المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

دراسات في دلالات المثلات

عيسى بن عبدالله السعدي

صفحة ٧ من ١٩

المبحث الثّالث ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 011 كأ جعفر النحّاس وغيره (1) ، لأن التّصديق يعمّ كلّ إخبار ، ولا يختصّ بالإخبار عن المغيّبات (4) . والثّالث : أنَّ الأمن هو الأصل الَّذي ترجع إليه مفردات هذه المادّة ؛ كالثّقة ، والأمانة ، والتّصديق ؛ لأنّ الثّقة يكون معها أمن الواثق وطمأنينته لما وثق به (4) ، والأمانة تعني أمن الخيانة ، والتّصديق يصاحبه أمن المصدّق لما أخبر به ؛ فيكون القول باشتقاقه من الأصل أولى من الفرع ؛ وبخاصّة أن ردّه للتصديق اتخّذ وسيلة للإرجاء ، مع أنَّ من ردّه للتّصديق من علمّء اللّغة إنّمّ أراد التصديق الإذعاني لا التصديق النظري المجرّ د ؛ فالراغب مثلاً فسّ الإيمّن بإذعان النفس للحق على سبيل التصديق ؛ وذلك باجتمّع ثلاثة أشياء ؛ تحقيق بالقلب ، وإقرار باللسان ، وعمل بالجوارح ، ثُمَّ قال بعده بقليل : (( الإيمّن هو التّصديق الَّذي معه أمن )) (4) ؛ ولا تناقض في كلامه ؛ لأنّه يريد التصديق الإ ذعاني أو العملي ؛ المتضمّن للتّصديق الخبري ؛ وهو تصديق الخبر بالامتثال ، والدعوى بالعمل ؛ كمّ في قوله تعالى :  وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا  [ الصافات : 144 ،145 ] ؛ أي حقّقت الأمر بالامتثال (5) . وأمّا شرعًا فقد أجمع أهل السنة والجمّعة على أنَّ الإيمّن حال الإطلاق (0) انظر : معاني القرآن 1/11 ،14 ، تفسير الطبري1/141 . (1) انظر : مجموع الفتاوى لابن تَيْمِيَّة 2/491 . (3) انظر : تفسير أبي السعود 1/46 ، روح المعاني للآلو1/114 . (4) انظر : المفردات ص46 . (5) انظر : الوعد الأخروي لعيسى السعدي 1/491 .

عدد الصفحات ١٠٦

معنى الإيمان ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 012 اسم جامع للدّين كلّه ؛ قولاً وعملاً ؛ يقول ابن عبد البرّ : (( أجمع أهل الفقه والحديث على أنَّ الإيمّن قول وعمل ، ولا عمل إِلاَّ بنيّة )) (1) ولهذا كان اسمًّ للشريعة الإسلاميّة ، ووصفًا لكلّ من دخلها صدقًا من قلبه (4) ، كمّ في قوله تعالى :  إنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ  [ المائدة : 69 ] . ووجه شموله للدّين كلّه أن القول المطلق والعمل المطلق في كلام السّلف يتناول أركان الإيمّن الأربعة الَّتي عليها بناؤه ؛ وهي قول القلب وعمله ، وقول اللّسان ، وعمل الجوارح ؛ فيدخل في ذلك جميع ما يحبّه اللهّ ويرضاه من الأقوال والأعمّل الظاهرة والباطنة (4) ؛ و ذا كان الإيمّن المطلق بضعًا وسبعين شعبة ؛ روى الإمام مسلم بسنده عَنْ أَبيِ هُرَيْرَةَ  مرفوعًا : الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ ، أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً ؛ فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ : لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللََُّّ ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ ، وَالَْْيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ (4) ، وهذه الشعب تتفرّع عن أركان الإيمّن المطلق الأربعة ؛ فقول القلب يدخل فيه المعتقدات ؛ وهي أصول الإيمّن المقيّد ، وما يتفرّع عنها ، وعمل القلب يدخل فيه المحبّة والخوف والرجاء (0) التمهيد لابنعبد البر 9/441 . وانظر : شرح أصول اعتقاد أهل السنة لأبي القاسم اللالكائي 1/126 ،115 ، 4/144 ، مجموع الفتاوى لابن تَيْمِيَّة 2/441 . (1) انظر : المفردات للراغب الأصفهاني ص46 . (3) انظر : مجموع الفتاوى لابن تَيْمِيَّة 2/545 ،546 ، عدّة الصابرين لابن ال قيّم ص141 . (4) صحيح مسلم : كتاب الإيمّن ، باب بيان عدد شعب الإيمّن 1/64 ، وانظر : صحيح البخاريّ ، كتاب الإيمّن ، باب أمور الإيمّن 1/14 ،14 .

عدد الصفحات ١٠٧

المبحث الثّالث ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 011 ونظائرها ، وقول اللّسان يد خل فيه التلفّظ بالتوحيد ، واجتناب اللغو ، والذكر بأنواعه ، وأعمّل الجوارح تشمل ثلاثة أنواع : ـ 1 ـ الأعمّل المختصّة بالأعيان ؛ كالتطهر حسًّا وحكمًّ ، والصلاة فرضًا ونفلاً . 4 ـ الأعمّل المتعلّقة بالأتباع ؛ كالقيام بحقوق العيال وصلة الأرحام . 4 ـ الأعمّل المتعلّقة بالع امّة ؛ كالعدل بين الرعيّة ، ولزوم الجمّعة ، والإصلاح بين النَّاس (1) . وقد وافق أهلَ السنة والجمّعة في تفسير الإيمّن وإدخال العمل في مسمّى الإيمّن جمهورُ الوعيديّة (4) . ولكن هذه الموافقة غير تامّة لا اسمًّ ولا حكمًّ ؛ لأنَّم يخصّون اسم الإيمّن بالفرائض ، ولا يُدخلون النّوافل في مسمّى الإيمّن ، ويزعم عامّتهم أنَّ الإيمّن حقيقة واحدة يلزم من زوال جزئها زوالها كليّة (4) ؛ وعلى ذلك بنى الوعيدية أصولهم المشهورة في التكفير وا لتفسيق ، والقطع بإنفاذ وعيد من لقي اللهّ على كبيرة ، وإثبات وعيده على صفة الدوام ؛ (0) انظر : فتح الباري لابن حجر 1/54 ،54 . (1) انظر : الدّليل والبرهان للوارجلاني 4/4/114 ، الكشّاف للزمخشري 1/141 ، 149 ، طبقات المعتزلة لابن المرتضي ص2 ،1 . وهذا القول هو المشهور عن جمهور الوعيدية خلافًا لمن خصّه منهم بالقول دون العمل ؛ كأبي بيهس والصالحي . انظر : الملل والنحل للشهرستاني 1/146 ، شرح المواقف للجرجاني 4/445 . (3) انظر : شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبّار ص 242 ، مشارق أنوار العقول للسالمي ص444 ـ446 .

عدد الصفحات ١٠٨

معنى الإيمان ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 011 فلا يدخل الجنّة عندهم صاحب كبيرةٍ حَتَّى يَلِجَ الجَْمَلُ فيِ سَمِّ الخِْيَاطِ (1) وهي أصول مبتدعة ؛ تخالف ما دلّت عليه النّصوص من إثبات الإيمّن مع الكبيرة ، وما تواترت ب ه الأحاديث من انقطاع عذاب الموحّدين ؛ ولهذا درج الصَّحابة والتابعون وأتباعهم على مدى القرون على ردّ أصحاب الكبائر إلى مشيئة اللهّ وحكمه ، واعتبار عمومات الوعيد مقيّدة بالمخصصات المتصلة والمنفصلة ؛ كنصوص الشفاعة ، والحسنات الماحية ، والعفو الإلهي (4) . ومقابل غلوّ هؤلاء قصرّ المرجئة في حدّ الإيمّن وحكمه ؛ فزعموا أنَّ الإيمّن مجرّد قول بلا عمل ؛ ثُمَّ اختلفوا في المراد بالقول على ثلاثة أقوال : ـ أحدها : أنَّ المراد به قول القلب ؛ وهو المعرفة عند الجهمية ، والتصديق القلبي المجرّد عند الأشاعرة والماتريدية وا لشيعة الإمامية (4) . والثّاني : أنَّ المراد به مجرّد قول اللّسان ؛ وهو قول محمَّد بن كرّام وأتباعه (4) . والثّالث : أنَّ المراد به قول القلب واللسان معًا ؛ وهو قول مرجئة (0) انظر : رسائل العدل والتوحيد للرسي 1/142 ،141 ، شرح الأصول الخمسة ص692 ، مشارق أنوار العقول ص494 ، الحق الدامغ للخليلي ص191 . (1) انظر في نقد أصولهم : الوعد الأخروي لعيسى السعدي 4/544 ـ514 . (3) انظر : مقالات الإسلاميين للأشعري ص144 ، شرح الجوهرة للبيجوري ص41 ،44 [ بتعليق محمَّد الشَّيخ ] ، المسامرة لابن أبي شريف ص415 ، الاقتصاد للطوسي ص442 . (4) انظر : مقالات الإسلاميين للأشعري ص 141 ، الفرق بين الفرق للبغدادي ص444 .

عدد الصفحات ١٠٩

المبحث الثّالث ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 001 الفقهاء (1) . وقد بنى المرجئة على اعتبار الإيمّن حقيقة واحدة ؛ هي مجرّد قول بلا عمل أص ولهم المشهورة في مسائل الأسمّء والأحكام ؛ كإنكار زيادة الإيمّن ونقصانه ، وتحريم الاستثناء في الإيمّن بإطلاق ، وإثبات الإيمّن المطلق للفاسق المليّ ؛ حتَّى اشت ّ غلاتهم فقطعوا بإسقاط وعيده في الآخرة ؛ لأنّه بزعمهم لا يضرّ مع الإيمّن كبيرة كمّ لا ينفع مع الكف ر طاعة ! (4) . ومقالة المرجئة لا تقلّ خطرًا عن مقالة الوعيدية ؛ ولهذا أنكرها أئمة السّلف ، وبدّعوا أهلها ، وأكثروا من ذمِّها ؛ لخطورتها البالغة على الدِّين وتعاليمه ؛ وإضعافها لروح الاستمساك بالعمل ، حتَّى إِنَّ بعضهم اعتبرها أشدّ المقالات خطرًا على الأمّة ؛ يقول سلمة بن كهيل (4) :(( اجتمعنا الجمّجم ؛ أبو البختري ، وميسة ، وأبو صالح ، وضحّاك المشرقي ، وبكير الطائي ؛ فأجمعوا على أنَّ الإرجاء بدعة ، والولاية بدعة ، والبراءة بدعة ، والشهادة بدعة )) (4) ، ويقول الأوزاعيّ : (( كان يحيى وقتادة يقولان : ليس (0) انظر : شرح النسفية 1/121 ،129 . (1) انظر : تفسير القرطبي 4/414 ، مجموع الفتاوى 2/514 ،514 ، شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العزّ الحنفي ص 491 ،444 . (3) هو : سلمة بن كهيل بن حصين الحضرمي ، كوفي تابعي ثقة ، وثّقه ابن معين وأبو زرعة والنسائي وابن المبارك وغيرهم . ولد سنة سبع وأربعين ، ومات يوم عاشوراء سنة إحدى وعشرين ومائة على رأي الأكثر ، وقيل غير ذلك . انظر : تهذيب التَّهذيب لابن حجر 4/155 ـ151 . (4) كتاب السنة لعبد اللهّ بن أحمد بن حنبل 1/446 . وانظر منه أيضًا : ص 1/411 ، 

عدد الصفحات ١١٠

معنى الإيمان ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 000 من الأهواء شيء أخوف عندهم على الأمّة من الإرجاء )) (1) . ويقول إبراهيم النخعي : (( لأَنَا لفتنة المرجئة أخوف على هذه الأمّة من فتنة الأزارقة )) (4) ، ويقول : (( تركت المرجئة الدِّين أرقّ من ثوب سابري )) (4) . وفي إيراد هذه الرواية عقب الرواية السابقة مباشرة تفسير وإيضاح لمراد النخعي وغيره في الحكم بأنّ مقالة المرجئة أشدّ خطرًا حتَّى من مقالة الخوارج ؛ وأنّ ذلك باعتبار مآل مقالة الإرجاء لا بجميع الوجوه والاعتبارات ؛ لأنّ مقالة الخوارج أشدّ خطرًا على الأمّة من الإ رجاء ؛ ولهذا استفاض ذكرها وذمّها في النّصوص الثابتة ، خلافًا لما ورد في المرجئة فأكثر أسانيده ضعيفة لا يثبت منها إِلاَّ القليل (4) . وكلام السّلف عن مقالة المرجئة ليس قاصرًا على ذمّها والتحذير منها ؛ وإنّمّ  419 ،442 . والمراد بالشّهادة أن يشهد حد ممّن لم يأت فيه خبر أَنَّه من أهل الجنّة أو النَّار ، والولاية أن يتولىّ قومًا ويتبرأ من آخرين ، والبراءة أن يتبرأ من قوم هم على دين الإسلام والسنّة . انظر : كتاب السنة ( ح ) 1/411 . (0) المرجع السّابق 1/411 . وانظر منه : ص 1/445 . (1) المرجع السّابق 1/414 . (3) المرجع السّابق . (4) انظر : كتاب السنة لابن أبي عاصم بتخريج الألباني 1/142 ،141 ،4/461 ، 464 ، مجموع الفتاوى لابن تَيْمِيَّة 19/21 ،24 ، فتح الباري 14/444 ، مجمع الزوائد للهيثمي 2/442 ـ411 ، صحيح الجامع الصَّغير للألبا 4/111 ح ( 4444 ) .

عدد الصفحات ١١١

المبحث الثّالث ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 001 هو مشتمل على نقد أصلها ، وما بني عليه من فروع بنصوص الكتاب والسنة ؛ ومن ذلك قوله تعالى :  وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ  [ البيّنة : 5 ] ؛ يقول الفضيل بن عياض : (( سمّى اللهّ  دينًا ق يمة بالقول والعمل ، فالقول الإقرار بالتوحيد ، والشهادة للنّبيّ بالبلاغ ، والعمل أداء الفرائض واجتناب المحارم )) (1) . وقد كثر استدلال السّلف بهذه الآية على دخول الأعمّل في مسمّى الإيمّن ؛ لأنَّّا أحجّ آيةٍ على المرجئة ، كمّ نصّ على ذلك الشَّافعيّ وغيره (4) . وممّا يدلّ دلالةً ظاهرة على صحّة مذهب أهل السنّة والجمّعة وبطلان مذهب المرجئة في تفسير الإيمّن دليل المَثُلات ، ودلالته على ذلك من وجوه ؛ منها : ـ أحدها : أنَّ اللهّ علّق النّجاة عند حلول المَثُلات على الإيمّن المطلق ، كمّ في قوله تعالى :  وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ  [ هود : 51 ] ، وقوله :  فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ  [ الذاريات : 45 ] ، وهذا الإيمّن شامل للقول والعمل معًا ؛ لقوله تعالى :  وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَكَ انُوا يَتَّقُونَ  (4) [ النمل : 54 ] ، وقوله :  وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ  [ فصّلت : 11 ] ؛ فدلّ على أنَّ الإيمّن إذا أفرد دخل العمل في مسمّّه ؛ لوحدة مناط النّجاة عند حلول المَثُلات ؛ وهو ما كانت الرّسل تدعو لتحقيقه (0) كتاب السنة لعبد اللهّ بن أحمد بن حنبل 1/425 . (1) انظر : الشرّيعة للآجري ص 144 ، شرح أصول اعتقاد أهل السنة لأبي القاسم اللالكائي 5/116 ،112 ، فتح الباري لابن حجر1/41 . (3) التقوى كالإيمّن ؛ كلاهما إذا أفرد أدخل في مسمّّهما الدِّين كلّه ؛ ظاهره وباطنه ، وإذا اقترنا كان الإيمّن مختصًّا بالعقائد الباطنة ، والتقوى مختصّة بالأعمّل الظاهرة . انظر : شرح الطحاوية لابن أبي العزّ الحنفي ص 445 ،449 .

عدد الصفحات ١١٢

معنى الإيمان ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 003 اعتقادًا ، ونطقًا ، وعملاً ؛ كمّ في قوله تعالى :  وَإبْرَاهِيمَ إذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ  [ العنكبوت : 16 ] ، وقوله عن نوح وهود وصالح وشعيب :  فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ  [ الشعراء : 141 ،146 ،154 ،129 ] . والثّاني : أنَّهُ لو كان الإيمّن مجرّد معرفة ، أو تصديق لا عمل معه لما حلّت المَثُلات بأمّة من الأمم ؛ لأن المثلة العامّة لا تحلّ بقوم إلاّ إذا كان أكثرهم على الكفر ، ومن المعلوم أنَّ عامّة الكفّار بمّ فيهم أصحاب المَثُلات كان لديهم هذه المعرفة أو التّصديق ، فقد كانوا مقرّين بوجود اللهّ وربوبيّته ، بل كان أكثرهم يعلم صدق الرّسل ، وصحّة دينهم ، وإنّمّ كفروا جحودًا باللّسان ، أو كبرًا ، أو لهوى من الأهواء الصّارفة عن اتّباع الرّسل ، قال تعالى :  وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا  [ النمل : 14 ] ، وقال :  قَالُوا إنْ أَنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا  [ إبراهيم : 14 ] ، وقال :  وَقَالُوا إنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا  [ القصص : 52 ] ؛ فكان كفرهم لترك الاتباع خوفًا من أذيّة من حولهم من المشركين مع علمهم بأن ما أُمروا باتباعه حقّ وهدى ! كمّ كان كفر من قبلهم لترك الاتباع كبرًا أو محبّة لدين الآباء مع علمهم واستيقان قلوبهم بأنَّهُ الحقّ (1) . والثّالث : أن موجب المَثُلات شامل للقول والعمل ، ولا يختصّ بالقول وحده ؛ قال تعالى :  وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ  [ هود : 59 ] ، وقال :  أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ (0) انظر : مجموع الفتاوى لابن تَيْمِيَّة 2/191 ـ194 ، مدارج السالكين لابن القيّم 1/442 .

عدد الصفحات ١١٣

المبحث الثّالث ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 004 يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا  [ التغابن : 5 ،9 ] ؛ يقول ابن كث : (( أي كذّبوا بالحقّ ونكلوا عن العمل )) (1) ؛ فإذا كان موجب المثلةشاملاً للقول والعمل فكذا ما يضاده ؛ وهو الإيمّن ؛ فإِنَّه شامل للقول والعمل ، ولا يختص بالقول وحده كمّ تزعم المرجئة . فإن قيل : يشكل على هذا الاستدلال قوله تعالى :  وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا  [ الأعراف : 64 ] ، وقوله :  وَقَطَعْنَا دَ ابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا  [ الأعراف : 24 ] ، وقوله :  كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ  [ الزمر : 45 ] ؛ ونظائرها(4) ؛ لأنّ هذه النّصوص تدلّ على أنَّ موجب المثلة هو التكذيب وحده ، فيكون مقابله مجرّد التّصديق ، ولا يدخل العمل في مسمّّه ؛ كمّ تزعم المرجئة ! ويمكن الجواب عن هذا الاستشكال بأنّ التكذيب يستعمل على وجهين : ـ أحدهما : تكذيب مقيّد ؛ كمّ في قوله تعالى :  إنَّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنَا أَن الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى  [ طه : 41 ] ، وقوله :  فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى  [ القيامة : 41 ،44 ] ، وقوله :  فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى * فَكَذَّبَ وَعَصَى  [ النازعات : 44 ،41 ] ؛ فهذا التكذيب المقيّد بالتو والعصيان يختصّ بالجانب القولي من ا لإيمّن ، ولا يدخل العمل في مسمّّه ، وهو يقابل الإيمّن المقرون بالعمل الصّالح ، والتقوى ، ونظائرها . والثّاني : تكذيب مطلق ؛ كمّ في قوله تعالى :  فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ  (0) تفسير ابن كثير 4/424 . (1) كآية 44 ،41 / المؤمنون ] ، وآية 149 / الشعراء ] ، وآية 14/ ص ] .

عدد الصفحات ١١٤

معنى الإيمان ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 005 [ الشعراء : 149 ] ، وقوله :  إنْ كُلٌّ إلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ  [ ص : 14 ] ، ونظائرها ؛ فهذا الضرّب شامل للقول والعمل معًا ، ولا يختصّ بالقول وحده ؛ والأدلّة على ذلك كثيرة ، منها : ـ 1 ـ قوله تعالى :  وَإلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ  [ العنكبوت : 46 ،42 ] ؛ فسمّى ترك ما أمرهم به من القول والعمل تكذيبًا ، فدلّ على دخول العمل في مسمّّه عند التجريد والإطلاق ؛ ولهذا النّص نظائر كثيرة ؛ كقوله تعالى :  كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْ سَلِينَ * إذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ ... الآيات إلى قوله : فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ  [ الشعراء : 144 ـ149 ] ، وقوله :  كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ ... الآيات إلى قوله : فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّ لَّةِ  [ الشعراء : 164 ـ119 ] ؛ فأطلق التكذيب على ما يشمل الأعمّل الظاهرة ؛ كالظلم ، والكبر ، واللواط ، والغش ؛ فدلّ على أنَّ التكذيب المطلق شامل للعمل ، ولا يختصّ بالقول وحده . 4 ـ قوله تعالى :  وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ءَامَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْ نَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ  [ الأعراف : 96 ] ؛ فجعل التكذيب المطلق مقابلاً للإيمّن والتقوى حال التقييد والاقتران ؛ وهما في مثل هذا الاستعمّل يعمّّن الدِّين كلّه ؛ قوله وعمله ؛ لأنّ الإيمّن هنا اسم لما في القلب ، والتقوى اسم للأعمّل الظاهرة ، فدلّ على أنَّ مقابلهمّ قول وعمل ، ولا يختصّ بالقول وحده (1) . وكذلك فإنّ التكذيب فسّ (0) انظر : شرح الطحاوية لابن أبي العزّ الحنفي ص 444 ـ444 .

عدد الصفحات ١١٥

المبحث الثّالث ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 001 الآية بالكسب ؛ وفسّ بالذّنب في قوله تعالى :  كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ  [ آل عمران : 11 ] ؛ وهما يعمّّن الأقوال والأعمّل الظاهرة والباطنة ، ولا يختصّان بالقول دون العمل (1) . 4 ـ قوله تعالى :  فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ  [ سبأ : 16 ] ؛ وقوله :  وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَ مْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا  [ الطلاق : 1 ] ؛ فنصّ على أنَّ موجب المثلة الإعراض والعتوّ ؛ وهما يدلاّن على العمل أصالةً ؛ لأنّ الإعراض بمعنى الصدود والتولي ، والعتوّ بمعنى النبوّ عن الطاعة (4) ؛ فلو جاز أن يستدلّ بتلك النّصوص على أنَّ موجب المثلة مجرّد القول دون العمل لجاز أن يستدلّ بهذه النّصوص على عكس ذلك ؛ وهو تناقض تبرأ منه نصوص الوحي ؛ والحقّ الَّذي تطّرد معه جميع هذه النّصوص أنَّ التكذيب والإعراض إذا أفردا كمّ في هذه المواضع كانا شاملين للقول والعمل ، وإذا اقترنا كمّ في قوله تعالى :  وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى  [ القيامة : 44 ] ، وقوله :  فَكَذَّبَ وَعَصَى  [ النازعات : 41 ] ، كان التكذيب مختصًّا بالقول ، والإعراض مختصًّا بالعمل (4) . 4 ـ أنَّ التكذيب لغة يكون بالعمل ، ولا يختص بالقول وحد ه ؛ يقال : صدق في القتال إذا وفّاه حقّه ، وكذّب في القتال إذا كان بخلاف ذلك ، (0) انظر : المفردات للراغب ص 441 ، إحياء علوم الدِّين للغزا 4/14 ، مجموع الفتاوى لابن تَيْمِيَّة 2/165 ،166 . (1) انظر : المفردات للراغب ص441 ،444 . (3) انظر : تفسير ابن كثير 4/451 .

عدد الصفحات ١١٦

معنى الإيمان ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 002 ويقال : حمل فمّ كذب ؛ أي ما جبن وما رجع ، وحملة فلان لا تكذب ؛ أي لا يرد حملته شيء ، ومن ذلك قوله تعالى :  لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ  [ الواقعة : 4 ] ؛ أي ليس يردها شيء ، فنسب الكذب إلى نفس الفعل ، فدلّ على أنَّهُ لا يختصّ بالقول دون العمل (1) .      (0) انظر : تهذيب اللّغة للأزهري 4/4116 ،4111 ، معجم مقاييس اللّغة5/161 ، المفردات للراغب ص422 ،442 .

عدد الصفحات ١١٧

المبحث الرَّابع إيمان المعاينة كمّ دلّت نصوص المَثُلات على معنى الإيمّن ، وأنّه قول وعمل لا تكون حقيقته إلاّ بهمّ ، فقد دلّت على أنَّ شرط اعتباره حصوله حال الاختيار لا حال الضرورة ؛ فلا ينفع إيمّن ، ولا تقبل توبة عند معاينة العذاب ، قال تعالى :  فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا ءَامَ نَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ  [ غافر : 14 ،15 ] ، وقال عن فرعون :  حَتَّى إذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ ءَامَنْتُ أَنَّهُ لا إلَهَ إلا الَّذِي ءَامَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ  [ يونس : 94 ،91 ] ؛ فدلّ على أنَّ الإيمّن عند حلول المثلة ومعاينة العذاب لا يجدي أهله شيئًا ؛ لأنّه إيمّن اضطراري ، لا يكون معه صدق القلب الَّذي يكون مع الإيمّن الاختياري ؛ فلو كشف عنهم العذاب الَّذي اضطرهم للإيمّن لتمّدوا في كفرهم ، واستمرّوا على غيّهم (1) ، قال تعا :  وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ  [ المؤمنون : 25 ] ؛ واللجاج هو التمّدي والعناد في تعاطي الفعل المزجور عنه ؛ أي لتمّدوا في إفراطهم في الكفر ، والتخب في الضلال (4) . (0) انظر : تيسير الكريم الرحمن لابن سعدي 4/494 . (1) انظر : تفسير القرطبي 14/144 ، تفسير ابن كث4/451 ، روح المعاني للآلو 11/54 ،55 ، صفوة البيان لحسنين مخلوف4/24 .

عدد الصفحات ١١٩

المبحث الرَّابع ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 011 وهذا أصل مطّرد في كلّ من كان إيمّنه إيمّن ضرورة  سُنَّةَ الل هِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ  [ غافر : 15 ] ؛ ولهذا لا تقبل التوبة عند حصول ما يلجئ للإيمّن ؛ كمشاهدة ملك الموت ، أو أوّل الآيات المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوي ، قال تعالى :  هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إيمَانِهَا خَيْرًا  [ الأنعام : 151 ] ؛ فالمراد بإتيان الملائكة مجيئهم عند الموت لقبض ا لرّوح ؛ فإذا عاين المحتضر الملائكة أغلق دونه باب القبول ، وحيل بينه وبين المعذرة ، فلا تصحّ له توبة ، ولا ينفعه إيمّن (1) ، ك قال تعالى :  وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إنِّي تُ بْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ  [ النِّساء : 11 ] ، وروى الإمام أحمد بسنده عَنِ ابْنِ عُمَرَ ـ رضي اللهّ عنهمّ ـ مرفوعًا : إِنَّ اللَََّّ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لََْ يُغَرْغِرْ (4) ؛ يقول القرطبي : (( التوبة مبسوطة للعبد حتَّى يعاين قابض الأرواح ، وذلك عند غرغرته بالرّوح ، وإنّمّ يغرغر به إذا قطع الوتين ، فشخص من الصدر إلى الحلقوم ، فعندها المعاينة ، وعندها حضور الموت )) (4) . والمراد بإتيان بعض الآيات عند ابن مسعود خروج إحدى ثلاث آيات ؛ (0) انظر : تفسير الطبري 1/96 ، تفسير القرطبي2/144 . (1) مسند الإمام أحمد4/144 ، والحديث إسناده حسن . انظر : فيض القدير للمناوي 4/442 ، ح ( 1941 ) ، صحيح الجامع الصغير وزيادته للألباني 1/416 ، ح ( 1944 ) . (3) التذكرة ص45 ،46 .

عدد الصفحات ١٢٠

إيمان المعاينة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 010 طلوع الشمس منمغربها ، أو الدابة ، أو فتح يأجوج ومأجوج . وهو المراد عند أبي هريرة أيضًا ، إلاّ أنَّهُ ذكر الدجّال عوضًا عن يأجوج ومأجوج (1) ؛ لقوله  : ثَاثٌ إِذَا خَرَجْنَ لاَ يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لََْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِِ إِيمَانِهَ ا خَيًْْا ؛ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنَ مَغْرِبِهَا ، والدَّجَّالُ ، وَدَابَّةُ الأرض (4) ، وفي رواية ثَاثٌ إِذَا خَرَجْنَ لََْ يَنْفَع نَفْسًا إِيمَانُهَا ... الدَّجَّالُ ، وَالدَّابَّةُ ، وَطُلُوعُ الشَّمْسِ مِنَ مَغْرِبِهَا (4) . والظاهر أنَّ المرا د ظهور هذه الآيات الثلاث بأسرها لا كلّ واحدة بمفردها ؛ لأنّ عيسى  ينزل بعد الدجال ، ويدعو للإسلام حتَّى تكون الملّة واحدة ، والدابة يحتمل أن تخرج يوم الطلوع ، أو على إثره قريبًا ، كمّ ثبت في الحديث (4) ؛ فتكون تابعة له ، ومكمّلة للمقصود من إغلاق باب التوبة ؛ فتسِمُ النَّاس لتميز المؤمن من الكافر (5) ؛ ولهذا ذهب جمهور أهل (0) انظر : تفسير الطبري 1/144 ، زاد المسير لابن الجوزي 4/152 ، فتح الباري 11/454 . (1) صحيح مسلم : كتاب الإيمّن ، باب الزمن الَّذي لا يقبل فيه الإيمّن ( شرح النَّوويّ 4/195 ) . (3) سنن الترمذي : أبواب التّفسير ، باب ومن سورة الأنعام ( تحفة الأحوذي 1/449 ) . والحديث إسناده صحيح . انظر : تحفة الأحوذي 1/454 ، صحيح الجامع للألبا 4/514 ، ح ( 4444 ) ، وفي هذه الرواية دلالة على أنَّ الترتيب في الرواية الأولى غ مقصود . (4) انظر : صحيح مسلم : كتاب الفتن ، باب ذكر الدجّال ( شرح النَّوويّ 11/22 ، 21 ) . (5) انظر : فتح الباري لابن حجر 11/454 ، تحفة الأحوذي للمباركفوري1/449 ، أشراط الساعة للوابل ص446 ،442 .

عدد الصفحات ١٢١

المبحث الرَّابع ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 011 العلم إلى أنَّ المراد بإتيان بعض الآيات طلوع الشمس من المغرب خاصّة (1) ؛ يقول الطبري : (( أولى الأقوال بالصواب في ذلك ما تظاهرت به الأخبار عن رسولِ اللهّ  أنَّهُ قال : ذلك حين تطلع الشمس من مغربها (4) ؛ ومن تلك الأخبار ما رواه البخاريّ بسنده عَنْ أَبيِ هُرَيْرَةَ  مرفوعًا : لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتََّّ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا ، فَإِذَا طَلَعَتْ فَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجَْْعُونَ ؛ فَذَلِكَ حِينَ لاَ يَنْفَعُ نَ فْسًا إِيمَانُهَا لََْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِِ إِيمَانِهَا خَيًْْا (4) . فالكافر لا ينفعه إيمّنه بعد الطلوع ، وكذلك العاصي لا تنفعه التوبة (4) ، بل يختم على عمل كلّ أحد بالحالة الَّتي هو عليها ، وتطوى صحائف الأعمّل ، روى الإمام أحمد بسنده عن عبد اللهّ بن عمرو ـ رضي اللهّ عنهمّ ـ مرفوعًا : لاَ تَزَالُ التَّوْبَةُ مَقْبُولَةً حَتََّّ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنَ الَْْغْرِبِ ؛ فَإِذَا طَلَعَتْ طُبِعَ عَلَى كُلِّ قَلْب بَِِا فِيهِ ، وَكُفِرَ النَّاسُ الْعَمَلَ (5) ، (0) انظر : تفسير الطبري 1/96 ـ144 ، زاد المسير لابن الجوزي 4/156 ، ا حرّر الوجيز لابن عطية 4/466 ،462 ، فتح الباري لابن حجر11/454 . (1) تفسير الطبري1/144 . (3) صحيح البخاريّ : كتاب الرقاق ، باب قول النبيِّ  : بعثت أنا والساعة كهات ( فتح الباري 11/454 ) . (4) هذا مقتضى الآية والنصوص المتظاهرة ، وقد خصّ بعض أهل العلم عدم القبول بالكافر دون العاصي ، أو بمن شاهد الطلوع دون غيره ؛ فلو امتدّ الزمان حتَّى نسي ، وانقطع تواتره ، وصار الخبر عنه آحادًا ، قبلت التوبة على قولهم ! وهو قول يخالف دلالة النّصوص على العموم ، وامتداد الإغلاق إلى يوم القيامة . وكلّ ما استدلّوا به على قولهم فإما ضعيف ، أو ليس نصًّا في محلّ النزاع . انظر : التذكرة للقرطبي ص246 ، تفسير القرطبي 2/142 ،141 ، فتح الباري 11/454 ،455 ، أشراط الساعة للوابل ص492 ـ444 . (5) المسند ، مسند العشرة ، ح ( 1511 ) . قال ابن كث : إسناده حسن . انظر : تفسير 

عدد الصفحات ١٢٢