المبحث الثَّانِي ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 111 عبد البرّ : (( ما قد خ ّ في اللّوح المحفوظ لم يكن منه بدّ ، وليست البقاع ، ولا الأنفس بصانعةٍ شيئًا من ذلك )) (1) . 4 ـ روى البخاريّ بسنده عن أبي هريرة مرفوعًا : لاَ عَدْوَى وَلاَ طِيََْةَ وَلاَ هَامَةَ وَلاَ صَفَرَ (4) ، يقول ابن القيّم : (( هذا محتمل أن يكون نفيًا وأن يكون نَّيًا ؛ أي لا تتطيرّوا . ولكن قوله في الحديث : ولا عدوى ، ولا صفر ، ولا هامة يدلّ على أنَّ المراد النفي ، وإبطال هذه الأمور الَّتي كانت الجاهليّة تعانيها ، والنّفي في هذا أبلغ من النّهي ؛ لأنّ النّفي يدلّ على بطلان ذلك وعدم تأثيره ، والنّهي إنّمّ يدلّ على المنع منه )) (4) ؛ وفائدة هذا النّفي : (( ليرفع عن المتوقّع ما يتوقّعه من ذلك كلّه ، ويعلمه أنّ ذلك ليس يناله منه إلاّ ما كتب له )) (4) . 4 ـ روى مسلم بسنده عن مُعَاوِيَةَ بْنِ الحَْكَمِ السُّلَمِيِّ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللََِّّ ! أُمُورًا كُنَّا نَصْنَعُهَا فِِ الَْْاهِلِيَّةِ ؛ كُنَّا نَأْتِر الْكُهَّانَ ، قَالَ : فَاَ تَأْتُوا الْكُهَّانَ . قُلْتُ : كُنَّا نَتَطَيَُّْ ، قَالَ : ذَاكَ شَرْءٌ يََِدُهُ أَحَدُكُمْ فِِ نَفْسِهِ فَاَ يَصُ دَّنَّكُمْ (5) ؛ يقول ابن (0) التمهيد9/415 . (1) صحيح البخاريّ : كتاب الطب ، باب لا هامة ح ( 5252 ) ( فتح الباري 14/415 ) . وانظر : صحيح مسلم : كتاب السّلام ، باب لا عدوى ولا طيرة ( شرح النّووي 14/414 ) . (3) مفتاح دار السَّعادة 4/444 . وانظر : شرح صحيح مسلم للنّووي 14/419 . (4) التمهيد لابن عبد البر 9/414 . (5) صحيح مسلم : كتاب السّلام ، باب تحريم الكهانة وإتيان الكهّان ( شرح النّووي 14/444 ) . وفي تعليق النّهي عن الطيرة على الصدّ هنا ، والردّ في غير هذه الرِّواية دليل على أنّ
عدد الصفحات ٢٦٠أصول الإيمان بالقدر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 110 القيَّم : (( أخبر أنّ تأذّيه وتشاؤمه بالتطيرّ إنّمّ هو في نفسه وعقيدة لا في المتطيرّ به ؛ فوهمه وخوفه وإشراكه هو الَّذي يطيره ويصدّه لا ما رآه وسمعه ؛ فأوضح لأمّته الأمر ، وبينَّ لهم فساد الطِّيرََة ؛ ليعلموا أنّ اللهَّ سبحانه لم يجعل لهم عليها علامة ، ولا فيها دلالة ، ولا نصبها سببًا لما يخافونه ويحذرونه (1) ؛ لتطمئن قلوبهم ، ولتسكن نفوسهم إلى وحدانيّته مجرّد الانقباض القلبي عند رؤية المكروه أو سمّعه لا يشمله النّهي ولا يدخل في حدّ الطيرة ؛ ولهذا ذكر أهل العلم أنّ الطيرة الشركيّة هي الَّتي تستتبع عملاً بموجبها من إمضاء أو ردّ ، فكلّ ما أوجب للعبد نوع اعتمّد في الفعل أو الترك فهو داخل في النّهي ؛ وبهذا يفترق الفأل عن الطيرة ؛ إذ الفأل مجرّد بشارة تسّ العبد دون أن تحمله على المضيّ فيمّ يريده . انظر : تيسير العزيز الحميد لسليمّن بن عبد اللهّ ص 444 ، حاشية ابن قاسم في التّوحيد ص 411 ـ444 . (0) في هذه الكلمّت الَّتي سطّرها يراع هذا الإمام هنا دليل على أنّه لا يرى الطيرة سببًا ظاهرًا أو خفيًّا أو دليلاً على حصول المكروه . وقد تكرّر النصّ على ذلك في كلا مه على حديث ( لا عدوى ولا طيرة ) ؛ فقرّر أنّ النَّفي في الحديث يدلّ على بطلان التطيرّ وعدم تأثيره . انظر : مفتاح دار السّعادة 4/444 . ولكنّه قرّر في مواضع أخرى من كتبه أنّ حديث ( لا عدوى ولا طيرة ) لا ينفي أن تكون الطيرة سببًا للشرّ ، وإنّمّ ينفي ما كان المشركون يثبتونه تبعًا للطبائعيين والمنجّمين من سببيّة مطّردة لحصول المكروه على وجه لا يمكن إبطاله ولا معارضته ؛ وبناء على ذلك رأى أنّ حديث ( الشؤم في المرأة والدار والفرس ) يدل على إثبات نوع خفيّ من الأسباب لا يطّلع على تأثيره إلاّ بعد وقوع مسبّبه خلافًا للأسباب الظَّاهرة الَّتي تعلم مسبّباتها قبل وقوعها ؛ أي أنّ هذه الأسباب الخفيّة أو الأعيان الثلاثة المذكورة في الحديث تؤثّر في حصول البلاء كمّ تؤثّر سائر الأسباب الظَّاهرة في مسبّباتها بقدر اللهَّ ومشيئته خلافًا لما يعتقده المشركون والطبائعيون وغيرهم من إ ثبات تأثيرها على وجه مطّرد لا يتخلّف ؛ وبهذا فرق بين ما جاءت به الأحاديث من شؤم هذه الأعيان وما
عدد الصفحات ٢٦١المبحث الثَّانِي ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 111 تعالى الَّتي أرسل بها رسله ، وأنزل بها كتبه ، وخلق لأجلها السّموات والأرض ، وعمر الدارين ، الجنّة والنّار ، فبسبب التّوحيد ومن أجله جعل الجنّة دار التَّوحيد وموجباته وحقوقه ، والنَّار دار الشرّك ولوازمه وموجباته ، فقطع علق الشرك منقلوبهم لئلا يبقى فيها علقة منها ، ولا يتلبّسوا بعمل من أعمّل أهله ألبتة )) (1) . 4 ـ روى أبو داود بسنده عن ابن مسعود عَنْ رَسُولِ اللهَِّ : الطِّيََْةُ شِرْكٌ الطِّيََْةُ شِرْكٌ ثَاَثًا (4) ، فتضمّن هذا النّص وما قبله من نصوص بيان حكم كان عليه المشركون من الطيرة ؛ فإثبات تأثيرها في حصول المكروه على وجه خفيّ مرتب بالقدر لون وما كان عليه المشركون من إثبات تأثيرها على وجه مطّرد لا يمكن معارضته ولا إبطاله لون آخر . انظر : إعلام الموقعين 4/491 ،499 ،4/492 ، 491 ، مفتاح دار السَّعادة 4/452 . وهذا القول غير مسلَّم ؛ لأنّ النّصوص اطّردت على إبطال التطيرّ على أبلغ وجه ، كمّ في قوله :(( لا عدوى ولا طيرة )) ؛ والنّكرة في سياق النّفي أو النّهي من صيغ العموم الصرّيحة ، فتدلّ على إبطال التطيرّ على كلّ وجه ؛ فلا هو علّة ، ولا سبب ، ولا دليل على حصول المكروه . انظر : شرح الكوكب المنير للفتوحي 4/146 ـ141 ، إرشاد الفحول للشوكاني ص 119 ، المذكّرة في أصول الفقه للشنقيطي ص446 . ثمّ إِنَّ في هذا القول ذريع ة لتوسّع العامّة في التطيرّ حتَّى إنّه ربمّ انجرّ الأمر ببعضهم إلى اعتقاد التطيرّ على وجه يضاهي ما كان عليه أهل الجاهليّة ؛ فيجب إغلاق هذا الباب وحسمه ؛ سدًّا لذريعة الشرّك ، وحفاظًا على عقيدة التّوحيد . (0) مفتاح دار السَّعادة 4/444 . (1) سنن أبي داود : كتاب الطبّ ، ح ( 4411 ) . وانظر : سنن الترمذي : كتاب السير ، ح ( 1549 ) ، سنن ابن ماجه : كتاب الطبّ ، ح ( 4541 ) ، مسند أحمد ، مسند المكثرين ، ح ( 4544 ) . والحديث صحّحه الترمذي ، والحاكم ، والذهبي ،
عدد الصفحات ٢٦٢أصول الإيمان بالقدر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 113 الطِّيرََة ، وحدها ، وإبطال كونَّا علّة للمكروه ، أو سببًا له ، أو دليلاً عليه . ولكن هذا لا يمنع أن يصاب المتطيرّ ببعض ما يتوهمّه عقوبة على إشراكه ، وتعلّق ق لبه بغير اللهَّ ؛ لأنّ من تعلّق بغير اللهَّ وكل إليه ، ومن خاف غير اللهَّ سلّ عليه ، قال تعالى : وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا [ الجنّ : 6 ] ؛ أي خوفًا وإرهابًا وذعرًا (1) ، وروى ابن حبّان بسنده عن أنس بن مالك مرفوعًا : لاَ طِيََْةَ ، والطِّيََْةُ عَلَى مَنْ تَطَيَّْ (4) ، يقول ابن القيَّم : (( قد يجعل اللهَّ سبحانه تطيرّ العبد وتشاؤمه سببًا لحلول المكروه به ، كمّ يجعل الثّقة والتوكّل عليه وإفراده بالخوف والرّجاء من أعظم الأسباب الَّ تي يدفع به الشرّ المتطيرّ به . وسرّ هذا أنّ الطِّيرََة لما تضمّنت (4) الشرِّك باللهَّ تعا ، والخوف من غيره ، والعراقي ، وغيرهم . انظر : سلسلة الأحاديث الصّحيحة للأل باني 1/216 ، ح ( 449 ) ، النّهج السّديد لجاسم الدوسري ص 164 . (0) انظر : حاشية كتاب التَّوحيد لابن قاسم ص 114 . (1) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان : كتاب العدوى والطِّيرة ، ذكر الخبر الدالّ على أنَّ الطيرة تؤذي المتطيرّ ، ح ( 6144 )14/494 . والحديث رجاله ثقات غير عتبة بن حميد الضبي ؛ فقد اختلف فيه ؛ فوثّقه ابن حبّان ، وضعّفه أحمد . وقال أبو حاتم : صالح الحديث ، وقال ابن حجر : صدوق له أوهام ، من السّادسة ؛ وهي من مراتب التّحسين ، ولهذا حسّن الأرنؤوط إسناده . انظر : فتح الباري لابن حجر 6/64 ، تهذيب التهديب لابن حجر 2/96 ، تقريب التهذيب 4/4 ، الخلاصة للخزرجي 4/449 . وفيمّ بوّب به ابن حبّان دلالة على المعنى الظّاهر المتبادر للحديث خلافًا لما ذكره ابن عبد البرّ من أنّ معناه : لا طيرة ، وإثم الطّيرة على من تطيرّ بعد علمه بالنّهي . انظر : التمهيد 9/414 . (3) فيالأصل ( إنّمّ تتضمّن .
عدد الصفحات ٢٦٣المبحث الثَّانِي ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 114 وعدم التوكّل عليه ، والثّقة به كان صاحبها غرضًا لسهام الشرّ والبلاء ، فيتسع نفوذها فيه ؛ لأنّه لم يتدرّع من التَّوحيد والتوكّل بجنّةٍ واقية ، وكلّ من خاف غير اللهَّ سلّ عليه ، كمّ أنّ من أحبّ مع اللهَّ غيره عذّب به ، ومن رجا مع اللهَّ غيره خذل من جهته . وهذه أمور تجربتها تكفي عن أدلّتها )) (1) . وعلى هذا المعنى يمكن أن يحمل قول النَّبيّ : الشُّؤْمُ فِِ الدَّارِ ، وَالَْْرْأَةِ ، وَالْفَرَسِ (4) ، وفي رواية إِنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِِ شَرْء فَفِر الْفَرَسِ ، وَالَْْسْكَنِ ، وَالَْْرْأَةِ (4) ، وفي رواية ثالثة : إِنْ يَكُنْ مِنَ الشُّؤْمِ شَرْءٌ حَقٌّ فَفِر الْفَرَسِ ، وَالَْْرْأَةِ ، وَالدَّارِ (4) ؛ فيكون المراد إثبات الشؤم في حقّ من تطيرّ بشيء من هذه الأعيان ؛ عقابًا له على إشراكه ، وضعف توكّله ، وتعلّق قلبه بغير إلهه وفاطره ؛ أي أنّ شؤمها حقّ في حقّ المتطيرّ دون المتوكّل فإنَّا لا تكون شؤمًا في حقّه ؛ لأنّ من توكّل على اللهَّ وفوّض أمره إليه كفاه ، ومن تعلّق (0) مفتاح دار السّعادة 4/456 . (1) صحيح مسلم : كتاب السَّلام ، باب الطيرة ، ح ( 4142 ) ( بشرح النَّووي 14/444 ) . وانظر : صحيح البخاريّ : كتاب النِّكاح ، باب ما يتّقى من شؤم المرأة ، ح ( 5494 ) ( فتح الباري9/142 ) . (3) صحيحمسلم : كتاب السَّلام ، باب الطيرة ، ح ( 4144 ) ( بشرح النَّووي 14/444 ) . وانظر : صحيح البخاريّ : كتاب النِّكاح ، باب ما يتّقى من شؤم المرأة ، ح ( 5494 ) ( فتح الباري9/142 ) . (4) صحيح مسلم : كتاب السَّلام ، باب الطيرة ، ح ( 4149 ) ( بشرح النَّووي 14/441 ) .
عدد الصفحات ٢٦٤أصول الإيمان بالقدر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 115 بغير اللهَّ أو سكن إلى تطيرّه وشركيّاته وكل إليها وسلّطت عليه (1) ، قال تعالى : وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [ الطَّلاق : 4 ] ، وقال : مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ (4) ؛ أي ترك إلى ما تعلّقه ؛ فمن تعلّق ت نفسه باللهّ ، وفوّض أمره إليه كفاه كلّ مؤنةٍ ، وقرّب إليه كلّ بعيد ، ويسّ عليه كلّ عسير . ومن تعلّق بغيره ، أو سكن إلى الأسباب والأوهام وكله اللهَّ إليها وخذله ، وسلَّ عليه كلّ ما يخافه ويحذره ؛ فالخوف قرين الشرّك ولازمه ، كمّ أنّ الأمن قرين التَّوحيد وثمرته (4) ، قال تعا : الَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [ الأنعام : 14 ] ، روى البخاريّ بسنده عن عبد اللهَّ بن مسعود قال : لََّْا نَزَلَتْ : الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِ سُوا إيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [ الأنعام : 14 ] قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللََِّّ ! أَيُّنَا لا يَظْلِمُ نَفْسَهُ ؟ قَالَ : لَيْسَ كَمَا تَقُولُونَ ، لََْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْم : بِشِرْك ، أَوَلََْ تَسْمَعُوا إِلََ قَوْلِ لُقْمَانَ لابْنِهِ : يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [ لقمّن : 14 ] (4) ؛ يقول ابن تَيْمِيَّة : (( بينَّ النبيُّ لهم ما دلهّم على أنّ الشرّك ظلم في كتاب اللهَّ ، (0) انظر : مفتاح دار السَّعادة 4/456 ، حاشية كتاب التَّوحيد لابن قاسم ص 14 ، 15 . (1) سنن الترمذي : كتاب الطبّ ، ح ( 1991 ) . وانظر : سنن النسائي : تحريم الدم ، ح ( 4411 ) ، مسند الإمام أحمد ، مسند الكوفيين ح ( 11444 ) ،11445 ) . والحديث حسّنه الأرنؤوط وغيره . انظر : تخريجه لأحاديث فتح المجيد ص 142 ، النهج السّديد للدّوسري ص 64 . (3) انظر : تيسير العزيز الحميد ص 169 ،124 . (4) صحيح البخاريّ : كتاب الأنبياء ، باب قوله تعالى : وَاتَّخَذَ اللَّهُ إبْرَاهِيمَ خَلِيلاً ح ( 4464 ) ( فتح الباري6/419 ) .
عدد الصفحات ٢٦٥المبحث الثَّانِي ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 111 وحينئذ فلا يحصل الأمن والاهتداء إلاّ لمن يلبس إيمّنه بهذا الظَّلم ، ومن لم يلبس إيمّنه به كان من أهل الأمن والاهتداء )) (1) . وذهب كثير من أهل العلم إلى أنّ إثبات الشؤم في الدّار والمرأة والفرس لا تراد حقيقته ، وإنّمّ هو كناية عن قلّة الموافقة ، وسوء الطِّباع ، فشؤم الدار ضيقها وسوء جيرانَّا ، وشؤم الدابّة منعها ظهرها وسوء طبعها ، وشؤم المرأة عقمها ، وسوء خلقها (4) . قال معمر : (( سمعت من يفسّ هذا الحديث يقول : شؤم المرأة إذا كانت غير ولود ، وشؤم الفرس إذا لم يغز عليه في سبيل اللهَّ ، وشؤم الدار جار السوء )) (4) . وممّا يقوّي هذا القول في توجيه الحديث ما ذكره ابن حجر بقوله : (( جاء في بعض الرِّوايات ما لعلّه يفسّ ذلك ؛ وهو ما أخرجه أحمد وصحّحه ابن حبّان والحاكم من حديث سعد مرفوعًا : مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ ثَاَثَةٌ ؛ الَْْرْأَةُ الصَّالَِْةُ ، وَالَْْسْكَنُ الصَّالُِِ ، وَالَْْرْكَبُ الصَّالُِِ ، وَمِنْ شَقَاوة ابْنِ آدَمَ ثَ اَثَةٌ ؛ الَْْرْأَةُ السُّوءُ ، وَالَْْسْكَنُ السُّوءُ ، وَالَْْرْكَبُ السُّوءُ . وفي رواية لابن حبّان : الْركب الَنِ ، والْسكن الواسع . وفي رواية للحاكم : وثاثة من الشقاء ؛ الْرأة تراها فتسوؤك ، وتَمل لسانها عليك ، والدابة تكون قطوعًا ؛ فإن ضربتها أتعبتك ، وإن تركتها لَ تلحق أصحابك ، والدار تكون ضيّقة قليلة الْرافق . وللطبراني من حديث أسمّء : إِنَّ (0) مجموع الفتاوى2/14 . (1) انظر : التمهيد لابن عبد البرّ 9/429 ، شرح النَّووي لصحيح مسلم 14/444 ، مفتاح دار السَّعادة لابن القيَّم 4/456 ، فتح الباري لابن حجر6/64 ،9/141 . (3) المصنَّف للحافظ عبد الرزّاق الصنعاني : كتاب الجامع ، باب الشؤم ح ( 19542 ) 14/411 .
عدد الصفحات ٢٦٦أصول الإيمان بالقدر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 112 من شقاء الْرء فِ الدّنيا سوء الدار ، والْرأة ، والدابة (1) . ولأهل العلم أجوبة كثيرة عن الحديث سوى ما ذكر ؛ كتغلي الرّاوي ، والقول بأنّه سمع آخر الحديث ولم يسمع أوّله (4) ، أو القول بأنّ المحفوظ من الحديث رواية التَّعليق لا الجزم ، وأنّ رواية التَّعليق لا تدلّ على إثبات الشؤم أصلاً ، أو أنََّّا إلى نفيه أقرب من إثبا ته (4) ، أو القول بأنّ الحديث إخبار ع كانت تعتقده العرب في الجاهلية . ثُمَّ نسخ ذلك ، وأبطله القرآن والسنن (4) . وهذه الأجوبة كلّها أجوبة غير مسلّمة ؛ لأنّ الحديث ثابت برواية الجزم والتعليق ، ولأنّه لم يتفرّد بروايته عن النبيِّ راو واحد حتَّى يقال : إنّه حفظ آخر الحديث ولم يحفظ أوّله ؛ فرواه أبو هريرة ، وابن عمر ، وسهل بن سعد السَّاعدي ، وجابر بن عبد اللهَّ الأنصاري ، ورواياتهم ثابتة مشهورة مخرّجة في أصحّ كتب السنّة (5) ، وأمّا دعوى النّسخ فشرط صحّتها تعذّر الجمع ، وتراخي النّاسخ ، والجمع هنا ممكن ، و النّفي مقارن للإثبات ؛ (0) فتح الباري9/141 . (1) انظر : التمهيد لابن عبد البرّ 9/411 ،419 ، مفتاح دار السَّعادة 4/454 ، فتح الباري لابن حجر 6/61 . (3) انظر : تهذيب الآثار للطبري 1/41 ، سلسلة الأحاديث الصّحيحة للألبا 4/241 . (4) انظر : التمهيد لابن عبد البرّ 9/494 . (5) انظر : صحيح البخاريّ بشرحه فتح الباري 6/64 ،61 ، صحيح مسلم بشرحه للنّووي 14/419 ـ444 ، مفتاح دار السَّعادة لابن القيَّم 4/454 .
عدد الصفحات ٢٦٧المبحث الثَّانِي ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 111 فالخبر مشتمل على نفي التطيرّ ثُمَّ إثباته في الأعيان المذكورة (1) . وهذه الأجوبة وإن كانت غير مسلّمةٍ فنيًّا إلاّ أنّ مقصودها صحيح علميًّا ؛ وهو إبطال الطيرة في كلّ شيء بمّ في ذلك الدار والمرأة والفرس ، وما ذكر معها في بعض الرّوايات كالخادم والسّيف (4) ؛ ولهذا ورد نفي التطيرّ وإثباته في نصّ واحد ؛ فروى البخاريّ بسنده عن ابن عمر ـ رضي اللهَّ عنهمّ ـ مرفوعًا : لا عَدْوَى وَلاَ طِيََْةَ ، وَالشُّؤْمُ فِِ ثَاَث ؛ فِِ الَْْرْأَةِ ، وَالدَّارِ ، وَالدَّابَّةِ (4) ؛ فلو كان المراد إث بات الطيرة في هذه الأعيان الثلاثة لكان الحديث ينفي بعضه بعضًا ؛ لأنّ أوّله نفي للطيرة ، وآخره إيجاب لها ، يقول ابن عبد البر : (( محال أن يظنّ بالنبيّ مثل هذا من النّفي والإثبات في شيء واحدٍ ، ووقت واحد )) (4) ؛ وبهذا يظهر ضعف ما جنح إليه ابن قتيبة والخطّابي والشوكاني وغيرهم من استثناء هذه الأعيان من حكم الطيرة ، يقول الشوكاني : (( حديث الشؤم مخصص لعموم حديث لا طيرة ؛ فهو في قوّة لا طيرة إلاّ في هذه الثلاث ، وقد تقرّر في الأصول أنّه يبنى العام على الخاص مع جهل التَّاريخ . وادّعى (0) انظر : فتح الباري لابن حجر 6/64 . (1) انظر : صحيح مسلم بشرحه للنّووي 14/444 ، التمهيد لابنعبد البر 9/421 ، مفتاح دار السَّعادة لابن القيَّم 4/454 ، فتح الباري لابن حجر6/64 . (3) صحيح البخاريّ : كتاب الطيرة ، باب الطيرة ح ( 5254 ) ( فتح الباري14/414 ) . وانظر : صحيح مسلم : كتاب السَّلام ، باب الطيرة 14/444 . (4) التمهيد9/414 .
عدد الصفحات ٢٦٨أصول الإيمان بالقدر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 111 بعضهم أنّه إجماع ، والتَّاريخ في أحاديث الطيرة والشؤم مجهول )) (1) . وهذا القول لا شكّ في عدم صحّته إن كان المراد به أنّ لهذه الأعيان تأثيرًا في حصول المكروه على وجه العليّة ، أو السّببيّة ، أو الدلالة ؛ لما في ذلك من مخالفةٍ لأدلّة عموم المقادير ، ولأدلّة نفي الطّيرة وإبطال تأثيرها بأصرح صيغ العموم ، ولما قد يفضي إليه هذا المعنى من فساد في اعتقاد العامّة حتَّى ينجرّ الأمر ببعضهم إلى اعتقاد أنّ ما يتوهمّون الشؤم فيه سبب حتمي ، أو مؤثّر ذاتي في حصول المكروه ، وهو لازم منكر ، يبرأ هؤلاء الأعلام من قصده ، وتبرأ النّصوص من الدلالة عليه ، يقول ابن القيم : (( من اعتقد أنّ رسولَ اللهَّ نسب الطيرة والشؤم إلى شيء من الأشياء على سبيل أنّه مؤثّر بذلك دون ا فقد أعظم الفرية على اللهَّ وعلى رسوله وضلّ ضلالاً بعيدًا )) (4) . وأمّا إن كان المراد باستثناء هذه الأعيان من حكم الطيرة إباحة تركها ، واستبدالها بغيرها ؛ حسمًّ لمادّة الشرّك ، وسدًّا لذريعته ؛ لئلا يوافق وهم المتطيرّ قدرًا فيعتقد صحّة الطيرة وتأثيرها فهو مقصد حسن يلائم أصول الشرّيعة ومقاصدها ، وعليه يمكن أن يحمل ما رواه الصنعاني بسنده عن عبد اللهّ بن شدّاد أنّ امرأة من الأنصار قالت : سكنّا دارنا هذه ، ونَن كثيْ فهلكنا ، وحسن ذات بيننا فساءت أخاقنا ، وكثيْة أموالنا فافتقرنا ؟ قال : أفا تنتقلون عنها ذميمة (4) ، وفي رواية : ذَرُوهَا ذَمِيمَةً (1) ؛ فأباح لهم التحوّل عن دارهم (0) نيل ا وطار 2/151 . وانظر : شرح النّووي لصحيح مسلم 4/444 ،441 ، مفتاح دار السَّعادة لابن القيَّم 4/456 ، فتح الباري لابن حجر6/61 ،64 . (1) مفتاح دار السَّعادة 4/452 . (3) المصنّف : كتاب الجامع ، باب الشؤم ، ح ( 19546 )14/411 . قال ابن حجر :
عدد الصفحات ٢٦٩المبحث الثَّانِي ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 121 سدًّا لذريعة الشرّك ، ورأفةً بهم ، ومراعاة لما جعله اللهَّ في تركيبة البشر من استثقال ما نالهم الشرّ فيه وإن كان ليس سببًا في حصوله . واللهَّ أعلم (4) . نفوذ المقادير دلالة المثلات على أصول الإيمّن بالقدر تحمل في ثناياها برهانًا قاطعًا على أنّ ما تعلّقت به مشيئة اللهَّ تعالى وإرادته الكونيّة فلا بُدّ من نف وذه في محلّه ؛ فلا يمكن أن يدفع أو يرفع مهمّ أوتي العباد من حذر وقوّة وسلطان . واعتبر ذلك بفرعون ـ لعنه اللهَّ ـ فقد تحوّط لملكه أبلغ تحوّط ، حتَّى إنّه كان يقتل غلمّن بني إسرائيل في مهدهم ؛ حذر تحقّق النبوءة الَّتي يخشى (4) ، ويكون من بني إسرائيل من يذهب بملكه ، ويديل سلطانه ، فمّ أغناه حذره من قدره ، ونفذت إرادة اللهَّ تعالى في محلّها الموعود ، قال تعالى : وَنُرِيدُ أَنْ نَمُن عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي إسناده صحيح . فتح الباري 6/64 . (0) سنن أبي داود : كتاب الطبّ ، ح ( 4444 ) . وانظر : الأدب المفرد للبخاري : باب الشؤم في الفرس ح ( 941 ) ( بشرحه فضل اللهَّ الصّمد 4/494 ،494 ) . قال الألباني : الحديث على أقلّ الدّرجات حسن الإسناد . سلسلة الأحاديث الصّحيحة 4/444 ، ح294 ) . (1) انظر : تهذيب الآثار للطبري 1/44 ، التمهيد لابن عبد البرّ 9/494 ،491 ، مفتاح دار السَّعادة 4/451 ، فتح الباري لابن حجر6/64 . (3) اختلف المفسِّون في مصدر هذه النبوءة ؛ فقيل : إنَّّا ممّا توارثه بنو إسرائيل من نبوءة إبراهيم ، وأخذها القب عنهم . وقيل : إِنَّ الكهنة أو المنجّمين أخبروه بها ، وقيل : إنّه رأى رؤيا فعبرت كذلك . والأوّل أظهر واللهَّ أعلم . انظر : تفسير القرطبي 14/441 ،449 .
عدد الصفحات ٢٧٠أصول الإيمان بالقدر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 120 الأَ رْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ [ القصص : 5 ـ 6 ] ؛ أي يتوقّون ويحذرون من هلكتهم ، وذهاب ملكهم ، وظهور بني إسرائيل (1) . وشواهد هذا الأصل العظيم من نصوص المثلات وغيرها كثيرة جدًّا ، إلاّ أنّ تحرير دلالتها على تحتّم نفوذ المقادير يقتضي ذكر ثلاثةِ أضرب منها : ـ أحدها : نصوص تدلّ بظاهرها على تحتّم نفوذ المقادير دون أن يتطرّق إليها تبديل أو تقديم أو تأخير ؛ كقوله تعالى : وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [ الأعراف : 44 ] ، وقوله : وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إلا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ [ الحجر : 4 ، 5 ] ، وقوله : فَإذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِ هِ بَصِيرًا [ فاطر : 45 ] ، وقوله : وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إذَا جَاءَ أَجَلُهَا [ المنافقون : 11 ] . والثّاني : نصوص تدلّ على وقوع المحو والإثبات في المقادير تبعًا لما يتّصف به العبد من أسباب التَّبديل والتقديم والتأخير ؛ كقوله تعالى : وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إلا فِي كِتَابٍ [ فاطر : 11 ] ، وقوله : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِِ رِزْقِهِ ، وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِِ أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحَِْهُ (4) ، وقوله : لا يَرُد (0) انظر : المحرر الوجيز لابن عطيّة 4/426 ، زاد المسير لابن الجوزي 6/441 ، تفسير القرطبي 14/449 ، فتح القدير للشّوكانيّ 4/159 ، روح المعاني للآلو 44/44 . (1) صحيح البخاريّ : كتاب الأدب ، باب من بس له في الرّزق بصلة الرّحم فتح الباري 14/415 ] . وانظر : صحيح مسلم : كتاب البرّ والصّلة ، باب صلة الرّحم وتحريم قطعها بشرح النَّووي 16/114 ] .
عدد الصفحات ٢٧١المبحث الثَّانِي ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 121 الْقَضَاءَ إِ الدُّعَاءُ ، وَلا يَزِيدُ فِِ الْعُمْرِ إِلاَّ الْبُِّ (1) . والثَّالث : نصوص تدلّ على نفوذ المقادير باعتبار ، وعلى حصول التغيير باعتبار آخر ؛ كقوله تعالى : إنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ... الآيات إلى قوله : يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إنَّ أَجَلَ اللَّهِ (4) إذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [ نوح : 1 ـ4 ] ، وقوله : لاَ يُغْنِِ حَذَرٌ مِنْ قَدَر ، وَالدُّعَاءُ يَنْفَعُ مَُِّا نَزَلَ وَمَُِّا لََْ يَنْزِلْ ، وإنَّ البَاءَ لَيَنْزِلُ فَيتلقّاهُ الدّعاءُ فَيَعْتلِجَانِ إلَ يومِ القِيَامَةِ (4) ، وفي رواية : الَْذَرُ لاَ يُغْنِِ مِنَ القَدَرِ ، وَلَكن الدُّعَاءَ يَدْفَعُ القَدَرَ (4) . وأظهر ن صوص هذا الضرّب دلالةً قوله تعالى : يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [ الرّعد : 49 ] ؛ أي أصله الَّذي لا يبدّل ؛ وهو اللّوح المحفوظ ؛ لأنّه أصل كتب المقادير ؛ وهي فروع وشعب له ؛ فالمحو والإثبات يكون في الفروع الَّتي تك تبها الملائكة دون (0) سنن الترمذيّ : كتاب القدر ، ح ( 4149 ) . وهو حديث حسن . انظر : فيض القدير للمناوي 6/454 ، سلسلة الأحاديث الصّحيحة للألبا 1/446 ـ449 ، ح ( 154 ) . (1) إضافة الأجل إلى اللهَّ هنا باعتبار إثباته وتقديره ، وإضافته للمخلوق في قوله : فَإذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ باعتبار أنّه مضروب له . انظر : تفسير القرطبي 11/499 ،444 . (3) المستدرك : كتاب الدّعاء 1/669 ، ح 1114 ) . والحديث صحّحه الحاكم والسيوطي ، وحسّنه الشّوكانيّ والألبانيّ . انظر : فيض القدير للمناوي 6/454 ، قطر الولي للشّوكانيّ ص 441 ،444 ،444 ، صحيح ا امع الصغير وزيادته للألباني 4/1429 ح2249 ) . (4) رواه الفريابي بإسناد صحيح . انظر : كتاب القدر ، ص 444 ، ح446 ) .
عدد الصفحات ٢٧٢أصول الإيمان بالقدر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 123 الأصل المحكم الَّذي كتبه الربّ بيده (1) ، قال ابن عبّاس رضي اللهَّ عنهمّ : (( هما كتابان سوى أمّ الكتاب يمحو اللهَّ منهمّ ما يشاء ويثبت )) (4) ، وقال عكرمة : (( الكتاب كتابان ؛ كتاب يمحو اللهَّ منه ما يشاء ويثبت وعنده أمّ الكتاب )) (4) . وعلى هذا المعنى حمل شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة ما رواه ابن جرير بسنده عن أبي عثمّن النّهدي قال : سمعت عمر بن الخطّاب يقول وهو يطوف بالكعبة : (( اللهم إن كنت كتبتني في أهل السّعادة فأثبتني فيها ، وإن كنت كتبت عليَّ الذّنب والشقوة فأمحني وأثبتني في أهل السّعادة ؛ فإنّك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أمّ الكتاب )) (4) ؛ فدلّ جميع ذلك على أنّ المحو والإثبات يكونان في الفروع دون الأم ؛ فيقعان في صحف التقدير الحولي والعمري دون الكتاب الأزلي الأوّل ؛ فلا محو فيه ولا إثبات ؛ وكلّ ما كتب فيه كائن لا محالة . وهذا هو ا لقول الموافق للمأثور عن عمر وابن عبّاس وعكرمة والضحّاك وابن جريج وغيرهم (5) ؛ خلافًا لمن أنكر تبدّل المقادير (0) انظر : فتح الباري لابن حجر 11/415 ، الدر المنثور للسيوطي4/61 ، تفسير ابن سعدي 4/116 ،112 ، صحيح الجامع الصغير للألبا 1/424 ح ( 1144 ) ، سلسلة الأحاديث الصّحيحة للألباني 4/121 ، ح1649 ) . (1) تفسير القرطبيّ9/449 . (3) تفسير الطبري14/162 . وانظر : تفسير ابن كثير 4/544 ، الدر المنثور للسيوطي 4/65 . (4) تفسير الطّبريّ 14/161 . وانظر : مجموع الفتاوى لابن تَيْمِيَّة 1/544 ، 14/491 . (5) تفسير الطّبريّ 14/162 ،161 ، زاد المسير لابن الجوزي 4/442 ، تفس القرطبيّ 9/449 .
عدد الصفحات ٢٧٣المبحث الثَّانِي ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 124 بإطلاق ، وأوّل كلّ نصّ يدلّ على خلافه ؛ كالأشاعرة ومن وافقهم من المفسِّين وغيرهم (1) . أو توسّع في المحو والإثبات حتَّى جوّز أو قطع بوقوعه في اللّ وح المحفوظ ؛ كالمازري ، والسيوطي ، والمناوي ، والشوكاني ، وغيرهم (4) . ولكن يجب التنبّه إلى أنّ القول بإحكام ما قدّر أزلاً في أم الكتاب ، والقطع بإنفاذ جميع ما سطّر فيه دون تبديل أو تغيير لا يعني إبطال تأثير الأسباب ، أو إلغاء مشيئة العبد في فعله ، والزّ عم بجواز التّكليف بمّ لا يطاق ، كمّ توهمّت الجبريّة (4) ! ؛ وذلك لأنّ النّصوص قاطعة في إثبات تأث الأسباب في الأحكام الكونيّة ، والشرعية ، والجزائيّة ، والقرآن مملوء من إثبات تأثير الأسباب ، يقول ابن القيّم : (( لو تتبّعنا ما يفيد إثبات الأسباب من القرآن والسنّة لزاد على عشرة آلاف موضع )) (4) ، ومن جملة هذه المواضع نصوص المثلات ؛ فهي حافلة بمّ يدلّ صراحةً على إثبات تأثير السّبب وفاعليته ؛ كقوله تعالى : فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ [ القمر : 14 ـ11 ] ، وقوله : فَأَوْحَيْنَا إلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ [ الشعراء : 64 ] ؛ يقول القرطبي : (( أمر اللهَّ تعالى (0) انظر : شرح صحيح مسلم للنّوويّ 16/414 ، تفسير الخازن 4/42 ، شرح المقاصد للتفتازاني 4/416 ، مبارق الأزهار لابن الملك1/54 . (1) انظر : شرح صحيح مسلم للنّوو يّ 16/414 ، تفسير الجلالين بحاشية الصّاوي 4/444 ، فيض القدير للمناوي4/199 ، فتح القدير للشّوكانيّ 4/11 ، قطر الو للشوكاني ص 496 ـ516 . (3) انظر : الفرق بين الفرق للبغدادي ص 411 ، الملل والنِّحل للشهرستا 1/15 ، 16 ، شفاء العليل لابن القيّم ص5 ،6 ،روح المعاني للآلوسي 14/49 . (4) شفاء العليل ص412 .
عدد الصفحات ٢٧٤أصول الإيمان بالقدر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 125 موسى أن يضرب البحر بعصاه ، وذلك أنّه أراد أن تكون الآية متّصلة بموسى ومتعلّقة بفعل يفعله ، وإلاّ فضرب العصا ليس بفارق للبحر ، ولا معين على ذلك بذاته ، إلاّ بمّ اقترن به من قدرة اللهَّ تعالى واختراعه )) (1) . ومن أظهر ما يدلّ على تأثير الأسباب من نصوص المثلات ما تكرّر ثناياها من ترتيب الجزاء على الأعمّل إنجاءً وإهلاكًا ، كقوله تعالى : وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [ النَّمل : 54 ] ، وقوله : فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [ الذّاريات : 45 ] ، وقوله : فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا [ الأعراف : 64 ] ، وقوله : فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا [ الشَّمس : 14 ] ، وقوله : فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ [ العنكبوت : 42 ] ، وقوله : فَأَ عْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ [ سبأ : 16 ] . وإثبات تأثير السّبب أو العمل في الجزاء وجودًا وعدمًا يقتضي بالضرّورة إثبات قدرة العبد على عمله ، وحصوله باختياره ومشيئته ، وهذا ما صرّحت به النّصوص ؛ كقوله تعالى : فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْ مِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [ الكهف : 49 ] ، وقوله : لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ [ المدثّر : 42 ] ، وقوله : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا [ البقرة : 416 ] ، وقوله : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [ التَّغابن : 16 ] ، والاستطاعة هي قدرة العبد وطاقته ووسعه(4) ؛ وهي نوعان : ـ (0) تفسير القرطبي14/146 ،142 . (1) انظر : مجموع الفتاوى لابن تَيْمِيَّة 4/411 ، درء التّعارض1/64 .
عدد الصفحات ٢٧٥