المبحث الثّالث ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 21 ولا شكّ أَنَّ المسخ قد وقع في بني إسرائيل حقيقةً خلافًا لمجاهد (1) ، أما التعيين فمقطوع به في حقّ أصحاب السبت دون غيرهم ؛ لأَنَّ قوله تعالى : فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإنِّي أُ عَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [ المائدة : 115 ] ؛ ليس نصًّا في وقوع المسخ في كفّار المائدة ؛ فالوعيد فيها مرتّب على حصول الكفر بعد نزول المائدة ، وقد قال الحسن ومجاهد : إنَّّم استعفوا من طلبها ؛ خوفًا من عقوبتها فلم تنزل (4) . يقول ابن كث : (( قد يتقوّى ذلك بأنَّ خبر المائدة لا يعرفه النصارى ، وليس هو في كتابهم ، ولو كانت قد نزلت لكان ذلك ممّا تتوافر الدواعي على نقله ، وكان يكون موجودًا في كتابهم متواترًا ، ولا أقلّ من الآحاد )) (4) . وعلى تقدير نزول المائدة كمّ هو مذهب الجمهور فإِنَّ وعيد كفّار المائدة زمانَّم ، ثُمَّ مسخوا . ويحتمل أنََُّّم أرادوا غير أصحاب السبت وكفّار المائدة كمّ قال ابن جريج وغيره ، ف قد ذكروا أَنَّ المسخ تكرّر في بني إسرائيل فأصاب آحادًا منهم وجماعات ؛ لأسباب مختلفة ؛ كالاستهزاء ببعض أنبيائهم ، أو الافتراء عليه ، أو الاستجمّع على الكفر والاسترسال في قتل الدعاة . واللهّ أعلم بحقيقة الحال . انظر : تفسير الطبري 6/494 ،412 ،411 ، زاد ا سير لابن الجوزي 1/95 ، تفس القرطبي 2/446 . (0) ثبت عن مجاهد أَنَّ ما أصاب أصحاب السبت كان مسخًا خُلُقيًّا لا خَلْقيًّا ؛ فأصاب المسخ قلوبهم لا صورهم . وقد تفرّد مجاهد بهذا القول ، واستبعده العلمّء ؛ لما فيه من مخالفة الظَّاهر بلا دليل . انظر : زاد المسير 1/95 ، تفسير القرطبي1/444 ، البداية والنهاية 4/144 ، تفسير ابن كث1/145 ،146 . (1) انظر : زاد المسير لابن الجوزي 4/461 ،464 ، تفسير ابن كث4/119 . (3) تفسير ابن كث4/119 .
عدد الصفحات ٧٠أنواع المَثُلاَت ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 20 محتمل في حقيقته وفي وقت إنفاذه ؛ فيجوز أن يراد به المسخ أو غيره من العقوبات ، ويجوز أن يكون معجّلاً في الدُّنيا ، أو مؤجّلاً في الآخرة (1) . وأَمَّا ما رواه الترمذي بسنده عَنْ عَمَّّرِ بْ نِ يَاسرٍِ مرفوعًا : أُنْزِلَتِ الَْْائِدَةُ مِنَ السَّمَاءِ خُبْزًا وَلَْْمًا ، وَأُمِرُوا أَنْ لا يََُونُوا وَلا يَدَّخِرُوا لِغَد ، فَخَانُوا وَادَّخَرُوا وَرَفَعُوا لِغَد ، فَمُسِخُوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ (4) فإِنَّ الأرجح أَنَّهُ موقوف ، ولم يثبت مرفوعًا عن النَّبيِّ ، يقول الترمذي : (( هَذَا حَدِيث غَرِيب ، قَدْ رَوَاهُ أَبُو عَاصِمٍ وَغَيرُْ وَاحِدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبيِ عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ خِلاسٍ عَنْ عَمَّّرِ بْنِ يَاسرٍِ مَوْقُوفًا ، وَلا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلاَّ مِنْ حَدِيثِ الحَْسَنِ ابْنِ قَزَعَةَ . قال الترمذي : حَدَّثَنَا حمَُيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ حَبِيبٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبيِ عَرُوبَةَ نَحْوَهُ ، وَلمَْ يَرْفَعْهُ . وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ الحَْسَنِ بْنِ قَزَعَةَ ، وَلا نَعْلَمُ لِلْحَدِيثِ المَْرْفُوعِ أَصْلاً )) (4) . والمسخ ليس مجرّد تبديل للخلقة ، وإنَّمّ هو مقدّمة مخزية لقطع الدابر ، والاستئصال من الأرض ؛ لأَنَّ اللهّ لم يمسخ قومًا فيجعل لهم نسلاً ولا عاقبة ولا قرارًا فوق ثلاثة أيّام ، روى مسلم بسنده عَنْ عَبْدِ اللهَِّ بن مسعود مرفوعًا : إِنَّ اللَََّّ لََْ يََْعَلْ لَِْسْخ نَسْاً وَلاَ عَقِبًا (4) ، وفي رواية : فَقَالَ رَجُل : يَا رَسُولَ اللهَِّ ! الْقِرَدَةُ وَالخَْنَازِيرُ هِيَ ممَِّا مُسِخَ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ :إِنَّ اللَََّّ عَزَّ وَجَلَّ لََْ (0) انظر : زاد المسير لابن الجوزي 4/459 ،464 . (1) سنن الترمذي بشرحه تحفة الأحوذي : كتاب التّفسير ، سورة المائدة 1/444 . (3) المرجع السّابق 1/444 . (4) صحيح مسلم بشرحه للنّوويّ : كتاب القدر ، باب بيان أَنَّ الآجال والأرزاق لا تزيد ولا تنقص 16/414 .
عدد الصفحات ٧١المبحث الثّالث ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 21 يُهْلِكْ قَوْمًا ، أَوْ يُعَذِّبْ قَوْمًا ، فَيَجْعَلَ لََُمْ نَسْاً ، وَإِنَّ الْقِرَدَةَ وَالَْْنَازِيرَ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ (1) ؛ وفي التعبير عن المسخ بالإهلاك دلالة على أَنَّهُ تبديل يتبعه استئصال لا مجرد تبديل تستمرّ معه الحياة ؛ ولهذا قال ابن عبَّاس ـ رضي اللهّ عنهمّ ـ : (( لم يعش مسخ ق ّ فوق ثلاثة أيّام ، ولم يأكل ، ولم يشرب ، ولم ينسل )) (4) ، وقال : (( إِنَّمّ كان الَّذين اعتدوا في السبت فجعلوا قردةً فُواقًا ثُمَّ هلكوا ، ما كانوا للمسخ نسل )) (4) ، يقول الجوهري : (( الفُواق والفَوَاق ما بين الحلبتين من الوقت ؛ لأنََّّا تحلب ثُمَّ تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدرّ ثُمَّ تحلب )) (4) . وكأنّ مراده بإطلاق الفواق المبالغة في التعبير عن قصر المدّة الَّتي عاشوها بعد المسخ لا حقيقة التحديد ، ويحتمل أَنَّهُ أراد التحديد ؛ فيكون المراد بكلامه الأَوَّل بيان أطول مدّة يعيشها الممسوخ ، وبالثاني بيان المدّة الَّتي عاشها أصحاب السبت خاصّة . والأوَّ ل أظهر ؛ لأَنَّ ما ورد عن ابن عبَّاس وغيره في تفصيل خبرهم (5) يدلّ على أنََُّّم عاشوا بعد المسخ مدّةً تزيد عن الفواق بكثير . وقد رأى ابن قتيبة أَنَّ القردة والخنازير المعروفة من نسل هؤلاء الممسوخين ، وجوّز ذلك الزّجَّاج وابن العربيّ (6) ؛ استدلالاً بقوله : (0) المرجع السّابق . (1) تفسير القرطبي 1/441 ، تفسير ابن كث 1/145 . و انظر : زاد المسير لابن الجوزي 1/95 ، البداية والنهاية لابن كث4/144 . (3) تفسير ابن كث1/145 . (4) الصحاح4/1546 ، وانظر : المفردات للراغب ص411 . (5) انظر : البداية والنهاية لابن كثير 4/144 ،144 . (1) انظر : زاد المسير لابن الجوزي 4/412 ، تفسالقرطبي 1/444 .
عدد الصفحات ٧٢أنواع المَثُلاَت ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 23 وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ [ المائدة : 64 ] ؛ لأَنَّ دخول الألف واللام يدلّ على المعرفة ، وعلى أنََّّا الكائنات الَّتي تعاين ، ولو كان أراد شيئًا انقرض ومضى لقال : وجعل منهم قردة وخنازير (1) . واستدلّوا أيضًا بمّ رواه مسلم بسنده عَنْ أَبيِ هُرَيْرَةَ قَالَ : (( الْفَأْرَةُ مَسْخ ، وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُوضَعُ بَينَْ يَدَيهَْا لَبَنُ الْغَنَمِ فَتَشرَْبُهُ ، وَيُوضَعُ بَينَْ يَدَيهَْا لَبَنُ الإِبِلِ فَلا تَذُوقُهُ . فَقَالَ لَهُ كَعْب : أَسَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهَِّ ؟ قَالَ : أَفَأُنْزِلَتْ عَليََّ التَّوْرَاةُ ؟ ! )) (4) . وهذا القول غير مسلّم ؛ لأَنَّ حديث ابن مسعود صحيح صريح في محلّ النزاع ، وما فيه من الجزم بعدم صلة أولئك الممسوخين بالقردة والخنازير المعروفة يدلّ على أَنَّ ما قاله في صلة الفأرة والضبّ بهم كان توقّعً ا وخشيةً قبل أن يوحى إليه أَنَّ اللهّ لم يجعل للمسخ نسلاً ولا قرارًا في الدُّنيا (4) ؛ ولهذا وقع بعض الروايات التّصريح بمّ يفيد ذلك التوقع ؛ روى مسلم بسنده عَنْ أَبيِ هُرَيْرَةَ مرفوعًا : فُقِدَتْ أُمَّةٌ مِنْ بَنِِ إِسْرَائِيلَ ، لا يُدْرَى مَا فَعَ لَتْ ، وَلا أُرَاهَا إِلاَّ الْفَأْرَ (4) ، وروى أحمد بسنده عن عبد الرَّحمن بن حسنة قال : كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ فيِ سَفَرٍ ، فَنَزَلْنَا أَرْضًا كَثِيرَةَ الضِّبَابِ ، فَأَصَبْنَا مِنْهَا وَذَبَحْنَا ، فَبَيْنَا الْقُدُورُ تَغْليِ بهَِا إِذْ خَ رَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهَِّ فَقَالَ : إِنَّ أُمَّةً مِنْ بَنِِ إِسْرَائِيلَ فُقِدَتْ ، وَإِنِّر أَخَافُ أَنْ (0) انظر : زاد المسير 4/412 ،411 . (1) صحيح مسلم بشرحه للنّوويّ : كتاب الزهد والرقائق ، باب في أحاديث متفرّقة 11/144 . (3) انظر : شرح معاني الآثار لأبي جعفر الطحاوي 4/199 ، التمهيد لابن عبد البر 12/62 ـ21 ، فتح الباري لابن حجر6/454 ،9/666 . (4) صحيح مسلم بشرحه للنّوويّ : كتاب الزهد والرقائق ، باب في أحاديث متفرّقة 11/144 .
عدد الصفحات ٧٣المبحث الثّالث ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 24 تَكُونَ هِرَ ، فَأَكْفِئُوهَا ، فَأَكْفَأْنَاهَا (1) . (0) المسند ، مسند الشاميين ح ( 12494 ) . والحديث إسناده صحيح . انظر : تخريج مسند الشاميين للدّكتور عليّ محمَّد جماز 4/291 .
عدد الصفحات ٧٤الخاتمة الحمد للهَّ وحده ، والصَّلاة والسَّلام على من لا نبيّ بعده ، وبعد : ـ فقد انتهيت من دراسة أبعاد دليل المَثُلاَت إلى النّتائج التالية : ـ 0 ـ المَثُلة لغةً اسم للعقوبة المنكلة لا لمطلق العقوبة ، والغالب أنََّّا تكون باستئصال بعض الأعضاء ، وهي منتزعة من المَثَل والمِثْل معًا ؛ فهي متمّثلة في النكال ، والأخذة الفذة بالعقوبة ؛ ولهذا يضرب بها وبمن حلّت به المثل في الشدّة . 1 ـ المَثُلة اصطلاحًا هي ا لعقوبة المنكلة المتفرّدة عن النظائر ؛ فيعتبر في حقيقتها التّنكيل والزجر من جهة ، والخروج عن معهود الخلق في العقوبة من جهة ثانية . 3 ـ اختلاف العلمّء في تحديد المَثُلاَت اصطلاحًا اختلاف تنوّع لا تضاد ؛ فكلّ قول من أقوالهم ينبئ عن بعد للكلمة ويوضّح جانبًا من معناها ؛ وهي تدلّ بمجموعها على ستّة معان : ـ أ ـ الخروج عن المعهود في عقوبة الخلق ، وهذه خاصّة براهين النبوّة ؛ ولهذا كانت المَثُلاَت من أعظم براهين صدق الرّسل . ب ـ مشابهة المَثُلاَت لأسبابها ؛ فكلّ مثلة تشابه جريرة من حلّت بساحته ، وكذلك ما أوعدت به فئا م من أمّة محمَّد ، فإِنََّّا تناسب آثامهم ، وما باتوا عليه من الجرائم .
عدد الصفحات ٧٥الخاتمة ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 21 جـ ـ شهرة المَثُلاَت ووضوحها ؛ ولهذا كانت برهانًا على أعظم أمور الدِّين وأشهرها ؛ وهي معرفة الربّ ، وتوحيده ، وصدق رسله . د ـ استئصال المعذّبين بعامّة . وهذا في الأعمّ الأغلب ؛ لأَنَّ المَثُلة قد تحلّ بفرد بعينه ، وقد تكون بغير الاستئصال . هـ ـ الدلالة على صدق الرّسل دلالةً تلائم الفطرة ملاءمة المثل وأعظم ، وتتميّز عنه بالاستمرار ، وعموم الدلالة ، والدلالة على المطالب الدينية الكلية دلالة عقلية ونقلية معًا . و ـ اطراد المَثُلة في حقّ المعذّبين ومن يشبههم من المجرمين ؛ فالمعذّبون في بلاء متتابع إلى يوم القيامة ، ومن أشبههم في الجرائم لقي مثل جزائهم ؛ لأَنَّ سنّة اللهّ في المكذِّبين مطّردة إلى يوم القيامة . وهذا لا يشكل على انقطاع المَثُلاَت بنزول التّوراة ، أو على عصمة المسلمين من المَثُ لاَت ؛ لأَنَّ ما انقطع إِنَّمّ هو المَثُلاَت العامّة دون الخاصّة ؛ فلا تزال المَثُلاَت الخاصّة بفئام أو طوائف تحلّ بالمجرمين اللاحقين إلى يوم القيامة . 4 ـ معرفة أنواع المَثُلاَت تفصيلاً أعظم وأتمّ من التّحديد النّظري المجرّد في بيان مَعْنَى المَثُلاَت ، وتصوّر أبعاده ؛ ولهذا اكتفى علمّء السّلف في بيان المَثُلاَت بذكر أنواعها ، وهذا يقتضي بالضرورة إبراز أبعاد المَثُلاَت من خلال عرض أنواعها ؛ كمثلة الغرق ، والرِّيح ، والصّيحة ، والائتفاك ، والخسف ، والمسخ . 5 ـ ضرورة الجمع بين نصوص المَثُلاَت ، لمعرفة صورة المَثُلة كمّ وقعت . وهذا يستلزم إمعان النّظر في اختلاف التّعبير عن العقوبة مراعاةً للسّياق حتَّى لا يتوهّم تعدّد في العقوبة وهي واحدة في الواقع ونفس الأمر .
عدد الصفحات ٧٦الخاتمة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 22 1 ـ أَنَّ الكفر يزيد ويعظم بالمعصية ؛ ولهذا كانت مثلة قوم لوط أعظم المَثُلاَت ؛ لما اجتمع فيهم من الكفر وقبيح الخلال ؛ وبخاصّة ما ابتدعوه من إتيان الرّجال علانيةً دون حياء من فاعل أو نكير من ناظر ! 2 ـ أهميّة إبراز المضامين الإيمّنيّة لدليل المَثُلاَت ، لما تحدثه في قلوب العباد من شدّة الخوف ، وقوّة الرّجاء ؛ فلا يأمن فاجر من مكر اللهّ وبأسه ، ولا يقن مؤمن من روح اللهّ ونصره . واللهّ أعلم ، وصلىّ اللهّ على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين .
عدد الصفحات ٧٧الدِّراسة الثَّانية دلالة المَثُلاَت على الإيمان
عدد الصفحات ٧٩المقدّمـة الحمد لله وحده ، والصلاة والسّلام على من لا نبيّ بعده ، وبعد : فإِنَّ ما أ صاب القرون الماضية من العقاب المنقطع النظير من أشهر ما تكرّر ذكره من مثاني القرآن الكريم ؛ وذلك لشدّة حاجة النَّاس لعظاته وبراهينه في كلّ عصر ؛ وبخاصّةٍ في عصر تطاولت بعض مجتمعاته على الثوابت المسلّمّت ، وجاهرت بالموبقات المهلكات ، واستعلنت بالمنكرات البيّ نات ، وتجاوز الخطب إلى اعتبار ذلك كلّه حقًّا مشروعًا تكفله دساتير الأنظمة الديمقراطية ، وتجعله مظهرًا من مظاهر حريّة الفكر والتعبير والسّلوك ! ؛ فلا يحلّ لأحد كائنًا من كان أن ينكر شيئًا من آرائهم أو أفعالهم ، فضلاً عن أن يجَُرَّم أو يعاقب عليها ! وإذا وصل الضلال والظلم بأهله لهذا الحدّ فإنّه يخشى عليهم حينئذٍ ممّا أصاب أسلافهم من وقائع اللهّ وقوارعه ؛ لأنّ سنن اللهّ مطّردة في الظالمين المسفين ، إلى أن يرث اللهّ الأرض ومن عليها ، وهو خير الوارثين ، قال تعالى : أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا [14 ] ، وقال وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [ هود144 ] . وقد أطلق على هذا الضرّب من الأخذ بالعقوبة اسم ( المَثُلات ) ؛ وهو اسم قرآني شامل لجميع ما تختص به هذه العقوبة من الصفات ؛ يوضّح ذلك ما ذكره العلمّء في بيان معنى المَثُلات ؛ فقد فسّوها بالأمثال المضروبة ، وبالأشباه والأمثال ، وبالعقوبات المنكلات (1) . وهي كلّهاعبارات متكاملة (0) انظر : مجاز القرآن لأبي عبيدة 1/444 ، تفسير الطبري 14/145 ، فتح الباري 1/424 .
عدد الصفحات ٨١المقدّمـة ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 11 ومتلاقية في المعنى ؛ لأنّ كلّ عبارةٍ فيها تنبئ عن بُعْد للكلمة ، وتوضّح جانبًا من معناها ؛ فتفسيرها بالعقوبة المنكلة يدلّ على شدّتها واطرادها ؛ لأنّ التنكيل يعني منع المكلّفين عن مقارفة أفعال المعذّبين ؛ لئلا يصيبهم ما أصابهم . وتفسيرها بالأشباه والأمثال يدلّ على تشابه المَثُلات في الأخذة الفذّة بالعقوبة ، وفي دورانَّا مع الكفر ، واختلاف صورها تبعًا لاختلاف شعب الكفر ؛ ولهذا كان جزاء كلّ أمّةٍ مشابهًا لجرائرها وجرائمها . وأمّا تفسيرها بالأمثال المضروبة فإنّه يدلّ على شهرة المَثُلات ووضوحها ، وعلى أنَّّا براهين ، وحجج فطرية ، شأنَّا في ذلك شأن المثل المضروب في وضوحه وحجيته ؛ ولهذا كانت المَثُلات آيةً للنّاس كافّة ، وللمؤمنين خاصّة ، قال تعالى : وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ ءَايَةً [ الفرقان : 42 ] ، وقال فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ * فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ * وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْ مُؤْمِنِينَ [24 ،22 ] ؛ أي حجّة وبرهانًا على كثيرٍ من دلائل الحقّ ، وحقائق اليقين ؛ ولهذا أطلقت دلالة الآية ، ولم تقيد بمطلوب معينّ (1) ؛ ومن أعظم ما تدلّ عليه من المطالب ما بعثت به الرّسل ، وأنزلت به الكتب ، من الدعوة إلى الإيمّن باللهّ وحده ، والكفر بمّ يعبد من دونه ؛ فهي تدلّ على حدّ الإيمّن وتفسيره ، وعلى شرطه ووقت قبوله ، وعلى قاعدته وأصوله ، وعلى ثمّره وآثاره في الدنيا والآخرة . وهذه الدراسة عبارة عن محاولةٍ لإبراز دلالة المَثُلات على هذه المحاور الكبرى دون إغراق في تفاصيل لا يتّسع لها (0) انظر : بدائع الفوائد لابن القيّم4/164 .
عدد الصفحات ٨٢المقدّمـة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 13 مثل هذا المقام ؛ ولهذا انحصرت الدِّراسة في المباحث الآتية : ـ المبــ،،ـــحث الأَوَّل : في طرق دلالة النّصوص على حجيّة المثلات . المبـــــحث الثّان ــي : في تفاوت دلالة المَثُلات . المبـــــــحث الثّالث : في وجه دلالة المَثُلات على تفسير الإيمّن ، وإثبات أنَّهُ قول وعمل ، لا يختصّ بالقول وحده . المبحث الــــــرّابع : في بيان دلالة المَثُلات على شرط اعتبار الإيمّن ، والرد على من صحّح إيمّن المعاينة ، وبيان ما يستثنى من ذلك . المبحث الخامس : في بيان دلالة المَ ثُلات على أصل الإيمّن وقاعدته الكبرى ؛ وهي تصديق الرسل ، والقطع بصحة دينهم ، وقبول ما جاءوا به من الأخبار والأحكام . المبحث الـسَّادس : في دلالة المَثُلات على ثمرة الإيمّن وفائدته ؛ وهي تحقق وعد اللهّ لأوليائه ، وإنفاذ وعيده في أعدائه . وقد عالجت هذه القضايا وفق قواعد البحث العلميّ قدر الإمكان ؛ فاستقرأت النّصوص ، وجمعت مادّة البحث من مصادره المعتمدة ، وحرصت على أن تكون صياغته بأسلوب علمي موثّق وفق الأعراف المتّبعة في هذا الفنّ . واللهّ الموفّق والهادي إلى سواء السبيل .
عدد الصفحات ٨٣المبحث الأوّل حجيّة المَثُلات المَثُلات أو الإهلاك الخارج عن المعهود من أعظم أدلّة صدق الرّسل ، وأكبر براهين الإيمّن (1) . وقد اطرد الإخبار عن دلالتها ، وإثبات حجيتها بطرق متعدّدة ، منها : ـ الأوّل : الإخبار عن دلالة المَثُلات بأسلوب يفيد التعظيم والتكثير ؛ كمّ في قوله تعالى : وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا ءَايَةً [ القمر : 15 ] . وقوله : إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ [ المؤمنون : 44 ] ؛ فنكّر المسند في النّص الأوّل ، والمسند إليه في الثّاني (4) ليفيد التعظيم والتكث ؛ أي لدلالات عظيمة قدرًا وكيفًا ، كثيرة عددًا وكمًّّ (4) . وذكر الآية بلفظ المفرد لا يختلف في دلالته عن ذكرها بلفظ الجمع ؛ لأنّ (0) انظر : كتاب النبوات لابن تَيْمِيَّة 1/549 ،514 . (1) المفعول الثّاني لأفعال التحويل من جملة المواضع الَّتي يشملها لفظ المسند ، وأسمّء النواسخ من جملة المواضع الَّتي يشملها لفظ المسند إليه . انظر : معجم البلاغة لبدوي طبانه ص412 ، جامع الدروس العربيّة للغلاييني1/41 ،44 . (3) انظر : الإتقان للسيوطي 1/441 ،449 ، روح المعاني للآلو 41/145 ، معجم البلاغة لبدوي طبانة ص 691 ـ695 ، البلاغة ( علم المعاني ) لفضل عبّاس ص449 ـ444 .
عدد الصفحات ٨٥المبحث الأوّل ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 11 المراد بها حال الإفراد وحدة النّوع لا الع ؛ فتدلّ على كثير من المعاني ، ويكون مفادها كمفاد الجمع ؛ ولهذا عوقب بين المفرد والجمع في المواضع المتشابهة ، فذكرت الآية في موضع مجموعة ، ثُمَّ ذكرت في نظيره مفردة ؛ قال تعالى : إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ * وَإنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ * إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ [ الحجر : 25 ـ22 ] ؛ وقال : إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ وَإنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ [ المؤمنون : 44 ] ، وقال : إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ [ الشعراء : 141 ] ؛ فذكر الآية عقب الإخبار عمّّ أصاب قوم نوح ولوط مرّة بلفظ المفرد ، وأخرى بلفظ الجمع ؛ فدلّ على أنَّ مفادهما واحد ؛ وإلاّ لما عوقب بينهمّ في المواضع المتشابهة . وأنكر الزركشي وابن الزبير الأندلسي (1) أن يكون مفاد الآية حال الإفراد والجمع واحدًا ؛ ثُمَّ اختلفا في تحديد أساس الإفراد والجمع ؛ فرأى الزركشي أنَّ الجمع باعتبار كثرة الدلائل ، والإفراد باعتبار وحدانية المدلول عليه ، وأن (0) هو أحمد بن إبراهيم بن الزّبير الغرناطي ، ولد بمدينة جيّان سنة ( 642 هـ ، لقّب بمحدّث الأندلس ، وانتهت إليه الرئاسة في علم الحديث وغيره ؛ كالتفسير والقراءات والنحو والتاريخ ، من أشهر كتبه ملاك التأويل ، والبرهان في ترتيب سور القرآن ، وصلة الصلة ، وغيرها كثير ، إلاّ أن معظمها مفقود بسبب ما مرّ به من المحن وبخاصّة محنة إبراهيم الفزاري ، توفي بغرناطة سنة ( 241 هـ ) بعد ثمّنين عامًا ونيف قضاها التعلّم والتعليم والتأليف والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وكان من أشهر تلامذته أبو حيان النحوي صاحب ( البحر المحي ) ، وابن الزيّات ، وابن الحاج . انظر للمزيد : ترجمة علميّة له كتبها الدكتور محمود كامل في مقدّمة كتابه ملاك التأويل 1/2 ـ41 .
عدد الصفحات ٨٦حجيّة المَثُلات ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 12 الأمر لا يخرج عن ذلك ؛ ولهذا لما ذكر صفة المؤمنين بالوحدانية وحّد الآية ، ولم يذكرها بلفظ الجمع كمّ ذكرها مع المتوسمين (1) . ورأى ابن الزّبير أنَّ الإفراد والجمع يختلف باعتبار السياق ؛ فإن كان المعتبر متعدّدًا ذكر الآية بلفظ الجمع ، وإن كان المعتبر متّحدًا ذكرت الآية مفردة ، وكذلك إن كان المعتبر متعدّدًا إلاّ أنَّهُ داخل تحت اسم مفرد يجمع الكل ؛ ويرجع إليه الضمير مفردًا ؛ كالأسمّء الموصولة ؛ لأنّ مراعاة اللّفظ أوجز ، فتكون أولى من مراعاة المعنى (4) . وفي الفرقين كليهمّ نظر ؛ وبيان ذلك من ثلاثة أوجه : ـ 1 ـ أنَّ كلام الزركشي مبنيّ على اعتبار دلالة المَ ثُلات قاصرة على إثبات الوحدانية ؛ أي التصديق القلبي المجرّد ؛ فالجمع باعتبار كثرة أدلّة هذا الأصل ، والإفراد باعتبار وحدته في ذاته ؛ وأنّه شيء واحد لا يقبل التجزئة ! . وهذا غير مسلّم إطلاقًا ؛ لأنّ المَثُلات تدلّ على الإيمّن بمعناه الصّحيح ؛ المركّب من ا لقول والعمل معًا ؛ ولهذا أطلق اللهّ دلالة المَثُلات ولم يقيدها بمطلوب معينّ ؛ لأنَّّا آية على أصول الدِّين ، وليست مجرّد دليل على أصلٍ واحدٍ منها ؛ إذ لو كان ذلك مرادًا لقيّدت الآية بمدلولها المعينّ (4) . 4 ـ أنَّ توحيد لفظ الآية إذا ذكرت مع المؤمنين لا يمكن ال تسليم به مطلقًا ؛ (0) انظر : البرهان للزركشي 4/14 . (1) انظر : ملاك التأويل لابن الزّبير 4/511 ـ594 ،299 ـ144 . (3) انظر : بدائع الفوائد لابن القيّم 4/164 .
عدد الصفحات ٨٧المبحث الأوّل ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 11 فإن اللهّ ذكرها معهم بلفظ الجمع في عدّة مواضع ؛ كقوله تعالى : إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [ سبأ : 19 ] ، وقوله : إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُولِي النُّهَى (1) [ طه : 141 ] ، وقوله : إنَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَ رْضِ لآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ [ الجاثية : 4 ] ؛ والمثلات من آيات اللهّ في الأرض ، يقول ابن القيّم : (( ومن الآيات الَّتي فيها : وقائعه سبحانه الَّتي أوقعها بالأمم المكذّبين لرسلهم ، المخالفين لأمره ، وأبقى آثارهم دالة عليهم )) (4) . وذكر الآيات بلفظ الجمع مع المؤمنين لا يختصّ بدليل المَثُلات ، بل يعمّ سائر أدلّة الأنفس والآفاق ، كمّ في قوله تعالى : أَلَمْ يَرَوْا إلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إلا اللَّهُ إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُو نَ [ النّحل : 29 ] ، وقوله : أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إن فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [ النمل : 16 ] ، وقوله : أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [ الروم : 42 ] ؛ فدلّ جميع ذلك على أنَّ ذكر الإيمّن مع الآية لا علاقة له بإفراد لفظها . 4 ـ أنَّ القول بتوحيد لفظ الآية إذا تعلّقت بمعتبر واحد ؛ أو قصّة واحدة قول غير مطّرد ، فقد ذكرت الآية بلفظ الجمع مع وحدة القصة والمعتبر ، (0) في هذه الآية والَّتي قبلها عبرّ عن المؤمنين بأوصاف تختلف عن وصف الإيمّن لفظًا وتوافقه معنى ؛ لأنَّّا إمَّا أجزاؤه ومكوناته ، أو أدلّته وأسبابه ؛ فإن الإيمّن نصفان ؛ نصف صبر ، ونصف شكر ، وأصحاب ال نُّهَى يراد بهم المؤمنون غالبًا ؛ لأنّ عقولهم تنهاهم عن المعصية والغفلة ، وتدلهّم على الطاعة ، والعبرة . انظر : عدّة الصابرين لابن القيّم ص144 . (1) التبيان لابن القيّم116 .
عدد الصفحات ٨٨