 1 تفسير الألوسي7 /180.) 2 التوبة في ضوء القرآن الكريم صـ129.

عدد الصفحات ١٩٤

195 وبين الرسول صلى الله عليه وسلم نماذج مختلفة لأنواع العقوبات التي حلت بالمجتمعات في مقابل ذنوب خاصة، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا معشر المهاجرين خمس إذا ابتليتم بهن واعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط، حتى يُعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في اسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين1، وشدة المئونة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله، إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، ومالم تحكم أئمتهم بكتاب الله، ويتخيروا2، مما أنزل الله إلا جعل بأسهم بينهم3. فقد بين عليه الصلاة والسلام أن سبب تسليط العدو وأخذ بعض ما في أيديهم من السلطان والمال هو نقض المسلمين لعهد الله وعهد رسوله الذي أمر الله بالوفاء به، قال عز وجل:" وَأَو فُوا بِال عَه دِ إِنَّ ال عَه دَ كَانَ مَس ؤُولاً " (الإسراء، آية : 34.) وأن عدم تحكيمهم لكتاب الله سبب للفتن والقلائل والشقاق وزوال الأمن، وهذا ما نراه واضحاً بيناً في أيامنا هذه من زوال نعمة الأمن 4. 3ـ الإصابة بالفتن لقد حذر الله الأمة المسلمة إن خالفت ربها ونبيها، قال تعالى:" فَل يَح ذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَن أَم رِهِ أَن تُصِيبَهُم فِت نَةٌ أَو يُصِيبَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ " (النور، آية : 63.) وهذه الفتنة عامة تشمل مختلف أنواع العقوبات كانتشار القتل فيما بينهم، أو الزلازل والبراكين، أو تسلط السلطان الجائر عليهم، أو ظهور أنواع من الأمراض أو الفقر، أو الشدة في الحياة إلى غير ذلك5. وهذه الفتنة إذا نزلت فإنها تعم الجميع فلا يستثنى منها أحد لقوله تعالى:" وَاتَّقُوا فِت نَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُم خَآصَّةً " (الأنفال، آية : 25.) ويقولالأستاذ سيد قطب، عند قوله تعالى:" فَل يَح ذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَن أَم رِهِ " (النور، آية : 63). ليحذروا أن تصيبهم فتنة تضطرب فيها المقاييس، وتختل فيها الموازين، وينتكث فيها النظام، فيختلط الحق بالباطل والطيب بالخبيث، 1 أي بالقحط والجدب 2 أي يطلبوا الخير لسان العرب4 /267.) 3 سنن ابن ماجة رقم22. 4 التوبة في ضوء القرآن الكريم صـ131. 5 تفسير الرازي24 /42)، تفسير الألوسي17 /47.)

عدد الصفحات ١٩٥

196 وتفسد أمور الجماعة وحياتها، ف يأمن على نفسه أحد، ولا يقف عند حده أحد، ولا يتميز فيها خير من شر، وهي فترة شقاء للجميع " أَو يُصِيبَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ " في الدنيا أو في الآخرة، جزاء المخالفة عن أمر الله، ونهجه الذي أرتضياه1. ومما تقدم يتضح خطر الذنوب، الأمر الذي يقتضي المسارعة إلىالتوبة من الفرد بالاستغفار، والإنابة ومن المجتمع بتحكيم شرع الله الذي فيه خير الفرد والمجتمع2. الحادي والثلًثون: الدعوة إلى التوبة وشروطها التوبة: معرفة العبد لقبح الذنوب وضررها عليه، فيقلع عنها مخلصاً في إقلاعه عن الذنب لله تعالى، نادماً على ما بدر منه في الماضي من المعاصي قصداً وجهلاً، عازماً عزماً أكيداً على عدم العودة إليها في المستقبل، والقيام بفعل الطاعات والحسنات، متحللاً من حقوق العباد بردها إليهم أو محصلاً البراءة منهم3. وباب التوبة دائماً مفتوح يدخل منه كل من استيقظ ضميره، وأراد العودة والمآب، لا يصد عنه قاصد ولا يغلق في وجه لاجيء، أيا كان، وأيا ما ارتكب من الآثام4. وأما شروط التوبة التي تتعلق بترك الذنب هي 1ـ الإسلًم التوبة لا تصح إلا من مسلم، أما الكافر فإن توبته تعني دخوله الإسلام، يقول الإمام ابن حجر نقلاً عن القرطبي في المفُهم: أعلم أن ال توبة إما من الكفر وإما من الذنب، فتوبة الكافر مقبولة قطعاً، وتوبة العاصي مقبولة بالوعد الصادق5. قال عز وجل وَلَي سَتِ التَّو بَةُ لِلَّذِينَ يَع مَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ال مَو تُ قَالَ إِنِّي تُب تُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُم كُفَّارٌ أُو لَـئِكَ أَع تَد نَا لَهُم عَذَابًا أَلِيمًا " (النساء، آية : 18.) 1 في ظلال القرآن4 /2535 ـ2536.) 2 التوبة في القرآن الكريم صـ132. 3 التوبة في ضوء القرآن الكريم صـ21. 4 في ظلال القرآن1 /258)،5 /2790.) 5 فتح الباري، شرح صحيح البخاري (11 /103.)

عدد الصفحات ١٩٦

197 والمراد من الآية نفي وقوع التوبة الصحيحة من المشركين وأنه ليس من شأنها أن تكون لهم فقوله " وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُم كُفَّارٌ "، أي لا توبة لأؤلئك ولا لهؤلاء1. ـ وقال عز وجل إِنَّ اللهَّ لاَ يَغ فِرُ أَن يُش رَكَ بِهِ وَيَغ فِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُش رِك بِاللهِّ فَقَد ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا " (النساء، آية : 116.) ـ وقال تعالى فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخ وَانُكُم فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَو مٍ يَع لَمُونَ " (التوبة، آية : 11.) 2ـ الإخلًص ولا تصح التوبة الشرعية إلا بإخلاص، ومن ترك الذنب لغير الله لا يكون تائباً اتفاقاً 2. والتوبة من الأعمال الصالحة ينبغي أن تكون خالصة لله عز وجل. ـ قال تعالى:" وَتُوبُوا إِلَى اللهَِّ جَمِيعًا أَيُّهَا ال مُؤ مِنُونَ لَعَلَّكُم تُف لِحُونَ " (النور، آية : 31.) ـ وقال تعالى إِن تَتُوبَا إِلَى اللهَِّ فَقَد صَغَت قُلُوبُكُمَا " (التحريم، آية : 4). فقيد الله التوبة في الآية بأنها تكون خالصة. ـ وقال عز وجل:" إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَص لَحُوا وَاع تَصَمُوا بِاللهِّ وَأَخ لَصُوا دِينَهُم للهِِّ فَأُو لَـئِكَ مَعَ ال مُؤ مِنِينَ وَسَو فَ يُؤ تِ اللهُّ ال مُؤ مِنِينَ أَج رًا عَظِيمًا " (النساء، آية : 146.) 3ـ الَعتراف بالذنب: إن الهداية التامة إلى الصراط المستقيم لا تكون مع الجهل بالذنوب، ولا مع الإصرار عليها، فإن الأول جهل ينافي معرفة الهدى، والثاني غي ينافي قصده وإرادته فلذلك لا تصح إلا من بعد معرفة الذنب والإعتراف به، وطلب التخلص من سوء عواقبه أولاً وآخراً 3. 4ـ الإقلًع عن الذنب هو الش رط الأساسي للتوبة المقبولة، فالذي يرجع إلى الله وهو مقيم على الذنب لا يعد تائباً وفي قوله " وَتُوبُوا " إشارة إلى معنى الإقلاع عن المعصية، لأن النفس المتعلقة بالمعصية قلما تخلص في إقبالها على عمل الخير، لذلك كان على التائب أن يجاهد نفسه فيقتلع جذور المعاصي من قلبه، حتى تصبح 1 تفسير المنار4 /448 ـ450.) 2 فتح الباري11 /103.) 3 مدارج السالكين1 /179.)

عدد الصفحات ١٩٧

198 نفسه قوية على الخير مقبلة عليه، نافرة عن الشر متغلبة عليه بإذن ا تعالى1. والإقلاع عن الأمر: الكف عنه، يقال: أقلع فلان عما كان عليه، أي كف عنه2. 5ـ الندم الندم ركن من أركان التوبة لا تتم إلا به وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيمة الندم، فقال: الندم توبة3، والتوبة لولم يصحبها الندم لربما أدى ذلك إلى عودة المرء للذنوب، لأن الندم يجعل التائب متوجعاً متحسراً على المعصية، ذاكراً للجريمة التي صنعها منكراً لها، نافر اً منها، وهذا التصور يدفع التوبة إلى استدامة التوبة، كثرة الاستغفار، والقيام بأعمال صالحة، يرضى الله تعالى عنها4. قال تعالى ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّم شَعَائِرَ اللهَِّ فَإِنَّهَا مِن تَق وَى ال قُلُوبِ " (الحج، آية : 32.) قال ابن مسعود رضي الله عنه: إنالمؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه5. 6ـ العزم على التوبة والعزم مترتب على الندم، وهو يعني الإصرار على عدم العودة إلى الذنوب ثانية. والقرآن الكريم مدح العزم والعزيمة في عدة مواضع، يقول تعالى:" فَإِذَ ا عَزَم تَ فَتَوَكَّل عَلَى اللهِّ " (آل عمران، آية : 159.) وقال تعالى وَلَقَد عَهِد نَا إِلَى آدَمَ مِن قَب لُ فَنَسِيَ وَلَم نَجِد لَهُ عَز مًا " (طه، آية : 115.) أي لم نجد له صبراً وعزيمة، حيث لم يحترز عن الغفلة من وساوس الشيطان، وهذه الآية تشير إلى أن المؤمن لابد وأن تكون عنده عزيمة قوية، وإرادة فعالة والتائب أكثر الناس حاجة إلى العزيمة والإرادة القوية، حتى يتمكن من السيطرة على شهواته ورغباته، فيقف أمامها وقفة صمود وقوة، تجعله لا يعود الذنوب ثانية، فتكون توبته صحيحة مقبولة6. 1 التوبة في ضوء القرآن الكريم صـ48. 2 لسان العرب8 /292.) 3 سنن ابن ماجة رقم الحديث4252. 4 التوبة في ضوء القرآن صـ50. 5 ........................... 6 التوبة في ضوء القرآن الكريم صـ51.

عدد الصفحات ١٩٨

199 7ـ رد المظالم إلى أهلها ومن شروط التوبة التي لا تتم إلا بها رد المظالم إلى أهلها وهذه المظالم إما أن تتعلق بأمور مادية أو بأمور غير مادية، فإن كانت مظالم مادية، كاغتصاب المال أو سرقته، فيجب عل ى التائب أن يردها إلى أصحابها إن كانت موجودة، أو أن يتحللها منهم، وإن كانت مظالم غير مادية فيجب على التائب أن يطلب من المظلوم العفو عن ظلامته وأن يعمل على إرضائه وفي هذا يقول عليه الصلاة والسلام: من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها، فإنه ليس ثم دينار ولا درهم من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه1. 8ـ الَستقامة إن التائب بعد أن أخلص في توبته، وأقر بذنوبه نادماً عليها، لابد أن يسلك درب الاستقامة والاعتدال في فعل الطاعات وفي السير على منهج الله تعالى. قال تعالى:" فَاس تَقِم كَمَا أُمِر تَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَط غَو ا إِنَّهُ بِمَا تَع مَلُونَ بَصِيرٌ " (هود، آية : 112.) 9ـ الإصلًح ـ قال تعالى:" فَمَن تَابَ مِن بَع دِ ظُل مِهِ وَأَص لَحَ فَإِنَّ اللهَّ يَتُوبُ عَلَي هِ إِنَّ اللهَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ " (المائدة، آية : 39.) ـ وقال تعالى إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن بَع دِ ذَلِكَ وَأَص لَحُوا فَإِنَّ اللهََّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ " (آل عمران، آية : 89.) ـ وقال تعالى ثُمَّ تَابُوا مِن بَع دِ ذَلِكَ وَأَص لَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَع دِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ " (النحل، آية : 119.) ولقد شجع الله على التوبة وعلى مزيد من الاعمال الصالحة لمن تاب وأقبل على الله طائعاً، ووعد من يعمل الأعمال الصالحة بأن يبدل الله سيئاته حسنات، فقال جل من قائل:" إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُو لَئِكَ يُبَدِّلُ اللهَُّ سَيِّئَاتِهِم حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهَُّ غَفُورًا رَّحِيمًا " (الفرقان، آية : 70.) 10ـ إظهار الَستقامة إذا كانت المعاصي والذنوب التي ارتكبها التائب سابقاً وتاب عليها فيما بينه وبين ربه وقد ستره الله فلا حاجة له إلى إعلان توبته منها. وأما إذا كانت م ن الذنوب التي اشتهرت بفعلها أو ممارستها، كمن اشتهر بالإفساد في الارض، أو بالسرقة، أو ترويع الأمن براً، أو بحراً، أو جواً، أو 1 البخاري، ك الرقائق، باب القصاص يوم القيامة7 /197.)

عدد الصفحات ١٩٩

200 كان ممن ألف كتباً ضد ا سلام، أو دعا فيها إلى مخالفة الشريعة الإسلامية في أمر من الأمور، فإنها تحتاج من التائب إلى كتابة أو نشر ما يظهر براءته مما كتب أو ما كان يمارسه سايقاً بالقول أو الفعل 1. قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَك تُمُونَ مَا أَنزَل نَا مِنَ ال بَيِّنَاتِ وَال هُدَى مِن بَع دِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي ال كِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُّ وَيَل عَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَص لَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُو لَـئِكَ أَتُوبُ عَلَي هِم وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ " (البقرة، آية : 195 ـ160.) إن الثبات على التوبة النصوح والعودة إلى رحاب الطهر والعفاف وإرضاء الخالق عز وجل يحتاج إلى توفيق الله عز وجل ومن الوسائل التي تساعد الإنسان على الثبات على التوبة، هجر أصدقاء السوء، ومكان المعصية، ومجاهدة الشيطان، ومحاسبة النفس واستدامة الندم، والإكثار من الاستغفار، وممارسة الاعمال الصالحة والذكر والدعاء والرجاء وحسن الظن2. الثاني والثلًثون: الحدود كفارات لأصحابها: ذهب جمهور العلماء، ومنهم الشافعية والحنابلة، وابن حزم، إلى أن الحد مطهر لصاحبه من الذنب، ويرفع عنه المؤاخذة في الدار الآخرة3. يقول الإمام النووي: من أرتكب ذنباً يوجب الحد فحُدّ سقط عنه الإثم 4. وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، أن رسول اصلى الله عليه وسلم قال وحوله عصابة من أصحابه في المجلس: بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفىّ منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من 1 التوبة في ضوء القرآن الكريم صـ55. 2 المصدر نفسه صـ149 ،150. 3 التوبة في ضوء القرآن الكريم صـ317. 4 شرح صحيح مسلم، ك الحدود (11 /224.)

عدد الصفحات ٢٠٠

201 ذلك شيئاً ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه، فبايعناه على ذلك1. 1ـ أثر التوبة في حد الحرابة إن الاعتداء على ممتلكات الناس، وأرواحهم وأعراضهم وإرهابهم وتهديدهم سواء كان في البر، أو البحر، أو الجو، كل ذلك من الإفساد في الارض الذي يجب محاربته توصيداً للأمن الذي هو أجلّ نعمة أنعم الله بها على العباد، وقد وضع الله لهذه الجريمة عقوبة تتلائم مع بشاعتها، وتأتي عليها وتحقق الغرض الذي ينشده المجتمع، قال تعالى:" إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَّ وَرَسُولَهُ وَيَس عَو نَ فِي الأَر ضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَو يُصَلَّبُوا أَو تُقَطَّعَ أَي دِيهِم وَأَر جُلُهُم مِّن خِلافٍ أَو يُنفَو ا مِنَ الأَر ضِ ذَلِكَ لَهُم خِز يٌ فِي الدُّن يَا وَلَهُم فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن قَب لِ أَن تَق دِرُوا عَلَي هِم فَاع لَمُوا أَنَّ اللهَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ " (المائدة، آية : 33 ـ34.) هذه الآية الكريمة بيان من ا عز وجل عن حكم من أفسد في الأرض وحارب الله ورسوله، لا جزاء له في الدنيا إلا القتل، أو الصلب وقطع اليد والرجل من خلاف، أو النفي من الأرض، خزياً لهم وأما في الآخرة إن لم يتب في الدنيا عذاب عظيم2. والآية الكريمة تضمنت أموراً ثلاثة هي ـ جزاء المحاربين في الدنيا. ـ جزاء المحاربين في الآخرة. ـ توبتهم قبل القدرة عليهم. أ ـ عقوبة المحارب في الدنيا: نصت الآية الكريمة على أن المحاربين مسلمين كانوا أو ذميين، وإذا لم يتوبوا فعقوبتهم القتل أو الصلب أو قطع اليد والرجل من خلاف أو النفي من الأرض، وهذه العقوبة تكون حسب جرائمهم، وهي تعد لهم خزياً وعاراً في الحياة الدنيا، والسبب في ذلك شناعة المحارب وعظم ضررها، لأن فيها سد سبيل الكسب على الناس3. 1 فتح الباري، ك الإيمان1 /68.) 2 التوبة في ضوء القرآن الكريم صـ320. 3 تفسير القرطبي6 /157) بتصرف

عدد الصفحات ٢٠١

202 والله سبحانه وتعالى عندما بين عقوبة المحاربين عبّر بحرف (أو) والعلماء قد اختلفوا فيه: هل هذا العقاب لتنوع الجرائم فتكون بذلك، أو لتنويع العقاب بتنوع الجريمة؟ أم أن الواو للتخيير، فيكون الإمام مخيراً غير مقيد بنوع الجريمة، وهو في هذا ينظر إلى مقدار الترويع بما يتناسب مع قوة الجناة، من غير نظر إلى نوع ما ارتكبوه من جرائم ولا إلى مقداره، إنما ينظر فقط إلى مقدار الزجر والردع1. ب ـ توبة المحارب وأثرها لقد استثنى الله تعالى من العقوبات السابقة الذين تابوا قبل القدرة عليهم، قال تعالى:" إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن قَب لِ أَن تَق دِرُوا عَلَي هِم فَاع لَمُوا أَنَّ اللهَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ " (المائدة، آية : 34.) والتائب له حالتان الأولى: توبة المحارب قبل القدرة عليه: إذا تاب المحاربون قبل القدرة عليهم بعد أن ارتكبوا جريمة من جرائم الحرابة سقط عليهم حق الله تعالى من قتل وصلب، وقطع اليد والرجل من خلاف، والنفي من الأرض، وأخذوا بحقوق الآدميين. وقد فصل صاحب المغنى المسألة وبين في الحكم فيما يختص بحقوق الآدميين فقال: "إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا "، أي المحاربون من قبل أن يقدر عليهم سقطت عنهم حدود الله تعالى، وأخذوا بحقوق الآدميين من الأنفس والجراح والأموال، إلا أن يعفي لهم عنها، ولا نعلم خلافاً في هذا بين أهل العلم، وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي وأبو ثور، والأصل في هذا قوله تعالى: " إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن قَب لِ أَن تَق دِرُ وا عَلَي هِم فَاع لَمُوا أَنَّ اللهَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ "(المائدة، آية : 34.) فعلى هذا يسقط عنهم تحتم القتل والصلب والقطع والنفي، ويبقى عليهم القصاص في النفس والجراح وغرامة المال والذي لا قصاص فيه2. وأما إذا ارتكب المحاربون جرائم أخرى غير القتل وأخذ الأموال والقذف والزنا والسرقة وشرب الخمر فإن فيها قولين: الأول: أنها تسقط بالتوبة، لأنها حدود الله إلا القذف فإنه لا يسقط، لأنه حق من حقوق الآدميين. والثاني: أنها لا تسقط، لأنها حقوق لا تختفي بالحرابة وذكر ابن رشد الحفيد أقوالاً أربعة فيما تسقطه التوبة1. 1 التوبة في ضوء القرآن الكريم صـ320. 2 المغني8 /295.)

عدد الصفحات ٢٠٢

203 فقال القول الأول: أن التوبة إنما تسقط عنه حد الحرابة فقط ويؤخذ بما سوى ذلك من حقوق الله وحقوق الآدميين. والقول الثاني: أن التوبة تسقط عنه حد الحرابة وجميع حقوق الله من الزنا والشراب والقطع في السرقة ويتبع بحقوق الناس في الأموال والدماء، إلا أن يعفو أولياء المقتل. والثالث: أن التوبة ترفع جميع حقوق الله ويؤخذ بالدماء وفي الأموال بما وجد بعينه في أيديهم ولا تتبع دمهم. والرابع: أن التوبة تسقط جميع حقوق الله، وحقوق الآدميين من مال ودم إلا من كان من الأموال قائم العين بيده2. والحكمة في اسقاط الجريمة والعقوبة فيهذه الحالة عنهم من ناحيتين: الأولى: تقدير توبتهم وهم يملكون العدوان واعتبارها دليل صلاح واهتداء. والثاني: تشجيعهم على التوبة وتوفير مؤنة الجهد في قتالهم من أيسر سبيل3. ثانياا: توبة المحارب بعد القدرة عليه إذا تاب المحارب بعد القدرة عليه لم يسقط عنه شيء لا من حقوق الله ولا من حقوق العباد، لأن الاستشناء في الآية " إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا ". حدد قبول التوبة بما قبل القدرة 4، قال القرطبي: إنما لا يسقط الحد من المحاربين بعد القدرة عليهم لأنهم متهمون بالكذب في توبتهم والتصنع فيها، إذا نالتهم يد الإمام أو لأنه لما قدر عليهم صاروا بمعرض أن ينكل بهم، فلم تقبل توبتهم بعد القدرة عليهم5. 2 ـ أثر التوبة في حد القتل القتل العمد هو أبشع الجرائم، وأشدها عند الله وعند الناس، وقد جاءت الآيات والأحاديث تبين شناعة هذه الجريمة ومصير من تلطح بها. ـ قال تعالى: " أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَف سًا بِغَي رِ نَف سٍ أَو فَسَادٍ فِي الأَر ضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَن أَح يَاهَا فَكَأَنَّمَا أَح يَا النَّاسَ جَمِيعًا " (المائدة، آ ية : 32.) ـ وقال تعالىوَمَن يَق تُل مُؤ مِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُّ عَلَي هِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا " (النساء، آية : 93.) 1 المصدر نفسه8 /295.) 2 بداية المجتهد ونهاية المقتصد2 /343.) 3 في ظلال القرآن2 /880.) 4 التوبة في ضوء القرآن الكريم صـ338. 5 الجامع لأحكام القرآن6 /158.)

عدد الصفحات ٢٠٣

204 وعن البراء بن عازب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق1. وقد اتخذ الاسلام التدابير اللازمة لحماية النفس وصيانة الجماعة. وذهب جمهور السلف والخلف إلى القول بأن القاتل له توبة، ولو كان متعمداً لعموم الآيات، والأحاديث الدالة على قبول توبة التائب، وأن الله يغفر الذنوب جميعاً وإن عظمت: أ ـ قال تعالى: "وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا" ( الفرقان، آية : 68 ـ70.) ب ـ ومما يذل على قبول الله عز وجل توبة القاتل قوله عز وجل قُل يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَس رَفُوا عَلَى أَنفُسِهِم لاَ تَق نَطُوا مِن رَّح مَةِ اللهَِّ إِنَّ اللهََّ يَغ فِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا " (الزمر، آية : 53.) ج ـ وقال تعالى وَهُوَ الَّذِي يَق بَلُ التَّو بَةَ عَن عِبَادِهِ وَيَع فُو عَنِ السَّيِّئَاتِ ..." (الشورى ، آية : 25.) خ ـ وقال تعالى فَمَن تَابَ مِن بَع دِ ظُل مِهِ وَأَص لَحَ فَإِنَّ اللهَّ يَتُوبُ عَلَي هِ ..." (المائدة ، آية : 39.) هذه نصوص قرآنية تنص على قبول الله عز وجل توبة كل من أسرف على نفسه في الذنوب مهما كانت هذه الذنوب. د ـ عن أبي سعيد الخدري، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفساً فهل له من توبة؟ فقال: لا فقتله، فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم، فقال: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ فقال: نعم ومن يحول بينه وبين التوبة، انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناساً يعبدون الله فأعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء2. 1 سنن ابن ماجة، ك الديات، باب التغليظ في قتل مسلم 2 رواه مسلم، ك التوبة2 /499.)

عدد الصفحات ٢٠٤

205 س ـ وعن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "قال الله تعالى: "يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك، ولا أبالي، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة 1. فالقاتل إذا تاب إلى الله فإن توبته مقبولة إن شاء الله تعالى، ويقول ابن القيم في ذلك: ويعوَّض الله المقتول، لأن مصيبته لم تجبر بقتل قاتله، والتوبة النصوح تهدم ما قبلها، فيعو ض هذا عن مظلمته، ولا يعاقب هذا لكمال توبته2. ك ـ التوبة وعقوبة القصاص: ـ جعل الله تعالى لولي القتيل سلطاناً على القاتل، قال تعالى: " وَمَن قُتِلَ مَظ لُومًا فَقَد جَعَل نَا لِوَلِيِّهِ سُل طَانًا " (الإسراء، آية : 33.) فكون ولي القتيل له سلطان على القاتل، فمقتضى ذلك أنه حق من حقوقه، و يسقط هذا الحق بالتوبة، فولي الدم مخير بين أمور ثلاثة: إما القصاص بواسطة الإمام، والدية المغلظة، أو العفو، والإجماع منعقد على ذلك3. 3 ـ أثر التوبة فيما يتعلق بحقوق العباد المالية حرم الله عز وجل أكل أموال الناس بالباطل في قوله تعالى: " وَلاَ تَأ كُلُوا أَم وَالَكُم بَي نَكُم بِال بَاطِلِ " (البقرة، آية : 188)، أي لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل من غير الوجه الذي أباحه الله، وأصل الباطل: الشيء الذاهب، والأكل بالباطل أنواع، قد يكون بطريق الغصب والنهب، وقد يكون بطريق اللهو كالقمار، وقد يكون بطريق الرشوة والخيانة..الخ. وإذا أراد العبد التوبة، وكان أخذ مالاً بصورة من الصور السابقة أو بغيرها وجب عليه رده إلى مالكه، أو استحلاله منه، إن كان معروفاً وأمكن الوصول إليه4. 1 سنن الترمذي، باب الدعوات رقم106. 2 مدارج السالكين1 /399.) 3 التوبة في ضوء القرآن الكريم صـ359. 4 معالم التنزيل للبغوي1 /165 ـ166.)

عدد الصفحات ٢٠٥

206 أما إذا كان المالك مفقوداً كان لم يسطع الوصول إليه، أو كان مسافراً، أو مات ولم تعرف ورثته،، أو انقرضوا فعليه أن يتصدق بهذا المال في حالة اليأس في الوصول إلى صاحبه، أما إذا كان مال من الدولة فعليه إرجاعه إليها لأنه ملك لكل الشعب. 4 ـ أثر التوبة فيما يتعلق بحقوق العباد غير المالية إن الغيبة، والنميمة، والشتم، والتجسس، والخيانة، والمكر، والخديعة، والغدر، وعدم الوفاء، بالعهد، وشهادة الزور والظلم، والكذب، وعقوق الواليدن، وهجر الأقارب.. هي من الأمور التي نهى الله تعالى عنها وحذر من فعلها في كتابه الكريم وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولكن قد يقع المرء في إحدى هذه المنهيات، فما هو أثر التوبة في هذه الأمور حتى يسقط عنه العذاب الأخروي1. فمثلاً المغتاب إذا تاب فعلم به من اغتابه فيجب عليه في هذه الحالة استحلاله وطلب العفو منه لقوله صلى الله عليه وسلم: "من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها، فإنه ليس ثم دينار ولا درهم، من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يك له حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه2. أما إذا لم يعلم المغتاب بالأمر، فإنه يستغفر له ولا يعلمه، لأن في إعلامه جلباً للعداوة والبغضاء في النفوس وإيذاء لمن اغتيب3. وعلى التائب: أن يفعل مع المظلوم حسنات كالدعاء له والاستغفار وعمل صالح يهدي إليه يقوم مقام إغتياله وقذفه، قال الحسن البصري: كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته4. والشتم والتجسس وغير ذلك من حقوق الآدميين فإنها تحمل على ما سبق، أما شهادة الزور فيشترط في صحة التوبة منها أن يندم عليها ويعزم على عدم 1 التوبة في ضوء القرآن الكريم صـ459. 2 البخاري، ك الرقائق، باب القصاص7 /197.) 3 التوبة في ضوء القرآن صـ467. 4 مختصر الفتاوي المصرية لابن تيمية صـ254.

عدد الصفحات ٢٠٦

207 العودة إليها1، ويعلن براءته من تلك الشهادة الكاذبة فيعمل على إصلاح ما أفسد بشهادته المزورة ضد ذلك الإنسان أو الجماعة وكذلك شأن النمام2. 5 ـ أثر التوبة في تكفير الكبائر إن من ارتكب كبيرة وستر نفسه ولم يقم عليه الحد وتاب توبة نصوحاً، فإنه يكون داخلاً تحت عفو الله ورحمته ومغفرته، وهذا ما ذهب إليه جمهور العلماء والذي يؤكد توبة مرتكب الكبيرة عموم الأدلة من القرآن الكريم والسنة التي تفتح الأمل أمام توبة التائبين في الاقبال على الله، والعودة إلى رحابه تعالى. أ ـ قال تعالى: " وَهُوَ الَّذِي يَق بَلُ التَّو بَةَ عَن عِبَادِهِ وَيَع فُو عَنِ السَّيِّئَاتِ ويَع لَم ما يَف عَلُون " (الشورى ، آية : 25)، تجيء هذه الآية لترغيب من يريد التوبة والرجوع عما هو فيه من ضلالة قبل أن يُقضى في الأمر القضاء الأخير ويفتح لهم الباب على مصراعيه، فالله يقبل عنهم التوبة ويعفو عن السيئات، فه يعلم التوبة الصادقة ويقبلها، كما يعلم ما أسلفوا من السيئات ويغفرها3. ب ـ قال تعالى وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اه تَدَى " (طه ، آية : 82.) ج ـ وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً. أتدري ما حقهم عليه؟ قال: الله ورسوله أعلم قال: أن لا يعذبهم4. س ـ وعن جابر رضي الله عنه، قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل، فقال: يا رسول الله، ما الموجبتان؟ فقال: من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئاً دخل النار 5. 1 التوبة في شوء القرآن صـ468. 2 المصدر نفسه صـ468. 3 في ظلال القرآن5 /3157.) 4 البخاري ك التوحيد8 /163.) 5 مسلم، ك الإيمان1 /52.)

عدد الصفحات ٢٠٧

208 ش ـ عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ا عليه وسلم: من قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله، وابن أمته، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وأن الجنة حق، وأن النار حق، أد خله الله من أي أبواب الجنة اثمانية شاء1. 6 ـ أثر التوبة على الإنسان قال تعالى: "ِ نَّ اللهَّ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ ال مُتَطَهِّرِينَ " (البقرة، آية : 222.) وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال قال الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حيث يذكرني، والله لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بفلاة، ومن تقرب إليَّ ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإذا أقبل إليَّ يمشي أقبلت إليه أهرول2. التوبة ندامة على ما ماضي سيء، وعهد وإصرار على مستقبل مشرق، وتسام، وإرادة، ونبل، وعزيمة، وتصميم وهي ميزات القدرة الإنسانية وصلابتها لمستقبل جديد، وهي تغيير جذري لنفس الإنسان، وسلوكه، وتفكيره، فهي عنصر أساسي لتكامل الشخصية المسلمة، وإذا تقبل التائب نفسه شع بين جنبات نفسه أنوار السعادة والقرب الإلهي، فينطلق بإرادة قوية، وعزيمة صادقة لطاعة ربه، صادقاً في عزيمته على التغلب على أهوائه وشهواته وتوجيه طاقاته نحو الأمثل والأكمل مراقباً لسلوكه، وتصرفاته 3. 7ـ أثر التوبة على الصحة النفسية إن التزام المسلم بالتمسك بتعاليم القرآن الكريم تزيل عن نفسه الإكتئاب والإحباط، أو أي توتر نفسي، والتوبة هي الدعوة الإلهية للإنقاذ من أي اضطراب نفسي وآلام نفسية تدعو إلى اليأس والقنوط4، وهي تحرر المذنب من آثامه وخطاياه، وتشعره بالتفاؤل والراحة النفسية5. ـ قال تعالى قُل يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَس رَفُوا عَلَى أَنفُسِهِم لاَ تَق نَطُوا مِن رَّح مَةِ اللهَِّ إِنَّ اللهََّ يَغ فِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ ال غَفُورُ الرَّحِيمُ " (الزمر، آية : 53.) ففي قوله لاَ تَق نَطُوا " إشارة إلى أن المؤمن يجب أن يكون دائماً في حالة وسط لا يسرف ولا يتجاوز الحدود حتى في تأنيب الضمير وتعذيب النفس، 1 مسلم، ك الإيمان1 /33.) 2 مسلم، ك التوبة،2 /489 ـ290.) 3 التوبة في ضوء القرآن الكريم صـ517. 4 المصدر نفسه صـ517. 5 المصدر نفسه صـ517.

عدد الصفحات ٢٠٨