المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

دراسات في دلالات المثلات

عيسى بن عبدالله السعدي

صفحة ٨ من ١٩

إيمان المعاينة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 013 وروى الطبري بسنده عن عائشة ـ رضي اللهّ عنها ـ موقوفًا : (( إذا خرج أوّل الآيات ؛ طرحت الأقلام ، وحبست الحفظة ، وشهدت الأجساد على الأعمّل )) (1) . وحكمة إغلاق باب القبول بعد الطلوع ترجع إلى أنَّهُ أوّل ابتداء قيام الساعة ؛ فإذا شوهد ذلك الطلوع حصل الإيمّن الضروري بصدق وعد اللهّ ووعيده ، وارتفع الإيمّن بالغيب كمّ يرتفع عند حلول العذاب ، وعند الاحتضار ؛ وإيمّن الاضطرار ليس بإيمّن حقيقة ؛ لتجرّده عن الصدق الَّذي يقارن إيمّن الاختيار ؛ فلا يجدي عن أهله شيئًا لا في الدنيا ولا في الآخرة (4) . وهذا الأصل الثابت بمقتضى نصوص القرآنوالسنة له دلالتان مهمّتان : ـ الأولى : أنَّ إيمّن المعاينة إذا قارنه الصدق الَّذي يقارن إيمّن الاختيار صار نافعًا مقبولاً في الدنيا والآخرة ، وهذا لم يحصل لأمّة من الأمم إلاّ لأهل نينوى بأرض الموصل ؛ وهم قوم يونس  ، قال تعا :  فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَا إيمَانُهَا إلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا ءَامَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (4) وَمَتَّعْنَاهُمْ إلَى حِينٍ  [ يونس : 91 ] ؛ فخصّهم بقبول الإيمّن عند معاينة  ابن كثير 4/195 . (0) تفسير الطبري 1/144 . قال ابن حجر : سنده صحيح ، وهو وإن كان موقوفًا فحكمه الرفع . فتح الباري 11/455 . (1) انظر : المحرر الوجيز لابن عطيّة 4/462 ، التذكرة للقرطبي ص246 ، فتح الباري لابن حجر 11/454 ،454 . (3) هذا القيد لا يدلّ على أنَّ كشف العذاب عنهم إنّمّ كان في الدنيا ؛ لأنّ اللهّ وصفهم 

عدد الصفحات ١٢٣

المبحث الرَّابع ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 014 العذاب ؛ لأنّ إيمّنَّم كان صادقًا ؛ بدليل استمرارهم عليه بعد كشف الخزي عنهم ؛ خلافًا لغيرهم من المُهْلَكين ؛ فإنَّّم كمّ قال اللهّ تعالى :  وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَـشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ  (1) [ المؤمنون : 25 ] . وقد ذهب الزجّاج إلى أنَّ إيمّن قوم ي ونس إنّمّ قُبِل لأنَّم عاينوا علامة العذاب لا العذاب نفسه ؛ ولو عاينوه ، وتلبّس بهم فعلاً ، لما قُبِلَ إيمّنَّم . واختار قوله ابن عطيّة ، والقرطبي ، والبيضاوي ، وغيرهم (4) . وهو قول ضعيف ؛ لأنّ ظاهر القرآن يدلّ على تأخّر إيمّنَّم حتَّى حلّ بهم العذاب ، وعاينوه فعلاً ، وهذا ما ذكره أئمة المفسِّين ؛ كابن عبّاس ، ومجاهد ، وقتادة ، وسعيد بن جبير ، وغيرهم ، فقد نصّوا على تأخر إيمّنَّم حتَّى نزل بهم بأس اللهّ وسخطه ؛ فأظلّهم العذاب ، وتدلىّ عليهم ، وتغشّاهم كمّ يتغشى الإنسان الثوب في القبر (4) ؛ ولهذا قال الطبري : (( استثنى اللهّ قوم يونس من أهل القرى الَّذين لم ينفعهم إيمّنَّم بعد نزول العذاب بساحتهم ،  بالإيمّن في الآية ، وفي قوله :  فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إلَى حِينٍ  [ الصافات : 141 ] ؛ والإيمّن الصادق كاشف لعذاب الدنيا والآخرة . انظر : تفسير ابن كثير 4/444 . والمراد بالحين في الآية زمان انقضاء آجالهم المقدّر في علم اللهّ وكتابه الأَوَّل ، ولا صحّة لما يحكى عن ابن عَبَّاس ـ رضي اللهّ عنهمّ ـ أنّ المراد به يوم القيامة فهم أحياء إلى اليوم إِلاَّ أنّ اللهّ سترهم عن أعين الخلق . انظر : روح المعاني للآلوسي 11/194 . (0) انظر : زاد المسير لابن الجوزي 4/62 ، تيسير الكريم الرحمن لابن سعدي 4/494 . (1) انظر : المحرّر الوجيز لابن عطية 4/144 ، تفسير القرطبي 1/414 ، تفس البيضاوي بحاشية الكازروني 4/415 . (3) انظر : تفسير الطبري 11/121 ،124 .

عدد الصفحات ١٢٤

إيمان المعاينة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 015 وأخرجهم منهم ، وأخبر خلقه أنَّهُ نفعهم إيمّنَّم خاصّة من بين سائر الأمم غيرهم )) (1) ، وقال البغوي : (( الأكثرون على أنَّّم رأوا العذاب عيانًا ؛ بدليل قوله :  كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ  [ يونس : 91 ] ؛ والكشف بعد الوقوع ، أو إذا قرب )) (4) . الثّانية : بطلان مذهب الصوفية في إيمّن المعاينة ؛ فقد ذكر ابن حجر الهيتمي أنَّ مذهبهم إثبات الانتفاع بالإيمّن حتَّى لو حصل عند معاينة العذاب ! (4) ، وخصّ ابن عربيّ من هذا العموم من مات فجأة ، أو قتل غفلة ، لأنّه لا يتصوّر في نظره أن يكون لهم هذا الشهود ؛ فيقبضون على ما كانوا عليه من إيمّن أو كفر ! (4) . وهذا المذهب أكثر غلوًّا من مذهب مرجئة المتكلّم ؛ لأنَّم يوافقونَّم في تفسير الإيمّن بالتصديق القلبي المجرّد ، ويزيدون عليهم في اعتباره حتَّى عند المعاينة ! وهذا الاعتبار يخالف النّصوص الصريحة ، بمّ في ذلك نصوص المَثُلات ؛ كقوله تعالى :  فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا  [ غافر : 15 ] ، ولو كان الأمر على ما زعموه لما لحق وعيد بكافر ؛ لأنّ كلّ كافر يؤمن إذا عاين (0) المرجع السّابق 11/124 . (1) تفسير البغوي4/496 . (3) انظر : الزواجر 1/44 . (4) انظر : فصوص الحكم 1/414 . وفي كلام الهيتمي ونقله دلالة صريحة على أن اعتبار إيمّن المعاينة مذهب قديم للصوفية ، وليس ممّا أحدثه ، أو تفرّد به ابن عربيّ . انظر : الزواجر 1/44 .

عدد الصفحات ١٢٥

المبحث الرَّابع ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 011 العذاب ، ويعترف بذنبه على وجه التوبة والاعتذار ، قال تعالى :  إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ  [ يونس96، 92 ] ، وقال :  وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُون * فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إلا أَنْ قَالُوا إنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ  (1) [ الأعراف : 4 ،5 ] ، وقال :  كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَ بْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ  [ ص : 4 ] ؛ أي نادوا بالتوحيد في غير وقته ، وأرادوا التوبة بعد إغلاق باب القبول ، يقول محمَّد بن كعب : (( نادوا بالتوحيد حين تولّت الدنيا عنهم ، واستناصوا للتوبة حين تولّت الدنيا عنهم )) (4) ، وقال قتا دة : (( لما رأوا العذاب أرادوا التوبة في غير حين النداء )) (4) . بل إِنَّ فرعون الَّذي نُبِذ في اليمّ (0) هذا اعتراف بالذنب على وجه الاعتذار ، ولكن في وقت لا تقبل فيه توبة ، ولا تقال فيه عثرة . انظر : تفسير ابن كثير 4/441 . وممّا يحتمل أن يكون بمعنى الآية قوله : لَنْ يَهْلَكَ النَّاسُ حَتََّّ يَعْذِرُوا أَوْ يُعْذِرُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ . رواه الإمام أحمد وأبو داود واللفظ له . انظر : المسند ، باقي مسند الأنصار ، ح ( 41461 ) ، سنن أبي داود : كتاب الملاحم ، باب الأمر والنهي ، ح ( 4445 ) . والحديث سكت عنه المنذري ، وقال الألباني : إسناده صحيح . انظر : عون المعبود 11/544 ، صحيح الجامع الصغ4/941 ، ح ( 4541 ) . والمعنى حتَّى يقرّوا ، ويعترفوا بذنوبهم ، وأنَّم مستحقون للعقوبة ، وهذا معنى كلام ابن مسعود ومن وافقه ، وهو المعنى الموافق للآية ، وقيل : إِنَّ المعنى : لا يهلكون حتَّى تكثر ذنوبهم ، ويستحقوا العقوبة ، ويكون لمن يعذبهم العذر ، وقيل غير ذلك . انظر : تفسير ابن كثير 4/441 ، عون المعبود11/544 ،544 . (1) نقلاً عن تفسير ابن كث4/46 . (3) المرجع السّابق .

عدد الصفحات ١٢٦

إيمان المعاينة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 012 وهو مُليم ؛ أي ملوم كافر (1) ، واتبع بعد غرقه لعنة ، ويوم القيامة هو من المقبوحين كان آخر كلامه  ءَامَنْتُ أَنَّهُ لا إلَهَ إلا الَّذِي ءَامَنَتْ بِهِ بَ نُو إسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ  [ يونس : 94 ] ؛ فلو كان إيمّن المعاينة نافعًا مقبولاً كمّ يزعمون لنفع فرعون ، ودفع عنه مَثُلات الدنيا والآخرة ! وهو لازم لا محيد لهم عنه ؛ ولهذا التزمه غلاتهم ؛ فزعم ابن عربيّ الطائي أنَّ فرعون قبض طاهرًا مطهّرً ا ؛ لأنّه آمن عند المعاينة ، ثُمَّ قبض قبل أن يكسب إثمًّ ، واشت ّ حتَّى زعم أنَّ القرآن يدلّ على نفي العذاب عنه لا على إثباته ؛ وذلك أنَّ قوله تعالى :  أَدْخِلُوا ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ  [ غافر : 46 ] ، يدلّ على إدخال أتباعه على إدخاله ، وقوله :  يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ  [ هود : 91 ] ، يدلّ على أنَّهُ أوردهم النَّار دون أن يدخلها (4) !! وهذا التأويل مقطوع ببطلانه ؛ لأنّ لفظ الآل يشمل الشخص وأتباعه ، كمّ في قول ه تعالى :  إلا ءَالَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ  [ القمر : 44 ] ، وكذلك تأويله للآية الثّانية ؛ لأنّ اللهّ أخبر أنَّهُ يقدم قومه ، والقادم أولّ الواردين ، ولو كان المراد ما ذكره لكان فرعون سائقًا لا قادمًا (4) . وأمّا إيمّن فرعون عند المعاينة فلا يغني عنه شيئًا ؛ لأنّ اللهّ أنكره وردّه بقوله :  آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ  [ يونس : 91 ] ، فلو كان إيمّنه نافعًا مقبولاً لأثبت وما أنكر ، ولترتب عليه آثاره في الدنيا (0) انظر : تفسير ابن كثير 4/442 . (1) انظر : فصوص الحكم لابن عربيّ 1/441 ،414 ، تعليقات أبي العلا عفيفي ع الفصوص 4/491 ـ441 ، الزواجر للهيتمي1/45 . (3) انظر : دقائق التّفسير لابن تَيْمِيَّة 1/455 ـ451 .

عدد الصفحات ١٢٧

المبحث الرَّابع ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 011 والآخرة ، وأوّلها إنجاؤه من الغرق كمّ أنجى قوم يونس بإيمّنَّ م لمّا تغشّاهم العذاب وأحاط بهم . ولكن اللهّ أهلكه شرّ مهلك ، وجعله عبرة لمن خلفه ، ومثلاً للعتاة من الكفرة والمتمرّدين (1) ؛ ولهذا قال النبي  يوم قُتل أبو جهل : هَذَا فِرْعَوْن هَذِهِ الأُمَّةِ (4) . وقد أنكر المسلمون مقالة ابن عربيّ أشدّ الإنكار ، وتبرأ منها حتَّى من يجلّه ويعظّمه ؛ لمخالفتها الصريحة لنصوص الوحي ، وقواطع الشرّيعة (4) . وذكر الدكتور / أبو العلا عفيفي أنَّهُ إنّمّ قال بإيمّن فرعون لتدعيم الفكرة الرئيسة في مذهبه ؛ وهي القول بوحدة الوجود ؛ فلا ثواب ولا عقاب على ما يصدر من العباد من أ عمّل ، أو يعتقدونه من عقائد ؛ وإنّمّ النّعيم المقيم في معرفة العبد نفسه ، ومنزلتها من الوجود العام ؛ فمن انكشفت له حقيقة وحدة الحقّ والخلق فقد أدرك السعادة العظمى ، وعلم أنَّ فرعون وكلّ من عصى اللهّ وإن خالف بمعصيته الأمر التكليفي فقد أطاع الأمر التكويني ، (0) المرجع السّابق 1/452 . (1) رواه الطبرا ، ورجاله رجال الصّحيح ، غير محمَّد بن وهب بن أبي كريمة ، وهو ثقة ، ورواه الإمام أحمد بنحوه ، ولكن من رواية أبي عبيدة عن أبيه ، ولم يسمع منه ، وبقيّة رجال أحمد رجال الصّحيح . انظر : المسند للإمام أحمد ، مسند المكثرين ، ح ( 4644 ) ، مجمع الزوائد6/14 . (3) انظر : الزواجر للهيتمي 1/45 ،46 ، روح المعاني للآلو49/141 ، التعليقات على الفصوص لأبي العلا عفيفي 4/491 ،499 .

عدد الصفحات ١٢٨

إيمان المعاينة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 011 ففعله طاعة في صورة معصية ، ومآله نجاة في صورة هلاك ! (1) .      (0) انظر : التعليقات على الفصوص 4/94 ،95 ،96 ،499 .

عدد الصفحات ١٢٩

المبحث الخامس تصديق الرُّسل تصديق الرُّسل أصل الإيمّن الَّذي يقوم عليه بناؤه كلّه قولاً وعملاً ؛ لأنّ تصديقهم هو الموجب لقبول أخبارهم ، واتّباع شرعهم ظاهرًا وباطنًا (1) ؛ ولهذا آتى اللهّ كلّ نبيّ آية تدلّ على صدقه ، قال تعالى :  لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ  [ الحديد : 45 ] ؛ أي بالأدلّة الو اضحة على صدق ما جاءوا به ، وحقيته (4) ، وروى البخاريّ بسنده عَنْ أَبيِ هُرَيْرَةَ  مرفوعًا : مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبٌِِّ إِلاَّ أُعْطِرَ مِنَ الآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ (4) ؛ يقول ابن حجر : (( هذا دالّ على (0) ملاحظة هذا الأصل ظاهرة في مصنّفات السّلف واستدلالاتهم ؛ فالبخاري مثلاً ابتدأ كتابه ببدء الوحي ؛ لأنّه أصل علم الرّسل ، ثُمَّ بكتاب الإيمّن الَّذي هو الإقرار بمّ جاءت به الرّسل ؛ لأنّه أصل دين أتباعهم ، ثُمَّ بكتاب العلم الَّذي هو معرفة الإيمّن قولاً وعملاً .. وهكذا . وكذلك الشأن في استدلالاتهم ؛ فقد كانوا يستدلون ببراهين النبوّة على وجود الرب وصفاته وأفعاله ؛ لأنّ ثبوت النبوة يوجب تصديق أخبارهم ، واتّباعهم فيمّ يدعون إليه من التوحيد والأعمّل . انظر : مجموع الفتاوى لابن تَيْمِيَّة 4/1 ـ2 ، درء التَّعارض لابن تَيْمِيَّة 1/451 ،454 ، الصواعق المرسلة لابن القيّم4/1192 ، 1191 . (1) انظر : المفردات للراغب ص61 ، تفسير القرطبي12/464 ، تيسير الكريم الرحمن لابن سعدي 2/441 . (3) صحيح البخاريّ : كتاب فضائل القرآن ، باب كيف نز ل الوحي ( فتح الباري 9/4 ، ح4911 ) . وانظر : صحيح مسلم ، كتاب الإيمّن ح ( 412 ) . 

عدد الصفحات ١٣١

المبحث الخامس ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 031 أنَّ النبيَّ لا بُدّ له من معجزة تقتضي إيمّن من شاهدها بصدقه ، ولا يضرّه من أصرّ على المعاندة )) (1) ؛ وذلك لأنّ آية النبيِّ لا تكون إلاّ برهانيّة في الدلالة على صدقه ، وما يكون من تكذيب وتولٍّ فسببه الظلم أو الكبر أو اتّباع الهوى لا قصور دلالة آيات الأنبياء ، قال تعالى :  وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا  [ النمل : 14 ] ، وقال :  وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ  [ القمر : 4 ] ؛ فدلّ على أنَّ منشأ كفرهم الكبر واتّباع الهوى لا الشكّ في آيات الرّسل (4) . ولما كانت آيات الرسل من ايمّن بهذه المنزلة كثرت وتعددت آحادها ؛ لأنّ الشيء كلمّ كان النَّاس إليه أحوج كان الرب به أجود (4) ، وتصديق الرسل من المطالب الكلية ؛ ولهذا كثرت آياته وتنوّعت ؛ لتلائم جميع المدارك ، وتقوم بها الحجّة على الخلق كافّة ؛ فكان من آيات الرسل الظّاهر العام القاهر ، والدقيق الخاص الباهر (4) ، وكان منها الشخصي الَّذي تدلّ  والحديث يدلّ على أنَّ الآية لازمة حتَّى للنبي ، ويدلّ أيضًا على أنَّ دليل النبوّة يطلق عليه شرعًا آية ، أو بيّنة ، أو برهان كمّ في هذه النّصوص ونظائرها ، وكمّ في كلام السّلف ، يقول ابن مسعود : (( كنّا نعدّ الآيات بركة )) . وهذا أولى ممّا درج عليه كثير من العلمّء من إطلاق المعجز ، أو الخارق على دليل النبوة ؛ لأنّ الإعجاز ، أو خرق العادة شرط في دليل النبوة ، ولازم له ؛ ولازم الشيء قد يكون أعمّ منه ، فلا يختصّ به ، ويميّزه ع ن غيره . انظر : الجواب الصّحيح لابن تَيْمِيَّة 5/414 ـ444 ، النبوات 4/224 ـ222 ،215 ،141 ،149 ، فتح الباري6/512 . (0) فتح الباري9/6 . (1) انظر : تيسير الكريم الرحمن لابن سعدي 5/565 ،566 . (3) انظر : النبوّات لابن تَيْمِيَّة 4/614 . (4) كبعض أوجه الإعجاز في القرآن الكريم .

عدد الصفحات ١٣٢

تصديق الرُّسل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 033 عليه ذوات الرّسل ، وصفاتهم وأخبارهم ، والنوعي الَّذي يدلّ عليه اتّفاق أخبارهم ، ومقاصدهم ، وأصول شرائعهم (1) ، ويندرج تحت هذه الأنواع ما لا يكاد يحصى من آحاد الأدلّة ؛ ومن أعظم ما يندرج تحتها دليل المَثُلات ؛ فإنّ حلول المَثُلات بأعداء الرسل ، وحصول العاقبة لهم باطراد مع قلّة العدد والعُدَد أكبر برهان على صدقهم ، وصحّة دينهم ، يقول ابن القيّم : (( أيّ دلالة أعظم من رجل يخرج وحده ، لا عدّة له ولا عدد ولا مال ، فيدعو الأمّة العظيمة إلى توحيد اللهّ ، و الإيمّن به ، وطاعته ، ويحذّرهم من بأسه ونقمته ، فتتفق كلمتهم ، أو أكثرهم على تكذيبه ومعاداته ، فيذكّرهم أنواع العقوبات الخارجة عن قدرة البشر ، فيغرق المكذّبين كلّهم تارة ، ويخسف بغيرهم الأرض تارة ، ويهلك آخرين بالريح ، وآخرين بالصّيحة ، وآخرين بالمسخ ، وآخ رين بالصواعق ، وآخرين بأنواع العقوبات ، وينجو داعيهم ومن معه ، والهالكون أضعاف أضعافهم عددًا وقوّة ومنعة وأموالاً !! ... فهلاّ امتنعوا إن كانوا على الحقّ وهم أكثر عددًا ، وأقوى شوكة بقوّتهم وعددهم من بأسه وسلطانه ؟! وهلاّ اعتصموا من عقوبته كمّ اعتصم من هو أضعف منهم من أتباع الرّسل ؟! )) (4) . ولأهميّة دليل المَثُلات ، وظهور دلالته على صدق الرّسل كثر ذكره في النّصوص ، والتنويه بشأنه ، والحثّ على النّظر في دلالاته وعظاته وعبره ، قال تعالى :  وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ * إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ  [ الشعراء : 65 ـ62 ] ، وقال :  قُلْ سِيرُوا فِي (0) انظر : شرح العقيدة الأصفهانية لابن تَيْمِيَّة ص 11 ـ152 . (1) التبيان في أقسام القرآن ص112 .

عدد الصفحات ١٣٣

المبحث الخامس ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 034 الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَـيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ  [ النمل : 69 ] ، وقال :  أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِ نْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ  [ السجدة : 46 ] ؛ أي لدلالات متناظرة ، وحجج واضحة تدلّ على صدق الرّسل ، وصحّة دينهم ، وعلى الترغيب في اتّباعهم ، والتحذير من عصيانَّم ؛ فمفاد دليل المَثُ لات علم ووعظ لا مجرّد علم ؛ ولهذا كان أكمل الآيات من جهة حصول المقصود منه ؛ يقول ابن تَيْمِيَّة : (( إثبات نبوّة الأنبياء بمّ فعله بهم من النجاة ، وحسن العاقبة ، وما فعله بمكذبيهم من الهلاك وسوء العاقبة يفيد العلم بصدقهم ، والرغبة في اتّباعهم ، والرهبة من مخالفتهم ؛ ولهذا كان أكمل ، وأبلغ في حصول المقصود )) (1) ؛ ولهذا لم يكن فضل من كان إيمّنه ناشئًا عنه كفضل من آمن قبل الظهور والنّصرة (4) . ودليل المَثُلات يدلّ على صدق الرّسل دلالة عقليّة لا وضعيّة (4) ، ودلالته مبنيّة على ثبوت الحكمة في خلق اللهّ وأمره (4) ؛ فلا يمكّن اللهّ من آياته ، ولا يؤيّد بنصره المستقرّ ، وإظهاره المستمرّ إلاّ من كان صادقًا فيمّ يخبر (0) الجواب الصّحيح لابن تَيْمِيَّة 6/446 ،442 [ بتصرّف ] ، وانظر : مجموع الفتاوى 12/119 ، تفسير ابن كث4/444 ،424 ،464 . (1) انظر : مفتاح دار السّعادة لابن القيّم 4/14 ، الأدلّة العقليّة للعريفي ص544 . (3) انظر : الجواب الصّحيح 6/494 ، النبوّات 1/514 ،544 ـ545 ،4/241 . والدلالة العقليّة هي : أن يجد العقل بين الدال والمدلول علاقة ذاتيّة تنقله من أحدهما إلى الآخر ؛ كدلال ة الأثر على المؤثّر . والدلالة الوضعيّة هي أن يكون بين الدال والمدلول علاقة الوضع ؛ كدلالة اللَّفظ على المعنى . انظر : التعريفات للجرجاني 144 ،145 ،454 ،454 ، المعجم الفلسفي لجميل صليبا1/564 ،564 . (4) انظر : شفاء العليل لابن القيّم ص444 .

عدد الصفحات ١٣٤

تصديق الرُّسل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 035 عن اللهّ وعن دينه ؛ لأنّ تأييد الكذّاب ، ونصره ، وإظهار دعوته على وجه مطّرد إضلال عام للخلق يتنزه عنه أحكم الحاكمين (1) . ولا يُشكل على هذا ظهور الكفار أو المتنبئين أحيانًا ؛ لأنّ ظهورهم لا تقارنه خصائص ظهور الأنبياء ؛ كاطراد الظهور ، واقتران دعوتهم ببراهين الصدق ، وحسن العاقبة ، وبقاء لسان الصدق لهم في العالمين (4) . ولا يعتبر دليل المَثُلات نوعًا مستقلاًّ عن أدلّة النبوّة المشهورة ؛ لأنّه يندرج ضمن دليل المسلك الشخصي ؛ الَّذي هو عبارة عن الاستدلال بذات النبيِّ  ، وأخباره ، وصفاته وأحواله على صدقه وصحّة دينه ؛ أي أنَّهُ يدور على ثلاثة محاور كبرى ؛ أحدها : الاستدلال بذات النبيِّ  على صدقه ؛ كاستدلال سلمّن الفارسي  بخاتم النبوّة على صدق النَّبي  (4) ، وكاستدلال عبد اللهّ بن سلام  بهيئة النَّبي  على صدقه ؛ كمّ يدلّ لذلك قوله : (( فَلَمَّّ اسْتَبَنْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللهَِّ  عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ )) (4) ؛ وهذا المعنى ما قصده حسّان بن ثابت  في قوله : ـ (0) انظر : الجواب الصّحيح 6/419 ، النبوّات 4/614 . (1) انظر : الجواب الصّحيح 6/414 ـ446 . (3) انظر : المسند للإمام أحمد ، باقي مسند الأنصار ، ح ( 44591 ،44644 ) . (4) سنن ابن ماجه : كتاب إقامة الصَّلاة ، ح ( 1444 ) . والحديث إسناده صحيح . انظر : سلسلة الأحاديث الصّحيحة للألباني 4/149 ، ح569 ) .

عدد الصفحات ١٣٥

المبحث الخامس ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 031 لو لم تكن فيه آياتمبينةُ  كانت بداهته تنبيك بالخ(1) أي أنَّ بداهته  تدلّ على صدقه ؛ وهي أوّل ما يظهر للنّاظر من وجهه  ، ومنظره ، ونوره ، وبهائه (4) . والثّاني : الاستدلال بأخبار الأنبياء على صدقهم ؛ فإنّ خاصّة النبوّة الإنباء الصادق عن الغيب ؛ كإخبار النَّبيّ  عنفتح بلاد فارس والروم ، وعمّ سيحصل لأصحابه ، وأمّته من الفتن ، ثُمَّ جاء الواقع مطابقًا لخبره ، فدلّ يقينًا على صدقه ، وصحّة نبوّته (4) . ومن هذا الباب الاستدلال بمّ تحقّق من وعد الأنبياء ووعيدهم على صدقهم ؛ فالأنبياء وعدوا أتباعهم بالنصر والتمكين ، وأوعدوا أعداءهم بحلول المَثُلات ، فأنجز اللهّ عداتهم ، وصدق أخبارهم ، كمّ قال تعالى :  ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ  [ الأنبياء : 9 ] ؛ فكان ذلك الصدق في أخبارهم أكبر برهان ع نبوّتهم ، وصحّة دينهم . والإخبار عن الغيب لا يختصّ بالغيوب الآتية ، وإنّمّ يشمل الإخبار عن الغيوب الماضية (4) ؛ ولهذا كان إخبار النَّبي  عمَّّ حلّ بالأمم السّابقة من أنواع المَثُلات إخبار من شاهدها وحضرها برهانًا ظاهرًا على نبوّته ، وبخاصّة (0) ديوان حسان بن ثابت 1/415 . وقد نسبه ابن حجر لعبد اللهّ بن رواحة . انظر : الإصابة 4/25 . (1) انظر : تهذيب اللّغة للأزهري 1/496 ،492 ، مختصر الصواعق للموص 4/1451 . (3) انظر : صحيح البخاريّ بشرحه فتح الباري 6/644 ـ641 . (4) انظر : البرهان للزركشي 4/96 .

عدد الصفحات ١٣٦

تصديق الرُّسل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 032 أنَّهُ أمي نشأ في أمّة أميّة لا ت علم شيئًا يذكر عن أصحاب المَثُلات (1) ، قال تعالى :  تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا  [ هود : 49 ] ، وقال :  وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ  [ العنكبوت : 41 ] ، وقال :  فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ  [ يونس : 16 ] ؛ فدلّ على أنَّ إخباره الصادق عن الغيب عامّة ، وعن المَثُلات خاصّة لم يكن عن تعلّم أو تطلّع وإنّمّ كان بوحي أوحاه إليه علاّم الغيوب (4) . والثّالث : الاستدلال بخصائص الأنبياء وصفاتهم على صدقهم ؛ كمّ استدلّ هرقل بصفات النَّبيِّ  على صدقه ، روى البخاريّ بسنده عن ابن عَبَّاسٍ ـ رضي اللهّ عنهمّ ـ قال : (( حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ مِنْ فِيهِ إِلىَ فيَِّ ، قَالَ : انْطَلَقْتُ فيِ المُْدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنِي وَبَينَْ رَسُولِ اللهَِّ  ، قَالَ : فَبَيْنَا أَنَا بِالشَّأْمِ إِذْ جِيءَ بِكِتَابٍ مِنَ النَّبِيِّ  إِلىَ هِرَقْلَ ... ، فَقَالَ هِرَقْلُ : هَلْ هَهُنَا أَحَد مِنْ قَوْمِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ ؟ فَقَالُوا : نَعَمْ . قَالَ : فَدُعِيتُ فيِ نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ ، فَدَخَلْنَا عَلىَ هِرَقْلَ ، فَأُجْلِسْنَا بَينَْ يَدَيْهِ ، فَقَالَ : أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا مِنْ هَذَ ا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ ؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ : أَنَا (4) . فَأَجْلَسُونيِ بَينَْ (0) انظر : تفسير ابن كثير 4/449 ،4/491 . (1) انظر : إيثار الحق لابن الوزير ص14 . (3) وفي رواية للبخاري قال قي : ما قرابة ما بينك وبينه ؟ فقلت : هو ابن عمّ . وليس في الرَّكب يومئذ أحد من بني عبد مناف غيري . صحيح البخاريّ : كتاب الجهاد ، باب دعاء النَّبيِّ  إلى الإسلام . ( فتح الباري 6/149 ) ، فأبو سفيان يلتقي مع النَّبيِّ  في عبد مناف ، وهو الأب الرابع للنّبيِّ  ؛ فأطلق عليه ابن عمّه ؛ لأنّه نزّل كلاّ منهمّ منزلة جدّه ، وعبد المطّلب بن هاشم ابن عمّ أميّة بن عبد شمس . وخصّ 

عدد الصفحات ١٣٧

المبحث الخامس ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 031 يَدَيْهِ ، وَأَجْلَسُوا أَصْحَابيِ خَلْفِي ، ثُمَّ دَعَا بِترَْجمَُانِهِ فَقَالَ : قُلْ لهَُمْ : إِنيِّ سَائِل هَذَا عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ ، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ . قَالَ أَبُو سُفْيَانَ : وَايْمُ اللهَِّ لَوْلاَ أَنْ يُؤْثِرُوا عَليََّ الْكَذِبَ لَكَذَبْتُ ، ثُمَّ قَالَ لِترَْجمَُانِهِ : سَلْهُ كَيْفَ حَسَبُهُ فِيكُمْ ؟ قُلْتُ : هُوَ فِينَا ذُو حَسَبٍ ، قَالَ فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِك ؟ قُلْتُ : لاَ ، قَالَ : فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ ؟ قُلْتُ : لاَ ، قَالَ ، أَيَتَّبِعُهُ أَشرَْافُ النَّاسِ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ ؟ قُلْتُ : بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ (1) ، قَالَ : يَزِيدُونَ أَوْ يَنْقُصُونَ ؟ قُلْتُ : لاَ بَلْ يَزِيدُونَ ، قَالَ : هَلْ يَرْتَدُّ أَحَد مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ سَخْطَةً لَهُ (4) ؟ قُلْتُ : لاَ ، قَالَ فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، قَالَ : فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ ؟ قُلْتُ : تَكُونُ الحَْرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالاً يُصِيبُ مِنَّا وَنُصِيبُ مِنْهُ قَالَ فَهَلْ يَغْدِرُ قُلْتُ : لاَ ، وَنَحْنُ مِنْهُ فيِ هَذِهِ المُْدَّةِ لاَ نَدْرِي مَا هُوَ صَانِع فِيهَا ، قَالَ : وَاللهَِّ مَا أَمْكَنَنِي مِنْ كَلِمَةٍ أُدْ خِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيرَْ هَذِهِ قَالَ : فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَد قَبْلَهُ ؟ قُلْتُ : لاَ ، ثُمَّ قَالَ لِترُْجمَُانِهِ : قُلْ لَهُ إِنيِّ سَأَلْتُكَ عَنْ حَسَبِهِ فِيكُمْ ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو حَسَبٍ ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فيِ أَحْسَابِ قَوْمِهَا ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ فيِ آبَائِهِ مَلِك ؟ فَزَعَمْتَ : أَنْ لاَ فَقُلْتُ : لَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِك قُلْتُ رَجُل يَطْلُبُ مُلْكَ آبَائِهِ ،  هرقل الأقرب لأنّه أحرى بالاطلاع على ظاهر النَّبي  وباطنه ، فتكون إجاباته مطابقة للواقع تمامًا . انظر : فتح الباري لابن حجر 1/44 ،45 . (0) هذا محمول على الأعمّ الأغلب ، حتَّى لا يَرِد أبو بكر وعمر وأمثالهمّ ممّن أسلم من الأشراف قبل هذا السؤال . انظر : فتح الباري لابن حجر 1/45 . (1) هذا القيد يخرج من ارتدّ مكرهًا ، أو لهوى في النفس لا سخطة للدين ؛ كمّ وقع لعبيد اللهّ بن جحش ؛ ولهذا لم يعرج أبو سفيان على ذكره مع أنَّهُ صهره . انظر : فتح الباري 1/45 ،1/411 .

عدد الصفحات ١٣٨

تصديق الرُّسل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 031 وَسَأَلْتُكَ عَنْ أَتْبَاعِهِ ، أَضُعَفَاؤُهُمْ أَمْ أَشرَْافُهُمْ ؟ فَقُلْتَ : بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ ؛ فَزَعَمْتَ أَنْ لاَ ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ لمَْ يَكُنْ لِيَدَعَ الْكَذِبَ عَلىَ النَّاسِ ثُمَّ يَذْهَبَ فَيَكْذِبَ عَلىَ اللهَِّ ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَرْتَدُّ أَحَد مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ سَخْطَةً لَهُ ، فَزَعَمْتَ : أَنْ لا ، وَكَذَلِكَ الإِيمَّنُ إِذَا خَالَ َ بَشَاشَةَ الْقُلُوبِ ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ ، فَزَعَمْتَ : أَ نََُّّمْ يُزِيدُونَ ، وَكَذَلِكَ الإِيمَّنُ حَتَّى يَتِمَّ ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ ، فَزَعَمْتَ أَنَّكُمْ قَاتَلْتُمُوهُ ، فَتَكُونُ الحَْرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سِجَالاً ؛ يَنَالُ مِنْكُمْ وَتَنَالُونَ مِنْهُ ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلىَ ثُمَّ تَكُونُ لهَُمُ الْعَاقِبَةُ ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُ لاَ يَغْدِرُ ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لاَ تَغْدِرُ ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ أَحَد هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ فَزَعَمْتَ أَنْ لاَ ، فَقُلْتُ : لَوْ كَانَ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَد قَبْلَهُ قُلْتُ رَجُل ائْتَمَّ بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ . قَالَ ثُمَّ قَالَ : بِمَ يَأْمُرُكُمْ ؟ قَالَ قُلْتُ : يَأْمُرُنَا بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّلَةِ وَالْعَفَافِ ، قَالَ : إِنْ يَكُ مَا تَقُولُ فِيهِ حَقًّا فَإِنَّهُ نَبِيٌّ )) (1) ،وفي رواية للبخاري أيضًا : (( هَذِهِ صِفَةُ نَبِيٍّ ، قَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِج ، وَلَكِنْ لمَْ أَعْلَمْ أَنَّهُ مِنْكُمْ ، وَإِنْ يَكُ مَا قُلْتَ حَقًّا فَيُوشِكُ أَنْ يَمْلِكَ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَينِْ ، وَلَوْ أَرْجُو أَنْ أَخْلُصَ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءهُ ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ قَدَمَيْهِ )) (4) ، وفي رواية ابن (0) صحيح البخاريّ : كتاب التّفسير ، باب قوله : قل يا أهل الكتاب ... الآية ( فتح الباري 1/414 ـ416 ) ، وانظر : صحيح مسلم : كتاب الجهاد ، باب كتب النَّبيِّ  ( شرح النَّوويّ14/144 ـ114 ) . (1) صحيح البخاريّ : كتاب الجهاد ، باب دعوة اليهود والنصارى ( فتح الباري 6/114 ) .

عدد الصفحات ١٣٩