المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

دراسات في دلالات المثلات

عيسى بن عبدالله السعدي

صفحة ١٥ من ١٩

معنى القدر والمَثُلات ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 143 والثّالث : أنّ المثلات عبارة عمّّ أصاب القرون الماضية من أصناف العقوبات المنكلات الشاذّة عن المعهود ، والمتفرّدة عن النّظائر ؛ كالرّجف ، والخسف ، والائتفاك ، والمسخ ، وهذا مضمون قول جمهور المفسِّين على اختلاف قريب بينهم في التّعبير (1) . والقولان ا وّلان يرجعان إليه عند التّحقيق وإن ظنّ بعض المفسِّين غير ذلك (4) .      (0) انظر : تفسير الطبري 14/145 ، المحرّ ر الوجيز لابن عطيّة 4/496 ، زاد المس لابن الجوزي 4/445 ، تفسير الخازن 4/5 ، التسهيل لابن جزي 1/444 ، فتح الباري لابن حجر 1/421 ، الدر المنثور للسيوطي4/44 . (1) انظر : معاني القرآن لأبي جعفر النحّاس 4/424 .

عدد الصفحات ٢٤٣

المبحث الثَّانِي أصول الإيمان بالقدر يدور الإيمّن بالقدر على أربعة أمور هي أصوله وأركانه الَّتي لا يكون إلاّ بها ؛ وهي العلم ، والكتابة ، والمشيئة ، والخلق . وصفة الإيمّن بهذه الأصول على درجتين : ـ الأولى : الإيمّن بأنّ اللهَّ تعالى علم أعمّل العباد ، وأحوالهم ، ومآلهم قبل خلقهم ، وأنّه كتب ذلك عنده وأحصاه ، وأنّ أعمّل العباد تجري على مواقع القدر ؛ كمّ ثبت في حديث عبد الرَّحمن بن قتادة السّلمي  (1) ؛ أيموافقة ومطابقةً لما سبق في علم اللهَّ وكتابه . الثّانية : الإيمّن بعموم مشيئة اللهَّ تعالى وخلقه ، وأنّ كلّ ما يعمله العباد من طاعةٍ ومعصية ، وكلّ ما يصيبهم من خير وشرّ واقعان بمشيئة اللهَّ وخلقه (4) . وقد تضافرت النّصوص في الدلالة على هذه الأصول ، وبيان ما يندرج تحتها من المعاني العظيمة ، والحِكَم البليغة ، قال تعالى :  أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ  [ اجّ : 24 ] ، (0) انظر : كتاب القدر لأبي بكر الفريابي ص44 . (1) انظر : كتاب القدر للفريابي ص 412 ،444 ـ446 ، مجموع الفتاوى لابن تَيْمِيَّة 4/141 ـ151 ، جامع العلوم والحكم لابن رجب ص44 .

عدد الصفحات ٢٤٥

المبحث الثَّانِي ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 141 وقال :  مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا ءَاتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ  [ الحديد : 44 ،44 ] ، وقال :  وَإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إلا هُوَ وَإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ  [ يونس : 142 ] ، وقال :  مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ  [ الأنعام : 49 ] ، وقال :  اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ  [ الزّمر : 64 ] ، وقال :  وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ  [ الصافّات : 96 ] ، وقال  : كَانَ اللََُّّ وَلََْ يَكُنْ شَرْءٌ غَيُْْهُ ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الَْْاءِ ، وَكَتَبَ فِِ الذِّكْرِ كُلَّ شَرْء ، وَخَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ (1) ، وقال : كَتَبَ اللََُّّ مَقَادِيرَ الَْْائِقِ قَبْلَ أَنْ يََْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَِِمْسِينَ أَلْفَ سَنَة ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الَْْاءِ (4) ، وقال : إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللََُّّ الْقَلَمَ فَقَالَ لَهُ : اكْتُبْ قَالَ : رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ ؟ قَالَ : اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَرْء حَتََّّ تَقُومَ السَّاعَةُ (4) ، وقال : إنَّ اللََّّ خلقَ كلّ صانع وصنعته (4) . ونصوص المثلات تجري مجرى هذه النّصوص في الدلالة على أصول (0) رواه البخاريّ مسندًا من طريق عمران بن حص . صحيح البخاريّ : كتاب بدء الخلق ، باب ما جاء في قوله تعالى :  وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ  ( فتح الباري6/416 ) . (1) رواه مسلم مسندًا من طريق عمرو بن العاص . صحيح مسلم : كتاب القدر ، باب حجاج آدم وموسى ( بشرح النّووي 16/444 ) . (3) رواه أبو داود مسندًا من طريق عبادة بن الصّامت . سنن أبي داود : كتاب السنة ، ح ( 4244 ) وهو حديث صحيح . انظر : صحيح الجامع الصغير للألباني 1/445 . (4) رواه ابن أبي عاصم مسندًا عن حذيفة بن اليمّن . كتاب السنّة 1/151 ، ح452 ) . وانظر : خلق أفعال العباد للبخاري ص 142 ،141 [ ضمن مجموع عقائد السّلف ] ، مجمع الزوائد للهيثمي 2/444 . وهو حديث صحيح . انظر : فتح الباري لابن حجر 14/491 ، مجمع الزوائد للهيثمي2/444 ، ظلال الجنّةللألباني 1/151 .

عدد الصفحات ٢٤٦

أصول الإيمان بالقدر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 142 الإيمّن بالقدر ؛ فأعمّل أصحاب المثلات ، وعذابهم ، كلّ ذلك كان بقضاء اللهَّ وقدره ؛ فإنّ اللهَّ تعالى علم أعمّلهم ، ومآلهم قبل خلقهم ، وكتب ذلك عنده وأحصاه ، وأراده كونًا ، وخلقه ذاتًا ووصفًا وقدرًا ؛ فلا خروج لشأن من شؤونَّم عمّّ قدّر عليهم في الأزل ، وعمَّّ أريد بهم لمَّا حضر الأجل ، قال تعالى :  وَأُوحِيَ إلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إلا مَنْ قَدْ ءَ امَنَ  [ هود : 46 ] ، وقال :  وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا  [ يونس : 14 ] ؛ أي أهلكناهم لعلمنا أنَّّم لا يؤمنون (1) . وقال :  تِلْكَ الْقُرَى نَقُص عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ  [ الأعراف : 141 ] ، يقول القرطبي : (( أي فمّ كان أولئك الكفّار ليؤمنوا بعد هلاكهم لو أحييناهم ، قاله مجاهد . نظيره :  وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ  [ الأنعام : 41 ] . وقال ابن عبّاس والرّبيع : كان في علم اللهَّ يوم أخذ عليهم الميثاق أنَّّم لا يؤمنون بالرّسل )) (4) . وقال تعا :  وَإنْ مِنْ قَرْيَةٍ (4) إلا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُ عَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا  [ الإسراء : 51 ] ، وقال :  وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إلا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا (0) انظر : تفسير القرطبي 1/411 . (1) تفسير القرطبي2/455 . (3) هذا مخصوص بالقرى الظّالمة ، وليس عامًّا في كلّ قرية ؛ بدليل قوله تعالى :  وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إلا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ  [ :59 ] . انظر : المحرّر الوجيز لابن عطيّة 4/466 ، تفسير القرطبي14/414 ، روح المعاني للآلو15/144 ،144 .

عدد الصفحات ٢٤٧

المبحث الثَّانِي ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 141 يَسْتَأْخِرُونَ  [ الحجر : 4 ـ5 ] ؛ يقول ابن كثير : (( يؤخذون على حسب ما قدّر لهم تعالى في كتابه المحفوظ ، وعلمه قبل كونَّم ، أمّة بعد أمّة ، وقرنًا بعد قرن ، وجيلاً بعد جيل ، وخلفًا بعد سلف )) (1) . وقال تعا :  فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ  [ القمر : 14 ] ؛ أي أنّ ماء السّمّء والأرض التقيا على أمرٍ قد قضاه اللهَّ في الأزل ؛ عقوبةً لهؤلاء الظَّالمين (4) . يقول محمَّد بن كعب : (( كان القدر قبل البلاء ، وتلا هذه الآية )) (4) . وهذه الكتابة من جملة كلمّت اللهَّ التامّات الَّتي لا تبدّل أو تغيرّ ، ولا يتطرّق إليها محو ولا إثبات ألبتة ، قال تعالى :  إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ  [ يونس96، 92 ] ؛ أي وجبت عليهم ولزمتهم كلمة ربّك ؛ وهي ما كتب في اللّوح المحفوظ أزلاً من الحكم عليهم بالموت على الكفر (4) . وكذلك دلّت النّصوص على دخول المثلات وأسبابها في عموم مشيئة ا وخلقه ؛ قال تعالى :  وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا  [ يونس : 99 ] ، وقال :  وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ  [ هود : 44 ] ، فدلّ على أنّ أعمّل أولئك المُهلَكين كانت بمشيئة اللهّ (0) تفسير ابن كث4/445 . (1) انظر : تفسير القرطبي 42/94 ، تفسير ابنسعدي 2/444 . (3) تفسير الطبري42/94 ، تفسير القرطبي12/144 . (4) انظر : تفسير القرطبي 9/115 ، حاشية الصاوي على الجلال 4/454 ، روح المعاني للآلوسي 11/191 .

عدد الصفحات ٢٤٨

أصول الإيمان بالقدر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 141 تعا ، وإرادته الكونية (1) . وقال تعا :  كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ  [ الحجر : 14 ـ14 ] ؛ أي ك سلكنا الكفر في قلوب المجرمين الأوّلين من أصحاب المثلات وغيرهم كذلك نسلكه في قلوب المجرمين من قومك حتَّى لا يمكنهم الاهتداء والإيمّن أبدًا . والسّلك هو إدخال الشيّء في الشيّ ء ، وإنفاذه فيه ؛ يقال : سلكت الخي في الإبرة ؛ أي أدخلته حتَّى ينفذ ، وسلكت الطّريق ؛ أي دخلته ، ومنه قوله تعالى :  مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ  [ المدّثّر : 44 ] ؛ أي أدخلكم في جهنّم . والتَّعبير بالسّلك دون الإدخال لتمثيل إدخال الكفر في قلوب المجرمين بإ دخال السّلك في الإبرة حتَّى يتمكّن في قلوبهم ، ويصير وصفًا لازمًا لها (4) . وقد ذكر القرطبي : أنّ هذه الآية ألزم حجّة على المعتزلة (4) ؛ أي في إنكارهم دخول الكفر في عموم الخلق ؛ بناءً على أصلهم في العدل (4) ! ولا يشكل ع هذا قوله تعالى :  وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى  [ فصّلت : 12 ] ؛ لأنّ المراد بالهداية هنا هداية البيان والإرشاد لا هداية التّوفيق والإلهام ، وخلق المشيئة المستلزمة للفعل ، يقول ابن القيَّم : (( هداهم هدى البيان والدلالة فلم يهتدوا فأضلّهم عقوبةً لهم على ترك الاهتداء أوّلاً بعد أن (0) انظر : شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العزّ الحنفي ص 95 ،96 . (1) انظر : المفردات للرّاغب ص 449 ، تفسير ابن عطيّة4/454 ،454 ،4/444 ، تفسير الرّازيّ 19/164 ـ165 ، تفسير القرطبي14/2 ، تفسير ابن كث4/542 ، 4/441 ، تفسير ابن سعدي5/541 . (3) انظر : تفسير القرطبي 14/2 . (4) انظر : شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبّار ص 452 ـ422 .

عدد الصفحات ٢٤٩

المبحث الثَّانِي ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 151 عرفوا الهدى فأعرضوا عنه ؛ فأعمّهم عنه بعد أن أراهموه )) (1) . وهذه سنّة مطّردة مع كلّ من ردّ الحقّ بعد ظهوره له من قوم ثمود وغيرهم ، قال تعالى :  كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَ غْوَاهَا  [ الشَّمس : 11 ] ؛ فابتلوا بالاستمرار على التّكذيب ، والموافاة على الكفر بسبب طغيانَّم وبغيهم ، وردّهم آية اللهّ العامّة المبصرة (4) . وقال تعا :  وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُ مْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ  [ الأنعام : 114 ] ، وقال :  ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلاً إلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ  [ يونس : 24 ] ، وقال :  فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ  [ الصف : 5 ] ، يقول ابن كث : (( لما عدلوا عن اتّباع الحقّ مع علمهم به أزاغ اللهّ قلوبهم عن الهدى ، وأسكنها الشكّ ، والحيرة ، والخذلان )) (4) . وممّا يدلّ على دخول المثلات ذاتها في ع موم مشيئة اللهّ وخلقه قوله تعالى :  قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ (4)  [ الأعراف : 156 ] ، وقوله :  قَالَ إنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ  [ هود : 44 ] ، وقوله :  وَكَمْ أَهْلَكْنَا (0) شفاءالعليل ص 144 . (1) انظر : تفسير ابن كثير 4/512 ، تفسير ابن سعدي6/566 . (3) تفسير ابن كث4/459 . (4) أجمع القراء العشرة على القراءة بالشّين المعجمة . وقرأ الحسن وطاوس بالسين المهملة ؛ وهي قراءة شاذّة ، أطنب القرأة في التحفّظ منها ، حتَّى إِنَّ منهم من أنكر صحّتها عن الحسن وطاوس ، ومع ذلك فقد تعلّق بها المعتزلة في القطع بإنفاذ الوعيد ، والقول بأن العبد يخلق فعله . وهو نم من الاستدلال يكشف عن خلل في المنهج ، وأنّ مقصودهم تصحيح المذهب بأيّ طريقة لا البحث عن الدّليل القطعي واتّباعه ، كمّ يظهرون ويزعمون . انظر : المحرر الوجيز لابن عطيّة 4/461 .

عدد الصفحات ٢٥٠

أصول الإيمان بالقدر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 150 قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ  [ ق : 46 ] ؛ والمحيص موضع الحيص ؛ وهو المعدل ، والمحيد ، والمهرب ؛ والمراد أنّ أصحاب المثلات رغم شدّتهم ، وقوّة تأثيرهم في البلاد تطوافًا وتعميرًا لم يجدوا مكانًا للحيص والهرب لمّا تعلّقت مشيئة اللهَّ تعالى بإهلاكهم ، وإنفاذ وعيده المقدّر فيهم (1) . قال قتادة : (( قد حاص الفجرة فوجدوا أمر اللهَّ مُتّبِعًا )) (4) ، و رواية : (( حاص أعداء اللهّ فوجدوا أمر اللهَّ لهم مدركًا )) (4) . ودلالة المثلات على أصول القدر تتضمّن في ثناي اها دلالاتٍ جزئيّة على كثير من تفاصيل القدر يجمعها أمران كبيران ؛ أحدهما : سلبي ؛ يتضمّن الردّ على كثير ممّن حاد عن الحقّ في القدر ؛ كالطبائعيّة ، والفلاسفة ، والقدريّة . والثّاني : إيجابي ؛ يتضمّن إثبات كثيرٍ من معاني القدر ، وقواعده ، وعقائده ؛ كالتوكّل ، وإثبات الأسباب المؤثّرة دون المتوهمّة ، وإثبات المحو في التَّقدير اللاحق دون السّابق ، وبيان حدّ الظّلم المقتضي للعقوبة ، وظهور آثار حكمة اللهّ تعالى وعدله وفضله . الردّ على الزائغين في القدر الزائغون في القدر طرائق قددًا ؛ فمنهم الكافر والمبتدع والمخطئ ، وقد (0) انظر : المحرر الوجيز لابن عطيّة 5/162 ، تفسير القرطبي12/44 ،44 ، تفس ابن كثير 4/449 ، تفسير ابن سعدي2/152 ،151 . (1) تفسير القرطبي46/122 . (3) المرجع السّابق .

عدد الصفحات ٢٥١

المبحث الثَّانِي ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 151 تضمّنت نصوص المثلات في ثناياها الردّ على كثير منهم ؛ فدلالتها على إثبات أصل التّقدير تتضمّن الردّ على كلّ من فسّ وقائع اللهّ ومثلاته تفسيرًا ماديًّا يخرجها عن دلالتها الإيمّنيّة ؛ كمن اعتبرها مجرّد حوادث طبيعيّة تتعاقب على النّاس مثلمّ يتعاقب عليهم الخير والشرّ وحوادث الدّهر ، أو اعتبرها أثرًا حتميًّا للأسباب الظّاهرة أو المتوهمّة ، كمّ يزعم الدهريّة والطبائعية ومن وافقهم من المنجّمين الَّذين يعتبرون المثلات مجرّد أثرٍ للأحوال الفلكيّة ؛ فيزعمون أنّ الطّوفان كان لاجتمّع الكواكب السّبعة عدا الزهرة في برجٍ مائي ، وأنّ الرّيح العقيم كانت لاقتران بعض الكواكب ونزولها بعض المنازل (1) !! ودلالة المثلات على إثبات مراتب القدر تتضمّن الردّ على أربع طوائف : ـ أحدها : القدرية الأولى ؛ وهم الَّذين يزعمون أن لا قدر ، وأنّ الأمر أنف ؛ أي مستأنف لم يسبق بعلم ولا كتاب ، يقول ابن القيّم : (( اتّفق السّلف على كفر غلاة القدريّة ؛ وحكموا بقتلهم ، وهم الَّذين يقولون : إِنَّ اللهّ لا يعلم أعمّل العباد حتَّى يعملوها ، ولم يعلمها قبل ذلك ، ولا كت بها ولا قدّرها ، فضلاً عن أن يكون شاءها وكوّنَّا )) (4) . وأوّل من تكلّم بهذه المقالة المنكرة معبد الجهني بالبصرة ، ثُمَّ اتّبعه خلق على إفكه أشهرهم غيلان الدّمشقي ، ثُمَّ انقرض مذهبهم حتَّى لم يبق عليه من أهل القبلة أحد (4) . (0) انظر : إعلام الموقعين 4/491 ،499 ، ش فاء العليل ص 445 ، الفوائد ص 129 ، روح المعاني للآلو42/14 ،49/54 . (1) شفاء العليل ص414 [ بتصرّف يس ] . وانظر : حاشية كتاب التّوحيد لابن قاسم ص 465 . (3) انظر : صحيح مسلم بشرحه للنووي 1/154 ـ164 ، كتاب القدر للفريابي ص 

عدد الصفحات ٢٥٢

أصول الإيمان بالقدر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 153 الثّانية : الفلاسفة الإلهيون ؛ فقد أنكروا علم اللهَّ بالجزئيات المعينة ؛ لأنّ إدراكها إنّمّ يكون بجسم ، أو قوّة حالّةٍ في جسمٍ ، والعقل المفارق بريء من الجسم وعلائقه ؛ فلا يدرك الأمور إلاّ على وجه كليّ . وأنكروا كذلك مشيئة الربّ واختياره ؛ لأنّه بزعمهم موجبًا بالذات ؛ بمعنى أنّ أفعاله تصدر عنه من غير قصد أو إرادة يباشر بها الخلق والاختراع ؛ ولهذا جعلوا علاقة اللهّ بالعالم علاقة فيض أو صدور لا علاقة خلق أو إيجاد ؛ وقالوا بقدم العالم بالزّمان لا بالذّات (1) !! وهذه المقالة تصوّرها كاف في الدلالة على فسادها ؛ ولهذا قال ابن القيم : (( حاصل قولهم أنّه لا يعلم موجودًا ألبتة ؛ فإن كلّ موجود جزئي معينّ ، فإذا لم يعلم الجزئيات لم يكن عالمًا بشيء من العالم العلوي والسّفلي )) (4) ، وأدلّة فساد هذه المقالة لا تنحصر في هذا الوجه ، بل هي أكثر وأكبر وأشهر (4) ، ومن جملة وجوه بطلانَّا ما تكرّر في نصوص ا لمثلات من تمييز المؤمنين عن الكافرين عند حلول العقوبة ، وإنجائهم من بين أظهرهم دون أن يهلك  164 ـ124 ،441 . (0) انظر : النجاة لابن سينا ص 494 ، الرِّسالة الأضحوية لابن سينا ص 144 ،141 ـ 154 ، تهافت الفلاسفة للغزالي ص111 ـ144 ،414 ، الصفدية لابن تَيْمِيَّة 1/2 ـ 14 ،4/151 ،159 ، شرح العقائد النسفية للتفتازا 1/24 ،21 ، ابن تَيْمِيَّة السّلفي للهراس ص 154 . (1) شفاء العليل ص414 . وانظر : الصفدية لابن تَيْمِيَّة 1/1 . (3) انظر : الصفديّة 1/1 ،9 ،14 ،151 ،159 ،4/414 ،414 ،445 ،446 ، درء التّعارض 2/469 ،424 ، مجموع الفتاوى9/421 .

عدد الصفحات ٢٥٣

المبحث الثَّانِي ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 154 منهم أحد ، ثُمَّ إنزال العقوبة بأهلها دون أن يفلت منهم أحد لا حاضر ولا غائب ، ولا بعيد ولا قريب حتَّى لو كان من أهل النبيِّ وولده ممّا يجزم معه العقل بكمّل مشيئة الربّ ، واختياره ، وعلمه المحي بالجزئيات المعيّنة حتَّى لو كانت نملة سوداء على صخرة سوداء في ليلة ظلمّء ، ولكن القوم لا يرفعون بذلك رأسًا ؛ لأنّ القرآن كلّه في نظرهم تخييل لإفهام الجمهور لا مصدرًا لمعرفة الحقّ (1) ؛ ولهذا عرفوا عند أهل السنّة والجمّعة بأهل الوهم والتّخييل (4) . الثَّالِثَة : القدريّة الثّانية ؛ وهم الَّذين يؤمنون بقدر ويكذّبون بقدر (4) ؛ فيؤمنون بالعلم السّابق والكتاب الأوّل ، ويكذّبون بعموم المشيئة والخلق ؛ ولهذا يزعمون أنّ اللهّ أعطى العبد قدرة وإرادة ، وفوّض إليه بهمّ الفعل والترّك ، وخلا ه ما يريد ؛ فكان مستقلاًّ بفعله استقلالاً كاملاً ، ومسؤولاً عن آثاره مسؤولية كاملة ؛ وبهذا يصحّ الاستحقاق ، ويتحقّق العدل ؛ إذ لو كانت أفعال العباد داخلةً في عموم مشيئة اللهَّ وخلقه لكان العقاب على ما فعله بهم ظلمًّ ينافي أصل العدل (4) ! وقد لزمهم على هذا الأصل الفاسد الشرّك في الرّبوبيّة ، وأن يكون في ملك اللهَّ تعالى ما لا يريده ، ومعنى ذلك وصفه بالعجز ، تعالى اللهَّ عمَّّ يقولون علوًّا كبيرًا ، روى الحافظ (0) انظر : الرِّسالة الأضحوية لابن سينا ص 149 ـ114 ،144 ، الكشف عن مناهج الأدلّة لابن رشد ص 444 . (1) انظر : درء التّعارض لابن تَيْمِيَّة 1/14 ـ11 . (3) انظر : كتاب القدر لأبي جعفر الفريابي ص 444 . (4) انظر : شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبّار ص 452 ـ422 ، مجموع الفتاوى لابن تَيْمِيَّة 14/412 ، شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ص 545 .

عدد الصفحات ٢٥٤

أصول الإيمان بالقدر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 155 أبو جعفر الفريابي بسنده عن أبي ضمرة قال : (( وقف غيلان على ربيعة بن أبي عبد الرَّحمن فقال : يا ربيعة ، أين الَّذي يزعم أنّ اللهَّ يحبّ أن يعصى ؟ فقال له ربيعة : ويلك يا غيلان ، أو يعصى اللهَّ قسًا ! فكأنّمّ ألقمه حجرًا )) (1) . وفوق هذه اللوازم دلالة النّصوص الصرّيحة على عموم مشيئة اللهَّ وخلقه ، وأنَّّا تتعلّق بأعمّل العباد تعلّقًا حقيقيًّا لا مجرّد تفو يض كمّ يزعمون (4) ؛ كقوله تعالى :  لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ  [ التَّكوير : 41 ـ49 ] ، وقوله :  وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا  [ يونس : 99 ] ، وقوله :  كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ  [ الحجر : 14 ـ14 ] . روى الحافظ الفريا بسند صحيح عن ابن عبّاس ـ رضي اللهَّ عنهمّ ـ أنّ رجلاً قال له : (( إِنَّ قومًا يقولون : ليس الشرّك بقدر ، فقال ابن عبّاس :  سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا ءَابَاؤُنَا  حتَّى بلغ  فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ  [ الأنعام : 141 ـ149 ] (4) ، ولمّا تلا عليّ بن زيد هذه الآية نادى بأعلى صوته : (( انقطع واللهّ ههنا كلام أهل القدر )) (4) . الرَّابعة : الجبريّة ؛ وهم الَّذين غلوا في إثبات القدر حتَّى سلبوا قدرة العبد ، أو أثبتوا له قدرة غير مؤثّرة في الفعل ، يقول الجرجاني : (( الجبريّة .. من الجبر ؛ وهو إسناد فعل العبد إ لى اللهَّ . والجبريّة اثنان : متوسّطة تثبت (0) كتاب القدر ص441 . (1) انظر : تفسير القرطبي 9/41 ، درء التّعارض 2/461 ،469 ، شرح الطحاوية ص 444 ، روح المعاني للآلو11/191 ،194 . (3) كتاب القدر ص445 . (4) المرجع السّابق ص 442 .

عدد الصفحات ٢٥٥

المبحث الثَّانِي ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 151 للعبد كسبًا في الفعل ؛ كالأشعريّة . وخالصة لا تثبت كالجهميّة )) (1) . والجبر مناف للشرّع لفظًا ومعنى ؛ فالشرّع إنّمّ جاء بالجبل والتّيسير دون الجبر والتَّسيير ، وبإثبات عموم مشيئة اللهَّ وخلقه دون إلغاء مشيئة العبد وقدرته ؛ ولهذا رتّب الجزاء على الأعمّل في الدّنيا والآخرة ترتيب المسبّب على السّبب ، والأثر على المؤثّر (4) ، قال تعا :  وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ  [ النَّمل : 54 ] ، وقال :  فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ  [ العنكبوت : 42 ] ، وقال :  وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ  [ الزّخرف : 24 ] ، وقال :  وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ  [ السجدة : 14 ] ؛ فلو كان العبد اختيار له فيمّ يفعله لما كان لهذا التّعليق والإضافة معنًى ، ولكان ما يقدّره اللهَّ من عقاب على الأشقياء من عباده عقابًا على ما لا صنع لهم فيه ؛ وهذا هو الظّلم الصرّاح الَّذي تكرّر التَّنزيه عنه عند ذكر عقوبات الدّنيا والآخرة ، قال تعالى :  فَكُلاَّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْ سَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُ سَهُمْ يَظْلِمُونَ  [ العنكبوت : 44 ] ، وقال :  إنَّ الْمُجْرِ مِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ  [ الزّخرف : 24 ـ26 ] ؛ ولهذا كان من لوازم القول بالجبر الطّعن في عدل الربّ ونزاهته عن الظّلم ، يقول ابن القيم : (( الجبر لا يجامع العدل ، ولا يجامع الشرّع (0) التعريفات للجرجاني ص 24 ، وانظر : شفاء الع ليل لابن القيّم ص 5 ،449 ، شرح العقيدة الطحاوية ص 444 ،542 . (1) انظر : درء التّعارض لابن تَيْمِيَّة 1/454 ـ452 ، مجموع الفتاوى5/444 ـ444 ، شفاء العليل لابن القيّم ص 441 ـ441 ، شرح العقيدة الطحاوية ص441 ،444 ، 441 .

عدد الصفحات ٢٥٦

أصول الإيمان بالقدر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 152 والتّوحيد)) (1) . بطلان التطيّر التطيرّ هو التشاؤم بمرئيّ ، أو مسموع ، أو معلوم ؛ كطير ، أو بقعةٍ ، أو اسم ، أو لفظ ، أو يوم ، أو شهر . وأصله التطيرّ بالسوانح والبوارح من الطّير والظِّباء ، وإنّمّ غلب اسم الطّير لأوليته ، أو لخفّته ، أو لأنّ ما كان يقع في قلوبهم بسببه أقوى ممّا كان يقع فيها بسبب الظِّباء . ثُمَّ كثر استعمّل التطيرّ ، وتوسّع في مدلوله حتَّى أصبح اسمًّ لكلّ تشاؤم بقطع النّظر عن متعلّقه من طير أو غيره (4) . والطِّيرََةُ من أمر الجاهليّة الإسلام ؛ ولهذا لم تذكر إلاّ عن أصحاب المثلات (4) ، قال تعا :  قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ  [ النَّمل : 42 ] ، وقال :  فَإذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ  [ الأعراف : 141 ] ، وقال :  قَالُوا إنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّ نَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ  [ يس : 11 ـ19 ] ؛ أي معتدون متجاوزون بجهلكم ما لم يكن حقّه أن يتجاوز من الإذعان للحقّ ، والإيمّن بعموم القدر ، وإثبات أسباب الخير والشرّ كمّ (0) شفاء العليل ص444 . (1) انظر : تفسير القرطبي 2/464 ،465 ، مفتاح دار السّعادة لابن القيّم 4/446 ، فتح الباري لابن حجر 14/415 ، حاشية كتاب التّوحيد لابن قاسم ص 414 ، القول السّديد لابن سعدي ص 141 ، القول المفيد لابن عثيم4/22 . (3) انظر : مفتاح دار السّعادة 4/441 ،444 .

عدد الصفحات ٢٥٧

المبحث الثَّانِي ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 151 هي في الواقع ونفس الأمر ؛ فالخير والشرّ ، واليُمن والشؤم ، والخصب والجدب ، والحسنات والسيئات كلّها من عند اللهّ تعالى ؛ أي بمّ يقدّره على عباده بسبب أعمّلهم لا بمّ يتوهمّونه ويتطيرّون به من الذّوات والمعاني ؛ ولهذا أضاف ما أصابهم لنفسه إضافة تقدير وخل ق ، وأضافه إليهم إضافة سبب وفعل ؛ لأنّ طائر الباغي الظّالم معه تسبّبًا وكسبًا ، وإن كان من عند اللهّ تقديرًا وخلقًا (1) . وأمّا قوله تعا :  إنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ  [ القمر : 19 ] ؛ فلا يناقض ما أبطلته هذه النّصوص من الطِّيرََةِ ؛ لأنّ المراد بيان أنّ هذا اليوم كان نحسًا على قوم عاد بخصوصهم ؛ لكفرهم وكبرهم ، لا إثبات الشؤم في ذات اليوم ونفسه ، بحيث يستمرّ شؤمه على جميع الخلق في جميع الزّمن ؛ وإلاّ للزم أن تكون كلّ الأيَّام شؤمًا ؛ لأنّ الرِّيح استمرّت عليهم ثمّنية أيّام متتابعات ، وقد وصفت بمّ وصف به هذا اليوم ، قال تعالى :  فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ  [ فصّلت : 16 ] ؛ أي نحسات عليهم خاصّة لا على الخلق كافّة ، يقول ابن كثير : (( معلوم أنََّّا ثمّنية أيَّام متتابعات ، فلو كانت نحسات في أنفسها لكانت جميع الأيّام السّبعة المندرجة فيها مشؤومة ، وهذا لا يقوله أحد ، وإنّمّ المراد في أيّام نحسات ؛ أي عليهم )) (4) . (0) انظر : تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص 491 ،494 ، المفردات للراغب ص 444 ،441 ، تفسير ابن كث4/449 ، فتح المجيد ص449 ، حاشية ابن قاسم التوحيد ص 414 ،414 . (1) البداية والنهاية1/141 .

عدد الصفحات ٢٥٨

أصول الإيمان بالقدر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 151 وكذلك الشأن فيمّ يذكر ويؤثر من أن مبتدأ عذاب عاد قوم هود كان يوم الأربعاء ؛ فهو لذلك يوم نحس مستمر ؛ إمّا مطلقًا ، أو بقيد كونه آخر أربعاء في الشّهر ! فهذا كلّه لا حجّة فيه على إثبات ما أبطلته النّصوص من الطِّيرََة ؛ لأمرين : ـ أحدهما : أنّه ليس على ابتداء عذابهم دليل ثابت ، وإنّمّ هو مجرّد قول ذكره بعض المفسِّين يعارضه قول من ذكر أن ابتداءه كان يوم الجمعة (1) . والثّاني : أنّ الأخبار الواردة في شؤم يوم الأربعاء تروى بأسانيد ضعيفةٍ أو واهية ، ومن العلمّء من حكم على بعضها بالوضع ؛ كابن الجوزي ، وابن رجب ، وابن حجر ، والشّوكاني ، وغيرهم (4) . وأهمّ ما يدلّ على بطلان هذه الأخبار وفساد الاستدلال على إثبات الشؤم بقوله تعالى :  إنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِر  [ القمر : 19 ] منافاة ما يتوهّم من دلالاتها لما جاءت به الشرّيعة من إثبات القدر خيره وشرّه ، وإبطال ما يعارضه من التطيرّ بالمرئيات والمسموعات ، واعتباره شركًا ووهمًا في نفس المتطيرّ لا حقيقة في عين المتطيرّ به ، وأدلّة هذه الأصول المهمّة كثيرة ، منها : ـ 1 ـ قوله تعالى :  مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ  [ الحديد : 44 ] ، يقول ابن (0) انظر : تفسير القرطبي 12/145 ،146 ، البداية والنهاية لابن ك ثير 1/141 ، روح المعاني للآلوسي 42/14 ـ11 ، أضواء البيان للشنقيطي2/144 ـ146 . (1) انظر : المقاصد الحسنة للسخاوي ص 559 ، كشف الخفاء للعجلو1/11 ـ14 ، 4/541 ، الفوائد المجموعة للشوكاني ص451 ـ454 .

عدد الصفحات ٢٥٩