دلالات مَعْنَى المَثُلاَت ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 10 قارون بالخسف ؛ لتعاليه على الخلق ، وردّه للحقّ ، وعذّب السامري بالحرمان من ملامسة الخلق ؛ لمسّه ما لم يؤذن له من أثر الرَّسول ؛ فكان بنو إسرائيل لا يمّسونه ، ولا يؤاكلونه ، ولا يخالطونه ، ولا يبايعونه (1) ، وعذّب أصحاب السّبت بتبديل خلقتهم لتبديلهم دين اللهّ ، واستحلال محارمه بأدنى الحيل ، يقول ابن كثير : (( مسخهم اللهّ إلى صورة القردة ، وهي أشبه شيء بالأناسي في الشّكل الظّاهر ، وليست بإنسان حقيقة ، فكذلك أعمّل هؤلاء وحيلتهم لما كانت مشابهة للحقّ في الظّاهر ومخالفةً له في الباطن كان جزاؤهم من جنس عملهم )) (4) . وهكذا ما يحلّ من المَثُلاَت ببعض أمّة محمَّد فإِنََّّا تناسب آثامهم ، وما باتوا عليه من الجرائم ؛ روى ابن ماجه بسنده عن أبي مالك الأشعري مرفوعًا : لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِِ الَْْمْرَ ، يُسَمُّونَهَا بِغَيِْْ اسِْْهَا ، يُعْزَفُ عَلَى رُءُوسِهِمْ بِالَْْعَازِفِ وَالُْْغَنِّيَاتِ ، يََْسِفُ اللََُّّ بِهِمُ الأَرْضَ ، وَيََْعَلُ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالَْْنَازِيرَ (4) ، يقول ابن تَيْمِيَّة : (( مسخوا قردة وخنازير كمّ مسخ أصحاب السّبت بمّ تأولوا من التَّأويل الفاسد الَّذي استحلّوا به المحارم ، وخسف ببعضهم كمّ خسف بقارون ؛ لأَنَّ في الخمر والحرير والمعازف من الكبر والخيلاء ما في الزينة الَّتي خرج فيها قارون على قومه ، فلمّّ مسخوا دين اللهّ مسخهم اللهّ ، (0) انظر : تفسير الطبري 16/446 ، تفسير ابن كث1/144 ،4/164 . (1) تفسير ابن كث1/145 . (3) سنن ابن ماجه : كتاب الفتن ، باب العقوبات 4/1444 ، ح4444 ) . قال ابن القيّم : هذا إسناد صحيح . إغاثة اللهفان 1/414 ، وانظر : صحيح الجامع الصَّغير للألباني 4/959 ، ح5454 ) .
عدد الصفحات ٢١المبحث الثّاني ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 11 ولمَّا تكبرَّوا عن الحقّ أذلهّم اللهَّ )) (1) . شهرة المَثُلاَت ووضوحها تتميّز الأمثال بالشّهرة والوضوح ، ومثلات الرب أعظم الأمثال ، وأكثرها شهرةً ووضوحًا ؛ ولهذا ضرب بها وبمن حلّت به المثل في أفصح الكلم ، قال تعالى : وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَـيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ [ إبراهيم : 45 ] ، وقال : لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَاد (4) ، وفي رواية : قَتْلَ ثََُودَ (4) ، وتقول العرب : (( تفرّقوا أيدي سبا ، وأيادي سبا )) (4) . وممّا يدلّ على شهرة المَثُلاَت ووضوحها ما ذكره اللهّ من صفاتها ومتعلقاتها ، قال تعالى : أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُولِي النُّهَى [ طه : 141 ] ؛ وقال : وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا ءَايَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [ العنكبوت : 45 ] ؛ والآية هي العلامة الظاهرة عقليّةً كانت أو حسيّة ، ووصفها بالبيان وهو الظهور والاتضاح والانكشاف يدلّ (0) الفتاوى الكبرى4/149 ،144 . (1) صحيح مسلم : كتاب الزَّكاة ، باب ذكر الخوارج 4/244 . (3) المرجع السّابق 4/244 . (4) لسان العرب لابن منظور1/94 . والعرب لا تهمز سبا في هذا الموضع تخفيفًا ، والمراد باليد الطّريق ؛ يقال : أخذ القوم يد البحر ؛ أي طريق الساحل ، وهو مثل تضربه العرب للفرقة ؛ أي تفرّقوا في طرق سبأ الَّتي مزّقتهم كلّ ممزّق . انظر : النهاية لابن الأثير 5/494 ، لسان العرب 1/94 .
عدد الصفحات ٢٢دلالات مَعْنَى المَثُلاَت ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 13 على شدّة ظهورها ووضوحها (1) ؛ وذا جعل اللهّ مثلاته براهين على أعظم أمور الدِّين وأشهرها ؛ وهي معرفة الرب وتوحيده وصدق رسله (4) . وواقع المَثُلاَت مصداق لشهرتها ووضوحها ؛ فإِنََّّا أمر محسوس مشاهد ، معلوم بالاضطرار للنّاس عامّةً ، فمّ من أحد منهم إِلاَّ وقد سمع من ذلك أنواعًا أو رأى بعضه (4) ؛ قال تعا : وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ [ العنكبوت : 41 ] . وقال : وَإنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ [ الحجر : 26 ] . وقال : وَإنَّهُمَا لَبِإمَامٍ مُبِينٍ [ الحجر : 29 ] ؛ أي آثار ما حلَّ بقوم لوط وأصحاب الأيكة من المَثُلاَت بطريق واضح يراه كلّ من يمرّ بهم (4) . الاستئصال بعامّةٍ الغالب أَنَّ المَثُلة تطلق لغةً على العقوبة المستأصلة ، وهي كذلك في الإطلاق الشرّعيّ ؛ فإِنَّ الغالب على مثلات الربّ الدلالة على استئصال المعذّبين عن آخرهم حتَّى لا يبقى منهم باقية ، واستقراء أدلّة المَثُلاَت يدلّ على اعتبار الاستئصال في مفهوم المَثُلاَت من وجوه ، منها : ـ 1 ـ أَنَّ ما حلَّ بمعظم المكذّبين من قوم نوح وحتَّى نزول التوراة كان استئصالاً عامًّا قطع دابرهم واستأصل شأفتهم حتَّى إِنَّ العذاب كان يتتبع شذاذهم في الآفاق فلا يبقي منهم عينًا تطرف ، قال تعالى : فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا (0) انظر : معجم مقاييس اللّغة لابن فارس 1/441 ، المفردات للراغب ص44 ،61 . (1) انظر : العذب النمير للشنقيطي 1/464 . (3) انظر : مجموع الفتاوى لابن تَيْمِيَّة 19/154 . (4) انظر : تفسير القرطبي 14/45 ، تفسير ابن كث4/555 ،556 .
عدد الصفحات ٢٣المبحث الثّاني ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 14 جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ [ هود : 14 ] ، يقول ابن كثير : (( نزلت الحجارة على أهل البلد وعلى المتفرّقين في القرى مما حولها ، فبينا أحدهم يكون عند النَّاس يتحدّث إذ جاءه حجر من السمّء فسق عليه من بين النَّاس فدمّره فتتبعهم الحجارة من سائر البلاد حتَّى أهلكتهم عن آخرهم ، فلم يبق منهم أحد )) (1) . وروى الإمام أحمد بسنده عن جابر بن عبد اللهّ قال : (( لمََّا مَرَّ رَسُولُ اللهَِّ بِالحِْجْرِ قَالَ : لا تَسْأَلُوا الآيَاتِ ، وَقَدْ سَأَلَََا قَوْمُ صَالِِ فَكَانَتْ تَرِدُ مِنْ هَذَا الْفَجِّ وَتَصْدُرُ مِنْ هَذَا الْفَجِّ ، فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَعَقَرُوهَا ، فَكَانَتْ تَشْرَبُ مَاءَهُمْ يَوْمًا وَيَشْرَبُونَ لَبَنَهَا يَوْمًا فَعَقَرُوهَا فَأَخَذَتْهُمْ صَيْحَةٌ أَهْمَدَ اللََُّّ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ مَنْ تََْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ مِنْهُمْ إِلاَّ رَجُاً وَاحِدًا كَانَ فِِ حَرَمِ اللََِّّ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ قِيلَ : مَنْ هُوَ يَا رَسُولَ اللهَِّ ؟ قَالَ : هُوَ أَبُو رِغَال ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنَ الَْْرَمِ أَصَابَهُ مَا أَصَابَ قَوْمَهُ )) (4) ، وروى أبو داود بسنده عن عبد اللهّ بن عمرو قال : (( سَمِعْتُ رَسُولَ اللهَِّ يَقُولُ حِينَ خَرَجْنَا مَعَهُ إِلىَ الطَّائِفِ فَمَرَرْنَا بِقَبرٍْ فَقَالَ رَسُولُ اللهَِّ :هَذَا قَبُْ أَبِر رِغَال ، وَكَانَ بِهَذَا الَْْرَمِ يَدْفَعُ عَنْهُ ، فَلَمَّا خَرَجَ أَصَابَتْهُ النِّقْمَةُ الَّتِِ أَصَابَتْ قَوْمَهُ بِهَذَا الَْْكَانِ فَدُفِنَ فِيهِ ، وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ دُفِنَ مَعَهُ غُصْنٌ مِنْ ذَهَب إِنْ أَنْتُمْ نَبَشْتُمْ عَنْهُ أَ صَبْتُمُوهُ مَعَهُ ، فَابْتَدَرَهُ النَّاسُ فَاسْتَخْرَجُوا (0) تفسير ابن كث4/455 [ بتصرّف يس ] . (1) مسند الإمام أحمد بن حنبل : باقي مسند المكثرين ، ح ( 14644 ) ، يقول ابن كث : (( هذا الحديث ليس في شيء من الكتب الستة ، وهو على شرط مسلم )) . تفسير ابن كثير 4/442 .
عدد الصفحات ٢٤دلالات مَعْنَى المَثُلاَت ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 15 الْغُصْنَ )) (1) . 4 ـ أَنَّ المَثُلاَت فسّت في القرآن الكريم بالعذاب المستأصل ؛ وذلك أَنَّ النَّبيَّ كان ينذرهم بالعذاب المستأصل ، ويقول لهم كمّ أمره اللهّ تعالى : فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَا عِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ [ فصّلت : 14 ] ، فكانوا يستعجلونه في نزوله ؛ طعنًا في خبره واستهزاءً به ، فنزل قوله تعالى : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ [ الرّعد : 6 ] ؛ فعلم أَنَّ المراد بالمَثُلاَت ما كان يخوّفهم به النَّبيُّ من أنواع العقوبات المستأصلة (4) ، وكذلك الأنبياء من قبله مع أممهم ؛ فإِنَّ الإنذار بحلول المَثُلاَت المستأصلة سنّة الأنبياء وأتباعهم على مدى الدّهر ، قال تعالى ـ حكاية عن شعيب ـ : وَيَا قَوْمِ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ [ هود : 19 ] ، وقالـ حكاية عن مؤمن آل فرعون ـ : يَاقَوْمِ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَ حْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ (0) سنن أبي داود بشرحه عون المعبود : كتاب الخراج والفيء والإمارة ، باب نبش القبور العادية 1/446 ، ح4424 ) . قال المزي : هو حديث حسن عزيز ، ولكن قال ابن كثير : تفرّد بوصله بجير بن أبي بجير ، وهو شيخ لا يعرف إِلاَّ بهذا الحديث ، فيخشى أن يكون وهم في رفع الحديث ، وإنَّمّ يكون من كلام عبد اللهّ بن عمرو ممّا أخذه من الزاملتين . قال شيخنا المزي بعد أن عرضت عليه ذلك : هذا محتمل . تفسير ابن كثير 4/449 [ بتصرّف يس ] . وقال ابن حجر : بجير بن أبي بجير مجهول . تقريب التّهذيب 1/94 ، والمجهول من المرتبةالثّالثة من مراتب الجرح الَّذين تصلح أحاديثهم بعد الاعتبار . انظر : تدريب الرّاوي 1/446 ،441 ، فتح المغيث للسخاوي 1/424 ،424 ، وعلى هذا فإِنَّ الحديث يمكن اعتباره فيمّ نحن بصدده ؛ لأَنَّ حديث جابر المذكور قبله يشهد للقدر المراد منه ، ويدلّ على أَنَّ له أ صلاً . (1) انظر : صفوة البيان لحسنين مخلوف 1/444 .
عدد الصفحات ٢٥المبحث الثّاني ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 11 نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ [ غافر : 44 ،41 ] . 4 ـ أَنَّ اللهَّ أخبر عمَّّ حلَّ بأعدائه من المَثُلاَت بمّ يدلّ على الاستئصال بعامّة ؛ كقوله تعالى ـ عن مدين وثمود ـ : فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ [ هود : 62 ،94 ] ؛ وقوله : وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ [ الشعراء : 65 ،66 ] ، وقوله : فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَ اتِنَا [ الأعراف : 24 ] ؛ يقول ابن عطيّة : (( الدابر الَّذي يأتي آخر القوم ؛ أي في أدبارهم ، وإذا قطع ذلك وأتى عليه فقد أتى العذاب من أوّلهم إلى آخرهم . وهذه ألفاظ دالّة على الاستئصال ، والهلاك التام )) (1) ، ويقول الشنقيطي : (( قطع الدابر معناه إهلاكهم المستأصل بحيث لا يبقى لهم نسل في الأرض يكون حيًّا عن دبر منهم ، بل أهلكهم اللهّ جميعًا )) (4) . فقطع الدابر يدلّ على الاستئصال بعامّةٍ باتّفاقه ، وإن وقع اختلاف بينهمّ في المراد به ؛ هل المراد به آخر القوم أو نسلهم ؟ وهو اختلاف لا يؤثّر على دلالة اللّفظ على الاستئصال العام . والأصل في الاستئصال بعامّة أن يكون على الفور ، وقد يكون على التراخي في بعض المَثُلاَت ؛ كمّ أصاب أصحاب السبت من بني إسرائيل ؛ فإِنَّ اللهّ مسخهم ثُمَّ أهلكهم بعامّةٍ ، يقول ابن عبَّاسٍ ـ رضي اللهّ عنهمّ ـ : (( لم يعش مسخ ق ّ فوق ثلاث ة أيّام ، ولم يأكل ، ولم يشرب ، ولم ينسل )) (4) . (0) المحرّر الوجيز لابن عطيّة 4/461 . (1) العذب النم4/1444 . (3) تفسير القرطبي1/441 ، تفسير ابن كث1/145 .
عدد الصفحات ٢٦دلالات مَعْنَى المَثُلاَت ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 12 والمَثُلاَت تدلّ على الاستئصال بعامّة دلالةً أغلبية كمّ ذكر أَوَّل المسألة ؛ لأَنَّ المَثُلة قد تكون خاصّة بفردٍ بعينه ، وقد تكون بغير الاستئصال ، قال اللهّ تعالى ـ في قارون ـ : فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ [ القصص : 11 ] ، وقال ـ قوم سبأ ـ : فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُل صَبَّارٍ شَكُورٍ [ سبأ : 19 ] . الدلالة على أصول الإيمان المَثُلاَت كأصلها اللغوي ؛ فكمّ أن المثل حجّة وبرهان فكذلك المَثُلاَت ؛ ولهذا سمّّها اللهّ آيةً بطرق متعدّدة من طرق التوكيد ، وأخبر عن دلالتها بأسلوبٍ يفيد التّعظيم ، والتكثير ، واختصّ أهل الصفات العالية بصدق الاتعاظ بها ، وكمّل الاعتبار ، قال تعالى : إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُولِي النُّهَى [ طه : 54 ، 141 ] ، وقال : إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [ سبأ : 19 ] ، وقال : وَتَرَكْنَا فِيهَا ءَايَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الأَلِيمَ [ الذاريات : 42 ] ، وقال : وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا ءَايَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [ القمر : 15 ] . وتتّسم دلالة المَثُلاَت بعدّة سمّتٍ ، منها : ـ 0 ـ ملاءمة الفطرة ؛ فكمّ أَنَّ الأمثال السائرة تلائم الفطرة فكذلك المَثُلاَت ، وسائر الطرق الشرعيّة ، يقول ابن رشد : (( الطرق الشرعيّة إذا تؤمّلت وجدت في الأكثر (1) قد جمعت وصف : أحدهما : أن تكون يقينيّة ، والثّاني : أن تكون بسيطةً غير مركّبة )) (4) . (0) يبدو أَنَّ هذا القيد للاحتراز المجرّد ؛ لأَنَّ جميع الأدلّة الشرعيّة لا تنفكّ عن هذ ين الوصفين . (1) الكشف عن مناهج الأدلّة ص59 ) .
عدد الصفحات ٢٧المبحث الثّاني ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 11 ووصف الأدلّة الشرعيّة بالبساطة يعني قلّة مقدّماتها ، وقرب نتائجها ؛ ودلالتها على الإيمّن بأول النّظر ، دلالة يشترك في فهمها العقلاء (1) وإن تفاضلوا في فهم أبعادها ، ومعرفة تفاصيلها بحسب ما عندهم من قوّة الإيمّن ، والصبر على النّظر في مدارك الأدلّة ، ولهذا علّق الانتفاع التام بدلالة المَثُلاَت على أعلى درجات الإيمّن ، قال تعالى : إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [ سبأ : 19 ] . وهذه الملاءمة شرط ضروري في عموم الرِّسالة ؛ ولهذا تعتبر الأدلّة الشرعيّة حجّة على كلّ من بلغته ، وتمكّن من معرفتها ، يقول ابن تَيْمِيَّة : (( حجّة اللهّ برسله قامت بالتمكن من العلم ، فليس من شرط حجّة اللهّ علم المدعوّين بها ؛ ولهذا لم يكن إعراض الك فّار عن استمّع القرآن وتدبّره مانعًا من قيام حجّة اللهّ عليهم ، وكذلك إعراضهم عن استمّع المنقول عن الأنبياء ، وقراءة الآثار المأثورة عنهم لا يمنع الحجّة ؛ إذ المكنة حاصلة )) (4) . 1 ـ الاستمرار ؛ فبرهان المَثُلاَت لا يختصّ بزمنٍ ، أو حال معينّ ؛ وإنَّمّ هو مستمرّ على مدى القرون ، وهذا مطابق لمعتقد أهل السنة والجمّعة في براهين النبوّة ؛ فإنََّّم يعتقدون أَنَّ : (( آيات النبوّة وبراهينها تكون في حياة الرّسول ، وقبل مولده ، وبعد مماته ، لا تختصّ بحياته ، فضلاً عن أن تختصّ (0) انظر : الكشف عن مناهج الأدلّة ص ( 59 ) ، طريق الوصول لابن سعدي ص 411 . (1) الرَّدّ على المنطقيين ص 99 . وانظر : طريق الهجرتين لابن القيّم ص 414 ، مدارج السالكين لابن القيّم أيضًا 1/412 .
عدد الصفحات ٢٨دلالات مَعْنَى المَثُلاَت ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 11 بحال دعوى النبوّة ، أو حال التحدي )) (1) ؛ وبهذا يظهر ضعف ما عليه المحققون من الأشاعرة من اشتراط مقارنة الآية لدعوى النبوّة أو الرِّسالة حقيقة أو حكمًّ (4) ؛ فإِنَّ استمرار برهان المَثُلاَت ظاهر لكلّ أحد . 3 ـ الدلالة العقليّة ؛ فبرهان المَثُلاَت من جملة الأدلّة العقليّة الَّتي جاء بها النّقل ، وعلمت بالمشاهدة ، يقول ابن القيّم : (( ومن بعض الأدلّة العقليّة ما أبقاه اللهّ تعالى من آثار عقوبات أهل الشرك ، وآثار ديارهم ، وما حلَّ بهم ، وما أبقاه من نصر أهل التوحيد ، وإعزازهم ، وجعل العاقبة لهم )) (4) . وهذا البرهان ونظائره (4) يبطل ما عليه المتكلّمون من عدم الاستدلال بالنّقل على الإلهيّات ؛ فرارًا من الدور ؛ لأَنَّ أدلّة النَّقل ليست سمعيّة محضة كمّ توهمّوا ؛ وإنَّمّ هي سمعيّة وعقليّة معًا (5) . 4 ـ عموم الدلالة ؛ فدليل المَثُلاَت كسائر آيات الرب لا تختصّ بمطلوب معينّ وإنَّمّ تدلّ على أمّهات المطالب الدينية ؛ كإثبات الصانع ، والتوحيد ، والصفات ، والمعاد ، والنبوّة ؛ ولهذا أطلق اللهّ دلالتها ولم يقيدها بمطلوب معينّ لا في حال الإفراد ولا في حال الجمع ، قال تعالى : إنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً لِمَنْ (0) الجواب الصّحيح لابن تَيْمِيَّة 6/414 . (1) شرح الجوهرة للبيجوري ص144. ومرادهم بالمقارنة حكمًّ تأخّر الآية عن الدعوى بزمن يسير. المرجع نفسه . (3) مدارج السالك4/494 . (4) انظر في بيان النظائر كتاب الأدلّة العقليّة للعريفي كاملاً . (5) انظر : الرِّسالة التدم ريّة لابن تَيْمِيَّة ص 146 ـ154 .
عدد الصفحات ٢٩المبحث الثّاني ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 31 خَافَ عَذَابَ الآخِ رَةِ [ هود : 144 ] ، وقال : إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [ سبأ : 19 ] ، يقول ابن القيّم : (( تأمّل وجه كونَّا آية ، وعلى ماذا جعلت آية ؟ أعلى مطلوب واحد أم مطالب متعدّدة ؟ وكذلك سائر ما في القرآن من هذا النم )) (1) . اطرادالمَثُلاَت الاطراد بمعنى التتابع ؛ يقال : اطرد الشيّء اطرادًا إذا تبع بعضه بعضًا ؛ وعلى هذا قولهم : اطّرد الكلام ؛ أي تتابع ، وجرى مجرى متّسقًا ، واطّرد الماء ؛ أي تتابع سيلانه ، وجريان مائه ، واطّرد القياس ؛ أي تبع الحكم الوصف وجودًا وعدمًا (4) . فاطّرادالمَثُلاَت إذن يعني : تتابع العقوبات وهذا المعنى متحقّق فعلاً في حقّ المعذّبين ، وفي حقّ من بعدهم من المجرمين . أمَّا تتابع العقاب واستمراره في حقّ المعذّبين فإِنَّ ما حلَّ بهم من المَثُلة متّصل بعذاب البرزخ ؛ فهم في عقاب دائم متتابع إلى يوم القيامة ، قال تعالى ـ في قوم لوط ـ : وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِر [ القمر : 41 ] ؛ أي دائم متّصل بعذاب البرزخ ، فلا يزول عنهم حتَّى ينتهي بهم إلى النّار (4) . وهذا الاطراد يحتمل أن يكون في جنس العذاب كمّ في قوله تعالى : وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا (0) بدائع الفوائد4/164 . (1) انظر : معجم مقاييس اللّغة لابن فارس 4/455 ، لسان العرب لابن منظور 4/462 ،461 ، المعجم الوسي ص554 . (3) انظر : المحرّر الوجيز لابن عطيّة 5/419 ، حاشية الشهاب على البيضاوي9/42 ، تفسير الجلالين بحاشيته للصاوي 4/194 .
عدد الصفحات ٣٠دلالات مَعْنَى المَثُلاَت ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 30 ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [ غافر : 45 ،46 ] . ويحتمل أن يكون في نوع العذاب كمّ في قوله : بَيْنَمَا رَجُلٌ يََُرُّ إِزَارَهُ مِ نَ الُْْيَاءِ خُسِفَ بِهِ ، فَهُوَ يَلجل فِِ الأَرْضِ إِلََ يَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) . وأَمَّا اطّراد المَثُلاَت في حق سائر المجرمين فقد دلّت عليه النّصوص بطرق متعدّدة ، منها : ـ 0 ـ النَّصّ على أَنَّ حكمة وقوع المَثُلاَت والإخبار عنها إِنَّمّ هو زجر ال عباد عن مثل أفعال المعذَّبين ؛ لأَنَّ سنّة اللهّ مطّردة في المكذِّبين ؛ فمن فعل فعلهم لقي مثل جزائهم ، قال تعالى : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَ ا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [ البقرة : 65 ،66 ] ، أي جعلنا ما حلَّ بهم عقابًا وزجرًا يمنع غيرهم عن مثل فعلهم ، لئلا يصيبهم ما أصاب أصحاب السبت (4) . 1 ـ أَنَّ اللهّ أوعد المخاطبين بمثل عقوبة أسلافهم من المجرمين ، قال تعالى : أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً [ الإسراء : 61 ] ؛ والوعيد لا يكون إِلاَّ بمّ يمكن وقوعه ؛ ولهذا تظاهرت الأخبار بوقوع شيء من المَثُلاَت في بعض من عصى وتمرّد من أمّة (0) صحيح البخاريّ بشرحه فتح الباري : كتاب أحاديث الأنبياء ، باب مَا ذكر عن بني إسرائيل 6/515 . (1) انظر : تفسير القرطبي 1/444 ، تفسير ابن كث 1/142 ، روح المعا للآلوسي 1/414 ،414 .
عدد الصفحات ٣١المبحث الثّاني ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 31 محمَّد (1) . 3 ـ أَنَّ اللهّ أمر بالنّظر فيمّ حلَّ بالقرون الأولى من المَثُلاَت ، قال تعالى : قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَـيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ [ النمل: 69 ]، وحكمة الأمر بالنّظر الاعتبار بمّ حلَّ بالمكذِّبين ، وحقيقة الاعتبار العبور من حكم الشيّء إلى حكم مثله بطريق الأولويّة أو المساواة (4) . فمن الاعتبار بطريق الأولى قوله تعالى : أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَـيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِي الأَرْضِ [ المؤمن : 14 ] ، وقال : وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا [ مريم : 24 ] ، وقال : فَأَهْلَكْنَا أَشَد مِنْهُمْ بَطْشًا [ الزخرف : 1 ] ؛ فدلّ إهلاك الأكثر عددًا وقوّة ومالاً ومنظرًا وبطشًا على إهلاك من هو دونَّم من المخاطبين من باب أولى . وأيضًا فإِنَّ إهلاك المكذِّبين الأوّلين دليل على إهلاك من كذّب محمَّدًا من باب أو ؛ لأنَّهُ أفضل الرّسل ، وأعظمهم رتبةً ، وأكثرهم أدلّة ، فمن كذّبه كان أحقّ بالعقاب ممَّن كذّب غيره من الأنبياء والرّسل (4) . وأَمَّا الاعتبار بطريق المساواة فإِنَّه يكون في أصل العذاب ، ويكون في نوعه ؛ فمن الاعتبار في أصل العذاب قوله تعالى : أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَـيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا [ محمَّد : 14 ] ، وقوله : أَلَمْ نُهْلِكِ الأَوَّلِينَ * ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ * كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (0) انظر : إغاثة اللهفان لابن القيّم 1/494 . (1) انظر : مجموع الفتاوى لابن تَيْمِيَّة 14/51 ، مدارج السالكين لابن القيّم1/442 . (3) انظر : تفسير ابن كثير 4/446 ،4/44 ،91 ،4/21 .
عدد الصفحات ٣٢دلالات مَعْنَى المَثُلاَت ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 33 [ المرسلات : 16 ـ11 ] . ومن الاعتبار في نوع العذاب قوله تعا : فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ [ هود : 14 ،14 ] ؛ فمن شابه قوم لوط منكرهم فإِنَّه عرضة لمثل عقابهم ؛ ولهذا أبقى اللهّ مدائنهم عبرة للعالمين ، قال تعالى : وَتَرَكْنَا فِيهَا ءَايَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الأَلِيمَ [ الذاريات : 42 ] ؛ يقول ابن تَيْمِيَّة : (( ما من أحد يبتلى بجنس عملهم إِلاَّ ناله شيء من العذاب الأليم ، حتَّى تعمّد النّظر يورث القلب علاقةً يتعذّب بها الإنسان ، وإن قويت حتَّى صارت غرامًا وعشقًا زاد العذاب الأليم ، سواء قدّر أَنَّهُ قادر على المحبوب أو عاجز عنه ؛ فإِنَّ هذا الجنس يحصل فيه من العذاب ما لا يحصل في غيره من أنواع العشق )) (1) . ولما أبقى اللهّ من آثار مدائن قوم لوطٍ وغيرهم تأثير خاص في تحقيق الاعتبار ؛ ولهذا أنكر اللهّ على من لم يعتبر بمشاهدتها ، وحرّم النَّبيُّ دخولها لغير المعتبرين ؛ قال تعالى : وَإنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْ لِ أَفَلا تَعْقِلُونَ [ الصافات : 142 ،141 ] ، وروى البخاريّ بسنده عَنْ عَبْدِاللهَِّ بْنِ عُمَرَ ـ رَضيِ اللهَُّ عَنْهُمَّ ـ أَنَّ رَسُولَ اللهَِّ قَالَ : لا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلاءِ الُْْعَذَّبِينَ إِلاَّ أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ ، فَإِنْ لََْ تَ كُونُوا بَاكِينَ فَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ لا يُصِيبُكُمْ مَا أَصَابَهُمْ (4) . وإذا كانت المَثُلاَت مطّردة في حقّ المجرمين إلى أن تقوم السَّاعة فإِنَّه قد يستشكل على اطّرادها بأمرين : ـ (0) مجموع الفتاوى14/156 ،152 [ بتصرّف يس ] . (1) صحيح البخاريّ بشرحه فتح الباري : كتاب الصَّلاة ، باب الصَّلاة في مواضع الخسف والعذاب 1/544 .
عدد الصفحات ٣٣المبحث الثّاني ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 34 أحدهما : انقطاع المَثُلاَت بنزول التوراة ؛ فالمعروف أَنَّ إهلاك الأمم بعامّة ابتدأ بقوم نوحٍ كمّ قال تعالى : وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ [ الإسراء : 12 ] ، ثُمَّ انقطع بنزول التوراة ، كمّ قال تعالى : وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى [ القصص : 44 ] ، يقول ابن كث : (( يعني أَنَّهُ بعد إنزال التوراة لم يعذّب أمّة بعامّة ، بل أمر المؤمنين أن يقاتلوا أعداء اللهّ من المشركين )) (1) ؛ ولهذا قال أبو سعيد الخدري :(( ما أهلك اللهّ قومًا بعذاب من السمّء ولا من الأرض بعدما أنزلت التوراة على وجه الأرض غير القرية الَّتي مسخوا قردة ، ألم تر أَنَّ اللهّ يقول : وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ... الآية )) (4) . وممّا يدلّ على انقطاع المَثُلاَت قوله تعا : وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ * فَعَصَوْ ا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً [ الحاقّة : 9 ، 14 ] ؛ فخصّ من كان قبل نزول التوراة من الأمم بالأخذات الزائدة ، وهي ما أوقعه اللهّ بهم من المَثُلاَت ، يقول ابن تَيْمِيَّة : (( بعد موسى لم يهلك المكذِّبين بعذاب الاستئصال ، وبعد نوح لم يهلك جميع النّوع )) (4) . والثَّاني : عصمة المسلمين خاصّة من المَثُلاَت ؛ فقد تظاهرت النّصوص (0) تفسير ابن كث4/494 ، وانظر : البداية والنهاية لابن كثير 1/442 . (1) رواه الطبري وابن أبي حاتم والبزّار ، ورفعه البزّار في رواية له ، والأرجح أَنَّهُ موقوف على أبي سعيد . انظر : تفسير الطبري 44/14 ، البداية والنهاية 1/442 ، تفسير ابن كثير 4/494 . (3) النبوّات 1/449 . وانظر : تفسير ابن كثير 4/494 .
عدد الصفحات ٣٤دلالات مَعْنَى المَثُلاَت ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 35 في الدلالة على حفظ المسلمين من المَثُلاَت ، ومن ذلك (1) ما رواه أحمد بسنده عَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ مرفوعًا : سَأَلْتُ رَبِّر ـ تَبَارَكَ وَتَعَالََ ـ ثَ اثَ خِصَال فَأَعْطَانِر اثْنَتَينِْ وَمَنَعَنِِ وَاحِدَةً ؛ سَأَلْتُ رَبِّر ـ تَبَارَكَ وَتَعَالََ ـ ألاَّ يُهْلِكَنَا بَِِا أَهْلَكَ بِهِ الأُمَمَ قَبْلَنَا فَأَعْطَانِيهَا ... الحديث (4) ، يقول ابن حجر : (( دخل في قوله : بمّ عذّب به الأمم قبلهم الغرق ؛ كقوم نوح وفرعون ، والهلاك بالرِّيح ، كعاد ، والخسف ؛ كقوم لوط وقارون ، والصيحة كثمود وأصحاب مدين ، والرّجم كأصحاب الفيل ، وغير ذلك ممّا عذّبت به الأمم عمومًا )) (4) . ويمكن الجواب عن هذين الإشكالين بأنَّ ما انقطع من المَثُلاَت إِنَّمّ هو المَثُلاَت الَّتي تعمّ الأمّة بأسرها ، وأَمَّا الَّتي تحصل لطائفةٍ منها فهي باقية إلى يوم القيامة ؛ ولهذا أهلك اللهّ بعد نزول التوراة كثيرًا من المكذِّبين ؛ كأصحاب السّبت ، وأصحاب القرية ، وأصحاب الفيل . وقد استفاض في الأخبار وقوع شيء من المَثُلاَت في أمّة محمَّد ، روى الإمام أحمد بسنده عَنْ صُحَارٍ الْعَبْدِيِّ مرفوعًا : لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتََّّ يَُْسَفَ بِقَبَائِلَ ؛ فَيُقَالُ : مَنْ بَقِرَ مِنْ بَنِِ فُان ؟ (4) ، وروى ابن ماجه بسنده عَنْ أَبيِ مَالِكٍ الأَشْعَرِي مرفوعًا : لَيَشْرَبَنَّ (0) انظر لمزيد من النّصوص : صحيح البخاريّ : كتاب التّفسير ، باب قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلىَ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ 4/1694 ، صحيح مسلم : كتاب الفتن ، باب هلاك هذه الأمّة بعضهم ببعض 4/4416 ، مجمع الزوائد للهيثمي2/444 ـ442 . (1) المسند5/149 . والحديث صحّحه الترمذي وأقرّه ابن كثير والألبا . انظر : تفسير ابن كثير 4/141 ، صفة صلاة النَّبي للألباني ص69 . (3) فتح الباري1/494 . (4) اسند 4/414 . وقد ذكر ابن حجر أَنَّ إسناده صحيح . انظر : فتح الباري 1/494 .
عدد الصفحات ٣٥المبحث الثّاني ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 31 نَاسٌ مِنْ أُمَّتِِ الَْْمْرَ ، يُسَمُّونَهَا بِغَيِْْ اسِْْهَا ، يُعْزَفُ عَلَى رُءُوسِهِمْ بِالَْْعَازِفِ وَالُْْغَنِّيَاتِ ، يََْسِفُ اللََُّّ بِهِمُ الأَرْضَ ، وَيََْعَلُ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالَْْنَازِيرَ (1) ، يقول ابن القيّم : (( تظاهرت الأخبار بوقوع المسخ في هذه الأمّة ، وهو مقيّد في أكثر الأحاديث بأصحاب الغناء ، وشاربي الخمور )) (4) . وممّا يدلّ على صحّة الجواب تقييد المَثُلاَت في الأحاديث بمّ يدلّ ع الخصوص ؛ كقبائل ، وأناس ، وطائفة ، وأقوام ، وكذلك ما ورد من حفظ الأمّة من موجب المَثُلاَت العامّة ؛ وهو الإطباق على الكفر ، أو الكفر صفقةً واحدة (4) ؛ فلا يزال منهم طائفة على الحق حتَّى يأتي أمر اللهّ وهم كذلك ، ولا يزال منهم التائبون والمستغفرون ، وهو أمان باقٍ في أمّة محمَّد إلى يوم القيامة (4) ، قال تعا : وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُ مْ يَسْتَغْفِرُونَ [ الأنفال : 44 ] ، وقال : وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا [ هود : 4 ] ، (0) سنن ابن ماجه : كتاب الفتن ، باب العقوبات ، ح ( 4444 ) . قال ابن القيّم : هذا إسناد صحيح . انظر : إغاثة اللهفان 1/414 ، صحيح الجامع الصَّغ للألباني 4/959 . (1) إغاثة اللهفان1/494 . (3) انظر : إغاثة اللهفان 1/414 ـ491 ، صحيح الجامع الصَّغير للألبا 4/964 . والدّليل على حفظ الأمّة من الإطباق على الكفر ما رواه مسلم بسنده عن ثوبان مرفوعًا : لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِِ ظَاهِرِينَ عَلَى الَْْقِّ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلََُمْ حَتََّّ يَأْتِرَ أَمْرُ اللََِّّ وَهُمْ كَذَلِكَ صحيح مسلم : كتاب الإمارة ، باب قوله : لا تزال طائفة من أمّتي ظاهرين على الحقّ 6/4662 ، وروى الطّبراني بإسناد رجاله ثقات عن أبي هريرة مرفوعًا : سألتُ ربّر لأمّتِ أربع خال فمنعنِ واحدة ، سألته ألاّ تكفر أمّتِ صفقة واحدة فأعطانيها ... الحديث ، مجمع الزوائد 2/445 . (4) انظر : تفسير الطبري 9/446 .
عدد الصفحات ٣٦