المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

دراسات في دلالات المثلات

عيسى بن عبدالله السعدي

صفحة ١٤ من ١٩

المبحث الخامس ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 111 بِالْعَرْصَةِ ثَاثَ لَيَال ، فَلَمَّا كَانَ بِبَدْر الْيَوْمَ الثَّالِثَ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَشُدَّ عَلَيْهَا رَحْلُهَا ، ثُمَّ مَشَى وَاتَّبَعَهُ أَصْحَابُهُ ، وَقَالُوا : مَا نُرَى يَنْطَلِقُ إِلاَّ لِبَعْضِ حَاجَتِهِ ، حَتََّّ قَامَ عَلَى شَفَةِ الرَّكِرِّ (1) ؛ فَجَعَلَ يُنَادِيهِمْ بِأَسَْْائِهِمْ وَأَسَْْاءِ آبَائِهِمْ : يَا فُانُ بْنَ فُان ، وَيَا فُانُ بْنَ فُان ، أَيَسُرُّكُمْ أَنَّكُمْ أَطَعْتُمُ اللَََّّ وَرَسُولَهُ ، فَإِنَّا قَدْ وَجَ دْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا ، فَهَلْ وَجَدْتَُْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ؟ قَالَ فَقَالَ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللََِّّ ! مَا تُكَلِّمُ مِنْ أَجْسَاد لا أَرْوَاحَ لَََا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللََِّّ  : وَالَّذِي نَفْسُ مَُُمَّد بِيَدِهِ ، مَا أَنْ تُمْ بِأَسَْْعَ لَِْا أَقُولُ مِنْهُمْ (4) ، وفي رواية : مَا أَنْتُمْ بِأَسَْْعَ لَِْا أَقُولُ مِنْهُمْ غَيَْْ أَنَّهُمْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَرُدُّوا عَلَرَّ شَيْئًا (4) . وقد ورد عن أمِّ المؤمنين عائشة ـ ر الله عنها ـ ما يدلّ على إنكار سمّ ع الموتى ؛ استدلالاً بقوله تعالى :  إنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى  [ النمل : 14 ] ، وقوله :  وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ  [ فاطر : 44 ] ؛ روى البخاريّ بسنده عن ابن عمر ـ رضي الله عنهمّ ـ قال : وَقَفَ النَّبُِِّ  عَلَى قَلِيبِ بَدْر فَقَالَ : هَلْ وَجَدْتَُْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ؟ ثُمَّ قَالَ : إِنَّهُمُ الآنَ يَسْمَعُونَ مَا أَقُولُ ، فَذُكِرَ لِعَائِشَةَ فَقَالَتْ : إِنَََّّا قَالَ النَّبُِِّ  : إِنَّهُمُ الآنَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي كُنْتُ أَقُولُ لََُمْ هُوَ الَْْقُّ ، ثُمَّ قَرَأَتْ :  إنَّكَ لاَ تُسْمِعُ  انظر : فتح الباري 2/444 . (0) الركي بفتح الراء وكس الكاف وتشديد آخره البئر قبل أن تطوى ؛ فالظاهر أنََّّا كانت مطويّة فاستهدمت فصارت كالركي . المرجع السّابق . (1) صحيح البخاريّ : كتاب المغازي ، ح ( 4926 ) . وانظر : صحيح مسلم : كتاب الجنّة وصفة نعيمها ، ح ( 5141 ) . (3) صحيح مسلم : كتاب الجنّة وصفة نعيمها ، ح ( 5144 ) . وانظر : صحيح البخاريّ : كتاب الجنائز ، ح ( 1424 ) .

عدد الصفحات ٢٢٦

أحكام التَّوحيد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 112 الْمَوْتَى  [ النمل : 14 ] ، حَتََّّ قَرَأَتِ الآيَةَ (1) ، وفي رواية : قَدْ وَهِلَ (4) ؛ إِنَََّّا قَالَ : إِنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ أَنَّ مَا كُنْتُ أَقُولُ لََُمْ حَقٌّ ، ثُ مَّ قَرَأَتْ :  إنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى  [ النمل : 14 ] ، وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ  [ فاطر : 44 ] (4) . وقد أجاب أهل العلم عمّّ أنكرته واحتجّت به من وجوه ، أحدها : أنّ ابن عمر لم ينفرد بحكاية سمّع أهل القليب ؛ فقد وافقه ع لى ذلك عمر بن الخطاب ، وأبو طلحة ، وابن مسعود . بل إنّه صحّ عن عائشة مثل ذلك ، فكأنَّّا رجعت عن رأيها لرواية هؤلاء الصحابة (4) . والثّاني : أنّ الآيتين لا حجّة فيها على نفي سمّع الموتى ؛ لأنّه إن أريد بهمّ الموت المعنوي ؛ وهو الكفر والجهل فلا حجّة فيهمّ على نفي السّمّع أصلاً . وهذا مسلك ابن قتيبة والقرطبي وابن القيِّم (5) . وإن أريد بها الموت الحسيّ ؛ (0) صحيح البخاريّ : كتاب المغازي ، ح ( 4911 ) . (1) أي غل ون . انظر : شرح صحيح مسلم للنووي 6/444 . (3) صحيح مسلم : كتاب الجنائز ، ح ( 1542 ) . وان ظر : صحيح البخاريّ : كتاب الجنائز ، ح ( 4929 ) . وممّا يحسن التنبيه عليه هنا أنّ بعض المتكلّمين تعلّقوا بهذا النص ونظائره ؛ لتبرير معارضتهم للنّصوص ، والطعن في ظواهرها . ولا حجّة لهم في هذا ؛ لأنّ الصحابة لم يكونوا يعارضون برأي أو قياس ، وإنّمّ كانوا يعارضون بنصّ آخر أصحّ في نظرهم أو أدلّ على المراد . انظر : درء التّعارض لابن تَيْمِيَّة 5/441 ـ444 . (4) انظر : صحيح مسلم بشرحه للنووي 12/446 ـ441 ، فتح الباري لابن حجر 2/444 ،444 . (5) انظر : تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص 144 ، تفسير القرطبي 14/444 ، الروح لابن القيِّم ص65 ، فتح الباري لابن حجر2/444 .

عدد الصفحات ٢٢٧

المبحث الخامس ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 111 أي مفارقة الروح للبدن ؛ فالمقصود بهمّ حينئذٍ نفي سمّع القبول والإجابة لا نفي سمّع الإدراك والفهم . وهذا مسلك الجمهور وأصحّ أجوبتهم ، ولهم عدّة أجوبة سواه ؛ كال قول بأنّ نفي السمّع مقيّد بالاستقرار في النّار وإثباته فيمّ قبل ذلك ، أو أنّه مقيّد بالمقبور دون غيره ، أو أنّ السمّع خاص بخطاب الأنبياء دون غيرهم ؛ إمَّا بأن يحييهم الله حتَّى يسمعوا كلامهم ؛ آية وخرقًا للعادة كمّ قال قتادة ، أو أن يردّ إليهم إدراكًا خاصًّا حتَّى يسمعوا به كلامهم وخطابهم ، كمّ قال ابن عطيّة (1) . ولكن فيمّ قاله ابن عطيّة نظر ؛ لأنّه بنى جوابه على مفهوم الرُّوح عند الأشاعرة ؛ وأنَََّّا إمَّا نفس البدن ، وإِ مَّا صفة من صفاته . وهذا يعني إنكار بقاء الرُّوح بعد مفارقة البدن كمّ نصُّوا على ذلك (4) . قال ابن تَيْمِيَّة (( إنكار بقاء النَّفْس بعد الموت قول مبتدع في الإسلام لم يذهب إليه أحد من الصَّحَابَة والتَّابعين لهم بإحسان )) (4) . وأيضًا فإنّ تخصيص السمّع بخطاب الأنبياء ، أو بالمقبور دون من لم يقبر ، أو بمّ قبل الاستقرار في (0) انظر : التمهيد لابن عبد البر 44/444 ، تفسير ابن عطيّة4/424 ، شرح صحيح مسلم للنووي 12/446 ، مجموع الفتاوى لابن تَيْمِيَّة 4/491 ،44/464 ، مدارج السّالكين لابن القيّم 1/414 ،414 ، فتح الباري لابن حجر 2/441 ـ445 ، روح المعاني للآلوسي 1/166 . (1) انظر : شرح المواقف4/442 ، شرح المقاصد4/445 ـ449 ،5/19 ، المسامرة ص 441 ـ441 . وإنكار بقاء الروح المفارقة لا يعني بالضرورة إنكار سمّع الموتى ؛ أو نفي عذاب الق ونعيمه ؛ لأنّ كثيرًا من المتكلِّمين يثبتونه على نحو يرونه مطّردًا على أصولهم ؛ فيقولون بخلق الحياة في جزء من البدن ليسمع الخطاب ، وينعم أو يعذّب . انظر : شرح النسفية للتفتازاني 1/161 ـ164 ، الصفدية4/462 ، الروح لابن القيِّم ص154 . (3) الصفدية لابن تَيْمِيَّة 4/462 ،461 . وانظر : كتاب الروح لابن القيّم ص 154 .

عدد الصفحات ٢٢٨

أحكام التَّوحيد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 111 النار كلّ ذلك غير مسلّم ؛ لعدم المخصّص أو عدم الاطّراد ؛ ولهذا كان الجواب الأوّل أصحّ أجوبة الجمهور ، وأجراها مع النّصوص . والثّالث : أنّ سمّع الموتى ثابت بأمور كثيرة جاءت بها السنّة الصّ حيحة ؛ كسمّع الميّت قرع نعال المشيعين إذا أدبروا ، ومشروعيّة السّلام عليه بصيغة الخطاب ؛ لأنّ الخطاب لمن يدرك ويسمع ، وكالنّصّ على ردّ روح الميت وقت السّلام (1) . يقول ابن تَيْمِيَّة : (( هذه النّصوص وأمثالها تبينّ أنّ الميّت يسمع في الجملة كلام الحيّ ، و لا يجب أن يكون السمع له دائمًّ ، بل قد يسمع في حال دون حال ، كمّ قد يعرض للحيّ ؛ فإنّه قد يسمع أحيانًا خطاب من يخاطبه ، وقد لا يسمع لعارض يعرض له )) (4) . ولا حجّة لدعاة الشرِّك فيمّ دلّت عليه هذه النّصوص من الحقّ ؛ لأنَّّا إنّمّ دلّت على إثبات سمّع مقيّد لا يكون معه قدرة على الجواب والردّ فضلاً عن قدرة خارقة يمكن معها استجابة الدّعوات وقضاء الحاجات كمّ يزعمون ويتخيّلون (4) ، قال تعا :  وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَ مِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ (0) انظر : تفسير القرطبي 14/444 ، التذكرة للقرطبي ص145 ، شرح صحيح مسلم للنووي 12/446 ،442 ، مجموع الفتاوى لابن تَيْمِيَّة 4/499 ،44/124 ، 492 ،464 ،464 ، الروح لابن القيِّم ص65 . (1) مجموع الفتاوى44/464 . وانظر : التذكرة للقرطبي ص145 . (3) ينكر بعض أهل العلم سمّع الموتى من أصله ؛ لأسباب أهمّها سدّ ذرائع الشرِّك ، وفي سبيل تقرير هذا الأصل ردّوا كثيرًا من الحقّ . والواجب على المسلم أن يردّ الباطل بالحقّ حتَّى يطرد قوله ، وتسلم مقالته ، ويهدي به اللهّ من يشاء من عباده . انظر : مقدّمة شفاء الصدور ص 149 ـ144 .

عدد الصفحات ٢٢٩

المبحث الخامس ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 131 بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ  [ فاطر : 14 ،14 ] .    صيام عاشوراء ترتب مشروعيّة صيام عاشوراء بالمثلات ارتباطًا جوهريًّا ؛ وذلك أنّ إنجاء موسى وقومه ، وإهلاك فرعون وجنده كان في هذا اليوم العظيم فشرع صيامه ؛ شكرًا لله تعالى على إنجاء أوليائه وإهلاك أعدائه ، روى مسلم بسنده عن ابن عبّاس ـ رضي الله عنهمّ ـ أَنَّ رَسُولَ اللََِّّ  قَدِمَ الَْْدِينَةَ فَوَجَدَ الْيَهُودَ صِيَامًا يَوْمَ عَاشُورَاءَ ؛ فَقَالَ لََُمْ رَسُ ولُ اللََِّّ  : مَا هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي تَصُومُونَهُ ؟ فَقَالُوا : هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ ، أَنَْْى اللََُّّ فِيهِ مُوسَى وَقَوْمَهُ ، وَغَرَّقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ ، فَصَامَهُ مُوسَى شُكْرًا ، فَنَحْنُ نَصُومُهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللََِّّ  :فَنَحْنُ أَ حَقُّ وَأَوْلََ بُِِوسَى مِنْكُمْ ؛ فَصَامَهُ رَسُولُ اللََِّّ  ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ (1) ؛ فشرع النَّبيّ  صيامه بقوله وفعله ؛ إقتداءً بموسى  في شكرالله على فضله ، وترك ما أحدثه اليهود في عاشوراء زائدًا على ما فعله موسى  من الصِّيام ؛ روى مسلم بسنده عن أبي موسى  قال : كَانَ أَهْلُ خَيْبََ يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ يَتَّخِذُونَهُ عِيدًا ، وَيُلْبِسُونَ نِسَاءَهُمْ فِيهِ حُلِيَّهُمْ وَشَارَتَهُمْ ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللََِّّ  : فَصُومُوهُ أَنْتُمْ (4) ؛ فاكتفى بسنّ ة موسى  في عاشوراء ، وخالف اليهود فيمّ أحدثوه من التِّعظيم ، وأمر بصيام يوم قبله أو بعده ؛ (0) صحيح مسلم : كتاب الصيام ، ح ( 1911 ) . وانظر : صحيح البخاريّ : كتاب أحاديث الأنبياء ، ح ( 4492 ) . وقد استشكل بعض أهل العلم قبول خبر اليهود عن عاشوراء ، وأجيب عن ذلك بأجوبة أصحها أنّه  أوحي إليه بصدقهم فيمّ قالوه وأخبروا به . انظر : صحيح مسلم للنووي 1/11 ، فتح الباري لابن حجر4/441 . (1) صحيح مسلم : كتاب الصيام ، ح ( 1914 ) .

عدد الصفحات ٢٣٠

أحكام التَّوحيد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 130 إمعانًا في مخالفتهم حتَّى في صورة الفعل المشروع (1) . وقد ورد في بعض الروايات ذكر سبب آخر لتعظيم عاشوراء مرتب بالمثلات أيضًا ؛ وهو استواء سفينة نوح  ونجاته في عا شوراء ؛ روى الإمام أحمد بسنده عن أبي هريرة  قال : مَرَّ النَّبُِِّ  بِأُنَاس مِنَ الْيَهُودِ قَدْ صَامُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ ، فَقَالَ : مَا هَذَا مِنَ الصَّوْمِ ؟ قَالُوا : هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي نََّْى اللََُّّ مُوسَى وَبَنِِ إِسْرَائِيلَ مِنَ الْغَ رَقِ ، وَغَرَّقَ فِيهِ فِرْعَوْنَ ، وَهَذَا يَوْمُ اسْتَوَتْ فِيهِ السَّفِينَةُ عَلَى الُْْودِيِّ ، فَصَامَهُ نُوحٌ وَمُوسَى ـ عليهما السَّام ـ شُكْرًا للََِِّّ تَعَالََ ، فَقَالَ النَّبُِِّ  : أَنَا أَحَقُّ بُِِوسَى ، وَأَحَقُّ بِصَوْمِ هَذَا الْيَوْمِ ، فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالصَّوْمِ (4) ،قال ابن كثير : هذا حديث غريب من هذا الوجه ، ولبعضه شاهد في الصّحيح (4) .واحتجّ به ابن حجر وسكت عنه (4) . ومقتضى قواعده أنّه صحيح عنده أو حسن (5) . ولكنّ الحديث وإن كان ظاهر إسناده الاتّصال إِلاَّ أَنَّ فيه ثلاثة ضعفاء ؛ أبو جعفر المدائني ضعّفه ابن عبد البرّ وغيره (6) ، وعبد الصَّمد بن حبيب الأزدي لينّ الحديث (2) ، وأبوه حبيب بن عبد الله مجهول (1) ؛ فيبقى الاحتجاج بالحديث محلّ نظر ؛ وبخاصّة أنّ النّاس تزيدوا في ذكر فضائل عاشوراء حتَّى ذكروا أنّ أكثر حوادث الأنبياء (0) انظر : فتح الباري 4/445 ،446 . (1) المسند : باقي مسند المكثرين ، ح ( 1464 ) . (3) تفسير ابن كث4/442 . (4) انظر : فتح الباري لابن حجر 4/442 ،441 . (5) انظر : هدي الساري لابن حجر ص4 . (1) انظر : تهذيب التهذيب لابن حجر 9/99 . (2) انظر : الكاشف للذهبي 4/124 . (1) انظر : تهذيب التهذيب 4/112 .

عدد الصفحات ٢٣١

المبحث الخامس ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 131 الكبرى كانت فيه ؛ كتوبة آدم ، وإنجاء الخليل ، وفداء الذّبيح ، وردّ يوسف ، وشفاء أيوب ، مع أن هذا كلّه ممّا لم يرد بإسناد صحيح تقوم به الحجّة (1) .      (0) انظر : منهاج السنّة النّبويّة لابن تَيْمِيَّة 1/149 ، مجموع الفتاوى45/444 .

عدد الصفحات ٢٣٢

الخاتمة الحمد الله الَّذي أعان على إتمام البحث في دلالة الم ثلات على التَّوحيد ؛ وهو بحث يستمدّ أهميّته من أهميّة أدلّته وغناها ، ومن شرف مدلوله ، وعلوّ شأنه ؛ ولهذا كان ثريًّا بالحقائق الإيمّنية ، والنتائج العلميّة ، وأهم ما توصّلت إليه من ذلك الأمور التالية : ـ 1 ـ كثرة أدلّة التَّوحيد في القرآن ؛ وأغلبها أدلّة سمعية عقليّة تستلزم وجود مدلولها إلاّ إذا حال دون وجوده ظلم أو كبر أو هوى . ودليل المثلات من جملة هذه الأدلّة ؛ فهو برهان خبري عقلي على وجود الله تعالى وصفاته واستحقاقه وحده للعبادة . 4 ـ دلالة الخلق على الخالق تعمّ دلالته حال الاطّراد ودلالته حال الانتقاض ؛ ولهذا كانت آيات الرّسل ، وخوارقهم من أدلِّ الطُّرق على الخالق وأقواها ؛ ويدخل فيها دخولاً أوّليًّا وقائعه الخارجة عن المعتاد ؛ إذ يستحيل أن يكون اطِّراد لحوقها بأعداء الرسل صدفة أو طبعًا . 4 ـ دلالة المثلات على الخالق ليست من جهة ذاتها فحسب وإنّمّ تدلّ على وجوده وكمّ له من جهة أحوال أهلها أيضًا ؛ لأنّ المثلات إنّمّ كانت تصيب أهلها بعد دعاء الأنبياء واستفتاحهم ، وهذا دليل حسيِّ على وجود من استنصروه وعلى قدرته وكمّله . وأيضًا فإنّ الله أظهر على النمروذ وفرعون من الاحتياج والعجز والفقر

عدد الصفحات ٢٣٣

الخاتمة ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 134 ما صار آيةً للخلق كافّةً على إفكهم وإفك أمثالهم ممّن يدّعي الربوبيّة ، أو يدّعي شيئًا من معانيها . 4 ـ دليل المثلات من أهمّ براهين الصِّفات ؛ لأنّ ما يوقعه الله بأهل الكفر من النّكال المنقطع النّظير دليل على كمّل حياته وقدرته ومشيئته . وكمّل هذه الصِّفات يدلّ على باقي الصِّفات إمَّا بطريق التضمّ ن أو الالتزام ؛ ولهذا قرنت نصوص المثلات بكثير من الصِّفات ؛ كالعلم ، والرّحمة والغضب . 5 ـ كثرة ترديد الصِّفات في نصوص المثلات يدلّ على صحّة مذهب أهل السنة والجمّعة في إثبات الصِّفات بعامّة وبطلان مقالة من فرّق بين الصِّفات فأثبت بعضًا دون بعض . وأيضًا فإنّ في هذا الترديد أعظم تحذير لكلّ من تخلّق بأخلاق أصحاب المثلات وفعل ما أغضب الربّ من أفعالهم . 6 ـ دليل المثلات برهان على توحيد العبادة أيضًا ؛ لأنّ ما أوقعه الله بأهل الشرِّك برهان على بطلان ما كانوا عليه من التعلّق بالخلق ؛ إذ لو كان ما هم عليه حقًّا لما حلّت به م المثلات ، ولو كانت آلهتهم كمّ تخيّلوا لدفعت أو شفعت ولكنها غابت عنهم أحوج ما كانوا ، ولم ينالوا بشركهم إلاّ نقيض مقصودهم . 2 ـ لا تنحصر دلالة المثلات على توحيد العبادة في إثباته وتقريره ، وإنّمّ تدلّ مع ذلك على كثيرٍ من حقائقه وأصوله ؛ فمن ذلك ضرورة التمييز بين حقّ المرسل وحقِّ الرّسول ؛ خلافًا لمن لم يفصل بين الحقّين ، ورفع بعض الرّسل أو غيرهم من الخلق فوق منزلتهم

عدد الصفحات ٢٣٤

الخاتمة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 135 حتَّى صاروا شركاء لله في شيء من خصائصه أو حقوقه . ومنها الدلالة على أنّ رابطة التَّوحيد أصل الرواب والأواصر ، وسائر الرواب فرع وتبع لها ؛ فمن ف اته الأصل لم يغنه الفرع شيئًا مهمّ عظم أو شرف . ومنها قلّة أتباع الأنبياء على التَّوحيد غالبًا ؛ ولهذا كان من أعظم فضائل موسى ومحمّد ـ عليهمّ الصَّلاة والسّلام ـ ما أكرمهمّ الله به من كثرة الأتباع على التَّوحيد . ومنها أنّ الشفاعة في النجاة من عذاب الدّنيا والآخرة لا تحلّ إلاّ فيمن كان مؤمنًا . ومنها أن من عظم توحيده وإخلاصه فقد يكرم بدخول روحه الجنّة ساعة موته ، وكذلك من عظم إشراكه وإجرامه فقد يخزى بدخول روحه النار ساعة موته . 1 ـ مشروعيّة لعن أصحاب المثلات ومن في حكمهم (1) بأعيانَّم وأوصافهم الخاصّة ؛ لأنّ إِتْبَاعهم باللّعن يدلّ على مشروعيّة لعنهم ، ولزومه لهم كلّمّ ذكروا . ولا يلزم من ذلك مشروعيّة لعن الكافر المعينّ ؛ لأنّا لا نعرف حاله ، وخاتمة أمره معرفة قطعيّة . 9 ـ عظم ما أصاب أصحاب المثلات من اللعن ؛ ولهذا سرى أثره لبقاعهم فحرمت الصَّلاة فيها ، وحرم استيطانَّا ، والانتفاع بشيء ممّا فيها ؛ فرارًا من لعنة الله وسخطه . ولا يلزم من ذلك أن تكون مواضع نجاة الأنبياء وأتباعهم محلاًّ لالتمّس العبادة أو البركة ؛ (0) كأصحاب ق ليب بدر ؛ لأنّ النَّبيّ  قال بعد أن ألقاهم فيه : وَأُتْبِعَ أَصْحَابُ الْقَلِيبِ لَعْنَةً . انظر : صحيح البخاريّ : كتاب الصَّلاة ، ح ( 544 ) .

عدد الصفحات ٢٣٥

الخاتمة ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 131 لأنّ ذلك لم يثبت بدليل خبري ، ولم يفعله جمهور السّلف ؛ مع كمّل علمهم وشدّ ة حرصهم . 14 ـ جواز الدعاء على الكفرة بالهلاك على الكفر متى علم الداعي يقينًا استحالة إيمّنَّم ؛ ولهذا لا يشرع الدعاء على معينّ بالشدِّ على القلب ، والاستئصال على الكفر بعد انقطاع الوحي ؛ لأنّ مآله مجهول عندنا ؛ فقد يتوب ، ولا يكون رضا الله في إهلاكه كافرًا . 11 ـ ما ورد في نصوص المثلات أو غيرها من الدلالة على مخاطبة الموتى وسمّعهم لا يعني أنَّّم في ذلك كالأحياء أو أقدر كمّ يتخيّل بعض الخاطئين أو المخطئين ؛ لأنّ النّصوص إنّمّ دلّت على إثبات سمّعهم إثباتًا مقيّدًا لا يكون معه قدرة على الجواب والردّ فضلاً عن قدرة يمكن م عها التأثير في استجابة الدّعوات وقضاء الحاجات . والله أعلم ، وصلىّ الله على نبيّنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين .     

عدد الصفحات ٢٣٦

الدِّراسة الرَّابعة دلالة المَثُلاَت على القدر

عدد الصفحات ٢٣٧

المقدِّمة الحمد لله وحده ، والصلاة والسّلام على من لا نبيّ بعده ، وبعد : فإِنَّ من أكثر ما تردّد ذكره في القرآن الكريم الإخبار عن عقوبات الأمم ؛ لما في ذلك من العبر والعظات ، والآيات والدلالات على كثير من عقائد الإيمّن وحقائقه ؛ ومن أهمّ ما دلّت عليه من العقائد عقيدة القضاء والقدر ؛ فهي تدلّ على علم اللهَّ السَّابق ، وكتابه الأَوَّل ، وتدلّ أيضًا على عموم مشيئة اللهَّ وخلقه . ويدخل في ذلك الدلالة على حكمة اللهّ في فعله ، وعدله في خلقه ، وبيان مناط عقابه ، ومدار أخذه وبطشه . وهي أمور عظيمة يجب التأكيد عليها ، والتّذكير بها ، وإظهارها وإشهارها ، وبخاصّة في عصر كثرت فيه القوارع والوقائع ثُمَّ هي عند كثرٍ من أهله مجرّد كوارث طبيعيّة تمر بالنّاس وتتعاقب عليهم مثلمّ تتعاقب عليهم الشّقاوة والسّعادة ، والغنى والفقر ، وسائر حوادث الدّهر !! وهذه النَّظرة الماديّة الآثمة لا ترجع إلى قصور في دلالة آيات اللهَّ ومثلاته ، وإنَّمّ ترجع إلى مرض القلوب ، واستحكام غفلتها حتَّى لم تعد تشعر بالآيات مهمّ عظمت وجلّت ، ولا تنصاع للبرهان مهمّ تجلىّ واتّضح ، وصدق اللهَّ القائل في محك م كتابه :  أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إنْ هُمْ إ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً  [ الفرقان : 44 ] ، وقال :  فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةً وَإنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ ءَايَاتِنَا لَغَافِلُونَ  [ يونس : 94 ] . وهذا البحث عبارة عن محاولةٍ للتذكير بهذه المعاني والعبر والدلالات

عدد الصفحات ٢٣٩

المقدّمـة ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 141 ودراستها دراسة علميّةوفق الأعراف العلميّة المتّبعة في جمع المادّة العلميّة ، والعزو ، والتّخريج ، والتَّوثيق ، والتَّعليق ، وغير ذلك ممّا هو معروف مشهور لدى الباحثين في الدِّراسات الإسلاميَّة . واللهّ الموفّق والهادي إلى سواء السبيل .     

عدد الصفحات ٢٤٠

المبحث الأوّل معنى القدر والمَثُلات القدر مصدر قدر يقدر قدرًا ، وأصله يدلّ على مبلغ الشيَّء ؛ يقال : قدره كذا ؛ أي مبلغه ، وقدر الشيّء بالشيّء ؛ أي قاسه به وجعله على مقداره ، وقدرت الشيّء ؛ أي أحطت بمقداره . ويأتي القدر أيضًا بمعنى القوّة والغنى ؛ يقال : رجل ذو قدرة ؛ أي ذو قوّة ، أو غنى . وتقدير اللهَّ للأشياء بمعنى إعطاء القدرة ، أو بمعنى الإحاطة بمقادير الأشياء ؛ وقد يفس بمعنى القضاء ؛ أي الإنفاذ والإمضاء والفصل (1) ؛ ولهذا إذا أفرد القدر عمّ التّقدير العلميّ والفعلي ، وإذا قرن بالقضاء اختصّ بالتقدير العلميّ ؛ فيكون القدر بمعنى العلم السَّابق والكتابة الأولى ، والقضاء بمعنى إيجاد المقدّر وفق التّقدير السّابق ؛ أي الحكم الكوني بتحقق القدر ، وإنفاذ ما في الكتب الأولى (4) . وأمّا المَثُلات بفتح الميم وضمّ الثاء فهي كلمة قرآنيّة وردت في قوله (0) انظر : معجم مقاييس اللّغة لابن فارس 5/64 ،64 ،99 ،144 ، المفردات للرّاغب ص 495 ،446 ، أساس البلاغة للزّمخشريّ ص 452 ، النّهاية لابن الأث 4/44 ،21 ، مختار الصّحاح للرّازيّ ص 544 ،541 ، المصباح المنير للفيّومي ص494 ،546 ،542 ، القاموس المحي للفيروزآبادي 4/111 ،119 ، 4/411 . (1) انظر : المفردات للرّاغب ص 442 ، النّهاية لابن الأث4/21 ، الدّرر السنية لأئمة الدّعوة 1/455 .

عدد الصفحات ٢٤١

المبحث الأوّل ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 141 تعا :  وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَ لَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ  [ الرَّعد : 6 ] ؛ وهي جمع مؤنّث سا ، مفرده مَثُلة ؛ والمَثُلة والمُثْلة اسم للعقوبة المنكِّلة لا لمطلق العقوبة . والغالب أَنَّ المَثُلة تكون باستئصال بعض الأعضاء ؛ كجدع الأنف ، أو قطع الأذن ، أو شيءٍ من الأطراف (1) . وقد اختلف العلمّء في تفسير المثلات اصطلاحًا على ثلاثة أقوال : ـ أحدها : أنََّّا بمعنى الأمثال المضروبة ؛ وهو قول مجاهد وأبو عبيدة (4) ؛ أي العقوبات الخارجة عن المعهود في الشدّة حتَّى ضرب بها وبمن حلّت به المثل (4) . ويجوز أن يفسّ المثل بمعنى القصّة العجيبة ؛ فيكون المراد قصص ما حلّ بالمكذّبين من النّكال العجيب والهلاك المنقطع النّظير (4) . والثّاني : أنََّّا بمعنى الأشباه والأمثال ؛ وهو قول الإمام البخاري (5) ؛ أي العقوبات المتشابهة في الأخذة الفذّة بالعقوبة ، أو الَّتي تشبه ما كان عليه الهالكون من الخطيئة (6) . (0) انظر : تهذيب اللّغة للأزهري 4/4444 ، الصحاح للجوهري 5/1116 ، 1145 ، معجم مقاييس اللّغة لابن فارس 5/496 ،492 ، النهاية لابن الأث 4/494 . (1) انظر : مجاز القرآن لأبي عبيدة 1/444 ، زاد المسير لابن الجوزي4/446 . (3) انظر : تهذيب اللّغة للأزهري 4/4444 . (4) انظر : البرهان للزركشي 1/411 ،419 . (5) انظر : صحيح البخاريّ : كتاب التّفسير ، سورة الرّعد ( فتح الباري 1/424 ) . (1) انظر : الكشّاف للزمخشري 4/454 ، تفسير أبي السعود4/149 .

عدد الصفحات ٢٤٢