المبحث الثّالث ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 54 لوط (1) ؛ فقد أهوى اللهّ بديارهم مقلوبةً من السمّء ، فقطع دابرهم ، ودمّر ديارهم (4) ؛ وذلك لما كانوا عليه من شدّة الكفر (4) ، حتَّى إنَّهُ لم يستجب لنبيّهم رجل منهم ؛ ولما اجتمع فيهم من المنكرات العظيمة (4) ، وبخاصّة ما ابتدعوه من إتيان الرّجال شهوة من دون النِّساء ، والاستعلان بذلك ؛ عُتُوًّا وتمرّ دًا على ربِّ العالمين ، قال تعالى : فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا اختلف العلمّء في تحديد أسمّء القرى التابعة لسذوم ، وفي عددها ، وفي عدد سكّان قراهم بعامّة ؛ فقيل أربعمّئة ألف وقيل غير ذلك . انظر : تفسير الطبري 14/92 ، 42/29 ، تفسير القرطبي 2/442 ،9/11 ، البداية والنهاية لابن كث 1/114 ، تفسير ابن كثير 4/455 ، حاشية الصاوي على الجلال 4/144 ، روح المعا للآلوسي 14/114 . (0) ذكر الرّازيّ أَنَّ خروج هذه المثلة عن المعهود من جهة قلب الأرض ورفعها ، ومن جهة إلقائها من البعد السحيق دون أن يصل أذى لما حولهم من القرى . انظر : تفسير الرّازيّ 11/41 . (1) أصبح مكانَّا في بلاد الغور بحيرة تعرف ببحيرة لوط ، أو البحر الميّت ؛ وهو أخفض من سطح البحر بنحو أربعمّئة متر . وقد اكتشفت حديثًا آثار قراهم في هذا المكان . انظر : أطلس تاريخ الأنبياء والرّسل لأحمد المغلوث ص 146 ،142 . (3) كانوا كفّارًا من جهة استحلال الفاحشة ، ومن جهة تكذيب الرسل ، ومن جهة الشرّك أيضًا كمّ نصّ على ذلك شيخ الإ سلام ، والغريب أَنَّهُ في موضع آخر ذكر أَنَّ كفرهم من جهة استحلال الفاحشة لا من جهة الشرك ؛ ولهذا لم يذكّروا بالتوحيد بخلاف سائر الأمم . انظر : مجموع الفتاوى لابن تَيْمِيَّة 16/449 ، كتاب النبوّات لابن تَيْمِيَّة 1/414 . (4) كقطع السبيل ، وخيانة الرّفيق ، والاجتمّع على منكر القول والعمل حتَّى إنَّّم كانوا يتضارطون في مجالسهم دون حياء من مجالسهم . انظر : البداية والنهاية 1/121 ، روح المعاني للآلوسي 14/145 .
عدد الصفحات ٥٤أنواع المَثُلاَت ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 55 وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [ الذاريات : 45 ،46 ] ، والمخرجون هم لوط وابنتاه ؛ إذ لم يكن على الإيمّن في أمّته سواهم (1) ، وقال تعالى : وَلُوطًا إذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ [ النمل : 54 ] ؛ أي يأتي بعضكم بعضًا بمحضر منكم دون حياء من فاعل أو نكير من ناظر (4) ! وقد ذكر اللهّ في كتابه مثلة أخرى أصابت هؤلاء المجرم المعتدين ؛ هي الحصب والإمطار بالحجارة ، قال تعالى : إنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إلا ءَالَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ [ القمر : 44 ] ، وقال : فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَ هَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ [ هود : 14 ] ؛ أي حجارة من ط نضّد وضمّ بعضه إلى بعض حتَّى صار في غاية الشدّة والصلابة والقوّة (4) ، ويبدو أَنَّ الواحد منها كان دون ملء الكفّ ؛ لأَنَّ المراد بالحاصب الرِّيح الَّت ي ترمي بالحصباء ؛ وهي صغار الحجارة ، الواحد دون ملء الكفّ (4) . ورأى الرّازيّ ومن وافقه أَنَّ اللهّ عاقبهم بعقوبةٍ ثالثةٍ هي الصيحة (5) ، (0) انظر : تفسير ابن كثير 4/446 ، البداية والنهاية1/121 ،111 . (1) انظر : تفسير القرطبي 14/419 ، تفسير ابن كثير 4/461 . (3) هذا على أظهر الأقوال في المراد بالسجّيل ، وعلى أن قوله ( منضود ) من نعت ( سجّيل ) لا من نعت ( الحجارة ) ؛ لأَنَّ القراءة بالجرّ لا بالنّصب تبعًا للحجارة . انظر : تفسير الطبري 14/94 ،94 ، المحرَّر الوجيز لابن عطيَّة 4/192 ،191 ، 5/419 ، تفسير القرطبي 9/11 ـ14 ، تفسير ابن كث 4/454 ،455 ، 4/465 ، أضواء البيان للشنقيطي4/41 ،49 . (4) انظر : تفسير القرطبي 14/494 ، تفسير الجلالين بحاشية الصاوي4/194 . (5) انظر : التّفسير الكبير للرازي 19/444 ، تفسير ابن كث4/555 . وقد تكون هذه النظرة منزع من رأى من الصحابة أَنَّ اللوطي يحرق بالنار ؛ فإِنَّ
عدد الصفحات ٥٥المبحث الثّالث ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 51 مستدلاً بقوله تعا : فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ [ الحجر : 24 ] . وفيمّ ذهب إليه نظر ؛ لأَنَّ الصيحة هُ نَا لا يراد بها العذاب المعهود ؛ وإنَّمّ هي صيحة الوجبة كمّ ذهب لذلك ابن عطيَّة (1) ، أو بمعنى الهلكة كمّ نبّه على ذلك البخاريّ والطبري ؛ فإِنَّه يقال : صيح بهم إذا هلكوا (4) . وسياق الآية يدلّ على المراد بالصيحة فيها ، فإن اللهّ تعالى يقول : فَأَخَذَتْ هُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ * فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ [ الحجر : 24 ،24 ] ؛ ففسّ الصيحة بمّ أصابهم من الائتفاك والحصب لا بعقوبة مستقلّة من صاعقة أو صوت قاصف ؛ وبهذا يتبينّ أَنَّ ما أصابهم عقوب تان ليس غير ؛ هما الائتفاك والحصب ، والظّاهر أَنَّ الائتفاك أصل عقوبتهم بدليل مجموع ثلاثة أمور : ـ أحدهما : أَنَّ الائتفاك أصبح علمًّ لمدائنهم ، فأطلق على سذوم وأعمّلها من قرى قوم لوط اسم المؤتفكة والمؤتفكات ، قال تعالى : وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى [ النّجم : 54 ] ، وقال : أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ... وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ [ التوبة : 24 ] ؛ أي القرى الَّتي انقلبت بأهلها جزاءً وفاقًا لما كانوا عليه من قلبٍ للفطرة في قضاء الوطر (4) . والثّاني : أَنَّ المشهور عند أهل العلم أَنَّ قوم لوط استؤصلوا بعذاب ما الصيحة عبارة عن صاعقة تحرق البدن حتَّى يعود رمادًا لابدًا بالأرض . وهناك أثر غريب عن قتادة في إحراق قوم لوط . انظر : تفسير القرطبي 2/444 ،444 ، تفس ابن كثير 4/459 . (0) انظر : المحرر الوجيز لابن عطيَّة 4/424 . (1) انظر : تفسير الطبري 14/44 ، صحيح البخاريّ بشرحه فتح الباري 6/416 . (3) انظر : روح المعاني للآلوسي 14/114 .
عدد الصفحات ٥٦أنواع المَثُلاَت ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 52 عذّبت به أمّة من الأمم (1) ، وهذا يقتضي أن يكون الائتفاك أصل عقوبتهم ؛ لأَنَّ الحصب أو الرجم قد شاركهم فيه غيرهم ، فإِنَّ اللهّ أرسل على أصحاب الفيل طيرًا أبابيل ، ترميهم بحجارة أمثال الحمص والعدس ، لا تصيب أحدًا منهم إِلاَّ هلك ، حتَّى لم يبق منهم إِلاَّ مخبر جريح ، أو حيّ ضرير (4) . والثّالث : أَنَّ العلمّء متّفقون على أَنَّ الائتفاك أصاب عامّة قوم لوط ؛ وهم من كان في مدائنهم يوم البلاء دون من كان خارجًا عنها لسفر أو غيره . وأَمَّا الحصب أو الرّ جم فقد اختلفوا في عمومه على قولين : ـ أحدهما : أَنَّ الرجم خاص بشذاذهم ؛ وهم من كانوا خارج مدائنهم يوم البلاء ؛ لسفر أو حاجة ، فإِنَّ اللهّ أرسل عليهم تلك الحجارة ؛ قطعًا لدابرهم ، واستئصالاً لشأفتهم ، فكانت تتبعهم في سائر البلاد ، حتَّى أهلكتهم عن آخرهم ، ولم يبق منهم عين تطرف . وهذا قول قتادة ، والسدي ، ومقاتل (4) . واختاره ابن عطيَّة ، وابن جزي ، وابن تَيْمِيَّة ، (0) انظر : تفسير الطبري 14/92 ، تفسير ابن كث4/465 . (1) تفسير ابن كث4/541 ـ554 . ذكر العلمّء أَنَّ من أصحاب الفيل من هلك سريعًا ، ومنهم من هلك في الطّريق ، ومنهم من وصل بلده مصابًا ثُمَّ مات من إصابته ، ويقال : إِنَّ أبرهة ممَّن وصل إلى صنعاء جريحًا ، وأخبرهم بمّ جرى له ثُمَّ مات . وقد بقي منهم قائد الفيل وسائسه عظة وعبرة ؛ تقول عائشة ـ رضي اللهّ عنها ـ : (( لقد رأيت قائد الفيل وسائسه بمكّة أعميين ، مقعدين ، يستطعمّن )) . المرجع السّابق 4/551 ،554 . (3) انظر : تفسير الطبري 14/92 ، تفسير القرطبي 14/144 ، تفسير ابن كث 4/455 .
عدد الصفحات ٥٧المبحث الثّالث ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 51 واستقرّ عليه الصاوي (1) . وقد ضعّفه البيضاوي وأبو السعود والصاوي قوله الأَوَّل ؛ وذلك لمخالفته دلالة ظاهر النظم القرآني على عموم الرّجم (4) . لكنه يتقوّى من جهة النّظر بأنّ من كان في المدائن هلك لما قلبت ، فلا يبقى محلّ لعقوبة الرّجم إِلاَّ أن يقال : إِنَّ الرجم كان في تضاعيف القلب ، كمّ جنح لذلك بعض المفسِّين (4) . والقول الثّاني : أَنَّ الرجم عمَّ حتَّى من كان في المدائن ، وجمع اللهّ لهم الأمرين ؛ إهانةً وزيادة في تفظيع حالهم ، وهذا ظاهر قول مجاهد ، وقتادة في رواية ، ومحمّد بن كعب القرظي وغيرهم (4) . واختاره الطبري والقرطبي وابن كثير (5) . ويؤيّد هذا القول دلالة ظاهر القرآن على عموم الرجم وبخاصّة حين يقتصر على ذكره دون الائتفاك ؛ كمّ في قوله تعالى : وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ [ الشعراء : 124 ] ؛ إِلاَّ أَنَّ هذا القول يبقى مشكلاً من جهة النّظر ؛ ولهذا اختلف القائلون به في وقت الرّجم ؛ فقيل : إنَّهُ كان قبل القلب ، عندما رفع جبريل مدائنهم إلى السمّء . ذكره القرطبي ، (0) انظر : المحرر الوجيز لابن عطيَّة 4/446 ،4/424 ، الت سهيل لابن جزي 1/494 ،426 ، النبوّات لابن تَيْمِيَّة 1/514 ، حاشية الصاوي ع الجلالين 4/429 ،4/444 ،442 ،4/164 . (1) انظر : تفسير البيضاوي بحاشية الشهاب 4/412 ، تفسير أبي السعود 4/424 ، حاشية الصاوي 4/145 . (3) انظر : روح المعاني للآلوسي 14/24 . (4) انظر : تفسير الطبري 14/91 ،42/29 ، تفسير ابن كث4/455 . (5) انظر : تفسير الطبري 42/146 ، تفسير القرطبي 2/442 ، البداية والنهاية لابن كثير 1/114 .
عدد الصفحات ٥٨أنواع المَثُلاَت ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 51 والمحليّ ، وأبو السعود دون عزو أَيْضًا (1) . وقيل : إنَّهُ كان في تضاعيفه . ذكره الآلوسي دون عزو (4) . وأكثر العلمّء على أَنَّهُ كان بعد القلب ، وهو ما تدلّ عليه أكثر الآثار ، وتقديم الائتفاك على الرجم في الذِّكر ، وبخاصّة حين يكون العطف بحرف يقتضي الترتيب والتعقيب ، كقوله تعالى : وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى [ النَّجم : 54 ،54 ] ، يقول ابن كث : (( يعني قلبها ، فأهوى بها منكّسةً ، عاليها سافلها ، وغشّاها بمطر من حجارة من سجّيل .. مرقومة ، على كلّ حجر اسم صاحبه الَّ ذي سق عليه من الحاضرين منهم في بلدهم ، والغائبين عنها ، من المسافرين ، والنازحين ، والشاذين منها )) (4) . مثلة الخسف الخسف هو الغؤور في الأرض ، والغوص فيها ؛ يقال : خسف اللهّ بفلان الأرض إذا غارت به حتَّى يغيب فيها (4) . وقد حلّت مثلة الخسف بقارون (5) ؛ لكفره أنعم اللهّ عليه بقوله وعمله ، واختياله على قومه بثيابه ، (0) انظر : تفسير القرطبي 9/14 ، تفسير الجلالين بحاشية الصاوي 4/194 ، تفس أبي السعود 4/424 . (1) انظر : روح المعاني 14/24 . (3) البداية والنهاية 1/114 . وانظر : تفسير الطبري 42/29 ، تفسير القرطبي 12/141 ، تفسير ابن كث4/459 . (4) انظر : تهذيب اللّغة للأزهري 1/1449 ،1444 ، معجم مقاييس اللّغة لابن فارس 4/114 ،111 ، القاموس المحي للفيروزآبادي4/142 . (5) أكثر أهل العلم على أَنَّهُ كان ابن عمّ موسى . وقد ذكر قتادة وغيره أَنَّهُ كان من جملة من قطع البحر مع موسى ، ومن العلمّء السبعين الَّذين اختارهم موسى لميقات ربّه ، وكان يسمّى المنور ؛ لحسن صوته بالتوراة ! ثُمَّ نافق واغترّ بكثرة ماله ؛
عدد الصفحات ٥٩المبحث الثّالث ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 11 ومراكبه ، وكنوزه ؛ فعاقبه اللهّ بنقيض قصده ، وأذلّ كبرياءه ؛ بأن جعل منزلته أدنى المنازل (1) ؛ فقد أمر اللهّ تعالى الأرض فأخذته من تحت قدميه ، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة ، قال تعالى : فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ (4) الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ [ القصص : 11 ] ، وروى البخاريّ بسنده عن ابن عمر ـ رضي اللهَّ عنهمّ ـ : بَيْنَمَا رَجُلٌ يََُرُّ إِزَارَهُ مِنَ الُْْيَاءِ خُسِفَ بِهِ فَهُوَ يَلجل فِِ الأَرْضِ إِلََ يَوْمِ الْقِيَامَةِ (4) ، وفي رواية لمسلم : إِنَّ رَجُاً مَُِّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يَتَبَخْتََُ فِِ حُلَّة ... الحديث بنحوه (4) ، وفي رواية لأحمد : بَيْنَا رَجُلٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ خَرَجَ فِِ بُرْدَيْنِ أَخْضَرَيْنِ يََْتَالُ فِيهِمَا أَمَرَ اللََُّّ الأَرْضَ فَأَخَذَتْهُ ... الحديث (5) ؛ فدلّ على اتحّاد الآية والحديث في نوع العقوبة ، وفي سببها وزمنها ، فيكون متعلّقهمّ واحدًا في الظّاهر ؛ ولهذا قال الجوهري وابن كثير فأهلكه اللهّ ؛ لكفره وكبره ، ويقال : إِنَّ ذلك كان بدعوة موسى . انظر : تفسير القرطبي 4/411 ،415 ، تفسير ابن كث4/491 ،499 ،411 . (0) انظر : زاد المعاد لابن القيّ م 1/146 ، تفسير ابن كث4/491 ـ444 . (1) ذكر مقاتل أَنَّ موسى لما دعا على قارون فخسف به ، قالت بنو إسرائيل : إِنَّمّ دعا عليه ليرث ماله ؛ لأنَّهُ كان ابن عمّه ، فخسف اللهّ بداره ، وبجميع أمواله بعد ثلاثة أيّام . انظر : تفسير القرطبي 14/411 . (3) صحيح البخاريّ بشرحه فتح الباري : كتاب أحاديث الأنبياء ، باب ما ذكر عن بني إسرائيل 6/515 . وانظر : صحيح مسلم بشرحه للنّوويّ : كتاب اللباس والزينة ، باب تحريم التبختر 14/64 ،64 . (4) صحيح مسلم بشرحه للنّوويّ : كتاب اللباس ، باب تحريم التبختر 14/64 . (5) المسند للإمام أحمد ، باقي مسند المكثرين ، ح ( 14949 ) . وإسناده حسن . انظر : تفسير ابن كثير 4/444 .
عدد الصفحات ٦٠أنواع المَثُلاَت ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 10 وغيرهما : المراد بالرّجل المبهم في هذه الأحاديث قارون (1) ، وإيراد البخاريّ للحديث ضمن أخبار بني إسرائيل يوحي بذلك (4) ؛ وبهذا يظهر ضعف القول بأنَّ المراد به رجل من الأكراد يقال له : ( هيزن أو هينون ) (4) ؛ لاختلاف زمن العقوبة وسببها ؛ فإِنَّ هيزن كان في زمن الخليل ، وخسف به لسبب يختلف عمّّ ذكر في الحديث ؛ إِمَّا لأنَّهُ أشار بحرق الخليل كمّ ذكر الطبري (4) ، وإِمَّا لأنَّهُ ابتكر صناعة المنجنيق ؛ ليرمى به الخليل في النّار كمّ ذكر ابن كثير (5) . ومعنى قوله : ( يجلجل ) ، أو ( يتجلجل ) كمّ وقع في أكثر روايات الصّحيح (6) ؛ أي يغوص في الأرض ، ولحركة سؤوخه فيها صوت شديد ؛ فإن الجلجلة تطلق على شدّة الصوت ؛ كصوت الرعد وما أشبهه (2) . ويحتمل أن يكون الصوت ناشئًا عن مور الأرض به بعد الخسف ؛ فإِنَّ (0) انظر : تفسير ابن كثير 4/444 ، هدي الساري لابن حجر ص491 ،449 ، فتح الباري لابن حجر 14/464 . (1) انظر : شرح صحيح مسلم للنّوويّ 14/64 ، فتح الباري لابن حجر14/464 . (3) انظر : هدي الساري لابن حجر ص 491 ،449 ، فتح الباري لابن حجر 14/464 . (4) انظر : تاريخ الأمم والملوك للطبري 1/444 ،441 . (5) انظر : البداية والنهاية لابن كثير 14/146 . (1) انظر : صحيح البخاريّ بشرحه فتح الباري 14/451 ، صحيح مسلم بشرحه للنّوويّ 14/64 ،64 . (2) انظر : تهذيب اللّغة للأزهري 1/644 ، معجم مقاييس اللّغة لابن فارس 1/411 ، النهاية لابن الأث1/414 ، القاموس المحي4/461 .
عدد الصفحات ٦١المبحث الثّالث ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 11 التجلجل يطلق أيضًا على التحرّك والجولان (1) ، ويؤيّده قوله تعا : ءَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإذَا هِيَ تَمُورُ [ الملك : 16 ] ، يقول القرطبي : (( إذا خسف بإنسان دارت به الأرض ، فهو المور )) (4) . وهذا المعنى يضعف ما ذكره بعض المفسين من أَنَّهُ يخسف بقارون كلّ يوم قامة ، وأنَّهُ إذا بلغ قرار الأرض السَّابعة نفخ في الصّور (4) ؛ لأنَّهُ في دوران مستمرّ لا يتصوّر معه وصول إلى قرار الأرض ؛ وكأنّ ذلك عذاب البرزخ في حقّه إلى قيام الساعة . وقد ورد في الآثار والأخبار ذكر وقائع أخرى لمثلة ا لخسف ؛ كالخسف بقتلة يحيى بن زكريا (4) ، والخسف برجلين في عهد النَّبي ؛ أحدهما لكبره (5) ، والآخر لقوله ـ يوم أحد ـ : (( اللَّهم إن كان محمَّد على الحقّ فاخسف بي فخسف به )) (6) . ولكن هذه الوقائع ـ ما ثبت منها وما لم يثبت ـ كلّها وقائع فرديّة ، لا تماثل ما يعهد في المَثُلاَت من الاستئصال العام ، وقد دلَّ ظاهر القرآن على أَنَّ الخسف من عقوبات الأمم الَّتي أهلكت بعامّة ، قال (0) انظر : تهذيب اللّغة للأزهري 1/644 . (1) تفسير القرطبي11/416 . وانظر : المفردات للراغب ص421 . (3) انظر : تفسير القرطبي 14/411 ، تفسير ابن كث4/441 . (4) انظر : البداية والنهاية لابن كثير 4/54 ،55 . وقد ذكر ابن كثير هُنَا أَنَّهُ ورد بذلك خبر مرفوع إِلاَّ أَنَّ في سياقه غرابة ، وفي رفعه نكارة . (5) رواه أبو يعلى بإسناد ضعيف من طريق ابن عبَّاس مرفوعً ا . انظر : مسند أبي يعلى 14/52 ، فتح الباري لابن حجر14/464 . (1) رواه البزّار ورجاله رجال الصّحيح . انظر : مجمع الزوائد للهيثمي 6/145 .
عدد الصفحات ٦٢أنواع المَثُلاَت ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 13 تعا : فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُ مْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا [ العنكبوت : 44 ] ؛ فقرن عقوبة الخسف بعقوبات الأمم الَّتي أهلكت بعامّة ، فدلّ على أَنَّهُ مثلها ، وحكمه حكمها ؛ وبهذا يظهر عدم التناسب فيمّ درج عليه بعض المفسِّين من التمثيل لمثلة الخسف هُنَا بمّ حلَّ بقارون ، والتّمثيل لسائر المَثُلاَت بمّ حلَّ بالأمم الَّتي أهلكت بعامّة ؛ كقوم عاد ولوط ، وثمود ومدين ، وقوم نوح وفرعون (1) ؛ وكأنَّم لم يجدوا مثالاً لأمّة أهلكت بالخسف ! وقد مثّل بعضهم للخسف بمّ حلَّ بقوم لوط (4) ، وهو تمثيل غ مستقيم ؛ لأَنَّ ما أصاب قوم لوط كان ائتفاكًا لا خسفًا ؛ ولهذا عرفوا بأصحاب المؤتفكات ، والَّذي يبد و أَنَّ الأمّة الَّتي أخذت بالخسف هم أمّة الخليل ؛ فإِنَّ النُّمروذ (4) وقومه لمَّا كفروا بدعوة إبراهيم وهمّوا بقتله أشنع قتلة ، أحب اللهّ مكرهم ، وأنجى خليله من النّار ، وكان ذلك آية بيّنة على صدقه ، وصحّة دعوته ، ولكنّها لم تزد قومه إِلاَّ طغيانًا وكفرًا ! فأخرجوه من بابل (4) ، فخرج من أرض الكلداني ؛ مهاجرًا إلى الأرض المباركة ، (0) انظر : تفسير القرطبي 14/444 ،445 ، تفسير ابن كث 4/414 ، تفس البيضاوي بحاشية الشهاب 2/454 . (1) انظر : فتح الباري لابن حجر 1/494 . (3) بضم النون ، وبالذال المعجمة أو الدال المهملة ؛ وهو النمروذ بن كنعان ، كان أحد ملوك الدُّنيا الأربعة ، وكانت مدينة بابل قاعدة ملكه . وقد طغى في ملكه وتجبرّ حتَّى أهلكه اللهّ شرّ مهلك . انظر : تاريخ الطبري 1/412 ، الكامل لابن ا ثير 1/54 ، البداية والنهاية لابن كثير 1/141 . (4) ذكر السدي أَنَّ النمروذ أخرج الخليل من أرضه قهرًا . انظر : تفسير الطبري
عدد الصفحات ٦٣المبحث الثّالث ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 14 وأخذ اللهّ قومه من تحت أرجلهم ، قال تعالى : قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِ هِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ [ النحل : 46 ] ، يقول الرّازيّ : (( في المراد بالَّذين من قبلهم قولان ؛ القول الأَوَّل : أَنَّ المراد منه نمروذ بن كنعان . والقول الثَّاني : أَنَّ هذا عام في جميع المبطلين ، الَّذين يحاولون إلحاق الضر ر والمكر بالمحقين )) (1) . والأوَّل قول أكثر المفسِّين (4) ، وهو الأَصحّ ؛ لأَنَّ حمل النَّصّ على العموم يعني أن ذكر البنيان في الآية مجرّد مثل مضروب للاستئصال ، وليس هناك بناء حقيقة ، كمّ صرّح بذلك ابن قتيبة وغيره (4) ، والمعنى : أهلكهم اللهّ كمّ هلك من هدم مسكنه من أسفله فخرّ عليه (4) ؛ ولهذا قال الطبري : (( أولى القولين بتأويل الآية قول من قال : مَعْنَى ذلك تساقطت عليهم سقوف بيوتهم ، إذ أتى أصولها وقواعدها أمر اللهّ ، فائتفكت بهم منازلهم ؛ لأَنَّ ذلك هو الكلام المعروف من قواعد البنيان ، وخرّ السّقف . وتوجيه معاني كلام اللهّ إلى الأشهر الأعرف منها أولى من توجيهها 14/96 . وهذا يضعف ما ذكره بعض المؤرّخين من أَنَّهُ خرج باختياره ، أو بأمر اللهّ له . انظر : الكامل لابن الأثير 1/52 ، تاريخ ابن خلدون 4/45 . (0) التّفسير الكب44/19 ،44 [ بتصرّف ] . (1) انظر : تفسير الطبري 14/96 ـ99 ، زاد المسير لابن الجوزي 4/449 ،441 ، فتح الباري لابن حجر 14/544 ، الدر المنثور للسيوطي 4/112 ، أضواء البيان للشنقيطي 5/242 . (3) انظر : تفسير الطبري 14/92 ، زاد المسير لابن الجوزي 4/441 ، تفسير الرّازيّ 44/44 ، حاشية الصاوي على الجلال4/414 . (4) انظر : زاد المسير لابن الجوزي 4/441 .
عدد الصفحات ٦٤أنواع المَثُلاَت ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 15 إلى غير ذلك ما وجد إليه سبيل )) (1) . وإذا تقرّر أَنَّ الآية في النمروذ وقومه ، وأنَّ البنيان المذكور على ظاهره ، فإِنَّه يبقى تحديد نوع ما أصابهم من المَثُلاَت ، وإثبات إهلاكهم بعامّة . أمَّا ما أصاب بنيانَّم في أصوله حتَّى خرّ عليهم السقف من فوقهم فقد كان خسفًا في الأرض من تحتهم ، روى أبو نعيم بسنده عن حجر بن عنبس قال : ( خرجنا مع عليّ إلى الحروريّة ، فلمّّ جاوزنا سورا ، وقع بأرض بابل ، قلنا : يا أمير المؤمنين أمسيت ، الصَّلاة ! فأبى أن يكلّم أ حدًا ، قالوا : يا أمير المؤمنين ، أليس قد أمسيت ؟ قال : بلى ، ولكني لا أصليّ في أرض خسف اللهّ بها ) (4) ؛ فنصّ على أَنَّ ما أصاب بنيان أهل بابل كان خسفًا في الأرض من (0) تفسير الطبري14/91 . (1) نقلاً عن التمهيد . قال ابن عبد البر : حسن الإسناد . انظر : التمهيد 5/444 . وقد رواه البخاريّ تعليقً ا ، وحسّن ابن حجر إسناده . انظر : صحيح البخاريّ بشرحه فتح الباري 1/544 ، تغليق التَّعليق لابن حجر 4/441 . وقد ورد في بعض الروايات رفع النَّهي عن الصَّلاة في أرض بابل ، ولكن إسنادها لا تقوم به حجّة . انظر : التمهيد لابن عبد البر 5/444 ،444 ، جامع الأصول بن الأثير 5/425 ، فتح الباري لابن حجر 1/544 . وقد عقد البخاريّ بابًا في الصَّلاة في مواضع الخسف والعذاب ، وذكر فيه ما يدلّ على ترك الصَّلاة فيها ، كترك النَّبيِّ الصَّلاة في وادي الحجر ، وكصنع عليّ في خسف بابل ، وقد وافقه على ذلك بعض أهل العلم ، ورأوا أَ نَّ هذه البقاع مستثناة من عموم قول النَّبيِّ : جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا . إِلاَّ أَنَّ ابن عبد البر ومن وافقه أنكروا جواز تخصيص الحديث ؛ لأَنَّ عموم الفضيلة لا يجوز عليه التخصيص ، ولا النسخ ، ولا التبديل ، ولا النقصان ، فيكون كلّ ما خالفه منسوخًا بمّ في ذلك أدلّة ترك الصَّلاة في مواضع العذاب . انظر : التمهيد لابن عبد البر 5/412 ـ445 ، تفسير القرطبي14/42 ـ54 ، فتح الباري1/544 ، نيل الأوطار
عدد الصفحات ٦٥المبحث الثّالث ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 11 تحتهم ، ويدلّ لصحّة مقالته أَنَّ اللهّ وصفهم في الآية بالمكر ، والمكر من أسباب الخسف ، كمّ قال تعالى : أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ [ النحل : 45 ] ؛ فيكون عقابهم بالخسف مطرّدًا على سنّة اللهّ في الماكرين . وما وقع في كلام بعض أهل الع لم من التعبير عمَّّ أصابهم بالائتفاك أو الزلزلة (1) فإِنَّه راجع إلى القول بالخسف ؛ لأَنَّ انقلاب منازلهم ناشئ عن الخسف ، وما حلّ بهم من الخسف قد يكون ناشئًا عن زلزالٍ ؛ فإِنَّ الزلزال إذا اشتدّت قوّته أدّى ذلك إلى انزلاقات صخريّةٍ ، وانَّيارات أرضيّة تذهب بمن على وجه الأرض المنكوبة (4) . وأَمَّا إثبات إهلاك أهل بابل بعامّة فإِنَّ دليله من ذات النَّصّ ومن خارجه ؛ قال تعالى : فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ [ النحل : 46 ] ؛ فأخ عمَّّ أصابهم بصيغة مؤكّدة ، تدلّ على أَنَّ الخراب عمّ أبنيتهم ، فتهدّمت ، وماتوا تحتها (4) . وقال تعا : وَإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ للشوكا4/149 . (0) انظر : تفسير الطبري 14/92 ،91 ، تفسير الرّازيّ 44/44 ، تفسير الخازن 4/16 ، الدر المنثور للسيوطي 4/112 . (1) فيمّ ذكر من نصوص دلالة على خطأ ما ذكره بعض الباحثين من إهلاكهم بتسلي الأعداء ؛ اعتمّدًا على ما اكتشف من نصوص سومرية تصوّر نَّاية بابل . انظر : أطلس تاريخ الأنبياء للمغلوث ص144 ؛ لأَنَّ ما ذكره يحتمل أن يكون تصويرًا لما حلّ ببابل قبل الخليل أو بعده بزمن ، أو يكون تصويرًا لما حلّ بمملكة بابل بعد الخسف بقاعدتها ، فإِنَّ ملك النمروذ كان عريضًا ، ولم يكن قاصرًا على مدينة بابل وحدها . (3) انظر : تفسير الرّازيّ 44/44 ، تفسير الخازن4/12 .
عدد الصفحات ٦٦أنواع المَثُلاَت ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 12 وَثَمُودُ* وَقَوْمُ إبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَـيْ فَ كَانَ نَكِيرِ [ الحج : 44 ـ44 ] ؛ فذكرهم ضمن الأمم الَّتي أخذت بالمَثُلاَت واستؤصلت بعامّة (1) . (0) انظر : أضواء البيان للشنقيطي 5/244 ـ249 . وفي إثبات إهلاكهم بعامّة دلالة على قصور ما ذكره بعض المؤرّخ ؛ فإنََّّم لم يذكروا شيئًا عمّّ أصابهم من الهلاك العام ؛ وإنَّمّ ذكروا طمع النمروذ في الافتداء من الإيمّن ، وعزم الخليل على فراقه ، ثُمَّ خروجه هو ومن آمن معه من أرض الكلدانيين ببابل إلى حرّان ، ثُمَّ هجرته إلى الأرض المقدّسة . انظر : الكامل لابن الأثير 1/52 ، تاريخ ابن خلدون 4/45 . وكذلك فإِنَّ إثبات إهلاكهم بعامّةٍ يدلّ على ضعف ما يذكره بعض المفسِّين عن النمروذ وقومه ؛ كخبر الأنس الأربعة ، وبناء الصرح الهائل ، وتسلي البعوضة على النمروذ حتَّى أهلكته ؛ لأَنَّ تحقق ذلك يستغرق وقتًا يمتدّ إلى ما بعد وفاة الخليل بمدّة طويلة ؛ فإِنَّ أقصى ما قيل في عمر الخليل أَنَّهُ عاش مائتي سنة ، ومفاد هذه الأخبار أَنَّ النمروذ ربّى أفراخ الأنس حتَّى كبرن ، ثُمَّ بنى صرحًا هائلاً ، ثُمَّ سلّطت عليه بعوضة ف ظلّ معذّبًا بها أربعمّئة سنة ! أي أَنَّهُ مات بعد الخليل بدهر ، وهذا ينافي سنّة اللهّ في معاجلة أعدائه بالعقوبة إذا أخرجوا رسولهم من بين أظهرهم . انظر : تفسير الطبري 14/92 ، البداية والنهاية لابن كث 1/124 ،125 ، تفسير ابن كثير 4/566 ، الدر المنثور للسيوطي 4/112 . وممّا يدلّ على ضعف هذه الأخبار مع ما ذكر تناقضها في ذاتها ، ومخالفتها للنّصّ والعقل ؛ فمّ فيها من الإخبار عن إهلاكهم بعد سقوط الصرح يناقض بقاء النمروذ بين قومه معذّبًا ، وأنََُّّم ربمّ ضربوا رأسه بالمطارق من شدّة ما يجد من الألم ، وما ذكروه من إرسال ريح على الصرح فألقت رأسه في البحر ، وخرّ عليهم الباقي فهلكوا تحته يخالف دلالة الآية على أَنَّ ما أصابهم كان من جهة القواعد لا من جهة العلوّ . وأيضًا فإِنَّه غير ممكن أن تصعد الأنس كمّ وصف ، وأن يغرّر أحد بنفسه في مثل هذا كمّ قال ابن عطيّة ، وكذلك فإِنَّ تبلبل ألسنة النَّاس بعد سقوط الصرح وحدوث اللغات كلام غير معقول ؛ لأنََّّم إن أرادوا أهل بابل خاصّة فقد أهلكهم الصرح ، وإن أرادوا سائر
عدد الصفحات ٦٧المبحث الثّالث ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 11 مثلة المسخ المسخ عبارة عن تبديل الخلق إلى خلق آخر قبيح (1) ؛ كمّ أصاب أصحاب السبت من بني إسرائيل (4) ؛ فإِنَّ اللهّ لما حرّم عليهم صيد الحيتان يوم السبت ، احتالوا على شرع اللهّ ؛ فكانوا يحفرون الحياض ، وينصبون الشباك النَّاس فمعنى ذلك أَنَّ النَّاس جميعًا سمعوا وجبة الصرح وهذا لم يقل به أحد حتَّى وجبة المؤتفكات ! ثُمَّ إِنَّ تبلبل الألسنة يوجب الاختلاط لا إحداث لغات جديدة ، مع أَنَّهُ من المعلوم أَنَّ اختلاف اللغات كان موجودًا قبل سقوط الصرح المزعوم ؛ فإِنَّ قبائل العرب الأولى كطسم وجديس كانوا يتكلّمون العربيّة لا السيانية . انظر : تفسير البغوي 4/66 ،المحرّر الوجيز لابن عطيَّة 4/446 ، زاد المسير لابن الجوزي 4/449 ، تفسير الخازن4/16 ، روح المعاني للآلو14/145 . (0) انظر : تهذيب اللّغة للأزهري 4/4494 ، معجم مقاييس اللّغة لابن فارس 5/444 ، النهاية لابن الأث4/449 ، القاموس المحي للفيروزآبادي1/429 . والمسخ في الإسلام عقوبة قد تكون في الدُّنيا ، وقد تكون في الآخرة ، وهي تنال الرّوح والبدن معًا ؛ خلافًا لما ذهبت إليه طائفة من التناسخيّة من تخصيصه بانتقال الرّوح المفارقة إلى بدن حيواني تنعم فيه أو تعذب ؛ ولهذا فإِنَّ الجزاء عندهم إِنَّمّ يكون في الدُّ نيا ليس غير . انظر : شرح المقاصد للتفتازاني 4/445 . (1) اختلف العلمّء في تعيين أصحاب السبت على أقوال أشهرها أنََُّّم أهل أيلة ؛ وهو قول ابن عبَّاس وابن مسعود ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد ، وعكرمة ، وقتادة ، والسدي ، وغيرهم . انظر : زاد المسير لابن الجوزي 4/426 ، تفسير القرطبي2/445 ، النهاية لابن الأثير 4/141 . وأيلة ميناء بحري شمّل خليج العقبة . وقد ذكر بعض المفسِّين أَنَّ الطائفة الَّتي أصابها المسخ من أهل أيلة كانوا نحوًا من سبعين ألفًا . انظر : زاد المسير لابن الجوزي 1/95 ، تفسير القرطبي2/442 ، أطلس تاريخ الأنبياء للمغلوث ص411 .
عدد الصفحات ٦٨أنواع المَثُلاَت ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 11 قبل يوم السبت ، فإذا سبتوا ، وأقبلت الحيتان شرّعًا انحبست في مصايدهم حتَّى إذا انقضى وقت التَّحريم أخذوها من الحياض والشباك ، واستمرّوا على ذلك مستعلنين بالمعصية ، معرضين عن النصيحة ، فعاقبهم اللهّ بتبديل خلقهم إلى خلق حيواني ؛ جزاء تبديلهم دين اللهّ ، واستحلال محارمه بأدنى الحيل (1) ، قال تعالى : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ [ البقرة : 65 ] ، وقال : قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ [ المائدة : 64 ] ؛ والآيتان كلتاهما إخبار عمَّّ حلَّ ببني إسرائيل من مثلة المسخ ، إِلاَّ أَنَّ الآ ية الأولى خاصّة بأصحاب السبت ، والثانية محتملة لما هو أعمّ ؛ ولهذا ذهب كثير من العلمّء إلى أَنَّ أحد المسخين كان في أصحاب السبت ، والآخر في كفّار المائدة ، فالمعتدون في السبت مسخوا قردة ، وكفّار المائدة مسخوا خنازير (4) . وذهب ابن عبَّاس وقتادة إلى أَنَّ ا لمسخين كانا في أصحاب السبت ؛ فشبابهم صاروا قردة ، وشيوخهم خنازير (4) . (0) انظر : تفسير الطبري 2/146 ، زاد المسير لابن الجوزي 4/421 ، روح المعا للآلوسي 6/125 . (1) انظر : تفسير الطبري 9/141 ، زاد المسير لابن الجوزي1/95 ،4/412 ، تفس القرطبي 1/444 ،2/446 ، تفسير ابن كث1/145 ، البداية والنهاية 4/144 . (3) ظاهر كلام أئمة السّلف أَنَّ المسخ كان بسبب تبديل دين اللهّ ، والكفر بعد نزول المائدة ، إِلاَّ أَنَّهُ قد أثر عن مجاهد وقتادة وأبي مالك أَنَّهُ كان بسبب لعنٍ من بعض أنبيائهم ؛ فلعنوا على لسان داود فصاروا قردة ، ولعنوا على لسان عيسى فصاروا خنازير . وقد كان أصحاب السبت في زمن داود فيمكن أن يرجع كلامهم إلى قول الجمهور ؛ أي أنََُّّم بدّلوا ، وكفروا ، ثُمَّ لعنوا على لسان من كان من أنبيائهم في
عدد الصفحات ٦٩