المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

دراسات في دلالات المثلات

عيسى بن عبدالله السعدي

صفحة ٩ من ١٩

المبحث الخامس ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 041 الناطور(1) :(( فَقَالَ هِرَقْلُ : هَذَا مُلْكُ هَذِهِ الأُمَّةِ قَدْ ظَهَرَ ، ثُمَّ كَتَبَ هِرَقْلُ إِلىَ صَاحِبٍ لَهُ بِرُومِيَةَ ، وَكَانَ نَظِيرَهُ فيِ الْعِ لْمِ ، وَسَارَ هِرَقْلُ إِلىَ حمِْصَ ، فَلَمْ يَرِمْ (4) حمِْصَ حَتَّى أَتَاهُ كِتَاب مِنْ صَاحِبِهِ يُوَافِقُ رَأْيَ هِرَقْلَ عَلىَ خُرُوجِ النَّبِيِّ  ، وَأَنَّهُ نَبِي )) (4) ؛ فاستدلّ هرقل بصفات النَّبيّ  وأحواله ع صدق نبوّته ، وازداد يقينًا بشهادة صاحب رومية ، حتَّى إنّه عرض الإسلام على عظمّء الروم ، ورغّبهم في الدخول فيه (4) ، وكان من جملة ما استدلّ به من أحوال النَّبيِّ  ابتلاؤه مع قومه ؛ لأنّ الرُّسل ( تُبْتَلىَ ثُمَّ تَكُونُ لهَُمُ (0) ابن الناطور أو ناطوراء كان سُقُفًّا على نصارى الشام وقت الحادثة ، ثُمَّ أسلم ، ولقيه الزهري بدمشق زمن عبد الملك بن مروان ، وروى عنه هذه الرواية . انظر : فتح الباري 1/44 ،41 . (1) بفتح الياء ، وكس الراء ؛ أي لم يبرح مكانه . انظر : فتح الباري 1/44 . (3) صحيح البخاريّ : كتاب بدء الوحي ( فتح الباري 1/44 ) . وهذه الروايات تدلّ على جزم هرقل بصدق النَّبي  ، ولكنّه لم يذعن لما عرفه قلبه ؛ خوفًا على مُلكه ، أو خوفًا من قومه أن يقتلوه كمّ فعلوا بضغاطر ، صاحب رومية ، حين صدّق النَّبيَّ  واتّبعه ، وتبرأ من النصرانية . ولما كاتب النَّبيُّ  هرقل وهو تبوك أجاب بأنَّهُ مسلم ، فقال النَّبيّ  كذب عدو اللهّ ليس بمسلم . وهذه الرواية الثابتة تدلّ على صحّة مذهب السّلف وبطلان مذهب المرجئة ؛ فإن النَّبيّ  لم يحكم له بالإسلام بمجرّد قول القلب أو اللّسان ؛ لأنّه لم يذعن لما عرف من الحقّ ، وتدلّ أيضًا مع مجموع روايات الحادثة على ضعف ما ذكره ابن حجر من أن هرقل أقرّ ولم يستمر ، أو أن أمره كان مستبهمًّ ؟ ولهذا ختم به البخاريّ كتاب الوحي الَّذي استفتحه بحديث الأعمّل بالنيات ؛ إيمّء إلى أنَّهُ إن صدقت نيّته انتفع وإلا خس . انظر : تاريخ الطبري 4/649 ـ654 ، فتح الباري1/44 ،42 ،44 ـ45 ، الإصابة4/445 ـ446 . (4) انظر : فتح الباري 1/44 .

عدد الصفحات ١٤٠

تصديق الرُّسل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 040 الْعَاقِبَةُ ؛ قال تعالى :  إنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ  [ هود : 49 ] ، وقال :  وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإ الْمُرْسَلِ ينَ  [ الأنعام44 ] ، وقال :  حَتَّى إذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا (1) جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ  [ يوسف : 114 ] ؛فخاصة الأنبياء اقتران دعوتهم بحسن العاقبة فعلاً وقولاً ؛ فلهم النصر والنجاة عند حلول المَثُلات ، ولهم لسان الصدق في الآخرين ؛ قبولاً ، ومحبّة ، وثناءً ، ودعاء ، وصيتًا باقيًا إلى يوم القيامة (4) . وبرهان المَثُلات لا يختصّ بمن وقعت المثلة لأجله من الرسل ، وإنّمّ يدلّ على صدق من قبله ومن بعده من الرسل ؛ لاتّفاقهم في العقائد وأصول الشرائع ؛ فمّ يدلّ على صدق أحدهم فإنّه يدلّ على صدق سائرهم ؛ ولهذا كان كفر أصحاب المَثُلات برسولهم بمنزلة الكفر بجميع الرسل ، قال تعالى :  وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ  [ الفرقان : 42 ] ، وقال  كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ  [ الشعراء : 144 ] ، وقال :  وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ  [ الحجر : 14 ] ، وقال :  كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ  [ الشعراء : 126 ] ؛ فنزّل كفرهم برسولهم منزلة الكفر بالجميع ، لوحدة مقاصد الرسل ، (0) الظن متعلّق بالمرسل إليهم لا بالرسل ؛ لأن الرسل لا يجوز عليهم الشك في وعد اللهّ ووعيده مع معاينة حجج اللهّ وبراهينه ؛ أي ظنّ الأتباع أو المكذِّبون أنَّ الرسل قد أخلفوا فيمّ وعدوا به من النصر ، وإهلاك الأعداء . وهذا قول ابن عبّاس وسعيد بن جبير وغيرهم واختاره الطبري ، وقيل غير ذلك . انظر : تفسير الطبري 14/14 ـ 12 ، تفسير ابن كث4/492 ،491 . (1) انظر : تفسير ابن كثير 4/441 ، إي ثار الحق لابن الوزير ص 55 ، صفوة البيان لحسنين مخلوف 4/114 .

عدد الصفحات ١٤١

المبحث الخامس ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 041 وأصول دينهم ؛ قال الحسن البصري : (( إن الآخر جاء بمّ جاء به الأوّل ، فإذا كذبوا واحدًا فقد كذبوا الرسل أجمعين )) (1) . وكذلك لا يختص دليل المَثُلات بزمن الرِّسالة ، أو حال التحدي ، كمّ يشترط ذلك المتكلمون في دليل النبوّة (4) ؛ لأنّ الدّليل لا يشترط أن يكون محلّ المدلول عليه ، ولا في زمانه ، ولا في مكانه ؛ فيجوز أن تكون آية النبوّة سابقة ؛ كالبشارة والإرهاص (4) ، ويجوز أن تكون متراخية ومستمرة إلى يوم القيامة ؛ ككرامات أتباع النَّبيِّ  (4) ، والمثلات الَّتي تحيق بأعدائه  (5) ؛ يقول ابن تَيْمِيَّة : (( من آيات النَّبيِّ  ما هو باق إلى يوم القيامة ؛ كالقرآن ، وكالعلم والإيمّن الَّذي في أتباعه ، وكشريعته الَّتي أتى بها ، وكالآيات الَّتي (0) نقلاً عن تفسير البغوي4/494 ، وانظر : تفسير القرطبي 14/46 ، تفسير ابن كث 4/454 ،4/411 . (1) انظر : حاشية الدسوقي على أم البراهين ص 126 ،122 ، شرح الجوهري للبيجوري ص144 . (3) من المثلات ا لمشهورة الَّتِي كانت إرهاصًا لنبوّة نبيّنا محَُمَّد  مثلة أصحاب الفيل ، فقد وقعت عام ولادة النَّبِيِّ  على الصَّحِيح ؛ تمهيدًا لشأنه ، ودلالة على نبوّته ، ولا صحّة لما ذكره الصاوي من أنّ ذلك كان ببركة النّور المحمدي الَّذِي كان في أصلاب آبائه . انظر : تف سير القرطبي 44/194 ،195 ، روح المعاني للآلو 44/491 ، حاشية الصاوي على الجلالين 4/429 ، تفسير ابن سعدي2/624 . (4) كرامات الأولياء على الصّحيح من قولي العلمّء تعتبر من آيات الأنبياء الصغرى ؛ لأنَّم إنّمّ نالوا الكرامة ببركة اتباع النَّبيّ  . انظر : النب وات لابن تَيْمِيَّة 4/144 ، 1414 . (5) انظر : النبوات لابن تَيْمِيَّة 4/294 ،154 ،914 ،915 ، الجواب الصّحيح لابن تَيْمِيَّة 6/441 ،449 .

عدد الصفحات ١٤٢

تصديق الرُّسل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 043 يظهرها اللهّ وقتًا بعد وقت من كرامات الصالحين من أمّته ، ووقوع ما أخبر بوقوعه ، وظهور دينه بالبرهان والسنان ، ومثل المَثُلات الَّتي تحيق بأعدائه وغير ذلك )) (1) . وهذا الاستمرار في هذا الضرّب من الآيات ضروري لإقامة الحجّة ع الخلق ؛ فإنّ اللهّ لا بُدّ أن يري أهل كلّ قرن من الآيات ما يدلهّم على صدق رسله ، وصحّة دينهم ، حتَّى كأنّ أهل كل قرن يشاهدون ما يشاهده الأولون أو نظيره . وهذا مقتضى حكمة الرب ورحمته وعدله ووعده الصادق (4) ، قال تعالى :  سَنُرِيهِمْ ءَايَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَق  [ فصّلت : 54 ] ؛ يقول ابن القيّم : (( هذه الإرادة لا تختص بقرن دون قرن ، بل لا بُدّ أن يري اللهّ سبحانه أهل كلّ قرن من الآيات ما يبين لهم أنَّهُ اللهّ الَّذي لا إله إلاّ هو ، وأن رسله صادقون )) (4) .      (0) الجواب الصّحيح 5/444 ،441 [ بتصرف ] . (1) انظر : التبيان لابن القيّم ص112 . (3) المرجع السّابق .

عدد الصفحات ١٤٣

المبحث السَّادس صدق الوعد والوعيد الإيمّن عند أهل السنة والجمّعة شامل لكلّ ما يحبّه اللهّ تعالى من الأقوال والأعمّل الظاهرة والباطنة (1) . والإيمّن بهذا المعنى المستمدّ من النّصوص له ثمرات لا تحصى ، وفوائد لا تستقصى ، وهي إما أن تتعلّق بدرء المفاسد عن المؤمن ، أو جلب المصالح له ؛ كحفظ المؤمن في دينه ودنياه ، وإكرامه بالحياة الطيبة علمًّ وعملاً وتثبيتًا (4) . ويدخل في هذا ما تكرّر وعد المؤمنين به من إهلاك أعدائهم ، واستخلافهم في الأرض من بعدهم ؛ ولأهمية هذه الثَّمرة ، تنوعت طرق التعبير عن صدقها ، واختلفت أساليب الوعد بحصولها ؛ فمن ذلك النّص على أنَّ إنجاء المؤمنين و نصرهم ، وأخذ أعدائهم واستئصالهم حقّ أوجبه اللهّ على نفسه بمقتضى فضله وعدله ؛ فيستحيل أن يكون فيه خلف أو كذب ، قال تعالى :  ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُوا (4) كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ  [ يونس : 144 ] ، وقال :  فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ  [ هود : 65 ] ، وقال :  وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ (0) انظر : شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجمّعة لأبي القاسم اللالكائي 1/126 ، 115 ،4/144 ، التمهيد لابن عبد البر 9/441 ، مجموع الفتاوى لابن تَيْمِيَّة 2/441 . (1) انظر : جامع العلوم والحكم لابن رجب ص 125 ـ121 ، التوضيح والبيان لابن سعدي ص64 ـ94 . (3) في الكم إضمّر يدلّ عليه السياق ؛ لأنّ المراد تأكيد صدق الوعد بطرفيه ؛ أي إنجاء الرسل وأتباعهم ، وأخذ أعدائهم واستئصالهم . انظر : تفسير ابن كثير 4/444 .

عدد الصفحات ١٤٥

المبحث السَّادس ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 041 اللَّهُ وَعْدَهُ  [ الحج : 42 ] ، أي جميع ما وعد بمّ في ذلك إهلاك أعدائه ، وإنجاء أوليائه وإكرامهم في الدنيا والآخرة (1) . ومن ذلك النّص على أنَّ المَثُلات إذا انعقدت أسبابها فإنَّا لا يمكن أن تصرف أو تدفع ، قال تعالى :  أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ  [ هود : 1 ] ، وقال :  وَإنَّهُمْ ءَاتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ  [ هود : 26 ] ، وقال :  وَلا يُرَد بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ  [ يوسف : 114 ] . ومن ذلك التعبير عمّ ينتظر من المثلات بصيغة الما ؛ للدلالة على تأكّد حصولها ، وأنّ المتوقع منها في حكم الواقع ، والمنتظر في حكم الحاصل (4) ، كقوله تعالى :  قَالَ قَ دْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ  [ الأعراف : 21 ] ، وقوله :  وَإنَّهُمْ ءَاتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ  [ هود : 26 ] ، وقوله :  إنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ  [ هود : 11 ] . ومن ذلك أيضًا الاستدلال بمّ تحقّق من المَثُلات ع لى صدق ما ينتظر من وعد اللهّ ووعيده ، قال تعالى :  أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَـيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا  [ محمَّد : 14 ] ، وقال :  أَلَمْ نُهْلِكِ الأَوَّ لِينَ * ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ * كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ  [ المرسلات : 16 ـ11 ] ، وقال :  وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ * إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ  [ هود : 144 ،144 ] ؛ فإنجاء المؤمن وإكرامه ، وعقاب المجرم وإهلاكه في الدنيا آية على صدق وعد اللهّ ووعيده (0) انظر : تفسير ابن كثير 4/441 . (1) انظر : تفسير القرطبي 9/94 ،11/124 ، روح المعاني للآلو 1/151 ، 14/144 ،114 ،41/141 ، حاشية الصاوي على الجلال4/414 ،441 .

عدد الصفحات ١٤٦

صدق الوعد والوعيد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 042 في الآخرة ؛ لأنّ تحققهمّ في دار العمل يدل على تحققهمّ في دار الجزاء من باب أولى ؛ وعلى أنَّمّ سيكونان فيها أعظم وأبقى (1) ، قال تعا :  كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ * فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ  [ الزمر : 45 ،46 ] ، وقال :  فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ  [ فصلت : 16 ] . ولما كان هذا الوعد صدقًا لا كذب فيه ، وحقًّا لا خلف فيه كثر تصريفه للعباد  لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا  [ طه : 114 ] ؛ وهذا التّصريف أو التكرار والترديد والبيان (4) على عدّة أنمّط ، منها : ـ 1 ـ النّص الصرّيح على أنَّ من سلك سبيل أصحاب المَثُلات لقي مثل عقابهم ، قال تعالى :  فَإنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِ قَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ  [ فصلت : 14 ] ، وقال :  فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُود * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ  [ هود : 14 ،14 ] ؛ أي وما هذه النقمة ممّن تشبه بهم في ظلمهم ببعيد عنه (4) . 4 ـ الإخبار عن كثرة المهلكين مع أنَّّم أعظم من المخاطبين قوّة وشدّة ، (0) انظر : تفسير ابن كثير 4/459 ، روح المعاني للآلو14/142 ،141 . (1) انظر : تفسير البغوي 4/444 ، تفسير القرطبي 11/454 ، روح المعاني للآلو 1/141 ،16/462 . (3) انظر : تفسير ابن كثير 4/455 .

عدد الصفحات ١٤٧

المبحث السَّادس ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 041 وأوفر منهم حسنًا ومالاً ، وأكثر منهم عددًا وعُدّة (1) ، قال تعا :  أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَـيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً  [ فاطر : 44 ] ، وقال :  وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا  [ مريم : 24 ] ؛ فدلّ على أنَّ المخاطبين إن لم يكونوا أحقّ بالعقوبة منهم فليسوا دونَّم ، قال تعالى :  أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ  [ القمر : 44 ] ؛ وهذا استفهام إنكار معناه النفي ؛ أي ليس كفاركم خيرًا من أسلافهم ، بل إنَّّم قد يكونون أحقّ بالعقوبة منهم ؛ لأنَّم كذبوا أشرف الرسل ، وكفروا بأفضل الكتب (4) . 4 ـ النّص على علّة المَثُلات ؛ ليحذر أهلها أن يصيبهم ما أصاب أشباههم من الأخذة الفذة بالعقوبة ، قال ت عالى :  إنْ كُلٌّ إلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَق عِقَابِ  [ ص : 14 ] ، وقال :  وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا  [ الكهف : 59 ] ؛ والتكذيب والظلم بمعنى ؛ لأنَّمّ إذا أطلقا دخل في مدلولهمّ الكفر وسائر الذنوب (4) . وهذا العلّة لا تقتضي حصو ل المثلة إلاّ إذا كانت غالبةً على أكثر المنذرين ، قال تعالى :  فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ  [ الشعراء : 51 ] ؛ فلو آمن أكثرهم أو شطرهم لما أخذوا بعامّة (4) ؛ وهذا الحكم ينطبق حتى على المثلات الخاصّة ؛ وهي (0) العدة بالضم ما يعد لحوادث الدهر من المال والسلاح . انظر : مختار الصحاح للرازي ص416 ،412 . (1) انظر : تفسير البغوي 4/464 ، تفسير القرطبي 12/145 ، تفسير ابن كث 4/44 ،144 ، روح المعاني للآلو42/91 . (3) انظر : مجموع الفتاوى 2/64 ـ14 . (4) انظر : تفسير البيضاوي بحاشية الكازروني 4/454 .

عدد الصفحات ١٤٨

صدق الوعد والوعيد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 041 الَّتي تصيب طوائف محدّدة من أمة محمَّد  ؛ فإذا غلب الفجور في طائفةٍ منهم عمّها الهلاك ؛ روى البخاريّ بسنده عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ـ رَضيِ اللهَُّ عَنْهَا ـ أَنَّ النَّبِيَّ  دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعًا يَقُولُ : لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللََُّّ ، وَ يْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَََبَ ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ ـ وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الإِبهَْامِ وَالَّتِي تَلِيهَا ـ فَقَالَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ : أَنََّْلِكُ وَفِينَا الصَّالحُِونَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إِ ذَا كَثُرَ الَْْبَثُ (1) ؛ أي الفسق والفجور ؛ فإذا عمّ ذلك دون أن ينكر ، أو أنكر ولكنّه كان كثيرًا وغالبًا لا يجدي معه النكير ، أهلكت حينئذ الطائفة الَّتي عمّ فيها الفجور ، وبعث كلٌّ على نيّته (4) . 4 ـ التحذير من الأمن من مكر اللهّ ، والاغترار بإمهاله وإن ظاره ، قال تعالى :  أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّ فٍ فَإنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ  [ النحل : 45 ـ42 ] ، وقال :  ءَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَـيْفَ نَذِيرِ  [ الملك : 16 ـ12 ] ، وقال  أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُون * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ  [ الأعراف : 92 ـ99 ] ؛ والاستفهام بمعنى الإنكار ؛ أي يجب ألا يأمنوا أن يصيبهم ما أصاب أسلافهم ، فتحلّ بهم المثلة حال الغرة (0) صحيح البخاريّ : كتاب الأنبياء ، باب قصّة يأجوج ومأجوج ، ح ( 4446 ) ( فتح الباري 6/411 ) . (1) انظر : فتح الباري 14/149 .

عدد الصفحات ١٤٩

المبحث السَّادس ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 051 والسكرة(1) ؛ يقول قتادة : (( ما أخذ اللهّ قومًا ق ّ إلاّ عند سكرتهم وغرّتهم ونعمتهم )) (4) .وهذا محمول على الأعمّ الأغلب ؛ لأنّ المثلة قد تحلّ بأهلها حال ترقّبها ، وتخوف وقوعها ، كمّ يدلّ لذلك قوله تعالى :  أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ  [ النحل : 42 ] ؛ يقول ابن كث : (( أي أو يأخذهم اللهّ في حال خوفهم من أخذه لهم ؛ فإنّه يكون أبلغ وأشدّ ؛ فإنّ حصول ما يتوقّع مع الخوف شديد ؛ ولهذا قال العوفي عن ابن عبّاس : يقول : إن شئت أخذته على إثر موت صاحبه وتخوفه بذلك ، وكذا روي عن مجاهد والضحاك وقتادة وغيرهم )) (4) . وأوجه تصريف الوعيد أكثر ممّا ذكر ، وهي كلّها من أهمّ وسائل تأسيس الإيمّن بصدق الوعيد وتوكيده ؛ والإيمّن بصدق الوعد والوعيد من مقاصد قصص المَثُلات الكبرى (4) ؛ وإنّمّ يخصّ الوعيد بالذكر في أغلب نصوص المَثُلات للمبالغة في الزجر عن أفعال أهلها (5) ؛ وإلاّ فكلّ وعيد للمجرم فإنّه يحمل في طيّاته وعدًا للمؤمنين بخيرات الدنيا والآخرة ، كمّ أن كلّ وعد للأنبياء وأتباعهم فإنّه يتضمّن في ثناياه وعيدًا لأعدائهم بمثلات الدنيا والآخرة ؛ ولهذا يطلق أحدهما على الآخر ، ويوضع موضعه ؛ كمّ في قوله (0) انظر : تفسير القرطبي 14/149 ، تيسير الكريم الرحمن لابن سعدي 4/61 ، 4/442 ،2/446 . (1) نقلاً عن تفسير ابن كث4/441 . (3) تفسير ابن كث4/521 . (4) انظر : اقتضاء الصراط المستقيم لابن تَيْمِيَّة 1/19 ، الصواعق المرسلة لابن القيّم 4/615 . (5) انظر : البرهان للزركشي 4/64 ،65 .

عدد الصفحات ١٥٠

صدق الوعد والوعيد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 050 تعا :  وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ  [ الحج : 42 ] ، وقوله :  فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ  [ الأحقاف : 44 ] ، ويكتفى بذكر أحدهما عن الآخر ، كمّ في قوله تعالى :  ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ  [ يونس144 ] ، وقوله :  فَانْتَقَمْنَ ا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ  [ الروم : 42 ] ؛ فاكتفى بذكر الوعد أوّلاً ، ثُمَّ اكتفى بذكر الوعيد ثانيًا ؛ لأنّ كلّ واحد منهمّ مستلزم للآخر ، ومقتض له . واللهّ أعلم (1) .      (0) انظر : تفسير القرطبي 16/445 ، تفسير ابن كث4/444 ، تيسير الكريم الرحمن لابن سعدي 6/141 .

عدد الصفحات ١٥١

الخاتمة أحمد اللهّ في الختام كمّ حمدته في البدء ، فهو أهل ا لحمد في كلّ موطن ، وبعد : ـ فقد انتهيت من دراسة دلالة المَثُلات على الإيمّن للنّتائج الآتية : ـ 1 ـ ضرورة العناية بدراسة المَثُلات ، وإبرازها للنّاس بطرق علميّة واضحة ومحدّدة ؛ لشدّة الحاجة إليها في هذا العصر الَّذي تجرأت بعض مجتمعاته على كثيرٍ ممّا أهلكت به ا لأمم الأولى ، وسنّت الدساتير الَّتي تكفل مشروعيّة إجرامها ، وتخطئ من تبرأ منه وأنكره ! 4 ـ اطّرد الإخبار عن دلالة المَثُلات ، وإثبات حجيتها بطرقٍ تفيد التعظيم والتكثير والتوكيد ، وفي ذلك دلالة بينة على ضرورة العناية بدلالاتها ، وعلى الحرص البالغ على استجلاء عبرها وعظاتها . 4 ـ برهان المَثُلات من أعظم أدلّة العقيدة ، وأظهرها ؛ وهو برهان للخلق كافّة على أصول الإيمّن ، إِلاَّ أَنَّ أصحاب العقول الرَّشيدة والعلوم الصّحيحة يختصّون بفهمه وإدراكه على وجهه ، ويختصّ أصحاب الخصال العليا من الإيمّن باستبانة الدّليل ، وكمّل الا نتفاع بتأثيراته ودلالاته على كثير من حقائق اليقين ومعارفه . 4 ـ المَثُلات من أعظم أدلّة دخول العمل في مسمّى الإيمّن ؛ إذ لو كان الإيمّن مجرّد قول لا عمل معه لما حلّت المَثُلات بأمّة من الأمم ؛ لأنّ عامّة من حلّت بهم المَثُلات كانوا مقرّين بصدق الرسل ، وإنّمّ كفروا جحودًا وعنادًا أو إباءً واستكبارًا .

عدد الصفحات ١٥٣

الخاتمة ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 054 5 ـ دلّت المَثُلات على أنَّ شرط اعتبار الإيمّن حصوله حال الاختيار لا حال الضرورة ؛ فلا يقبل إيمّن المعاينة ؛ لأنّه إيمّن اضطراري لا يقارنه صدق القلب ، فلو كشف العذاب عن أهله لتمّدوا في كفرهم واستمروا في غيّهم . وهذه س نّة اللهّ الَّتي قد خلت في عباده ، لا يستثنى منها إلاّ قوم يونس ؛ لما قارن إيمّنَّم حال المعاينة من صدق القلب ؛ ولهذا استمروا على اليقين بعدما كشف الخزي عنهم خلافًا لغيرهم من المُهلَكين ؛ فإنَّّم لو ردوا لعادوا لما نَّوا وإنَّم لكاذبون . 6 ـ حلول المَثُلات بأعداء الرسل ، وحصول العاقبة لهم باطراد مع قلّة العدد والعُدَد أكبر برهان على صدقهم وصحّة دينهم ؛ لأنّ اللهّ تعالى حكيم عليم ، لا يؤيد بنصره المستقر وإظهاره المستمر إلاّ من كان صادقًا فيمّ يخبر عن اللهّ وعن دينه . 2 ـ دليل المَثُلات لا يدل على مجرّد صدق الرسل وإنّمّ يدل مع ذلك على الترغيب في اتباعهم والتحذير من عصيانَّم ؛ فمفاده علم ووعظ لا مجرّد علم ؛ ولهذا كان أكمل آيات النبوة في حصول المقصود منه . وهذا الدّليل لا يختص بتصديق من وقعت المثلة لأجله ، وإنّمّ يدلّ على صدق جميع الرسل ؛ لوحدة أصول دينهم ؛ ولهذا كان كفر أصح اب المَثُلات برسولهم بمنزلة الكفر بجميع المرسلين . 1 ـ إنجاز وعد اللهّ ووعيده من أعظم ثمرات الإيمّن وفوائده ؛ ولهذا كثر تصريف نصوص المَثُلات ؛ لتأكيد صدق وعد اللهّ ووعيده بأبلغ الطرق وأبينها حتَّى تقوم الحجّة البالغة على المكلّفين كافّةً ، ولا يهلك على اللهّ منهم إلاّ هالك . واللهّ أعلم ، وصلىّ اللهّ على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين .     

عدد الصفحات ١٥٤

الدِّراسة الثَّالثة دلالة المَثُلاَت على التَّوحيد

عدد الصفحات ١٥٥

المقدّمـة الحمد لله وحده ، والصّلاة والسّلام على من لا نبيّ بعده وبعد :ـ فقد أرسل الله رسوله بالهدى ودين الحقّ ؛ أي بالأخبار الصادقة ، والعلوم النافعة ، والأعمّل الصالحة (1) ، ويدخل في الأخبار الصادقة دخولاً أوّليًا قصص المصطفين الأخيار من أنبياء الله الأطهار ، ورسله الكرام ؛ لأنَّّا أصدق القصص ، وأحسنه لفظًا ومعنًى ، وأكثره حكمًّ ونكتًا (4) وعبرًا ، وبخاصّةٍ ما آتاهم الله من الآيات الباهرات ، وما حاق بأعدائهم من أصناف المثلات ؛ وهي العقوبات المنكلات الخارجة عمّّ يقدر عليه الجن والإنس من العقوبات (4) ؛كمثلة الصيحة ، والائتفاك ، والخسف ، والمسخ ، قال تعالى :  إنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَـانُوا كَـهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ  [ القمر : 41 ] ، وقال :  وَالْمُؤْتَفِكَـةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى  [ النّجم : 54 ،54 ] ، وقال :  قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِ هِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ  [ النحل : 46 ] ، وقال :  قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَ ثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ  [ المائدة : 64 ] ، وقال :  فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ (0) انظر : تفسير ابن كثير 4/449 . (1) النكت هي المسائل العلميّة الدقيقة يتوصّل إليها بدقّةٍ وإنعام فكر . انظر : التعريفات للجرجاني ص446 ، المعجم الوسي ص954 . (3) انظر : تفسير الطبري 14/145 ، المحرر الوجيزبن عطيّة 4/496 .

عدد الصفحات ١٥٧

المقدّمـة ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 051 أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَ مِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ  [ العنكبوت : 44 ] . وقد فصّلت هذه المثلات وصرّفت في كثير من آيات القرآن الكريم ؛ لتمكين عبرها في النّفوس ، وتح ذير الخلق من أفعال أهلها ، وأخلاقهم ، وأحوالهم ، قال تعالى :  أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَـيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُ وبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ  [ غافر : 41 ] ، وقال :  أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَـيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا  [ محمَّد : 14 ] ؛ يقول ا بن القيِّم : (( كلّ معصية من المعاصي فهي ميراث عن أمّةٍ من الأمم الَّتي أهلكها الله  ؛ فاللوطية ميراث عن قوم لوط ، وأخذ الحقّ بالزائد ودفعه بالناقص ميراث عن قوم شعيب ، والعلوّ في الأرض والفساد ميراث عن فرعون وقوم فرعون ، والتكبرّ والتجبرّ ميراث عن قوم هود ؛ فالعاصي لابس ثياب بعض هذه الأمم ... ولولا أنّ رحمته سبقت غضبه ومغفرته سبقت عقوبته لتزلزلت الأرض بمن قابله بمّ لا تليق مقابلته به ، ولولا حلمه ومغفرته لزالت السموات والأرض من معاصي العباد ، قال تعالى :  إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا  [ فاطر : 41 ] ؛ فتأمّل ختم هذه الآية باسمين من أسمّئه ؛ وهما الحليم والغفور كيف تجد تحت ذلك أنّه لولا حلمه على الجناة ، ومغفرته للعصاة لما استقرّت السموات والأرض )) (1) . (0) الجواب الكافي ص42 ،41 ،59 ،64 .

عدد الصفحات ١٥٨