المبحث الثَّانِي ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 121 أحدهما : الاستطاعة المقارنة للفعل ، والموجبة لحصوله ؛ وهي بمعنى التَّوفيق ، والإعانة على الفعل ، والإقدار عليه . وهي مناط الأمر القدري لا الشرّعيّ ؛ فلا تعدّ شرطًا في التَّك ليف . والثّاني : الاستطاعة المصحّحة للفعل . وهذه لا يجب أن تقارن الفعل ، بل قد تكون قبله ، وتبقى إلى حين حصوله . وهذه الاستطاعة بمعنى التمكّن من الفعل ، والقدرة على مباشرته أو تركه ؛ فهي صالحة للضدين . وهذه الاستطاعة هي مناط الأمر الشرّعيّ ، وشرط التَّكليف ، وهي حاصلة لكلّ مكلّف بمن فيهم من أخبرنا بعدم إيمّنَّم ؛ كقوم نوح وأبي لهب ، ولو جاز إخراجهم بحجّة تخلّف الاستطاعة المحقّقة للفعل في حقّهم لكان كلّ من لقي اللهَّ كافرًا قد كلّف في حياته بمّ لا يطيق ؛ لأنّ تخلّف الإيمّن في حقّه إنّمّ نشأ عن عدم التَّوفيق والإقدار على الهداية ؛ فلا يكون للهّ حجّة على أحد من خلقه . وهذا من أبطل الباطل ، وأقبح اللّوازم (1) . ظهور آثار الحكمة الحكمة من صفات الكمّل القائمة بذات الربّ ـ تبارك وتعالى ـ على الوجه اللائق بكمّله وجلاله ، قال تعالى : إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [ الأنعام : 14 ] ، وقال : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [ الجاثية : 41 ] (4) . (0) انظر : درء التّعارض لابن تَيْمِيَّة 1/59 ـ65 ، مجموع الفتاوى لابن تَيْمِيَّة 4/411 ـ 444 ،ح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي 449 ـ444 ،446 ـ441 . (1) انظر : شفاء العليل لابن القيّم ص 419 ـ444 .
عدد الصفحات ٢٧٦أصول الإيمان بالقدر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 122 والعقل يدلّ على صفة الحكمة من وجه : ـ أحدهما : أنّ الحكمة صفة كمّل مطلق ، وكلّ كمّل لا نقص فيه فاللهّ أحقّ به من كلّ موجود . والثَّاني : أنّ في المخلوقات من الإتقان والإحكام والتّناسق ما يدلّ ضرورة على وجود الخالق وعلمه وقدرته وحكمته البالغة (1) . والحكمة تعني وضع الأشياء في مواضعها ، وإيقاعها على أحسن الوجوه قولاً وعملاً ، وهذا لا يكون إلاّ عن قدرة وعلم بمبادئ الأمور وعواقبها ؛ فمن كان أعلم وأقدر كانت أفعاله أحكم وأكمل ؛ ولهذا انفرد الربّ بكونه أحكم الحاكمين ؛ لكمّل علمه وقدرته (4) . وتحقّق معنى الحكمة يستلزم ثبوت آثاره ، ووجود متعلّقاته في الواقع المشهود ، ومن أهمّ هذه الآثار والمتعلّقات وقائع اللهّ وأيّامه ومثلاته ؛ فهي كسائر مفعولاته المشتملة على الحِكَم الباهرة ، الَّتي انفرد اللهّ بعلمها على التّفصيل ، وأطلع من شاء منها على اليسير ، يقول ابن القيَّم : (( عقول العالمين ومعارفهم تقصر ع ن الإحاطة بتفاصيل حكمة الربّ سبحانه في أصغر مخلوقاته )) (4) . وممّا أطلع عليه العباد من حكم المثلات ما جاء نصوص المثلات ذاتها من دلالاتٍ وإشاراتٍ إلى حكم اللهَّ البالغة فيمّ أوقعه (0) انظر : درء التّعارض لابن تَيْمِيَّة 1/454 ،455 ، الرِّسالة التدمريّة له أيضًا ص 44 ،45 ،54 ، الحقّ الواضح المبين لابن سعدي ص 42 ـ44 . (1) انظر : شفاء العليل ص 465 ، تفسير ابن كث 1/114 ،4/542 ، تفسير ابن سعدي 5/641 . (3) شفاء العليل ص414 . وانظر : مجموع الفتاوى لابن تَيْمِيَّة 1/92 .
عدد الصفحات ٢٧٧المبحث الثَّانِي ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 121 بأعدائه من القوارع ؛ وهي كثيرة ، منها : ـ 0 ـ إتمام كلمة اللهَّ تعالى ، وإنفاذ مشيئته ، وتصديق وعده ووعيده ، قال تعالى : وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَ امَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ [ القصص : 5 ـ6 ] ، وقال : وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إسْ رَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا (1) وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ [ الأعراف : 142 ] ، فأتمّ سبحانه على بني إسرائيل كلمته الَّتي جرى بها القلم الأزل ، وتعلّقت بها إرادته ومشيئته ؛ ليظهر للعالمين كمّل علمه وقدر ته وحكمته وصدق وعده ووعيده ، يقول ابن القيّم : (( اقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن أقام في هذا العالم لكلّ حقّ جاحدًا ، ولكلّ صواب معاندًا ، كمّ أقام لكلّ نعمة حاسدًا ، ولكلّ شرّ رائدًا . وهذا من تمام حكمته الباهرة ، وقدرته القاهرة ؛ ليتمّ عليهم كلمته ، وينفذ ف يهم مشيئته ، ويظهر فيهم حكمته ، ويقضي بينهم بحكمه ، ويفاضل بينهم بعلمه ، ويظهر فيهم آثار صفاته العليا ، وأسمّئه الحسنى )) (4) . (0) احتج الحسن البصري بهذه الآية على عدم مشروعيّة الخروج على ولاة الجور ، فقال : (( ما أوتيت بنو إسرائيل ما أوتيت إلاّ بصبرهم ، وما فزعت هذه الأمّة إلى السّيف ق ّ فجاءت بخير )) ، وفي رواية : (( لو أنّ النّاس إذا ابتلوا من قبل سلطانَّم بشيء صبروا ودعوا اللهَّ تعالى لم يلبثوا أن يرفع اللهَّ تعالى ذلك عنهم ، ولكنّهم يفزعون إلى السيف فيوكلون إليه ، ثُمَّ تلا هذه الآية )) . انظر : المحرر الوجيز لابن عطيّة 4/442 ، روح المعاني للآلوسي 9/49 . (1) شفاء العليل ص 464 ،464 . وانظر : تفسير الطبري 9/41 ،44 ، تفس
عدد الصفحات ٢٧٨أصول الإيمان بالقدر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 121 1 ـ ابتلاء من يرث الأرض من بعد أصحاب المثلاث ، ليظهر علم اللهَّ فيهم ، فيجازيهم بأعمّلهم لا بعلمه (1) ، قال تعا : قَالَ عَسَ ى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَـيْفَ تَعْمَلُونَ [ الأعراف : 149 ] ، وقال : وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْ مِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ * ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَـيْفَ تَعْمَلُونَ [ يونس : 14 ،14 ] ؛ قال عمر بن الخطَّاب :(( صدق ربّنا ، ما جعلنا خلفاء إلاّ لينظر كيف أعمّلنا ، فأروا اللهَّ من أعمّلكم خيرًا باللّيل والنَّهار ، والسّ والعلانية )) (4) . والمراد بالنّظر في الآيتين ما يعمّ الرؤية والعلم (4) . وفي ترتيبه ع الاستخلاف فائدتان : ـ الأولى : تجدّد آحاد الصفات الاختياريّة تبعًا لوجود متعلّقاتها ؛ فالسمع ، والبصر ، والعلم وإن كان أصلها أزليًّا إلاّ أنََّّا تتجدّد عند وجود المسموعات ، والمرئيات ، والمعلومات (4) . وشواهد هذا الأصل مع ما ذكر كثيرة ؛ كقوله تعالى : وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِ ي كُنْتَ عَلَيْهَا إلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ القرطبي2/424 ، تفسير ابن عطيّة4/446 ، روح المعاني للآلو9/41 ،49 . (0) انظر : تفسير الطبري 9/41 ،11/94 ، تفسير القرطبي 2/464 ،1/411 ، تفسير ابن سعدي 4/29 . (1) تفسير الطبري11/94 . (3) انظر : تفسير الطبري 9/41 ، تفسير القرطبي2/464 . (4) انظر : درء التّعارض لابن تَيْمِيَّة 4/44 ،9/494 ـ491 ، ابن تَيْمِيَّة السّلفي للهرّاس ص 114 ،111 .
عدد الصفحات ٢٧٩المبحث الثَّانِي ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 111 مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ [ البقرة : 144 ] ، وقوله : وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ [ آل عمران : 144 ] . والثّانية : أنّ الابتلاء أصل حكم الاستخلاف الأصيل ، وما عداه ناشئ عنه ، وتابع له ، كالتّكريم ، والاستعمّر ، والإظهار ؛ فلا ينبغي إهمال ذكره في حدّ الاستخلاف ، والاكتفاء بذكر بعض توابعه ، كمّ فعل الرَّاغب رحمه اللهّ تعالى (1) . 3 ـ استصلاح العباد بالعبر البالغة ، والعظات الصادقة ، والسنن المطّردة في المكذّبين ، قال تعالى : فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [ البقرة : 66 ] ، وقال : أَلَمْ نُهْلِكِ الأَوَّلِينَ * ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ * كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ [ المرسلات : 16 ـ11 ] ، وقال : وَإنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ [ الصافات : 142 ـ141 ] . وهذا الاستصلاح من كمّل حكمة الربّ وعدله ورحمته الَّتي عمّت حتَّى أصحاب المثلات ؛ ولهذا أذاقه م من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلّهم يرجعون ، قال تعالى : وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءَالَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ [ الأعراف : 144 ] ، وقال : وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِ رَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ * حَتَّى إذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ [ المؤمنون : 25 ـ26 ] ؛ أي يائسون ، بائسون ، متحيرّون ؛ لا يدرون ما يصنعون من شدّة بأس اللهَّ وعذابه (4) . (0) انظر : المفردات ص 64 . (1) انظر : تفسير القرطبي 14/144 .
عدد الصفحات ٢٨٠أصول الإيمان بالقدر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 110 4 ـ تبليغ المؤمن مراتب من العبادة والاستعانة لم يكن ليبلغها لولا توقّع المثلات ووقوعها ؛ وهي من أعظم الحكم الَّتي يحتاجها المؤمن قبل المثلة وأثناءها وبعدها (1) ؛ ولهذا كثر ذكرها في نصوص المثلات بطرق متعدّدة ؛ جماعها أربع : ـ أ ـ أن يذكر التوكّل والعبادة معًا في نصّ خبريّ أو طلبي ؛ كقوله تعالى : وَإلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ... الآيات إلى قوله : عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإلَيْهِ أُنِيبُ [ هود : 14 ـ11 ] ، وقوله آخر أخبار المثلات في سورة هود : فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [ هود : 144 ] . ب ـ أن يذكر التوكّل مع بعض أفراد العبادة الكبرى ؛ كقوله تعالى : وَمَا لَنَا أَلا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا ءَاذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ [ إبراهيم : 14 ] ، وقوله : قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [ الأعراف : 141 ] ؛ فقرن التوكّل أو الاستعانة (4) بالصّبر لشدّة الحاجة إليه حال الضّعف والعجز ، وأهمّ أنواعه الصبر على الدِّين علمًّ وعملاً وحالاً ودعوة ؛ ولهذا أمر به في هذا الحال بخصوصه ، قال تعالى : قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [ يونس : 19 ] ؛ أي اثبتا على ما أنتم عليه من الدِّين القو يم ، ولا يستخفنّكم من لا يوقن بصدق وعد اللهَّ ووعيده ؛ فإنّه كائن لا محالة ، وإن تأخّر حينه وطال انتظاره (4) . وهذا نظير ما أمر به نبيّنا (0) انظر : تفسير ابن سعدي 4/451 . (1) انظر : تفسير ابن سعدي 4/454 ،451 . (3) قال ابن جريج : يقولون : إِنَّ فرعون مكث بعد هذه الدّعوة أربعين سنة . وقال محمَّد
عدد الصفحات ٢٨١المبحث الثَّانِي ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 111 محمَّد في قوله تعا : تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُ كَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [ هود : 49 ] ؛ أي اصبر على ما أنت عليه من الدِّين الحقّ حتَّى تكون لك العاقبة على قومك كمّ كانت لنوحٍ والنبيين من بعده ؛ ولهذا تكرّر ذكر قصصهم لما فيها من حثّ النبيِّ وأتباعه على الصَّبر ع لى دينهم حتَّى يكفيهم اللهَّ أذى أعدائهم ، وتكون لهم العاقبة الحسنى في الدّنيا والآخرة (1) . وممّا ذكر مع التوكّل من أفراد العبادة الدّعاء ؛ كمّ في قوله تعالى عن شعيب وأتباعه : عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْ حَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ [ الأعراف : 11 ،19 ] ، وقوله عن أتباع موسى : فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [ يونس : 15 ،16 ] ؛ يقول الآلو : (( في تقديم التوكّل على الدّعاء وإن كان بيانًا لامتثال أمر موسى لهم به تلويح بأنّ الداعي حقّه أن يبني دعاءه على التوكّل على اللهّ ؛ فإنّه أرجى للإجابة )) (4) . جـ ـ أن يذكر التوكّل وحده ؛ مجرّدًا عن ذكر العبادة أو شيء من أفرادها . وهذا غالبًا ما يكون في مقام التحدي ، ومدافعة شبهات العدوّ وإراداته الباطلة ، أو في مقام خوف الأتباع ، ورهبتهم من جبروت عدوّهم وبطشه ؛ كقوله تعالى : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي بن كعب وعليّ بن الحس : أربعين يومًا . انظر : تفسير ابن كثير 4/449 . (0) انظر : تفسير القرطبي 9/44 ، روح المعاني للآلو11/124 ، تفسير ابن سعدي 4/29 ،499 ،449 . (1) روح المعا11/124 .
عدد الصفحات ٢٨٢أصول الإيمان بالقدر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 113 وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ [ يونس : 21 ] ، وقوله ـ حكاية عن هود ـ : إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ * إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إلا هُوَ ءَاخِذٌ بِنَ اصِيَتِهَا إنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [ هود : 54 ـ56 ] ، وقوله : وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إنْ كُنْتُمْ ءَامَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ [ يونس : 14 ] . د ـ أن تذكر بعض أفراد العبادة مجرّدة عن ذكر التوكّ ل ؛ كالدعاء والصلاة والحمد ، قال تعالى عن نوح : قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ [ المؤمنون : 46 ] ، وقال : وَأَوْحَيْنَا إلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّ لاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [ يونس : 12 ] ، وقال : فَإذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [ المؤمنون : 41 ] ؛ يقول ابن القيم : (( الشّكر الواقع على التفضيل وال تخصيص أعلى وأفضل من غيره ... ؛ ولهذا كان شكر الأنبياء وأتباعهم بعد أن عاينوا هلاك أعدائهم ، وانتقام الربّ منهم ، وما أنزل بهم من بأسه أعلى وأكمل ، وكذلك شكر أهل الجنّة في الجنّة ، وهم يشاهدون أعداءه المكذّبين لرسله ، المشركين به ، في ذلك العذاب ، فلا ريب أ نّ شكرهم حينئذ ورضاهم ومحبّتهم لربهّم أكمل وأعظم ... فالضدّ يظهر حسنه الضدّ ، وبضدّها تتبينّ الأشياء )) (1) . 5 ـ ظهور آثار أسمّء اللهَّ الحسنى وصفاته العلا ؛ لأنّ معانيها لا تتحقّق إلاّ بوجود آثارها ، وتوسّ متعلّقاتها ، فلم يكن بدّ في الحكمة من وجود المؤمن والكافر ، والثَّواب والعقاب ؛ لكي تتحقّق لوازم الربوبيّة والألوهيّة ، (0) شفاء العليل ص421 .
عدد الصفحات ٢٨٣المبحث الثَّانِي ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 114 وتجري على العباد أحكام الأسمّء والصِّفات ، وتظهر في العالم آيات الربّ ووقائعه بأعدائه ولطائف صنعه بأوليائه (1) ، يقول ابن القيم : (( لو كان الخلق كلّهم أمّةً واحدة لفاتت الحكم والآيات ، والصّبر والغايات المحمودة في خلقهم على هذا الوجه ، وفات كمّل الملك والتصرّف ... فالكمّل كلّ الكمّل في العطاء والمنع ، والخفض والرّفع ، والثّواب والعقاب ، والإكرام والإهانة ، والإعزاز والإذلال ، والتَّقديم والتأخير ، والضرّ والنّفع )) (4) ، ويقول : (( تأمّل ما حصل بالطوفان ، وغرق آل فرعون من الهدى والإيمّن الَّذي غمر مفسدة من هلك به حتَّى تلاشت في جنب مصلحته وحكمته )) (4) . وهذا أصل مطّرد في كلّ ما يقدّر من المصائب والشرّور ؛ لأنّ اللهَّ تعالى لا يقدّر إلاّ خيرًا خالصًا أو راجحًا ، فالخير بيديه ، والشرّ ليس إليه ؛ ولهذا سمّى نفسه قدّوسًا ، وسلامًا ، ومتكبرًّا ، وعليًّا ؛ لعلوّه ، وطهارته ، وسلامته من صفات النّقص وأفعاله وأسمّئه (4) . ومن لم يستصحب هذه النّظرة الكليّة في القدر اضطر إلى نفي الحكمة وردّ الأمر إلى مشيئة صرفة ، يجوز معها التّخصيص بلا مخصّص ، وفعل كلّ ممكن (5) ! أو إلى نفي المشيئة (0) انظر : شفاء العليل ص 442 ،455 ،464 ،424 ،494 ،444 ،444 ، 441 ، التبيان لابن القيَّم ص 141 ، بدائع الفوائد4/165 ،461 . (1) شفاء العليل ص462 . (3) المرجع السّابق : ص 424 . (4) انظر : شفاء العليل ص 441 ـ442 . (5) انظر : التمهيد للباقلاني ص 41 ، الأربعين للرازي4/442 ، حاشية الصاوي ع الجلالين 4/424 ، روح المعاني للآلو 11/161 ،14/64 ،64 .
عدد الصفحات ٢٨٤أصول الإيمان بالقدر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 115 والاختيار من أصله ، واعتبار الربّ ـ تبارك وتعالى ـ موجبًا بالذّات صدر عنه العالم دون اختيار باشر به الخلق والإبداع (1) ؛ فالمخالف لأهل السنّة هذا الأصل دائر بين نفي الحكمة أو المشيئة ؛ وكلاهما قولان منكر ان لا يقبلهمّ من كان لأدلّة النّقل وقار في قلبه . وإذا ثبت أنّ المثلات من لوازم تحقّق معاني الصِّفات فإنّ في وضع الفضل في محلّه والعقاب في محلّه مزيد دلالة على صفتي الرَّحمة والعدل (4) ؛ ولهذا تكرّر ذكرهما في كثير من نصوص المثلات بطرق متعدّدة ، تجمعها اثنتان : ـ الأولى : النصّ على أنَّ إنجاء الأنبياء وأتباعهم عند مجيء أمر اللهّ وبأسه إنّمّ كان برحمة اللهَّ ونعمته ومغفرته ، قال تعالى : وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا (4) وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ [ هود : 51 ] ، وقال : إنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إلا ءَالَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ * نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ [ القمر : 44 ،45 ] ، وقال : وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [ هود : 41 ] ؛ يقول الآلو : (( الجملة مستأنفة لبيان الموجب ؛ أي لولا مغفرته لفرطاتكم ، ورحمته إيّاكم لما أنجاكم (0) انظر : الرِّسالة الأضحويّة لابن سينا ص 144 ، الصفدية لابن تَيْمِيَّة 1/2 ـ14 ، 144 ، شفاء العليل لابن القيّم ص 414 ـ414 ،411 ـ415 ، شرح الجوهرة للبيجوري ص 142 . (1) انظر : شفاء العليل ص 442 ،455 ،494 . (3) تكرّر النّص ع لى هذه الصفة في سياق الإخبار عن إنجاء صالح وشعيب ـ عليهمّ السّلام ـ . سورة هود : آية / 66 ،94 .
عدد الصفحات ٢٨٥المبحث الثَّانِي ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 111 من هذه الطامّة إيمّنكم ؛ لأنَّهُ مجرّد سبب للنجاة لا موجب لها كمّ تزعم المعتزلة )) (1) . والثّاني ة : النّص على أنّ إهلاك أصحاب المثلات إنّمّ كان بالعدل والقس لا بالظّلم والجور ، قال تعالى : فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَق [ المؤمنون : 41 ] ؛ أي بالعدل لا بالظّلم(4) ، وقال : وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إلا لَهَا مُنْذِرُونَ * ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ [ الشّعراء : 441 ،449 ] ؛ فنزّه نفسه المقدّسة عن الظّلم ؛ لكمّل عدله في أخذه وعقابه ؛ فلا يصيب بعذابه إلاّ من عتا وتمرّد وظلم بعد قيام الحجّة الرّساليّة ، قال تعالى : وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُ مِّهَا (4) رَسُولا يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءَايَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إلا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ [ القصص : 59 ] ؛ يقول القرطبي : (( في هذا بيان لعدله وتقدّسه عن الظّلم ، أخبر تعالى أنّه لا يهلكهم إلاّ إذا استحقّوا الإهلاك بظلمهم ، ولا يهلكهم مع كونَّم ظالمين إلاّ بعد تأكيد الحجّة ، والإلزام ببعثة الرّسل )) (4) . ولأهميّة هذين الشرّطين في الدلالة على حكمة اللهَّ وعدله فيمّ قضاه وقدّره (0) روح المعا14/52 . ( بتصرّف . (1) انظر : تفسير ابن كثير 4/25 ، روح المعاني للآلو11/44 ، تفسير ابن سعدي 5/449 . (3) أي أصلها وعظيمها ؛ وهي المدينة والقرية الَّتي تعتبر قاعدة للإقليم أو المنطقة أو المحافظة ، ويتردّد عليها جميع من حولها من القرى والبوادي ، ويعلمون بمّ يكون فيها من المهمّّت ؛ فكان من حكمة اللهّ وعدله وإتمام نعمته ورحمته في إقامة الحجّة البالغة أن بعث رسله في مظانّ الظّهور والانتشار لا في مظان الخفاء والجفاء ؛ كالبوادي والأطراف البعيدة . انظر : تفسير ابن كثير 4/496 ، تفسير ابن سعدي6/46 . (4) تفسير القرطبي14/444 . وانظر : تفسير ابن سعدي 6/46 .
عدد الصفحات ٢٨٦أصول الإيمان بالقدر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 112 من المثلات كثر ذكرهما ، وتنوّعت طرق التّعبير عنهمّ ؛ فتارة يصفهم ويخبر عنهم بمّ يدلّ على كمّل قيام الحجّة عليهم حتَّى لم يبق لهم في الكفر عذرًا ، كقوله تعالى : وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِ مْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ [ النّمل : 51 ] ، أي الَّذين قامت عليهم الحجّة بوصول الإنذار إليهم (1) ، وقوله : وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا * وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ الأَمْثَالَ وَكُلاًّ تَبَّرْ نَا تَتْبِيرًا [ الفرقان : 41 ،49 ] ؛ أي بيّنا لجميعهم طريق الحقّ بالحجج الواضحة حتَّى استبصروا واستيقنوا ، ولم يبق لهم حجّة على الكفر إلاّ الكبر والعناد (4) . وتارة ينصّ على أنّ الظَّلم كان من قبلهم لا من قبله سبحانه ؛ لاتّصافهم بسبب المثلة بإرادتهم واختيارهم ؛ كقوله تعالى : فَكُلاَّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ (4) فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [ العنكبوت : 44 ] ، وقوله : فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا ءَاخَرِينَ [ الأنعام : 6 ] ، وقوله : ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ [ هود : 144 ،141 ] ، فدلّ جميع ما ذكر على أنّ اللهَّ تعالى لكمّل عدله لا يظلم مثقال ذرّةٍ ، ولا تصيب قوارعه ووقائعه إلاّ من ظلم بعد قيام الحجّة البالغة . وهذا أصل عظيم مطّرد يتعلّق به كثير من المهمّّت ؛ (0) انظر : تفسير ابن كثير 4/461 . (1) انظر : تفسير ابن كثير 4/419 ، حاشية الصّاوي على ا لين 4/494 . (3) أي بسببه وبمّ يناسبه من العذاب ، وإضافة الذّنب إليهم دليل على إثبات فاعليّتهم واختيارهم في كسبه . انظر : تفسير ابن كثير 4/414 ، شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ص 444 .
عدد الصفحات ٢٨٧المبحث الثَّانِي ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 111 أحدها : أنّ الإهلاك يرتب بالظّلم والذّنب ارتباطًا حقيقيًّا ؛ فلا يجوز وجود الإهلاك بدونه ، خلافًا لمن جعله ارتباطًا عاديًّا ؛ يجوز وجود الإهلاك بدونه ، يقول الصَّاوي : (( جرت عادة اللهَّ تعالى أنّه لا يؤآخذ عبدًا بغير جرم ؛ تنزّلاً منه تعالى ، وإلا فلو أخذ عباده بغير جرم لا يسمّى ظالمًا ؛ لأنّه تصرّف في ملكه ، والظّلم التصرّف في ملك الغير بغير إذنه )) (1) . وهذا القول مبنى أصل الأشاعرة في اعتبار الظّلم في حقّ اللهَّ تعالى محالاً لذاته ؛ لأنّه المالك على الإطلاق ؛ فلا يتصوّر وقوع الظّلم منه فيمّ فعل في ملكه وعباده كائنًا ما كان ؛ وما ورد في النّصوص من تنزيه عن الظَّلم فإنّمّ هو لإظهار كمّل النَّزاهة عنه لا لأنّه مقدور عليه ، أو ممكن في حقّه (4) ! وهذا أصل غير مسلَّم ؛ لأنّ اللهَّ تعالى نزّه نفسه عن ظلم العباد في كثير من النَّصوص ، ولولا أنّه ممكن في حقّه لما كان للمدح بتركه معنى ؛ لأنّ المدح إنّمّ يكون بترك الممكن المقدور لا بترك الممتنع المحال لذاته (4) . والثّاني : الظّلم المقتضي لحلول المثلات يتضمّن الشرّك والمعصية ؛ فكلاهما سبب مستقلّ للاستئصال ، ولا يشترط اجتمّعهمّ ؛ ولهذا تظاهرت الأخبار بحلول المثلات بفئام من أمّة محمَّد بمجرّد الكبائر والقبائح (4) ، (0) حاشية الصّاوي على الجلال 4/194 . وانظر : الأربعين للرازي 4/442 ، شرح الجوهرة للبيجوري ص 91 ،99 ،141 . (1) انظر : حاشية الصّاوي على الجلالين 4/412 ، روح المعاني للآلو 14/164 ، 41/44 . (3) انظر : منهاج السنّة النّبويّة لابن تَيْمِيَّة 1/144 ـ141 . (4) انظر : المسند للإمام أحمد 4/414 ، سنن ابن ماجه ح ( 4444 ) ، إغاثة اللَّهفان
عدد الصفحات ٢٨٨أصول الإيمان بالقدر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 111 وأهلك اللهّ ثمود بالشرك دون أن يذكر شيئًا ممّا ذكره عن غيرهم ، يقول ابن تَيْمِيَّة : (( لم يكن في الأمم المكذّبة أخفّ ذنبًا وعذابًا منهم ؛ إذ لم يذكر عنهم من الذّنوب ما ذكر عن عاد ومدين وقوم لوطٍ وغيره م ... فكان في قوم لوط مع الشرِّك إتيان الفواحش الَّتي لم يسبقوا إليها ، وفي عاد مع الشرِّك التجبرّ والتكبرّ والتوسّع في الدّنيا وشدّة البطش وقولهم : مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [ فصِّلت : 15 ] ، وفي أصحاب مدين مع الشرِّك الظّلم في الأموال ، وفي قوم فرعون الفساد في الأرض والعلوّ ، وكان عذاب كلّ أمَّةٍ بحسب ذنوبهم وجرائمهم )) (1) . وذهب القرطبي ومن وافقه إلى أنّ الشرِّك لا يكون وحده سببًا لإهلاك الأمم حتَّى يقترن به إفساد في الأرض ، أو تظالم بين العباد ؛ لقوله تعالى : وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُ رَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [ هود : 112 ] ؛ أي : (( لم يكن ليهلكهم بالكفر وحده حتَّى ينضاف إليه الفساد ، كمّ أهلك قوم شعيب ببخس المكيال والميزان ، وقوم لوط باللّواط )) (4) ، أو أنّ المعنى أنّه تعا : (( لا يهلكهم إذا تناصفوا وإن كانوا مشركين ، وإنّمّ يهلكهم إذا تظالموا )) (4) ؛ وبناء على هذا القول قيلت العبارة المشهورة : (( الملك يبقى مع الكفر ولا لابن القيَّم1/494 ، فتح الباري لابن حجر1/494 . (0) مجموع الفتاوى16/449 ،454 . (1) تفسير القرطبي 9/114 . وانظر : تفسير البغوي 4/446 ، تفسير البيضاوي بحاشية الخفاجي 5/454 ، فتح القدير للشّوكانيّ 4/544 . (3) زاد المس4/121 . وانظر : تفسير الطبري 14/144 .
عدد الصفحات ٢٨٩المبحث الثَّانِي ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 111 يبقى مع الظّلم)) (1) ، و : (( إِنَّ اللهَّ ليمهل الدّول على الكفر ولا يمهلها على الظّلم والجور )) (4) ؛ وبناء عليه أيضًا قال القرطبي : (( المعاصي أقرب إلى عذاب الاستئصال في الدّنيا من الشرِّك وإن كان عذاب الشرِّك في الآخرة أصعب )) (4) . ولكن في أصل الاستدلال بالآية نظر ؛ لأنّ الظَّاهر أنّ قوله : بِظُلْمٍ حال من الفاعل ؛ أي بظلم من اللهَّ لأهل القرى ؛ والمعنى : وما كان ربّك ليهلك القرى ظلمًّ وجورًا وهم مصلحون في إيمّنَّم قولاً وعملاً ، وإنّمّ يهلكهم بالعدل إذا ظلموا أنفسهم بالشرِّك أو المعصية بعد قيام الحجّة ؛ فتكون الآية بيانًا لحكمة اللهَّ في إهلاك من تقدّم ذكرهم من أهل القرى ، ووعدًا بالغًا لقرى الإيمّن بالحفظ من الاستئصال ما داموا على إيمّن واستقامةٍ ؛ وهو وعد يشهد الواقع بصدقه على مدى القرون ، قال ابن كثير : (( لم يأت قرية مصلحة بأسه وعذابه ق ّ حتَّى يكونوا هم الظّالمين )) (4) . والثّالث : الظّلم المقتضي للعقوبة يشمل الرَّاضي والسّاكت غير المنكر ، ولا يختصّ بمن باشر الذّنب ، وقارفه بفع له ، قال تعالى : فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ [ هود : 65 ] ، يقول القرطبي : (( إنّمّ عقرها بعضهم ، وأضيف إلى الكلّ لأنّه كان برضا (0) تفسير البيضاوي بحاشية الخفاجي5/454 . (1) المحرر الوجيز لابن عطيّة4/415 . (3) تفسير القرطبي9/114 . (4) تفسير ابن كث 4/464 . وانظر : تفسير الطبري 14/144 ، المحرر الوجيز لابن عطيّة 4/414 ،415 ، زاد المسير لابن ا وزي 4/121 ، روح المعاني للآلو 14/164 ،164 ، تفسير ابن سعدي4/469 .
عدد الصفحات ٢٩٠أصول الإيمان بالقدر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 110 الباق )) (1) . وقال تعا : فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُك رُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [ الأعراف : 165 ] ؛ فأهلك الساكتين الكارهين مع الظالمين المعتدين ؛ ولهذا خصّ النّجاة بالمنكرين النّاصحين ؛ يقول ابن عبّاس : (( كانوا أثلاثًا ؛ ثلت نَّوا ، وثلث قالوا : لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ [ الأعراف : 164 ] ، ، وثلث أصحاب الخطيئة ؛ فمّ نجا إلاّ الَّذين نَّوا ، وهلك سائرهم )) (4) ، ولهذا قال البغوي : (( هذه أشدّ آيةٍ في ترك النَّهي عن المنكر )) (4) . (0) تفسير القرطبي9/64 . (1) تفسير الطبري 9/92 . ويؤثر عن ابن عبّاس أيضًا في شأن الفرقة السّاكتة قولان آخران ؛ أحدهما التوقّف ، والآخر القول بنجاتهم ، وقد مال إلى القول بنجاتهم بعض المفسِّين ؛ اعتمّدًا على أنّ الإهلاك والأخذ خصّ في الآية بالظَّالمين ، أو أنّ هذه الطائفة فعلت ما لزمها من الإنكار ؛ ولم تسكت إلاّ بعد الإياس من توبتهم . انظر : تفسير الطبري 9/94 ـ99 ، المحرر الوجيز لابن عطيّة4/461 ، تفسير البغوي4/441 ، 449 ، تفسير القرط بي 2/442 ، تفسير ابن كث 4/452 ، تفسير ابن سعدي 4/141 ،149 . والظَّاهر ـ واللهَّ أعلم ـ أنّ المثلة عمّتهم إما عقوبةً على ترك النَّهي عن المنكر ، وإمَّا لأنّ سنّة اللهّ أن تعمّ المثلة حتَّى السّاكت الكاره ؛ كمّ تظاهرت بذلك الأحاديث ؛ كحديث : إذا أنزل اللَّّ بقوم عذابًا أصاب العذاب من كان فيهم ، ثُمَّ بعثوا على أعمالَم ، وحديث : أنهلك وفينا الصَّالْون ؟ قال : نعم إذا كثر الْبث ، وحديث : إِنَّ أناسًا من أمّتِ يؤمون بالبيت ... الحديث ؛ فهؤلاء يهلكون مهلكًا واحدًا مع أنّ فيهم المستبصر ، والمجبور ، وابن السّبيل ، ثُمَّ يصدرون مصادر شتّى . وفي هذا دلالة على أنّ شمول العقوبة لا يعني بالضرّورة اتّصالها بعذاب الآخرة ؛ فقد تكون طهرة للمؤمن ، أو عقوبة له على تقصيره ثُمَّ تنقضي بانقضاء وقتها . وفي هذه المسألة والَّتي بعدها مزيد بيان واستدلال لذلك إن شاء اللهّ تعالى . (3) تفسير البغوي4/449 .
عدد الصفحات ٢٩١