دراسات في دلالات المَثُلاَت قال تعالى : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ إعداد د / عيسى بن عبد الله السّعدي عضو هيئة التَّدريس بجامعة الطائف قسم الشّريعة والدِّراسات الإسلاميّة
عدد الصفحات ١
عدد الصفحات ٣بين يدي هَذَا الكتاب الحمد لله وحده ، والصّلاة والسّلام على من لا نبيّ بعده وبعد : ـ المَثُلاَتُ ـ بفتح الميم وضمّ الثّاء ـ كلمة قرآنيَّة ؛ لها دلالاتها وأبعادها الخاصَّة ؛ وهي عبارة عمّّ أصاب القرون الماضية من أصناف العق وبات المنكلات ، الشاذّة عن المعهود ، والمتفرّدة عن النّظائر ؛ كالرّجف ، والرَّجم ، والخسف ، والمسخ ، والائتفاك . وقد فُصّلت هذه العقوبات في كثير من آي القرآن ؛ لتمكين عبرها ودلالاتها في النُّفوس ، فالمثلات آيات بيِّنات على وجود الله وتوحيده ، وصدق رسله ، وحقيقة دينه ، وتحقّق وعده ووعيده في الدُّنيا والآخرة . وهذه الدِّلالات النيرّات جديرة باهتمّم كلّ مسلم ، وبخاصّة في عصر تجرأ كثير من أهله على كثير من أسباب المثُلات . وقد حاولت في هذا الكتاب تقريبها للقارئ الكريم ، بأسلوب علميّ ميسّ ، من خلال الحلقات التَّ الية : ـ الأولـى : أبعـــاد دليـل المَثُ ــــلاَت . الثَّانية : دلالة المَثُ ــلاَت على الإيمّن . الثَّالثة : دلالة المَثُلاَت على التَّوحيد . الرَّابعة : دلالـــة المَثُلاَت على القدر . والله الموفّق والهادي إلى سواء السَّبيل .
عدد الصفحات ٥الدِّراسة الأولى
عدد الصفحات ٧المقدّمـة الحمد لله وحده ، والصلاة والسّلام على من لا نبيّ بعده ، وبعد : فإِنَّ دليل المَثُلاَت من أعظم براهين الإيمّن ، فقد ورد معناه في كثير من النّصوص الشرعيّة ؛ لقوّة دلالته ، وظهورها ، وسعتها ، و شمولها لأصول المطالب الدينية ، ولكن كثيرًا من علمّء العقيدة اكتفوا بالإشارة إليه ، أو ذكره ذكرًا مختصرًا لا يجاوز في الأعمّ الأغلب سرد بعض النّصوص ؛ لذا رأيت أَنَّ أخصّه بدراسة تبرز أبعاده ، وتشرح دلالاته ، وتوضّح أسبابه وآثاره ؛ لما لذلك من الأهميّة البالغة في الثّبات على الإيمّن والتقوى ؛ وبخاصّة في عصر استطال فيه أئمة الكفر ماديًّا ومعنويًّا ، واستعلنت بعض مجتمعاته حتَّى بأعظم أسباب المَثُلاَت ؛ وتجاوز الخطب إلى اعتباره حقًّا مشروعًا ، يكفله الدّستور ، وتثبت به الحقوق ، ويمثّل أصحابه في البرلمان ، ويخطب ودّهم حتَّى الزعمّء في حملات الانتخاب ، وحفلات التّنصيب ! خطّة البحث : جاءت دراسة هذا الموضوع بعد المقدّمة في ثلاثة مباحث ، وخاتمة : ـ المبــحث الأَوَّل : في معنى المَثُلاَت . المبحث الثَّاني : في دلالات مَعْنَى المَثُلاَت . المبحث الثّالث : في أنواع المَثُلاَت . الخاتمــــــــة : في ذكر نتائج البحث .
عدد الصفحات ٩المقدّمـة ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 01 وقد عالجت قضايا البحث ومسائله وفق قواعد البحث العلميّ قدر الإمكان ؛ فبدأت باستقراء النّصوص للخروج برؤية متكاملة للموضوع ، ثُمَّ جمعت مادّة البحث من المصادر المعتمدة ، وحرصت على أن تكون صياغته بأسلوب علميّ محدد وموثّق وفق الأعراف المتّبعة في هذا الفنّ . واللهّ الموفّق والهادي إلى سواء السَّبيل .
عدد الصفحات ١٠المبحث الأوّل مَعْنَى المَثُلاَت مَعْنَى المَثُلاَت لغة المَثُ لاَت بفتح الميم وضمّ الثّاء جمع مؤنّث سالم مفرده ( مَثُلة ) . والمَثُلة والمُثْلة اسم للعقوبة المنكِّلة لا لمطلق العقوبة ؛ يقال : حلّت به المَثُلة إذا نزلت به عقوبة شديدة تنكل غيره ؛ أي تمنعه عن ارتكاب مثل ذنبه ، قال تعالى : فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَ ا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا [ البقرة : 66 ] ؛ أي عقوبة تمنع عن مثل ما فعل أصحاب السبت من استحلال محارم اللهّ بأدني الحيل . والغالب أَنَّ المَثُلة تكون باستئصال بعض الأعضاء ؛ كجدع الأنف ، أو قطع الأذن ، أو شيئًا من الأطراف ، ومنه التّمثيل بالقتلى ، والتّمثيل بالحيوانات ، يقول ابن الأثير : (( يقال : مَثَلْت بالحيوان أمثل به مَثْلاً إذا قطعت أطرافه ، وشوّهت به ، ومَثَلْت بالقتيل إذا جدعت أنفه ، أو أذنه ، أو مذاكيره ، أو شيئًا من أطرافه ، والاسم المَثُلة )) (1) . وقد اختلف علمّء اللّغة في أصل المَثُلة ومأخذها على قول : (0) النهاية لابن الأث4/494 . وانظر : تهذيب اللّغة للأزهري 4/4444 ، الصحاح للجوهري 5/1116 ،1145 ، معجم مقاييس اللّغة لابن فارس5/496 ،492 ، المفردات للراغب ص464 ، أساس البلاغة للزَّمخشريّ ص 444 ، لسان العرب لابن منظور 11/614 ،615 ،622 ، القاموس ا حي للفيروزآبادي 4/54 ، المعجم الوسي ص154 ،154 ، معجم ألفاظ القرآن الكريم ص614 .
عدد الصفحات ١١المبحث الأوّل ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 01 أحدهما : أنََّّا مأخوذة من المثل المضروب ؛ لأَنَّ العقوبة إذا خرجت عن المعهود في الشدّة ضرب بها وبمن حلّت به المث ل . وهذا قول الأزهريّ (1) . والثّاني : أنََّّا مأخوذة من المِثْل ؛ لأنََّّا تزجر عن مثل ما وقعت لأجله ، أو لأنََّّا إذا نزلت بإنسان جعلته مثالاً يرتدع به غيره . وهذا قول ابن فارس والرّاغب (4). والظَّاهر أَنَّ المَثُلة مأخوذة من مجموع ما ذكروا ؛ فإِنَّ العقوبة إذا خرجت عن المعهود أصبحت مثلاً في الشدّة ، وأصبح مآل أهلها عبرة للآخرين ؛ فمن فعل مثل فعلهم لقي مثل جزائهم ؛ إذ العبرة قياس تمثيلي لمضرب المثل بمورده (4) . مَعْنَى المَثُلاَت اصطلاحًا اختلف علمّء الشرّيعة في تفسير المَثُلاَت على ثلاثة أقوال : ـ أحدها : أنَّها بمعنى الأمثال المضروبة ، يقول أبو عبيدة معمر بن المثنّى : (( واحدتها مثلة ، ومجازها مجاز الأمثال )) (4) ؛ أي معناها معنى الأمثال المضروبة ، يقول ابن الجوزي : (( المَثُلاَت الأمثال الَّتي ضربها اللهّ لهم(( قاله مجاهد وأبو عبيدة )) (5) . (0) انظر : تهذيب اللّغة 4/4444 . (1) انظر : معجم مقاييس اللّغة 5/492 ، المفردات ص464 . (3) المراد بالمورد الحالة الأصليّة الَّتي ورد فيها الكلام ، وبالمضرب الحالة المشبَّهة بها . انظر : كشّاف اصطلاحات الفنون للتهانوي 4/149 . (4) مجاز القرآن1/444 . (5) زاد المس 4/446 ، وانظر : تفسير الطبري 14/145 ، الدرّ المنثور 4/44 ، البرهان للزركشي 1/449 .
عدد الصفحات ١٢مَعْنَى المَثُلاَت ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 03 وقد استضعف أبو جعفر النحّاس هذا القول ؛ لأَنَّ المعروف في اللّغة أَنَّ العقوبة الشّديدة يطلق عليها مَثُلة ومُثْلة لا مثلاً (1) ، ولكن ما قاله ليس مسلّمًّ على إطلاقه ؛ فإِنَّ هذا القول له ثلاثة محامل صحيحة : ـ 1 ـ أن يفسَّ المثل بمعنى القصّة العجيبة ؛ فإِنَّ المثل السائ ر يستعار للقصّة إذا كان لها شأن وفيها غرابة (4) ؛ فيكون المراد قصص ما حلّ بالمكذِّبين من النكال العجيب ، والهلاك المنقطع النّظير . 4 ـ أن يكون المراد بالمثل العقوبة البالغة ؛ فإِنَّ العقوبة إذا خرجت عن المعهود ضرب بها وبمن حلّت به المثل ؛ فيكون تفسيرًا للمثلة باعتبار المآل لا باعتبار الحقيقة . 4 ـ أن يكون المراد بالأمثال أمثال المعاني لا الأمثال السائرة (4) ؛ وأمثال المعاني عبارة عن أقيسة تدلّ على أَنَّ من فعل مثل من حلّت به المَثُلاَت لقي مثل جزائهم ، فيعود إلى تفسير المَثُلة بالنّكال ؛ وهي العقوبة الَّتي تمنع النَّ اس عن أفعال المعذّبين ؛ لئلا يحلّ بهم من المَثُلة ما حلّ بالأوّلين (4) . وهذا المعنى هو عين ما دلّت عليه أمثال المعا . (0) انظر : معاني القرآن 4/424 . (1) انظر : البرهان للزركشي 1/411 ،419 . (3) أمثال المعاني عبارة عن القياس بعينه سواءً أكانت معيّنة أم كليّة . انظر : مجموع الفتاوى لابن تَيْمِيَّة 14/54 ـ61 ،16/41 . (4) انظر : النهاية لابن الأثير 5/112 .
عدد الصفحات ١٣المبحث الأوّل ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 04 الثَّاني : أنَّها بمعنى الأشباه والأمثال ؛ يقول الإمام البخاريّ : (( المَثُلاَت واحدها مثلة ؛ وهي الأشباه والأمثال ، وقال : إلا مِ ثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا [ يونس : 144 ] (1) ، واستدلاله يفصح عن مراده ؛ فإِنَّ ما أصاب القرون الماضية من العذاب متشابه في العلّة والأخذة الفذة بالعقوبة ؛ فهي دائرة مع الكفر وشعبه وجودًا وعدمًا ؛ ولهذا كانت مطردة ؛ فكلّ من فعل مثلهم لقي مثل جزائهم ، قال تعالى : أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَـيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا [ محمَّد : 14 ] . وقد ذكر الزَّمخشريّ ومن وافقه وجهًا يختلف عمّّ ذكر آنفًا من وجه التشابه في المَثُلاَت ؛ فذكروا أَنَّ ما حلّ بالقرون الأولى من العقوبة يشابه ما كانوا عليه من الخطيئة ؛ ولهذا أطلق عليها مثلة كمّ أطلق على القصاص مثالاً ؛ لممّثلة الجزاء للذنب (4) . وهو وجه حسن يشهد له قوله تعا : وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [ الشورى : 44 ] ، واستقراء آحاد المَثُلاَت يدلّ على أَنَّ جزاء كلّ أمّة كان من جنس عملها ، ولكن هذا المعنى لا يختصّ بالمَثُلاَت ؛ فمّ من عقوبةٍ ينزلها اللهّ بالعباد إِلاَّ وهي مناسبة لأعمّلهم ، فيلزم على هذا أن تطلق المَثُلة على كلّ عقوبةٍ لا على العقوبات ا لمنكلة خاصة ، أو ألا تكون المناسبة المذكورة مناط التسمية بالمَثُلاَت ، والأوَّل باطل لمخالفته مَعْنَى المَثُلاَت المعروف لغةً وشرعًا ، فيتعينّ الثَّاني ، فلا تكون مناسبة العقاب للذّنب مناط تسمية المَثُلة وإن كان معتبرة فيها كمّ تعتبر في كلّ عقوبة . (0) انظر : صحيح البخاريّ : كتاب التّفسير ، سورة الرعد ( فتح الباري 1/424 ) . (1) انظر : الكشَّاف للزَّمخشريّ 4/454 ، تفسير الرّازيّ 19/11 ، تفسير النسفي 4/444 ، تفسير أبي السعود4/149 .
عدد الصفحات ١٤مَعْنَى المَثُلاَت ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 05 والثَّا لث : أَنَّ المَثُلاَت هي العقوبات المنكِّلات المتفرّدة عن النظائر ، يقول الطبري في تفسيرها : (( ما حلَّ بمن خلا قبلهم من الأمم الَّتي عصت ربهّا ، وكذّبت رسلها من عقوبات اللهّ ، وعظيم بلائه ، فمن بين أمّةٍ مسخت قردة ، وأخرى خنازير ، ومن بين أمّة أهلكت بالرّ جفة ، وأخرى بالخسف ، وذلك هو المَثُلاَت الَّتي قال اللهّ ـ جلّ ثناؤه ـ : وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ [ الرعد : 6 ] ؛ والمَثُلاَت العقوبات المنكلات )) (1) ؛ فتضمّن كلامه ـ رحمه اللهّ ـ تحديد حقيقة المَثُلاَت بأمرين مهمّين : ـ 1 ـ تنكيل العباد ؛ أي منعهم ، وزجرهم بعظم العقوبة عن مقارفة أمثال أفعال المعذَّبين ؛ لئلا يصيبهم مثل ما أصابهم . وقد اقتصر بعض العلمّء على هذا الجانب ؛ يقول ابن عطيّة : (( المَثُلاَت هي العقوبات المنكلات الَّتي تجعل الإنسان مثلاً يتمثل به )) (4) ، ويقول الخازن : (( المَثُلة بفتح الميم وضمّ الثاء المثلثة نقمة تنزل بالإنسان فيجعل مثلاً ليرتدع غيره به ؛ وذلك كالنكال ، وجمعه مثلات )) (4) . 4 ـ الخروج عن المعهود في جنس العقوبات ؛ وهذا ما يدلّ عليه ما ذكره الطبري من أمثلةٍ للمثلات ؛ فإِنَّ المسخ والرّجف والخسف خارجة عن مقدور الجن والإنس في العقوبات ؛ ولا يقدر عليها إِلاَّ اللهّ وحده ، وقد (0) تفسير الطبري14/145 . (1) المحرّر الوجيز 4/496 . (3) تفسير الخازن 4/5 ، وانظر : التَّسهيل لابن جزي 1/444 ، حاشية الشهاب للخفاجي 5/415 ، روح المعاني للآلوسي 14/146 ، حاشية الصاوي على الجلال 4/449 ، محاسن التَّأويل للقاسمي9/444 .
عدد الصفحات ١٥المبحث الأوّل ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 01 نبّه ابن عطيّة على هذا المعنى في قوله : المَثُلاَت ... جمع مثلة ؛ أي الأخذة الفذة بالعقوبة )) (1) ؛ والعقوبة الفذة هي الشاذة عن المعهود ، أو المتفرّدة عن النّظائر (4) . وهذا الجانب يستلزم الأَ وَّل لا العكس ؛ ولهذا اقتصر عليه أكثر علمّء السّلف وإن اختلفت عباراتهم في التعبير عنه ، يقول ابن عبَّاس ـ رضي اللهّ عنهمّ ـ : (( المَثُلاَت ما أصاب القرون الماضية من العذاب )) (4) ، وقال قتادة : (( وقائع اللهّ في الأمم فيمن خلا قبلكم )) (4) ، وقال الشعبي : (( القردة والخنازير هي المَثُلاَت )) (5) . فاكتفى هؤلاء الأعلام في تحديد المَثُلاَت بذكرها أو ذكر بعض أنواعها ، وذلك كافٍ في تصوّر تلك العقوبات المنكلات الخارجة عمَّّ يقدر عليه الجنّ والإنس من أصناف العقوبات ؛ ولهذا فإِنَّ دراسة أنواع المَثُلاَت أعظم من ا لتّحديد النظري في التعرّف على مَعْنَى المَثُلاَت ، وتصوّر أبعاده . (0) المحرّر الوجيز 4/496 . (1) انظر : القاموس المحي 1/424 ، المعجم الوسي ص621 . (3) الدرّ المنثور للسيوطي 4/44 . وانظر : تفسير الطبري 14/145 ، زاد المسير لابن الجوزي 4/445 ، فتح الباري لابن حجر1/421 . (4) تفسير الطبري14/145 ، الدرّ المنثور 4/44 . (5) تفسير الطبري14/146 ، الدرّ المنثور 4/44 .
عدد الصفحات ١٦المبحث الثّاني دلالات مَعْنَى المَثُلاَت ما ذكره العلمّء في بيان مَعْنَى المَثُلاَت يرجع إلى تفسيرها بالأمثال المضروبة ، أو الأشباه والأمثال ، أو العقوبات المنكلات ، وكلّ منها ينبئ عن بعد للكلمة ، ويوضّح جانبًا من معناها ؛ فمن فسّ المَثُلة بالعقوبة المنكلة الفذة فإِنَّ تفسيره يدلّ على خروج العقوبة عن المعهود في الشدّة ، وعلى استئصال من حلّت به العقوبة ، ويدلّ أيضًا على اطّراد العقوبة ؛ فإن وصف العقوبة بالتن كيل يدلّ على منع المكلّفين عن مثل أفعال المعذّبين ؛ لأَنَّ مثلات اللهَّ دائرة مع أسبابها ؛ فحيث وجد السّبب وجدت العقوبة . أمَّا من فسّها بالمثل والشبيه فإِنَّ تفسيره يدلّ على اعتبار المشابهة في مَعْنَى المَثُلة ؛ وهو اعتبار صحيح ؛ فجميع مثلات اللهّ متشابه ة في الأخذة الفذة بالعقوبة ، وفي دورانَّا مع الكفر وجودًا وعدمًا ، وفي اختلاف صورها تبعًا لاختلاف شعب الكفر ؛ ولهذا كان جزاء كلّ أمّةٍ من جنس عملها ، مناسبًا له مناسبة المعلول لعلّته . وأَمَّا من فسّ المَثُلة بالمثل المضروب ، ففي تفسيره دلالة على شهرة مثلات الربّ ووضوحها ، وعلى أنََّّا براهين إيمّنيّة تلائم الفطر ، وتدلّ للحقّ الَّذي جاءت به الرّسل ؛ شأنَّا في ذلك شأن المثل المضروب في شدّة وضوحه ، واشتمّله على البراهين الملائمة لفطر الخلق أجمعين ؛ ولهذا يعتبر المثل حجّةً لغةً
عدد الصفحات ١٧المبحث الثّاني ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 01 (1) وشرعًا ، قال تعالى : وَكُ ضَرَبْنَا لَهُ الأَمْثَالَ [ الفرقان : 49 ] ؛ أي بيّنّا لهم الحجج ، وأوضحنا لهم الأدلّة (4) ، وقال : وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِبَنِي إسْرَائِيلَ [ الزخرف : 59 ] ؛ أي جعلنا صفة عيسى العجيبة حجّةً ع نبوّته (4) . وهذه المعاني الَّتي دلّت عليها مجامع أقوال العلمّء في تفسير المَثُلاَت يمكن النّظر إليها مجتمعةً باعتبارين : ـ أحدهما : باعتبار ذات المَثُلاَت وصفاتها ؛ وهي بهذا الاعتبار تنتظم ثلاث دلالات : ـ 1 ـ الدلالة على خروج المَثُلاَت عمّ يعهد من عقوبات الخلق . 4 ـ الدلالة على مشابهة المَثُلاَت لأسبابها . 4 ـ الدلالة على شهرة المَثُلاَت ووضوحها للمتوسمين ؛ وهم الناظرون المعتبرون (4) . والثّاني : باعتبار آثار المَثُلاَت وحجيّتها ؛ وهي بهذا الاعتبار تنتظم ثلاث دلالاتٍ أيضًا : ـ 1 ـ الدلالة على استئصال المعذّبين بعامةٍ ، وقطع دابرهم . 4 ـ الدلالة على صدق الرّسل ، وصحّة دي نهم . 4 ـ الدلالة على اطراد المَثُلاَت . (0) انظر : القاموس المحي للفيروزآبادي 4/49 . (1) انظر : الجواب الصّحيح لابن تَيْمِيَّة 6/414 ، تفسير ابن كث4/419 . (3) انظر : تهذيب اللّغة للأزهري 4/4441 ،4444 ، تفسير القرطبي16/144 . (4) انظر : تفسير ابن كثير 4/555 .
عدد الصفحات ١٨دلالات مَعْنَى المَثُلاَت ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 01 خروج العقوبة عن المعهود مثلات الربّ لا تدلّ على مطلق العقوبة ، وإنَّمّ تدلّ على العقوبة الفذة ؛ أي الشاذة عن المعهود ، والمتفردة عن النظائر ، وهذه خاصة براهين النبوّة ؛ فإِنََّّا خارجة عن مقدور الخلق ومعتادهم ؛ ولهذا كانت مثلات الربّ من آيات صدق رسله ، وصحّة دينهم (1) ، قال تعا : وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ * إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ [ الشعراء : 65 ـ62 ] ؛ وقد تكرّر التنصيص في السورة على دلالة المَثُلاَت عقب ذكر ما حلَّ بقوم نوح ، وعاد ، و ثمود ، ولوط ، وشعيب ؛ لأَنَّ كلّ واقعة تحمل في ذاتها خاصيّة براهين النبوّة من التفرّد عن النظائر ، والخروج عن معتاد الخلق في العقاب ، يقول ابن تَيْمِيَّة : (( تغريق اللهّ لجميع أهل الأرض إِلاَّ لنوح ومن ركب معه في السفينة .. لم يكن ق ّ في العالم نظيره ، وكذلك إهلاك قوم عاد إرم ذات العمّد الَّتي لم يخلق مثلها في البلاد ، مع كثرتهم وقوّتهم وعظم عمّراتهم الَّتي لم يخلق مثلها في البلاد ثُمَّ أهلكوا بريح صرصرٍ عاتية ، مسخّرةٍ سبع ليالٍ وثمّنية أيَّام حسومًا حتَّى صاروا كلّهم كأنََّّم أعجاز نخل خاوية ، ونجا هود ومن اتّبعه ، فهذا لم يوجد نظيره في العالم . وكذلك قوم صالح أصحاب مدائن ومساكن في السّهل والجبل والبساتين أهلكوا كلّهم بصيحة واحدة ، فهذا لم يوجد نظيره في العالم . وكذلك قوم لوط ، أصحاب مدائن متعدّدة ، رفعت إلى السمّء ، ثُمَّ قلبت بهم ، وأتبعوا بحجارة من السمّ ء ، تتبع شاذهم ، ونجا لوط وأهله إِلاَّ امرأته أصابها ما أصابهم ، فهذا لم يوجد نظيره في العالم . وكذلك قوم فرعون وموسى جمعان عظيمّن ، (0) انظر : كتاب النبوات لابن تَيْمِيَّة 1/144 ـ154 ،194 .
عدد الصفحات ١٩المبحث الثّاني ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 11 ينفرق لهم البحر ، كلّ فرق كالطود العظيم ، فيسلك هؤلاء ، ويخرجون سالمين ، فإذا سلك الآخرون انطبق عليهم الماء ، فهذا لم يوجد نظيره في العالم . فهذه آيات تعرف العقلاء عمومًا أنََّّا ليست من جنس ما يموت به بنو آدم ، وقد يحصل لبعض النَّاس طاعون ، ولبعضهم جدب ، ونحو ذلك ، وهذا ممّا اعتاده النَّاس ... ولكن هذه الآيات ليست من جنس ما اعتيد )) (1) . مشابهة المَثُلاَت لأسبابها كلمة المَثُ لاَت تنبئ عن مشابهة عقوبات اللهّ لأسبابها ، وهذا واقع المَثُلاَت بالفعل ؛ فقد كان عذاب كلّ أمّةٍ مماثلاً لجرائرها وجرائمها ؛ فأهلكت عاد الأولى بجنس ما اغترّوا به من قوّتهم ، وسلّطت عليهم ريح أعتى منهم ، وأشدّ قوّة (4) . وأهلكت المؤتفكات بمّ يمّثل ما ابتدعوه في العالمين من قلب الفطرة في قضاء الوطر ؛ فقلبت ديارهم ، وأهلكوا هلاكًا ما حلَّ بأمّة غيرهم كمّ ابتدعوا ما لم يفعله أحد قبلهم (4) . وأهلكت مدين بعذاب يوم الظلّة ؛ فأرسلت عليهم صاعقة راجفة ، تناسب إرجافهم واستهزاءهم ، وتحرق أجسادهم وأموالهم الَّتي اكتسبوها ببخس النَّاس أشياءهم (4) . وقد تنوّعت المَثُلاَت في بني إسرائيل بحسب ذنوبهم وجناياتهم ؛ فعذّب (0) كتاب النبوّات 1/549 ،514 . (1) انظر : مجموع الفتاوى لابن تَيْمِيَّة 16/454 ، تفسير ابن كث4/444 ،4/95 . (3) انظر : الجواب الكافي لابن القيَّم ص144 ،141 . (4) انظر : مجموع الفتاوى لابن تَيْمِيَّة 16/449 ،454 ، تفسير ابن كث4/446 .
عدد الصفحات ٢٠