المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

دراسات في دلالات المثلات

عيسى بن عبدالله السعدي

صفحة ١٠ من ١٩

المقدّمـة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 051 وإلى جانب هذه الحكمة البالغة هناك حكمة أخرى لا تقلّ عنها إن تكن أعظم منها ؛ وهي الدلالة على الإيمّن بالله وتوحيده ، قال تعالى :  فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ * إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ  [ الشعراء : 119 ـ141 ] ، وقال :  فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ * فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ * إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُ تَوَسِّمِينَ * وَإنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ * إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ  [ السورة : الرقم ] ، وقال :  فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ * فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ * إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ * وَإنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ * إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ  [ السورة : 24 ـ22 ] ، وقال :  أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إنَّ فِي ذَلِكَ لآ يَاتٍ لأُولِي النُّهَى  [ طه : 141 ] ؛ فالمثلات آيات بيّنات ، وحجج بالغات على وجود الله تعالى وصفاته وأفعاله واستحقاقه وحده للعبادة ، وبطلان إلهية كلّ ما يعبد من دونه ؛ إذ لو كانت الآلهة المزعومة حقًّا كمّ تخيّل أولئك الهالكون لدفعت عنهم أو شفعت لهم ، ولكنها غابت عنهم أحوج ما كانوا إليها ، ولم ينالوا بشركهم إلاّ نقيض مقصودهم ، قال تعالى :  ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ  [ هود : 144 ،141 ] . وهذه الحجج والدلالات البيّنات جديرة باهتمّم كلّ مسلم ؛ استجابة لدعوة ربّه ، والتمّسًا لعلوم الإيمّن وأحواله من أصولها وم صادرها العليا ؛ إلاّ أنّ كمّل وعموم الانتفاع بهذه الدلالات النيرّات ، والعظات المباركات يحتاج إلى استقراء كليّ يحي بأطرافها ، ودراسةٍ علميّةٍ تحرّر مسائلها ، وتكشف عن دقائقها ، وتضب شواردها حتَّى تكوِّن في ختام المطاف كتابًا

عدد الصفحات ١٥٩

المقدّمـة ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 011 علميًّا ميسًّا ومحرّرًا ؛ يع مّ نفعه ، ويفيد منه الخاص والعام . وهذا المقصد الأعلى أعلى من أن يحي بمثله مثلي ، وما كان بوسعي إِلاَّ الاجتهاد في السَّداد والمقاربة حَتَّى تمَّ الممكن المقدور من تحرير دلالة المثلات على التَّوحيد في دراسة علميّة تتكوّن من خمسة مباحث : ـ المبـــــحث الأَ وَّل : معنى التَّوحيـــد وأنواعـــــــــه . المبــحث الثّاني : دلالة المثلات على وجـود الله تعالى . المبــحث الثّالث : دلالة المثلات على صفات الله تعالى . المبـــحث الرّابع : دلالة المثلات على توحيــد العبادة . المبحث الخامس : دلالة المثلات على أحكام التوحيد . وقد عالجت هذه القضايا وفق قواعد البحث العلميّ قدر الإمكان ؛ فاستقرأت النّصوص ودرستها أولاً ، ثُمَّ جمعت مادّة البحث من المصادر المعتمدة ، وحرصت على تقديمه بأسلوب علمي ميسّ ، ووثّقته وفق الأعراف العلميّة المتّبعة في هذا الفنّ ، والله الموفّق والهادي إلى سواء السّبيل .     

عدد الصفحات ١٦٠

المبحث الأوّل معنى التَّوحيد وأنواعه التَّوحيد : مصدر تدلّ مادَّته على الانفراد ؛ يقال : رأيته وحده ؛ أي منفردًا ليس معه غيره ، وتوحّد برأيه ؛ أي تفرّد به ، ويقال : جاءوا أحاد أحاد ؛ أي فرادى ، ويقال للأكمّت المنفردات : ميحاد ومواحيد ، فالواحد بمعنى المنفرد ، وهو لفظ مشترك يستعمل لغة على عدّة أوجه ؛ (( الأوّل : ما كان واحدًا في الجنس أو في النّوع ؛ كقولنا : الإنسان والفرس واحد في الجنس ، وزيد وعمرو واحد في النّوع . الثّاني : ما كان واحدًا بالاتّصال ؛ إمَّا من حيث الخلقة ؛ كقولك : شخص واحد ، وإمَّا من حيث الصناعة ؛ كقولك : حرفة واحدة . الثَّالث : ما كان واحدًا لعدم نظيره ؛ إمَّا في الخلقة ؛ كقولك : الشَّمس واحدة ، وإمَّا في دعوى الفضيلة ؛ كقولك : فلان واحد دهره ، وكقولك : نسيج وحده . الرَّابع : ما كان واحدًا لامتناع التجزئ فيه ؛ إمَّا لصغره ؛ كالهباء ، وإمَّا لصلابته ؛ كالألماس . الخامس : للمبدأ ؛ إمَّا لمبدأ العدد ؛ كقولك : واحد ، اثنان ، وإمَّا لمبدأ الخ ّ ؛ كقولك : النقطة الواحدة )) (1) ، وإذا وصف اللهَُّ تعالى بالواحد كان معناه الفرد الَّذي لا نظ له ولا شريك ؛ فيقال : وحد الله ، وأحّده توحيدًا ؛ إذا اعتقده واحدًا فردًا ؛ (0) المفردات للرّاغب ص 514 ،515 ، وانظر : الصحاح للجوهري 4/542 ،541 ، معجم مقاييس اللّغة لابن فارس 6/94 ،91 ، القاموس المحي للفيروزآبادي 1/456 ،452 .

عدد الصفحات ١٦١

المبحث الأوّل ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 011 لا نظير لهفي ذاته وصفاته ، ولا شريك له في خلقه وأمره ، ولا ندّ له في إلهيّته وعبادته (1) . وهذا المعنى الكليّ ينتظم توحيد الرّبوبيّة والألوهيّة والصِّفات ؛ فتوحيد الربوبيّة يتعلّق بإفراد الله تعالى بمعاني الرّبوبيّة ؛ وهي السؤدد ، والتدبير ، والملك (4) . ويتعلّق توحيد الألوهيّة بإفراد الله تعالى بالعبادة ؛ وهي اسم يعمّ كلّ ما يحبّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمّل الباطنة والظّاهرة (4) . ويتعلّق توحيد الصِّفات بإفراد الله تعالى بمّ يثبت له من الأسمّء الحسنى والصِّفات العليا ؛ لفظًا ، ومعنًى ، وحكمًّ ؛ وذلك يتضمّن إثبا ت جميع معاني الكمّل المطلق الَّتي يستحيل معها الاتّصاف بالنّقص أو وجود المثل (4) . وهذه الأنواع يمكن ردّها إلى نوعين رئيس ؛ أحدهما : توحيد في العلم ؛ وهو إثبات حقيقة ذات الربّ تعالى ، وأسمّئه ، وصفاته ، وأفعاله دون تمثيل أو تعطيل . ويعرف هذا النّوع الجام ع لإثبات وجود الله تعالى وصفاته بتوحيد المعرفة والإثبات (5) . والثَّاني : توحيد في العمل ؛ وهو الإقرار بألوهيّة الله تعالى قولاً وعملاً ؛ أي اعتقاد أنّ الله تعالى هو المستحقّ وحده للعبادة ، والتزامها باطنًا وظاهرًا . (0) انظر : تيسير العزيز الحميد لسليمّن بن عبد اللهّ ص44 ،44 . (1) انظر : تفسير الطبري 1/64 ، القول السّديد لابن سعدي ص 16 . (3) انظر : مجموع الفتاوى لابن تَيْمِيَّة 14/149 . (4) انظر : الرِّسالة التدمريّة لابن تَيْمِيَّة ص 2 ، الصواعق المرسلة لابن القيّم4/1444 . (5) انظر : مدارج السّالكين لا بن القيّم 1/44 ،45 ،4/449 ، شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ص49 .

عدد الصفحات ١٦٢

معنى التَّوحيد وأنواعه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 013 ويعرف هذا النّوع بتوحيد الإرادات والعبادات (1) . ولأهميّة التَّوحيد البالغة كثرت أدلّته حتَّى فاقت ا ، ورأى بعض أئمّة أهل السنّة والجمّعة في كلّ آيةٍ من كتاب الله تعالى دليلاً على التَّوحيد ؛ يقول ابن القيِّم : (( إن كلّ آيةٍ في القرآن فهي متضمّنة للتّوحيد ، شاهدة به ، داعية إليه ؛ فإنّ الق رآن إمَّا خبر عن الله وأسمّئه وصفاته وأفعاله فهو التَّوحيد العلميّ الخبري ، وإمَّا دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع ما يعبد من دونه فهو التَّوحيد الإرادي الطلبي ، وإمَّا أمر ونَّي وإلزام بطاعته في نَّيه وأمره فهي حقوق التَّوحيد ومكمّلاته ، وإمَّا خبر عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته وما فعل بهم في الدّنيا وما يكرمهم به في الآخرة فهو جزاء توحيده ، وإمَّا خبر عن أهل الشرِّك وما فعل بهم في الدّنيا من النّكال وما يحلّ بهم في العقبى من العذاب فهو خبر عمَّن خرج عن حكم التَّوحيد ؛ والقرآن كلّه في التَّوحيد ، وحقوقه ، وجزائه ، وفي شأن الشرِّك ، وأهله ، وجزائهم )) (4) . ودلالة القرآن على التَّوحيد ليست دلالةً سمعيَّة محضة ، بل دلالة سمعيّة عقليّة في الأعمّ الأغلب (4) ؛ لأنّ أكثرها إلزامات وأمثال واعتبارات عقليّة (4) تسلتزم وجود مدلولها إلاّ إذا حال دون ذلك ظلم أو كبر أو (0) انظر : الرِّسالة التدمريّة ص 5 ، تيسير العزيز الحميد ص 41 ، فتح المجيد لعبد الرَّحمن بن حسن ص 19 . (1) مدارج السّالك 4/454 . (3) انظر : الرِّسالة التدمريّة لابن تَيْمِيَّة ص146 ـ165 ، الصواعق المرسلة لابن القيّم 4/941 . (4) انظر في مسالك الاستدلال العقلي على التَّوحيد : الأدلّة العقليّة للعريفي ص115 ـ 

عدد الصفحات ١٦٣

المبحث الأوّل ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 014 هوى (1) . وما أخالله به ممّا فعله بأهل الشرِّك في الدّنيا من المثلات والنّكال المنقطع النَّظير يجري مجرى غالب أدلّة التَّوحيد ؛ فإنّ الله تعالى يذكر ما يوقعه بالمشركين من أنواع العقوبات ، ثُمَّ يذك ر أنّ في ذلك آية للخلق عامَّةً أو المؤمنين منهم خاصّة ؛ أي دليلاً خبريًّا وبرهانًا عقليًّا على وجود الله وصفاته وصحّة توحيده وصدق رسله فيمّ وعدوا به أهل التَّوحيد والإيمّن وما أوعدوا به أهل الشرِّك والكفران (4) . وقد كثر الإخبار عن هذه الدلالة القرآن بطرق تدلّ على التّوكيد والتحقيق ، أو التعظيم والتّكثير ، أو البيان وشدّة الظهور ، ليدّكر بها كلّ من كان له قلب أو ألقى السّمع وهو شهيد . قَالَ تَعَالى :  وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا ءَايَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ  [ العنكبوت : 45 ] ، وَقَالَ :  وَلَ قَدْ تَرَكْنَاهَا ءَايَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ  [ القمر : 15 ] ، وَقَالَ  أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُولِي النُّهَى  [ طه : 141 ] .       141 ، حقيقة المثل الأعلى وآثاره لعيسى السعدي ص15 ـ96 . (0) انظر : تيسير الكريم الرَّحمن لابن سعدي 5/565 ،566 . (1) انظر : مدارج السّالكين 4/494 ، بدائع الفوائد4/164 .

عدد الصفحات ١٦٤

المبحث الثّاني وجود اللّه تعالى خلق الله السموات والأرض بالحقّ ، ومن أعظم الحقّ المقارن للخلق الدلالة على وجود الخالق وصفاته (1) ؛ لأنّ إيجاد المخلوق من العدم ، وإتقانه ، وتناسق آحاده ، وهداية أفراده لما خلقوا له يدلّ بضرورة العقل على وجود الفاعل وكمّله (4) ؛ قال تعا :  أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْ رِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ  [ الطور : 45 ] ، وقال :  الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى  [ طه : 54 ] فقرن الخلق بالهداية العامّة ؛ أي إيجاد الخلق بالعناية بهم ؛ إذ كلاهما برهانان قاطعان ، وطريقان نيرّان على وجود الخالق وصفاته (4) . والخلق لا يدلّ على الخالق حال الاطّراد فحسب وإنّمّ يدلّ عليه في حال الانخراق أيضًا ؛ ولهذا كانت آيات الرّسل وبراهينهم الخارجة عن مقدور الإنس والجنّ ومعتادهم من أدَلِّ الطُّرق على الخالق وأقواها (4) ، بل إِنَّ ابن القيم ـ رحمه الله ـ يرى أنّه ليس في طرق ا لأدلّة أوثق ولا أقوى منها ؛ فإنّ انقلاب عصا تقلّها اليد إلى ثعبان عظيم يبتلع ما يمرّ به ثُمَّ يعود عصًا كمّ (0) انظر : بدائع الفوائد لابن القيّم 4/161 ـ161 . (1) انظر : الكشف عن مناهج الأدلّة لابن رشد ص 64 ،61 ، مجموع الفتاوى لابن تَيْمِيَّة 16/445 . (3) انظر : شفاء العليل لابن القيّم ص119 ،142 ـ144 . (4) انظر : إيثار الحقّ على الخلق لابن الوزير ص 54 .

عدد الصفحات ١٦٥

المبحث الثّاني ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 011 كانت من أدَلِّ الطُّرق على وجود الصّانع ، وحياته ، وقدرته ، وعلمه ، وكذلك سائر آيات الأنبياء (1) . ويدخل في آياتهم دخولاً أوّليًّا ما يوقعه الله بأعدائهم من المثلات والهلاك المنقطع النّظير ؛ فإنّ اطّراد المثلات ، ودورانَّا مع الكفر وجودًا وعدمًا من أوضح الأدلّة على وجود ربّ يصدق رسله ، ويكلؤهم ، ويظهر دينهم ، ويهلك عدوّهم ، يقول ابن الوزير : (( بمثل هذا يعلم الله ضرورة ، لأنّ مثل ذلك يستحيل أن يكون صدف ة أو طبعًا )) (4) . والمثلات لا تدلّ على الخالق من جهة ذاتها فحسب وإنّمّ تدلّ ع ربوبيّته  من جهة أحوال أهلها أيضًا ؛ وبيان ذلك من وجهين : ـ الأوّل : أنّ المثلات إنّمّ أصابت أهلها بعد دعاء أنبيائهم واستفتاحهم ، قال تعالى عن نوح  : قَالَ رَبِّ إن قَوْمِي كَذَّبُون * فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ  [ الشعراء : 112 ،111 ] وقال عن صالح  (4) :  قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ  [ المؤمنون : 49 ] ، وقال عن شعيب  :  رَبَّنَا افْتَحْ بَيْ نَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ  [ الأعراف : 19 ] ، وقال عن موسى  : فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ  [ الدخان : 44 ] ؛ واستجابة دعوة النبيِّ في الفتح بينه وبين قومه ، والفصل بينهم بنصره وإظهاره وإهلا ك أعدائه دليل حسيّ ظاهر على وجود من استنصره النبيُّ وعلى سمعه ، وبصره ، وقدرته ، وكمّله (4) . (0) انظر : الصواعق المرسلة 4/1192 ،1191 . (1) إيثار الحقّ على الخلق ص 55 ،56 [ بتصرّف ] . (3) انظر : تفسير السّعدي 5/446 ،449 . (4) انظر : شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ص 455 ،456 ، إيثار ا قّ على الخلق لابن الوزير ص59 .

عدد الصفحات ١٦٦

وجود اللّه تعالى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 012 الثّاني : أنّ الله تعالى أظهر على أدعياء الرّبوبيّة من الاحتياج والعجز والفقر ما يدلّ على بطلان دعواهم وانفراد الله تعالى بربوبيّة الخلق وحده . وهذا الإظهار والبيان التام حصل قبل المثلة ، وأثناءها ، وبعدها ؛ فممّ وقع قبلها ما حصل للنمروذ بن كنعان ، ملك بابل ، لمّا أنكر وجود ربّه ، وادّعى الربوبيّة لنفسه ، فأبطل الله دعواه بإظهار عجزه عن الاتّصاف بشيء من معاني الربوبيّة ، قال تعالى :  أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِي حَاجَّ إبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ ءَاتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ (1) إذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إبْرَاهِيمُ فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْ مَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ  [ البقرة : 451 ] ؛ فاستدلّ إبراهيم الخليل  على وجود ربّه ، وبطلان مقالة النمروذ بانفراد الله تعالى بالقدرة على الإيجاد والإعدام أوَّلاً ، ثُمَّ ا لانفراد بالتصرّف في الخلق ثانيًا (4) . وهذه العناية كذلك الاختراع كلاهما خارجان عن قدرة هذا الدعيّ المكابر ؛ ولهذا بهت ؛ أي دهش وتحيرّ ، (0) أي أنّ إيتاء الملك العريض حمله على هذا الكفر الغليظ ؛ لأنّ العلّة على الصّحيح تحقيقية لا تهكّميّة . انظر : تفسير ابن كثير 1/414 ، روح المعاني للآلو4/16 . (1) الاستدلال الثّاني من تتمّة الأوّل ؛ أي إذا كنت كمّ تدّعي ف الَّذي يحيي ويميت هو الَّذي يقدر على التصرّف فيمّ خلق ؛ فيأتي بالشّمس مثلاً من المغرب بدل المشرق . فالكلام مجاراة وتنزّل مع الخصم ، وليس فيه انتقال من حجّة إلى حجّة أوضح منها ، أو عدول عن مثالٍ إلى أظهر منه . وهذا ما عليه أهل التّحقيق من المفسِّين ؛ لأنّ القول بالانتقال يرد عليه كثير من الاعتراضات ؛ كعدم جواز ترك الشبهة قبل الجواب عنها ، لما في ذلك من التّلبيس ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة ، وكعدم التّسليم بأنّ المنتقل إليه أوضح في المقصود من المنتقل عنه ؛ لأنّ جنس الإحياء لا قدرة للخلق عليه بخلاف جنس التح ريك . انظر : تفسير ابن كثير 1/414 ، روح المعا للآلوسي 4/12 ـ44 .

عدد الصفحات ١٦٧

المبحث الثّاني ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 011 وانقطعت حجّته ، وظهر عجزه ، وبطلان مقالته (1) ، قبل أن تحي به ذنوبه ، ويصاب بنيانه في أصوله ، حتَّى خرّ عليهم السّقف م ن فوقهم ، وذهبت بهم الأرض من تحتهم (4) . وممّا وقع أثناء المثلة وبعدها ما أظهرهالله تعالى على فرعون أثناء إهلاكه وبعده من العجز وغيره من براهين الحدوث المنافية لدعوى الربوبيّة من كلّ وجهٍ ، قال تعالى :  فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةً  [ يونس : 94 ] ؛ أي حجّة ظاهرة على بطلان قوله : أنا ربّكم الأعلى ، وقوله : ما علمت لكم من إله غيري ؛ لأنّ الربّ المعبود لا بُدّ أن يكون قيّومًا ؛ أي قائمًّ بنفسه ، مقيمًّ لغيره وقائمًّ عليه (4) ؛ فلو كان كمّ زعم لكان أزليًّا أبديًّا ، ولما غرق وتغيرّ وجهه بسخ الله حتَّى كاد لا يعرف (4) ، يقول الآلو : (( في الآية حجّة لمن أتى بعد فرعون على أنّ الإنسان وإن بلغ الغاية القصوى من عظم الشأن ، وعلوّ الكبرياء ، وقوّة السلطان ، فهو مملوك ؛ مقهور ، بعيد عن مظانّ الألوهيّة والربوبيّة )) (5) . (0) انظر : المفردات للرَّاغب ص 64 ، تفسير ابن كث1/414 . وقد اختلف المفسِّون في وقت هذه المناظرة والمحاجّة ؛ فقيل : إنَّّا بعدما كس الخليل أصنامهم ، وقيل : إنَّّا بعد نجاته من نارهم ا لَّتي ألقوه فيها ، وقيل غير ذلك ، واللهّ أعلم . انظر : تفسير القرطبي 1/414 ـ416 . (1) انظر : التمهيد لابن عبد البرّ 5/444 . (3) انظر : شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ص64 ،65 . (4) انظر : زاد المسير لابن الجوزي 4/61 ، حاشية الصّاوي على الجلال 4/454 . (5) روح المعاني للآلو 11/114 [ بتصرّف يس ] . وانظر : تفسير البيضاوي بحاشية الشهاب الخفاجي 5/144 .

عدد الصفحات ١٦٨

وجود اللّه تعالى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 011 وفي دعوى النمروذ وفرعون وأضرابهمّ دلالة على خطورة الك ، والاغترار بالملك العريض فقد يصلان بأهلهمّ إلى أعظم الضلالات حتَّى يكابر المرء فطرته ، ويناقض اليقين الَّذي في جذر قلبه ؛ فينكر الإله الحقّ ، ويدّعي منزلته ظلمًّ وعلوًّا ، قال تعالى :  وَجَحَدُوا بِ هَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا  [ النّمل : 14 ] ؛ ولهذا تجد أحدهم متناقضًا في واقعه كمّ ناقض ما جبلت عليه فطرته من معرفة الإله الحقّ وعبادته ، قال تعالى :  وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِ دُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ  [ الأعراف : 142 ] ؛ أي معبوداتك ؛ وهي الكواكب ، أو البقر ، أو الأصنام ، أو الجمّنة الَّتي كانت معلّقة في نحره ، على خلاف بين المفسِّين (1) ؛ فكان يَعْبد ويُعْبد ؛ تناقضًا وجمعًا لما لا يجتمعان ؛ إذ الافتقار وا لتعبّد خاصّة العبد المربوب ، والغنى والتألّه خاصّة الربّ المعبود !      (0) انظر : تفسير الطبري 9/44 ـ46 ، تفسير القرطبي2/461 ،464 ، روح المعا للآلوسي 9/49 .

عدد الصفحات ١٦٩

المبحث الثّالث صفات اللّه تعالى تنقسم صفات الله تعالى باعتبار دليلها إلى عقليّة خبريّةٍ ، وخبريّةٍ محضة ؛ فالعقليّة ما يمكن العلم بها عقلاً وإن لم يرد بها سمع ؛ كالعلوّ ، والرّحمة ، والغضب ، والحكمة ، وصفات المعاني (1) . والخبريّة ما لا يمكن العلم بها إلاّ بطريق الخبر ، ولولا ورود السمع بها لعجز العقل عن معرفتها بمجرّده ؛ كالاستواء ، والنزول ، والوجه ، واليدين (4) . ورأى الإمام ابن القيِّم ـ رحمه الله تعالى ـ أنّ جميع الصِّفات الثابتة في الكتاب والسنّة سمعيّة عقليّة معًا ؛ فمّ من صفة لله تعالى إلاّ وقد تواطأ على إثباتها له وحده دليل العقل مع السمع ؛ لأنَّّا من الكمّل المطلق ، والعقل الصرّيح يقتضي إثبات جميع أنواعه لله وحده (4) . وتنقسم الصِّفات باعتبار مدلولها إلى ثبوتيّةٍ وسلبيّةٍ ، فالثبوتيّة ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله  من صفات الكمّل ؛ كالحياة ، (0) انظر : الرِّسالة التدمريّة لابن تَيْمِيَّة ص 44 ، 44 ،11 ،149 ،154 ، مدارج السّالكين لابن القيّم 4/454 ،455 ، شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ص456 ،464 ـ465 . (1) انظر : الرِّسالة التدمريّة لابن تَيْمِيَّة ص 11 ، الصِّفات الإلهية لمحمد الجامي ص154 ،442 ، موقف ابن تَيْمِيَّة من الأشاعرة لعبد الرَّ حمن المحمود 4/1444 . (3) انظر : الصواعق المرسلة 4/949 ـ911 .

عدد الصفحات ١٧١

المبحث الثّالث ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 021 والعلم ، والقدرة ، والاستواء ، والمجيء . والسلبيّة ما نفاه الله عن نفسه في كتابه أو على لسان رسوله  من النّقائص المتّصلة أو المنفصلة ؛ كاللغوب ، والظلم ، والعبث ، والمثل ، والصاحبة ، والولد (1) . وتنقسم الصِّفات الثبوتيّة باعتبار متعلّقها إلى ذاتيةٍ واختياريّة ؛ فالذاتية هي اللازمة لذات الربّ أزلاً وأبدًا ، كالحياة ، والوجه ، واليدين ، والعلوّ . والاختياريّة هي الصِّفات المتجدّدة تبعًا لمشيئة الربّ وقدرته . وهي إمَّا من باب الأفعال ؛ كالخلق والنزول ، أو من باب الأقوال ؛ كالأمر والنهي . أو من باب الأحوال ؛ كالرّضا والغضب . أو من باب الإدراكات كالسّمع والبصر (4) . وعقيدة أهل السنة والجمّعة في هذه الصِّفات تابعة لما جاء في صريح القرآن وصحيح السنة ؛ فينزّهون الله تعالى عن جميع الصِّفات السلبيّة مع إثبات ضدّها على الوجه الأكمل ، ويؤمنون بجميع الصِّفات الثبوتية دون فرق بين عقلي وخبري أو ذاتي واختياري ؛ لتواتر أدلّتها ، وصراحتها ، واطّرادها على إثبات المعنى الحقيقي في جميع الموارد (4) . ومن جملة هذه الأدلّة (0) انظر : منهاج السنّة النّبويّة لابن تَيْمِيَّة 4/112 ، الرِّسالة التدمريّة ص 52 ـ64 ، النونيّة بشرحها للهرّاس 4/59 ـ64 ، القواعد المثلى لابن عثيمين ص41 ـ44 . (1) انظر : درء التّعارض لاب ن تَيْمِيَّة 4/44 ، مجموع الفتاوى لابن تَيْمِيَّة 6/412 ، 464 ، القواعد المثلى لابن عثيمين ص 45 ، ابن تَيْمِيَّة السّلفي للهرّاس ص 114 ، 111 . (3) انظر : شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجمّعة لأبي القاسم اللالكائي 1/126 ، 122 ، الرِّسالة التدمريّة لابن تَيْمِي ة ص6 ـ1 ،44 ـ44 ،52 ـ64 ،65 ، اجتمّع الجيوش الإسلاميّة لابن القيِّم ص 44 ، نونية ابن القيِّم بشرحها للهراس 1/144 ، 144 ـ141 ،444 ،442 .

عدد الصفحات ١٧٢

صفات اللّه تعالى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 023 القاطعة ، والحجج البالغة دليل المثلات ؛ ودلالته على صفات الكمّل من وجهين ؛ أحدهما : عقليّ ؛ لأنّ ما يوقعه الله تعالى بأهل الكفر من النّكال المنقطع النظير دليل على كمّل حياته ، وقدرته ، ومشيئته ، وكمّل هذه الصِّفات يدلّ على سائر الصِّفات بطريق التضمن والالتزام ؛ فكمّل الحياة يستلزم جميع صفات الكمّل ؛ لأنّه لا يتخلّف عنها صفة إلاّ لضعفٍ في الحياة . وكمّل المشيئة والقدرة يتضمّن إثبات الصِّفات الاختياريّة عامّة ، والرحمة والمحبّة والغضب خاصّة ؛ لأنّ الإمهال قبل العقوبة دليل الرّحمة ، والبطش دليل ال غضب ، والإنجاء دليل المحبّة والرّحمة معًا . وهذا الاستدلال العقلي الظّاهر من صور الاستدلال بالمخلوق على الخالق ، وفيه دلالة على بطلان حصر الصِّفات العقليّة في صفات المعاني (1) . ولا يختصّ دليل المثلات بصفات الإثبات ؛ وإنّمّ هو حجّة عقليّة على التنزيهات أيضً ا ؛ لأنّ المفعولات آثار الصِّفات ؛ فكمّ أن وقائع الربّ تعالى وقوارعه خارجة عن معهود الخلق ، ولا نظير لها في العالم ، فكذلك أوصافه وأفعاله (4)  لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ  [ الشورى : 11 ] . والثّاني : سمعي نقلي ؛ فقد قُرنت نصوص المثلات بكثير من صفات الكمّل ؛ لأنّ أفعال الله تعالى ناشئة عن صفاته ، ومثلاته من أهمّ مظاهر (0) انظر : الرِّسالة التدمريّة ص 44 ـ46 ، مجموع الفتاوى لابن تَيْمِيَّة 12/119 ، الفوائد لابن القيِّم ص 44 ، م دارج السّالكين لابن القيّم 4/454 ،455 ، شرح الطحاوية ص65 ، تفسير ابن سعدي4/144 . (1) انظر : النبوات لابن تَيْمِيَّة 1/549 ،514 ، الأدلّة العقليّة على أصول الاعتقاد للعريفي ص441 .

عدد الصفحات ١٧٣

المبحث الثّالث ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 024 كمّله ؛ فبفضله ورحمته أنجى رسله والَّذين آمنوا معهم ، وبقدرته وحكمته  أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى * وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى * وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى * وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى  [ النّجم : 54 ـ54 ] . وهذه الدلالة الظاهرة المتكرّرة من أشرف المعارف الإيمّنيّة ، وأعظم المقاصد الشرعيّة ؛ لما تحدثه في القلوب الحيّة من المحبّة والرغبة والرّهبة الَّ تي تورث أهلها حقيقة التَّوحيد نفيًا وإثباتًا ؛ براءة من أصحاب المثلات وأعمّلهم ؛ وإفرادًا لله تعالى وحده بالعبادات الظاهرة والباطنة .    المشيئة والقدرة هاتان الصفتان هما أكثر الصِّفات ذكرًا في نصوص المثلات ؛ لأنَّمّ أصل جميع الصِّفات الاختياريّة م ن الأفعال والكلمّت ، والأحوال والإرادات ، والعلوم والإدراكات (1) . والإغراق ، والإرسال ، والخسف ، والأخذ ، والمكر ، والبطش ، والتّدمير ، والإهلاك ، وغير ذلك ممّا عبرّ به عن منشأ المثلات كلّها من صفات الأفعال ، وصفات الأفعال كسائر الصِّفات الاختياريّة لا تكون إلاّ بمجموع أمرين : ـ أحدهما : المشيئة ؛ فأفعال اللهَّ تعالى تابعة لمشيئته واختياره بمّ في ذلك مثلاته وعقوباته ، قال تعالى :  عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ  [ الأعراف : 156 ] ، وقال :  يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ  [ العنكبوت : 41 ] ، وقال :  وَلَوْ نَشَاءُ (0) انظر : درء التعارض 4/44 .

عدد الصفحات ١٧٤

صفات اللّه تعالى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 025 لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ  [ يس : 62 ] ، وقال :  إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ  [ سبأ : 9 ] . وهذه المشيئة ليست مجرّد إرادة صرفة يجوز معها عقلاً فعل كلّ ممكن ، وإنّمّ هي مشيئة تابعة لحكمة الربّ البالغة ؛ فلا تكون أفعاله ومثلاته إلاّ في مواضعها اللائقة بها ؛ ولهذا نزّه ذاته المقدّسة عن الظلم في العقوبات ، لكمّل حكمته وعدله في أخذه وعقابه ؛ فلا تصيب قوارعه إلاّ من عتا وتمرّد بعد قيام الحجّة وبيان المحجّة (1) ، قال تعا :  وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولا يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءَايَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إلا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ  [ القصص : 59 ] ، وقال :  فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَ اصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَ انُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ  [ العنكبوت : 44 ] . والثّاني : القوّة والقدرة ؛ فتحقّق المراد ، وإيقاع العذاب الَّذي تعلّقت به المشيئة رهن بكمّل القدرة والقوّة ، قال تعالى :  فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ  [ هود : 66 ] ، وقال :  وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ * إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ  [ الشعراء : 65 ـ 61 ] ، وقال :  كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُ لِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ  [ القمر : 44 ] ، وقال :  بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ * وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ  [ البروج : 19 ، 44 ] ؛ فذيّل الإخبار عن إهلاك الأمم والوعيد به بمّ يدلّ على كمّل قدرته من (0) انظر : منهاج السنّة النّبويّة لابن تَ يْمِيَّة 1/141 ، النبوّات لابن تَيْمِيَّة 1/421 ـ 425 ، طريق الهجرتين لابن القيِّم ص415 ،415 ،416 .

عدد الصفحات ١٧٥