المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

دراسات في دلالات المثلات

عيسى بن عبدالله السعدي

صفحة ٣ من ١٩

دلالات مَعْنَى المَثُلاَت ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 32 يقول القرطبي : (( هذه ثمرة الاستغفار والتوبة ؛ أي يمتعكم بالمنافع من سعة رزق ، ورغد عيش ، ولا يستأصلكم بالعذاب كمّ فعل بمن أهلك قبلكم )) (1) . والقول بعصمة الأمّة من المَثُلاَت العامّة دون الخاصّة بفئام أو طوائف هو القول المطّرد مع النّصوص الثابتة ، وهو أولى من قول من غلّب نصوص العصمة ، وقال : إِنَّ اللهّ قضى بتأخير العقوبة عن هذه الأمّة إلى يوم القيامة (4) .      (0) انظر : تفسير القرطبي 9/4 . (1) انظر : تفسير القرطبي 9/414 .

عدد الصفحات ٣٧

المبحث الثّالث أنواع المَثُلاَت تمهيد اكتفى الرّاسخون من علمّء السّلف في تعريف المَثُلاَت بذكرها ، أو ذكر بعض أنواعها ، يقول ابن عبَّاس ـ رضي اللهّ عنهمّ ـ : (( المَثُلاَت ما أصاب القرون الماضية من العذاب )) (1) ، ويقول الشعبي : (( القردة والخنازير هي المَثُلاَت )) (4) ؛ وذلك لأَنَّ معرفة أنواع المَثُلاَت ، وصورة ما جرى لكلّ أمّة من الأخذات الفذّة بالعقوبة أعظم بيانًا من التحديد النظري المجرّد ، وهذا يقتضي عرض صور موجزة لبعض المَثُلاَت لمعرفة البعد الواقعي لما تدلّ عليه من الشدّة والشهرة والاستئصال والاطّراد وغير ذلك من المعاني ، وسيكون ذلك من أكثر المَثُلاَت ذكرًا في القرآن وهي الغرق ، والرّيح ، والصيحة ، والائتفاك ، والخسف ، والمسخ ، وقد قرن معظم هذه المَثُلاَت أو معظم من حلّت به في موضع واحد ؛ قال تعالى :  فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَ يْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا  [ العنكبوت : 44 ] ، وقال :  وَإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ وَقَوْمُ إبْرَاهِيمَ وَ قَوْمُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَـيْفَ كَانَ نَكِيرِ  [ الحج : 44 ـ44 ] . (0) الدرّ المنثور للسيوطي 4/44 . (1) تفسير الطبري14/146 .

عدد الصفحات ٣٩

المبحث الثّالث ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 41 مثلة الغرق حلّت هذه المَثُلة بقوم نوحٍ ؛ فقد أغرقوا على وجه خارج عن المعهود ، وذلك أَنَّ اللهّ تعالى أرسل ع ليهم مطرًا لم تعهد الأرض مثله ؛ فكان ينصبّ من أبواب السمّء كأفواه القرب خلافًا لما يعهد في كثرة المطر ونزوله من السّحاب لا من السمّء . وكذلك أمرت الأرض فنبعت من جميع أنحائها حتَّى من التنانير الَّتي هي محال النّار ، فكثر الماء حتَّى علا رؤوس الجبال (1) ، وعمّ الطوفان الأرض فأهلك من عليها إِلاَّ نوحًا ومن معه في السفينة من المؤمنين (4) وأصناف المخلوقات (4) ، قال تعا :  فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ * إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً (4) وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ  [ الشعراء : 119 ـ141 ] . (0) اختلف المفسّون في مقدار ارتفاع الماء على أعلى جبل بالأرض ؛ فقيل خمسة عشر ذراعًا ، وقيل ثمّنين . انظر : البداية والنهاية 1/114 ، تفسير ابن كث4/446 . (1) اختلف العلمّء في عدّتهم ؛ فقيل : كانوا ثمّنين نفسًا معهم نساؤهم ، وقيل : اثنين وسبعين ، وقيل : كانوا عشرة ، وقيل غير ذلك ، والظّاهر أَنَّ التّحديد ممّا تنوقل عن أهل الكتاب ؛ فاللهّ أعلم بعدّتهم . انظر : البداية والنهاية 1/111 ،114 ، تفسير ابن كثير 4/444 ،445 . (3) انظر : تفسير ابن كثير 4/444 ،445 ـ454 ،4/464 ـ465 ،446 ـ441 ، البداية والنهاية 1/145 ـ119 . (4) أي في الإنجاء والإهلاك لا في الإهلاك خاصّة ؛ فقد كان الإنجاء بطريقة خارجةٍ عن المعهود ، بل إِنَّ ابن كثير ذكر أَنَّ عظمة سفينة نوح كانت خارجةً عن المعهود أيضًا ، فلم يكن لها نظير قبلها ، ولا يكون بعدها مثلها ، ثُمَّ ذكر ما قاله بعض علمّء السّلف عن أصلها ، وطولها ، وعرضها ، وارتفاعها ، وطبقاتها ، ومدّة بقاء نوح ومن معه فيها . وما ذكره من خروج السفينة عن المعهود أمر محتمل ، وبخاصّة أَنَّ الفلك كان مشحونًا ؛ أي مملوأً بأصل كلّ ما بقي من المخلوقات ، ولكن ما نقله من التحديد 

عدد الصفحات ٤٠

أنواع المَثُلاَت ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 40 وكذلك حلّت مثلة الغرق بفرعون وجنوده ؛ فحين أذن تَعَالى اللهّ لموسى  أن يخرج ببني إسرائيل من مصر سار بهم ليلاً حتَّى انتهى بهم السَّير إلى سِيف بحر القلزم فأدركهم فرعون ومن معه وقت الشروق ، فلمّّ تراءى الجمعان ، وظنّ أصحاب موسى أنََُّّم مدركون أوحى اللهّ إلى موسى :  أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ  [ الشعراء : 64 ] ؛ أي صارت كلّ قطعةٍ انفصلت من البحر كالجبل الكبير المنيف ، وأرسل اللهّ الرّيح فلفحت ما في طريقهم من حال البحر (1) حتَّى صار يابسًا كوجه الأرض ، وأوحى اللهّ إلى موسى أن يجوز ببني إسرائيل لا يخاف دركًا من فرعون ولا يخشى زلقًا في البحر أو غرقًا ، فلمّّ اجتازوه أمر موسى أن يترك البحر رهوًا ؛ ليدخل فرعون وجنوده ، وحين تمّ دخولهم ، وهمَّ أوّلهم بالخروج أوحي لموسى  : فضرب البحر بعصاه ، فانطبق عليهم وأهلكهم اللهّ أجمعين (4) ، قال تعا :  وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ * إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ  [ الشعراء : 65 ـ62 ] .  ينبغي التوقّف في شأنه ؛ إذ لا دليل عل يه من شرعنا ، وإنَّمّ هو ممّا تلقي عن أهل الكتاب . انظر : البداية والنهاية لابن كثير 1/149 ،114 ،112 ، تفسير ابن كث 4/441 ،449 . (0) الحال هو الطين الأسود كالحمأة . انظر : النهاية لابن الأثير 1/464 . (1) انظر : البداية والنهاية لابن كثير 1/461 ـ425 ، تفسير ابن كث4/449 ـ444 ، 4/164 ،445 ـ441 ،4/141 .

عدد الصفحات ٤١

المبحث الثّالث ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 41 مثلة الرّيح حلَّت ه ذه المَثُلة بعادٍ الأولى (1) ؛ فقد أهلكوا بريح الدّبور ، وسلّطت (0) ذكرت صفة عادٍ هذه في سورة النّجم ، وقد اختلف العلمّء في معناها ؛ فالجمهور على أنََّّا قيد لبيان أنََُّّم في وجه الدهر وقديمه ، ولا دلالة لمفهومه على عادٍ ثانية . انظر : تفسير الطبري 42/21 ، تف سير ابن عطيّة 5/441 ، تفسير القرطبي 12/144 ، روح المعاني للآلوسي 42/24 . وذهب آخرون إلى أَنَّ هذه الصِّفة تدلّ بمفهومها على عاد ثانية . ثُمَّ اختلفوا في المراد بها وبالأولى على أربعة أقوال : ـ 0 ـ أَنَّ المراد بعاد الأولى عاد إرم ، وهم قوم هود ، والثانية من بقي من نسلهم ؛ وهم بنو لقيم بن هزال ، فقد كانوا سكّانًا بمكّة مع أخوالهم من العمّلقة ، فلم يصبهم ما أصاب قومهم ، ثُمَّ إنَّّم هلكوا ببغي بعضهم على بعض ، وتفانوا بالقتل . وهذا اختيار الطبري ومن وافقه . انظر : تفسير الطبري 42/21 ، تفسير البغوي4/456 . 1 ـ أَنَّ المراد بعاد الأولى قوم هود ، والثانية قوم صالح ؛ وهم ثمود ؛ فإِنَّ كلاًّ من القبيلتين تسمّى عادًا ؛ لأَنَّ جدّهم واحد ؛ وهو عاد بن إرم بن سام بن نوح . وهذا قول ابن إسحاق ، والمبرد . انظر : تفسير ابن عطيّة 5/441 ، تفسير القرطبي12/144 ، تفسير الجلالين 4/115 ، روح المعا42/24 . 3 ـ أَنَّ المراد بعاد الأولى من كان قبل قوم هود من نسل عاد ، والثانية هم قوم هود . وهذا قول كعب بن الأحبار ، وما يفهم من كلام ابن جريج . انظر : زاد المسير لابن الجوزي 1/14 ، الدر المنثور للسيوطي6/141 . 4 ـ أَنَّ المراد بعاد الأولى قوم هود ؛ وهم الَّذين ذكروا في جميع المواضع إِلاَّ سورة الأحقاف ؛ فإن ما ذكر فيها خبر عن عاد الثّانية . وهذا ما جنح إليه ابن كثير في تاريخه ؛ اعتمّدًا على ما ورد في قصّة إهلاكهم من أشعار لا تشبه كلام المتقدّمين ، ومن ذكر لمكّة مع أنََّّا لم تبن إِلاَّ بعد الخليل ، وكذلك ما ذكر في صفة إهلاكهم ؛ فإنََّّم أهلكوا بعارض فيه شرر ونار ، وأولئك أهلكوا بريح صرصر عاتية ؛ ولأنّ النَّبيَّ  فرّق بين العذاب في قوله : عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ ، وَقَ دْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ فَقَالُوا : هَذَا عَارِضٌ مُُْطِرُنَا [ صحيح البخاريّ 

عدد الصفحات ٤٢

أنواع المَثُلاَت ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 43 عليهم على وجه خارج عمّّ يعهد في ذات الرِّيح وآثارها ؛ فكانت منقطعة النّظير في شدّة هبوبها ، وقوّة بردها ، وحدّة صوتها ، واستمرارها عليهم ليلاً ونَّارًا ، لا تسكن أو تهدأ ؛ وإنَّمّ تفسد وتحصب ، وتتبعهم في كلّ مكان حتَّى في البيوت والحفر والشعاب وكهوف الجبال ، فتنتزعهم من الأرض انتزاعًا ، وترفعهم حتَّى يغيبوا عن الأبصار ، ثُمَّ تنكسهم فتثلغ رؤوسهم ، وتفصلها عن أجسادهم ، حتَّى تركتهم صرعى بلا رؤوس  كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ  [ القمر : 44 ] ؛ أي كأصول النخل في طولها ، وانقلاعها من أصلها ، وسقوطها على الأرض بلا رؤوس . وقد استمرّت بهم هذه المَثُلة سبع ليالٍ وثمّنية أيّام كاملة حتَّى قطعت دابرهم ، وأبادت خضراءهم ؛ جزاء كبرهم ، وشركهم بربهّم ، وتكذيبهم لنبيّهم (1)، قال تعا :  وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ  بشرحه فتح الباري : كتاب التّفسير ، باب فلمّّ رأوه عارضًا 1/521 ، ح 4149 ) ] ؛ فهذا كالصريح في تغاير القصّت . انظر : البداية والنهاية 1/141 ـ141 . وهذا يخالف ما أطبق عليه المفسِّون من أَنَّ المراد بمّ في سورة الأحقاف عاد الأو ، وأنَّ أخاهم هو هود  ، وأيضًا فإِنَّ الخبر الَّذي اعتمده غير صحيح ، وما ذكر في ثناياه من شعر وخبر عن مكّة من جملة الأمور الَّتي تدلّ على ضعفه كمّ نبّه على ذلك ابن عطيّة انظر : المحرّر الوجيز 5/441 ] . وأَمَّا الحديث فالظّاهر أَنَّهُ خبر عن واحد ، والعطف لتغاير الأحوال لا الذوات ؛ فحين رأوا العذاب قالوا : هذا عارض ممطرنا ، ثُمَّ حلّ بهم خلاف ما توقّعوا ، وعذّبوا بالرّيح ، والآية صريحة في ذلك :  فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِ ضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِ يمٌ  [ الأحقاف : 44 ] . (0) انظر : تفسير ابن كثير 4/444 ـ442 ،4/414 ،4/94 ،95 ،164 ـ164 ، 

عدد الصفحات ٤٣

المبحث الثّالث ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 44 سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ  [ الحاقّة : 6 ـ1 ] . مثلة الصيحة أصابت هذه المَثُلة قوم ثمود ، وأهل مدين ، وأصحاب القرية (1) . أمَّا ثمود فإنََّّم لمَّا كذّبوا صالحًا ، وعقروا الناقة ، وانقضت أيّام النظرة ، أهلكوا صباح اليوم الرّابع بصيحة من السمّء ؛ وهي صاعقة واحدة طاغية ، تجاوزت المعهود في الصواعق ، فرجفت من شدّتها الأرض ، وأحرقت نارها جميع المكذِّبين ، ولم يبق من أجسادهم النضرة إِلاَّ فتات كالهشيم (4) ، قال تعالى :  إنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ  [ القمر : 41 ] ، يقول الأزهريّ : (( من قرأ المحتظِر أراد كالهشيم الَّذي جمعه صاحب الحظيرة ، ومن قرأ المحتظَر ، بفتح الظاء ، فالمحتظر اسم للحظيرة ؛ المعنى :  442 ،464 ،465 ،414 ، البداية والنهاية لابن كثير 1/144 ـ141 ، حاشية الصاوي على الجلالين 4/191 . (0) عوقب بالصيحة أقوام آخرون سوى من ذكر ؛ كالسبعين الَّذين اختارهم موسى  من بني إسرائيل لميقات ربّه ، وكالذين خرجوا من ديارهم ألوفًا حذر الموت ، ولكن عقوبتهم لا تحمل السمّت الكاملة للمثلات لا من جهة الموجب ولا من جهة الاطّراد ، فلم تكن عقوبتهم على الكفر ، ولم تتّصل بعقاب الآخرة ، فقد أحياهم اللهّ بعد إهلاكهم ، وكان في ذلك زجرًا لهم ، ودليلاً عيانيًا على المعاد ، وعلى أَنَّ الحذر لا يغني من القدر . انظر : تفسير ابن كثير 1/94 ،94 ،491 ،524 ، 4/449 ،454 . (1) انظر : تفسير القرطبي 2/444 ، تفسير ابن كث4/442 ـ444 ،4/95 ،442 ، 465 ،414 ، البداية والنهاية لابن كث1/144 ـ149 .

عدد الصفحات ٤٤

أنواع المَثُلاَت ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 45 كهشيم المكان الَّذي يحتظر فيه الهشيم ؛ والهشيم ما يبس من الحظرات فارفتّ وتكسّ ؛ المعنى أنََُّّم بادوا ، وهلكوا ، ، فصاروا كيبيس الشجر إذا تحطّم )) (1) . ويفهم ممّا تقدّم آنفًا أَنَّ ما حلَّ بثمود كان نوعًا واحدًا من المَثُلاَت وإن ذكر في القرآن بثلاثة أسمّء ؛ هي الصيحة ، والصاعقة ، والرّجفة ؛ لأَنَّ مَعْنَى هذه العبارات يرجع إلى شيء واحد ؛ فقد أرسلت عليهم صيحة واحدة كانت عبارة عن صاعقة هائلة ذات صوت مهلك ، ونا ر تحرق ، ولشدّة الصّاعقة وهولها رجفت بهم الأرض من تحتهم ؛ فاجتمع فيها أنََّّا صيحة ، وصاعقة ، ورجفة . وهذا أولى من القول بأنَّ الرّجفة عقوبة مستقلّة عن الصيحة ، وأنَّ اللهّ جمع لهم بين عقوبتين ؛ لأَنَّ الظَّاهر أَنَّ العقوبة واحدة ، وأنَّ الرجفة ناشئة عن ال صيحة الصاعقة لا مستقلّة عنها (4) . وأَمَّا أهل مدين (4) فإنََّّم لما فشا فيهم الشرك ، والغشّ في المعاملة ، وقطع الطّريق على المجتازين أرسل اللهّ لهم شعيبًا  يأمرهم بالتوحيد ، وينهاهم عن الشرك ، وعمّّ هم عليه من قبيح الخلال ، فكذّبوه ، وآذوه ، واستعجلوا (0) تهذيب اللّغة للأزهري 1/152 . وانظر : تفسير القرطبي 12/144 ، تفسير ابن كثير 4/465 . (1) انظر : تفسير ابن كثير 4/95 ، البداية والنهاية 1/146 ، أضواء البيان للشنقيطي 2/141 ،149 . (3) هي قرية في أطراف الحجاز الشاميّة على مقربة من تبوك ، وليست هي كمّ يشيع بين النَّاس ، اشتهرت القبيلة الَّتي سكنتها باسمها ، وأصبح الاسم يقال بالاشتراك على القبيلة والقرية ، ويحتم ل أن تكون القرية سمّيت باسم الجدّ الأعلى للقبيلة ؛ وهو مدين بن مديان بن إبراهيم الخليل . انظر : البداية والنهاية لابن كثير 1/114 .

عدد الصفحات ٤٥

المبحث الثّالث ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 41 عذاب اللهّ ونقمته ، فأرسل عليهم صيحة خارجة عن المعهود ، رجفت من شدّتها الأرض ،  فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ  [ هود : 94 ] ؛ أي هلكى ، قد أسقطهم العذاب على صدورهم ، فتلبدوا بالأرض (1) ، يقال : جثم الإنسان ، أو الطائر إذا لزم مكانه فلم يبرح ، أو و قع على صدره ، أو تلبّد بالأرض ، أي التصق بها التصاقًا شديدًا (4) . وهذا المعنى يطابق صورة ما أصابهم مطابقةً كاملة ؛ فإنََّّم عذّبوا بالصّيحة ، وكانت صاعقةً على الأرجح (4) ؛ أوقعتهم على صدورهم ، والنار تشتعل في أجسادهم حتَّى صاروا رمادًا لابدًا بالأرض . وهذا هو عذاب يوم الظلّة المذكور في قوله تعالى :  فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ  [ الشعراء : 119 ] ؛ فإِنَّ الظلّة هي السّحابة الَّتي أظلّتهم بالعذاب ؛ وَذَلِكَ أَنََُّّم لمّا سلّ عليهم الحرّ حتَّى ما يظلّهم منه شيء ، أنشئت لهم سحابة تحتها برد وراحة ، فأتوها ، فلمّّ أظلّتهم جميعًا صيح بهم ، ورجفت بهم الأرض ، وأحرقتهم نار الصاعقة حتَّى صاروا رمادًا لاصقًا بالأرض . ذكر ذلك ابن عمر وابن عبَّاس وسعيد بن (0) انظر : البداية والنهاية 1/114 ـ191 . (1) انظر : تهذيب اللّغة للأزهري 1/549 ،4/4442 ، القاموس المحي 1/446 ، 4/11 ، اعجم الوسي ص114 . (3) بدليل قوله تعا :  أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ  [ هود : 95 ] ؛ فجعل عقوبتهم كعقوبة ثمود ، وعقوبة ثمود كانت صاعقة كمّ نصّ على ذلك في القرآن ؛ ولهذا كان مآلهم متمّثلاً ، كمّ قال تعالى :  فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ  [ هود : 62 ،94 ] ، وهذا حقّ كلتا الطائفتين ؛ أي ساقطين على وجوههم ، لابدين بالأرض ؛ لأنََّّم سقطوا والنار مشتعلة في أجسادهم حتَّى صاروا فتاتًا لاصقًا بالأرض ، فالعقوبة واحدة ، ولهذا كان الأثر متمّثلاً .

عدد الصفحات ٤٦

أنواع المَثُلاَت ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 42 جبير وغيرهم على اختلاف بينهم في التّفاصيل(1) . والقول بأنَّ صفة عذاب مدين كانت على هذا النَّحو مبنيّة على مذهب الجمهور في اعتبارهم هم وأصحاب الأيكة أمّة واحدة ؛ لأَنَّ الخبر عنهم وعن رسولهم متمّثل ، وإنَّمّ نسبوا إلى القرية أو القبيلة مرّة ، ونسبوا مرّة أخرى إلى الأيكة ؛ وهي الشجرة ، أو الغيضة (4) التي كانوا يعبدونَّا من دون اللهّ (4) . وذهب بعض علمّء السّلف إلى أَنَّ مدين وأصحاب الأيكة أمّتان مختلفتان ، وأنَّ شعيبًا  بعثه اللهّ مرّت ، يقول ابن عمر : (( إِنَّ قوم مدين وأصحاب الأيكة أمّتان ، بعث اللهّ إليهمّ شعيبًا النبيّ  )) (4) ، ويقول عكرمة : (( ما بعث اللهّ نبيًّا مرّتين إِلاَّ شعيبًا ؛ مرّة إلى مدين ، فأخذهم اللهّ بالصّيحة ، ومرّة إلى أصحاب الأيكة فأخذهم اللهّ بعذاب يوم الظلّة )) (5) ، ويقول ابن زيد : (( بعث اللهّ شعيبًا إلى قومه من أهل مدين ، وإلى أهل (0) انظر : زاد المسير لا بن الجوزي 4/154 ، تفسير القرطبي 14/142 ، تفسير ابن كثير 4/446 . (1) الغيضة هي الشجر الملتفّ . انظر : النهاية لابن الأثير 4/444 . (3) انظر : تفسير الطبري 19/142 ، تفسير ابن كث 4/441 ،4/445 ، البداية والنهاية لابن كثير 1/194 ، فتح الباري لابن حجر 6/454 ، الإتقان للسيوطي 4/122 . (4) نقلاً عن تفسير ابن كث4/445 ، ويروى مرفوعًا ، والأشبه أَنَّهُ موقوف ، وإسناده ليس بالقوي . انظر : البداية والنهاية لابن كثير 1/194 ، الإتقان للسيوطي 4/122 . (5) نقلاً عن تفسير ابن كث4/445 ، وانظر : الإتقان للسيوطي 4/122 .

عدد الصفحات ٤٧

المبحث الثّالث ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 41 البادية ؛ وهم أصحاب ليكة )) (1) ، ويؤْثر نح وه عن قتادة ومقاتل (4) . وعمدتهم في التفريق دليلان : ـ أحدهما : قوله تعالى :  وَإلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا  [ هود : 15 ] ، وقوله :  كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ * إذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ  [ الشعراء : 126 ،122 ] ؛ فوصف شعيبًا بأَنَّهُ أخ لمدين بخلاف أصحاب الأيكة ؛ لأنَّهُ لم يكن منهم وإنَّمّ كان من أصحاب مدين ، فدلّ على الفرق ، وأنََُّّم أمّتان مختلفتان (4) . وقد أجاب ابن الجوزي بأَنَّهُ لم يذكر الأخ مع أصحاب الأيكة تخفيفًا (4) . وأجاب ابن كثير وابن حجر بأَنَّهُ لم يذكر الأخ لأَنَّ نسبتهم للأيكة نسبة دينيّة فقطع الأخوّة بينهم ، بخلاف الآية الأولى ؛ فإن النسبة نسبيّة ؛ ولهذا أثبت الأخوّة بينهم (5) . وهذا هو الأو ، والأليق ببلاغة القرآن . (0) نقلاً عن تفسير الطبري19/142 ، وانظر : تفسير القرطبي 14/145 . وليكة والأيكة بمعنى . انظر : تفسير الطبري 19/142 ، صحيح البخاريّ بشرحه فتح الباري 6/449 . (1) انظر : تفسير الطبري 14/41 ، زاد المسير لابن الجوزي 6/141 ، تفس القرطبي 14/145 . (3) انظر : زاد المسير لابن الجوزي 6/141 ، تفسير القرطبي 14/145 ، تفس الجلالين بحاشية الصاوي 4/444 . (4) انظر : زاد المسير 6/141 . (5) انظر : البداية والنهاية لابن كثير 1/194 ، تفسير ابن كث 4/445 ، فتح الباري لابن حجر 6/454 .

عدد الصفحات ٤٨

أنواع المَثُلاَت ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 41 والثاني : أن اللهّ عاقب أصحاب مدين بالصّ يحة والرّجفة ، وعاقب أصحاب الأيكة بيوم الظلّة ، واختلاف العقوبة دليل على أَنََُّّمَّ أمّتان مختلفتان (1) . وهذا غير مسلَّم ؛ لأَنَّ تنوّع العقوبة لا يستلزم اختلاف المعاقبين ؛ وإلاَّ للزم أن يكون المعذّبون بالصّيحة غير الَّذين عذّبوا بالرّجفة ، وهذا لا يقوله أحد . والصَّواب أَنَّ عقوبتهم واحدة ، إذ الصيحة الَّتي عذّبوا بها كانت عبارة عن صاعقة هائلة محرقة ، أرسلت عليهم من السحابة الَّتي أظلّتهم فرجفت بهم الأرض من تحتهم ، وإنَّمّ اختلف التعبير عن عقوبتهم مراعاةً لسياق الكلام ؛ يقول ابن كثير : (( ذكر اللهّ صفة إ هلاكهم في ثلاثة مواطن ؛ كلّ موطن بصفةٍ تناسب ذلك السياق ؛ ففي الأعراف ذكر أنََُّّم أخذتهم الرّجفة ؛ وذلك لأنََّّم أوعدوا شعيبًا وأصحابه بإخراجهم من قريتهم ؛ فقابل الإرجاف بالإرجاف ، وذكر أنََُّّم رجفت بهم الأرض الَّتي أرادوا إخراج نبيّهم منها . وفي سورة هود ذكر عذابهم باسم الصيحة ؛ لأنَّهُ ذكره عقب ذكر تهكّمهم ، واستهزائهم بنبيّهم ، فناسب أن يذكر الصيحة الَّتي أسكتتهم عن كلامهم القبيح . وفي سورة الشعراء ذكر عذابهم باسم عذاب يوم الظلّة ؛ لأنَّهُ ذكره في سياق ما كانوا يسألونه نبيّهم تعنّتًا وعنادًا من أن ينزل عليهم قطعًا وعذابًا من السمّء ، فذكر عذابهم بمّ يناسب سؤلهم )) (4) . (0) انظر : تفسير الطبري 14/41 ، البداية والنهاية لابن كث 1/194 ، فتح الباري لابن حجر 6/454 . (1) تفسير ابن كث 4/446 [ بتصرّف ] . وانظر : البداية والنهاية 1/119 ،194 ، 

عدد الصفحات ٤٩

المبحث الثّالث ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 51 وكذلك أصابت الصيحة أصحاب القرية ، فقد أرسل اللهّ لهم ثلاثةً من رسله ، فكذّبوهم ، وعزموا على قتلهم ، فحذّرهم رجل صالح منهم (1) عاقبة فعلهم ونصحهم باتباع هديهم ، فردّوا نصيحته أقبح رد ، وقتلوه قتلة ضرب بشدّتها المثل (4) ؛ قال ابن مسعود : (( وطئوه بأرجلهم حتَّى خرج قصبه من دبره )) (4) ، وقال قتادة : (( كانوا يرجمونه بالحجارة وهو يقول : اللهم اهد قومي ، اللّهم اهد قومي ، حتَّى أقعصوه (4) وهو كذلك )) (5) ؛ ولهذا عاجلهم اللهّ بعقوبته ، وأهلكهم بصي حة واحدة ، لم تبق منهم باقية . وقد ذكر كثير من المفسِّين صفة ما حلَّ بهم من المَثُلة ؛ فقالوا : إِنَّ اللهّ تعالى بعث إليهم جبريل  فأخذ بعضادتي باب بلدهم ، ثُمَّ صاح فيهم  صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإذَا هُمْ خَامِدُونَ  (6) [ يس : 49 ] ؛ أي موتى لاطئون بالأرض (1) .  فتح الباري لابن حجر6/454 . (0) ذكر كثير من المفسِّين أَنَّهُ حبيب النجّار ، وقيل غير ذلك . انظر : تفسير الطبري 44/151 ،159 ، تفسير البغوي4/2 ، تفسير القرطبي15/12 . (1) ضربه النَّبي  لما فعله أهل الطائف بعروة بن مسعود ، وضربه كعب الأحبار لما فعله مسيلمة بحبيب بن زيد بن عاصم ؛ فكلاهما كان مثله كمثل صاحب ياسين . انظر : تفسير ابن كثير 4/569 . (3) تفسير ا لطبري 44/161 . وفي القرطبي زيادة نصّها : (( وألقي في بئر ، وهي الرس ، وهم أصحاب الرس )) . تفسير القرطبي 15/19 . (4) القعص أن يضرب الرّجل فيموت مكانه ، يقال : قعصته وأقعصته إذا قتلته قتلاً سريعًا . النهاية لابن الأثير 4/11 . (5) تفسير الطبري44/164 ،161 . (1) انظر : تفسير البغوي 4/11 ، تفسير القرطبي15/44 ، تفسير ابن كث4/569 .

عدد الصفحات ٥٠

أنواع المَثُلاَت ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 50 وفي التعبير عن موتهم بالخمود دليل على أَن الصيحة أحرقتهم حتَّى صاروا رمادًا . وقد حمل بعض المفسِّين هذا التعبير على التَّشْبيه ؛ يقول ابن عطيَّة : (( شبّهوا بالرماد الَّذي خمدت ناره وطفئت )) (4) . والظَّاهر أَنَّ التعبير ع ن موتهم بالخمود على حقيقته ؛ وأنَّ الصيحة الَّتي عذّبوا بها كانت عبارة عن صاعقة أحرقتهم حتَّى صارت أجسادهم رمادًا لابدًا بالأرض ، وهذا ما يشعر به ظاهر القرآن ، وما تدلّ عليه أخباره عن نظرائهم ؛ وهم ثمود ومدين ، وبهذا يظهر ضعف القول بأنَّ الصيحة صدرت عن جبر يل  ، وبخاصّة أَنَّهُ قول لا دليل عليه من شرعنا ؛ فيحتمل أن يكون من أخبار أهل الكتاب الَّتي في شرعنا ما يشعر بخلافها . وقد ذكر اللهّ تعالى خبر هؤلاء الأشقياء دون أن يعينّ مكانَّم أو زمانَّم ، ولكن ذكر كثير من علمّء السّلف والخلف أنََُّّم أهل انطاكية (4) ، و ادّعى بعضهم الإجماع على ذلك (4) ! وذكر قتادة وابن جريج أَنَّ رسلهم كانوا من الحواريين الَّذين بعثهم عيسى  دعاةً إلى اللهّ في الآفاق ، وإنَّمّ أضافهم  (0) انظر : تفسير ابن عطيَّة 4/454 . (1) تفسير ابن عطيَّة 4/454 . وانظر : تفسير القرطبي 15/44 ، تفسير أبي السعود 4/414 ، روح المعا44/4 . (3) انظر : تفسير الطبري 44/155 ،156 ،44/4 ، تفسير البغوي 4/2 ، البداية والنهاية 1/442 ، تفسير ابن كث4/569 . (4) انظر : تفسير القرطبي 15/14 ، روح المعاني للآلو44/444 . وفي دعوى الإجماع نظر ؛ فإِنَّ بعض علمّء السّلف لم يعينّ القرية . وقال عكرمة : إِنَّ أصحاب ياسين هم أصحاب الرسل بف لج ، وفلج من قرى اليمّمة . انظر : البداية والنهاية لابن كثير 1/442 ، تفسير ابن كث4/524 .

عدد الصفحات ٥١

المبحث الثّالث ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 51 الربّ لنفسه ؛ لأَنَّ عيسى أرسلهم بأمر اللهّ تعالى (1) . وفي هذا التعيين نظر من ثلاثة أوجه : ـ 0 ـ أن ظاهر القرآن يدلّ على أَنَّ رسل هذه القرية كانوا من قبل اللهّ لا من قبل المسيح ؛ فإنََّّم قالوا :  إنَّا إلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ  [ يس : 14 ] ؛ فلو كانوا من الحواريين لقيّدوا الإرسال ولم يطلقوه ؛ ولهذا قال ابن عبَّاس ، وكعب الأحبار ، ووهب بن منبّه : إنَّّم كانوا ر سلاً من عند اللهّ تعالى بعثهم لأهل هذه القرية (4) . 1 ـ أن المعروف أَنَّ أهل إنطاكية آمنوا برسل المسيح عن آخرهم ؛ ولهذا كانت إنطاكية إحدى المدن الأربع الَّتي فيها بطاركة النصارى (4) ، ولم يعرف عن هذه المدينة أنََّّا أهلكت بعامة ، لا في الملّة النصرانيّة ، و لا قبل ذلك ؛ ولهذا قال ابن حجر : (( لعلّها كانت مدينة بالقرب من هذه الموجودة ؛ لأَنَّ اللهّ أخبر أَنَّهُ أهلك أهلها ، وليس لذلك أثر في هذه المدينة الموجودة (0) انظر : زاد المسير لابن الجوزي 2/11 ، تفسير ابن عطيَّة4/449 ، تفسير القرطبي 15/14 ، تفسير أبي السعود4/429 . (1) انظر : تفسير الطبري 44/156 ، زاد المسير لابنالجوزي 2/11 ، تفسير ابن كث 4/569 . (3) وهي القدس ، وانطاكية ، والإسكندريّة ، وروميّة ؛ فالقدس لأنََّّا بلد المسيح ، وإنطاكية لأنََّّا أَوَّل بلدة آمنت بالمسيح عن آخرها ، والإسكندرية لأنََّّم اصطلحوا فيها على اتخّاذ البطاركة ، والمطارنة ، والأساقفة ، والقسا وسة ، والشمّمسة ، والرهبان ، ورومية ؛ لأنََّّا بلد قسطنطين ؛ وهو الملك المشهور الَّذي نصر دينهم ، وأطده . انظر : تفسير ابن كثير 4/569 .

عدد الصفحات ٥٢

أنواع المَثُلاَت ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 53 الآن )) (1) ، وقال ابن كث : (( على هذا يتعينّ أَنَّ هذه القرية المذكورة في القرآن قرية أخرى غير انطاكية ، كمّ أطلق ذلك غير واحد من السّلف .. ، أو تكون انطاكية إن كان لفظها محفوظًا في هذه القصة مدينة أخرى غير هذه المشهورة ؛ فإِنَّ هذه لم يعرف أنََّّا أهلكت لا في الملّة النصرانيّة ، ولا قبل ذلك )) (4) . 3 ـ أن بعث الحواريين لإنطاكية كان بعد إنزال التوارة بمدّة طويلة ، وقد ذكر أبو سعيد الخدري وغير واحد من السّلف أَنَّ اللهّ لم يهلك أمّة بعامّة بعد إنزال التوراة . وعلى هذا فإِنَّ إهلاك أصحاب القرية كان قبل عيسى  بمدّة ، وقد تفطّن لذلك الإمام البخاريّ ـ رحمه اللهّ ـ ، وبوّب لخبرهم قبل خبر المسيح (4) . مثلة الائتفاك المراد بالائتفاك الإنقلاب ؛ يقال : ائتفكت البلدة بأهلها ؛ أي انقلبت ، فهي مؤتفكة ، ومنه الإفك ؛ لما فيه من قلب للحقيقة (4) . وانقلاب البلدة بأهلها عذاب خارج عن المعهود أصاب سذوم (5) وأعمّلها من قرى قوم (0) فتح الباري6/462 . (1) تفسير ابن كث4/569 ،524 . (3) انظر : صحيح البخاريّ بشرحه فتح الباري : باب واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية 6/462 ، البداية والنهاية لابن كث 1/442 ـ444 ، تفسير ابن كث 4/569 ، 524 . (4) انظر : النهاية لابن الأثير 1/56 . (5) سذوم بالذال المعجمة على وزن رسول ؛ هي القرية العظمى من قرى لوط . وقد 

عدد الصفحات ٥٣