المبحث الخامس ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 101 وهذا القول أحوط الأقوال (1) ،وأكثرها مطابقة لمقصود البعثة ؛ فإنّ النَّبيّ إنّمّ بعث رحمة ولم يبعث لعّانًا ، قال تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (4) (0) للعلمّء في لعن المعينّ أقوال سوى هذا القول ؛ فأجاز كثير منهم لعن الكافر المعينّ اكتفاء بظاهر حاله ، واستدلالاً بمّ ورد من لعن بعض الكفّار بأعيانَّم . والظّاهر أنّ ما ورد في لعنهم منسوخ بقوله تعالى : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ [ آل عمران : 141 ] . كمّ تدلّ على ذلك بعض الروايات في الصّحيح . انظر : صحيح البخاريّ ، ح ( 4559 ، 4564 ) ، صحيح مسلم ، ح ( 1414 ) . وأمّا الفاسق المعينّ فمنهم من جوّز لعن كلّ من اتّصف بصفةٍ لعن رسولُ اللهّ من اتّصف بها ، ومنهم من فرّق بين من أقيم عليه الحدّ ومن لم يقم ؛ فجوّزوا لعن الثّاني دون الأوّل ؛ لأنّ الحدود كفّارات لأهلها . ومنهم من جوّزه إذا كان على وجه الإرهاب والزجر ؛ فيجوز قبل مواقعة الكبيرة لا بعدها . ومنهم من جوّزه إذا قصد به اللاعن محض السبّ لا معناه الأصلي . وهناك تفصيلات كثيرة لا يتّسع المقام لذكرها ؛ وهي من مسائل الاجتهاد المختلف فيها بين السّلف ، ولهذا أثر عن بعضهم النّهي عن لعن المعينّ وأثر عن آخرين لعن من ع ظمت بدعته بعينه ؛ فلا ينبغي أن يثرب على من خالف في هذه المسألة إذا كان له دليل معتبر أو تأويل سائغ . انظر : التمهيد لابن عبد البرّ 14/144 ،145 ،12/444 ،445 ، أحكام القرآن لابن العربيّ1/54 ـ 54 ، تفسير القرطبي 4/111 ـ191 ، منهاج السنّة النّبويّة لابن تَ يْمِيَّة 4/562 ـ 522 ، زاد المعاد لابن القيِّم 5/54 ، فتح الباري لابن حجر 9/494 ،495 ، 14/26 ،11 ،14 . (1) يقول ابن كث : فإن قيل : أي رحمة حصلت لمن كفر به ؟ فالجواب ما قاله ابن عبّاس : (( من تبعه كان له رحمة في الدّنيا والآخرة ، ومن لم يتبعه عوفي ممّ ا كان يبتلى به سائر الأمم من الخسف والمسخ والقذف )) تفسير ابن كثير 4/444 [ بتصرّف ] . وقد ذكر بعض الباحثين أنّ هذه الرحمة ترجع إلى ما أحدثته التعاليم الإسلاميّة من آثار كان لها الدور الأكبر في إصلاح العالم ونَّضته وازدهاره . انظر : السيرة النبويّة لأبي الحسن الندوي ص496 ـ442 :
عدد الصفحات ٢١٠أحكام التَّوحيد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 100 [ الأنبياء : 142 ] ، وروى مسلم بسنده عن أبي هريرة قال : قِيلَ : يَا رَسُولَ اللََِّّ ! ادْعُ عَلَى الُْْشْرِكِينَ ، قَالَ : إِنِّر لََْ أُبْعَثْ لَعَّانًا وَإِنَََّّا بُعِثْتُ رَحَْْةً (1) ؛ فالكافر والفاسق كلاهما قد يتوبان فيتوب الله عليهمّ ، وقد يكون للفاسق المليّ من الحسنات والمكفّرات ما يمنع من لعنه بعينه ؛ روى البخاريّ بسنده عن عمر بن الخطّاب : أَنَّ رَجُاً عَلَى عَهْدِ النَّبِِ كَانَ اسُْْهُ عَبْدَاللََِّّ ، وَكَانَ يُلَقَّبُ حَِْارًا ، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللََِّّ ، وَكَانَ النَّبِِ قَدْ جَلَدَهُ فِِ الشَّرَابِ ، فَأُتِرَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ : اللَّهُمَّ الْعَنْهُ ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ ، فَقَالَ النَّبُِِّ : لاَ تَلْعَنُوهُ ، فَوَ اللََِّّ مَا عَلِمْتُ إِلاَّ إِنَّهُ يُُِبُّ اللَََّّ وَرَسُولَهُ (4) . يقول ابن تَيْمِيَّة : (( نَّى عن لعنة هذا المعينّ الَّذي كان يكثر شرب الخمر معلّلاً ذلك بأنّه يحبّ الله ورسوله ، مع أنّه لعن شارب الخمر مطلقًا (4) ، فدلّ ذلك على أنّه يجوز أن يلعن المطلق ، ولا تجوز لعن ة المعينّ الَّذي يحبّ الله ورسوله ، ومن المعلوم أنّ كلّ مؤمن فلا بُدّ أن يحب الله ورسوله (4) ؛ أي أنّ تحريم اللعن لا يختصّ بهذا (0) صحيح مسلم : كتاب البرّ والصّلة ، ح ( 4244 ) . (1) صحيح البخاريّ : كتاب الحدود ، باب ما يكره من لعن شارب الخمر وأنّه ليس بخارج من الملّة 6/4419 [ ضب وتعليق محمَّد مصطفى البغا ، دار القلم ، الطبعة الأولى 1441 ] . (3) كمّ ثبت عند أبي داود وغيره . انظر : سنن أبي داود ، كتاب الأشربة ، باب العنب يعصر للخمر ح ( 4119 ) ، سنن الترمذي : كتاب البيوع ، ح ( 1416 ) ، سنن ابن ماجه ، كتاب الأشربة ، باب لعنت الخمر على عشرة أوجه ح ( 4421 ) ، التلخيص الحبير لابن حجر 4/11 ، إرواء الغليل للألبا 5/465 ،466 ،462 ،1/54 . (4) منهاج السنّة النّبويّة لابن تَيْمِيَّة 4/569 ،524 ، وانظر : مجموع الفتاوى لابن تَيْمِيَّة 14/449 ،42/425 ،45/66 ،62 .
عدد الصفحات ٢١١المبحث الخامس ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 101 المدمن ، بل يعمّ كلّ من شاركه في حبّ الله ورسوله ؛ لأنّ النّص على العلّة يجري مجرى التعميم باللّفظ ؛ ولهذا قال ابن القيِّم : (( لا يتوقّف عاقل في أنّ قول النَّبيّ لمّا لعن عبد الله حمارًا على كثرة شربه للخمر لا تلعنه فإنّه يُب اللَّّ ورسوله بمنزلة قوله : لا تلعنوا كلّ من يحبّ الله ورسوله )) (1) . أثر اللَّعن في البقاع اللّعن الَّذي أصاب أصحاب المثلات من أعظم اللّعن درجةً ؛ ولهذا سرى أثره لبقاعهم وآثارهم ؛ فلا تجوز الصَّلاة فيها أو استيطانَّا أو الانتفاع بشيء ممّا فيها ؛ فرارًا من لعنة الله وسخطه ، والأدلّة على ذلك كثيرة ، منها : 1 ـ روى البخاريّ بسنده عن ابن عمر ـ رضي الله عنهمّ ـ قال : لََّْا مَرَّ النَّبُِِّ بِالِْْجْرِ قَالَ : لاَ تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ إِلاَّ أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ ، ثُمَّ قَنَّعَ رَأْسَهُ ، وَأَسْرَعَ السَّيَْْ حَتََّّ أَجَازَ الْوَا دِيَ (4) ؛ يقول الخطا : (( فيه دلالة على أنّ ديار هؤلاء لا تسكن بعدهم ، ولا تتّخذ وطنًا ؛ لأنّ المقيم المستوطن لا يمكنه أن يكون دهره باكيًا أبدًا ، وقد نَّى أن يدخل دورهم إلاّ بهذه الصفة ؛ ففيه المنع من المقام والاستيطان )) (4) . (0) إعلام الموقع1/441 . (1) صحيح البخاريّ : كتاب المغازي ، باب نزول النَّبيّ الحجر ، ح ( 4419 ) ( فتح الباري 1/145 ) . وانظر : صحيح مسلم : كتاب الزهد ، باب النّهي عن الدخول على أهل الحجر ، ح ( 5494 ) . ( شرح النووي11/114 ،111 ) . (3) أعلام الحديث1/494 .
عدد الصفحات ٢١٢أحكام التَّوحيد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 103 4 ـ وروى البخاريّ بسند ه عن نافع أنّ عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهمّ ـ أخبره أَنَّ النَّاسَ نَزَلُوا مَعَ رَسُولِ اللََِّّ أَرْضَ ثََُودَ ، الِْْجْرَ ، فَاسْتَقَوْا مِنْ بِئْرِهَا ، وَاعْتَجَنُوا بِهِ ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللََِّّ أَنْ يُهَرِيقُوا مَا اسْتَقَوْا مِنْ بِئْرِهَا ، وَأَنْ يَعْلِفُوا الإِبِلَ الْعَجِينَ ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنَ الْبِئْرِ الَّتِِ كَانَتْ تَرِدُهَا النَّاقَةُ (1) . يقول ابن حجر : (( في الحديث كراهة الاستقاء من بيار ثمود ، ويلتحق بها نظائرها من الآبار والعيون الَّتي كانت لمن هلك بتعذيب الله تعالى على كفره . واختلف في الكراهة المذكورة هل هي للتنزيه أو للتحريم ، وعلى التحريم هل يمتنع صحّة التطهّر من ذلك الماء أم لا ؟ )) (4) . وهكذا حكم المساكن فالنهي عن دخولها لا يختصّ بمساكن ثمود ؛ لأنّه معلّل بكونَّم معذّبين فيعمّ كلّ من كان معذّبًا مثلهم ؛ لأنّ النّص على العلّة يجري مجرى التعميم باللّفظ (4) ، يقول النووي : (( في قوله : لاَ تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلاءِ الُْْعَذَّبِينَ (4) الحثّ على المراقبة عند المرور بديار الظالمين ، ومواضع العذاب ، ومثله الإسراع في وادي محسّ ؛ لأنّ أصحاب الفيل هلكوا هناك )) (5) ، ويقول ابن حجر : (( قوله لا تدخلوا مساكن الَّذين ظلموا ... هذا يتناول مساكن ثمود وغيرهم ممّن هو كصفتهم وإن كان (0) صحيح البخاريّ : كتاب الأنبياء ، باب قول اللهّ تعالى : وَإلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِ حًا [ الأعراف : 24 ] ، ح4429 ) . ( فتح الباري6/421 ) . وانظر : صحيح مسلم : كتاب الزهد ، باب النّهي عن الدخول على أهل الحجر . ح ( 5494 ) . ( شرح النووي 11/111 ،114 ) . (1) فتح الباري6/414 . (3) انظر : إعلام الموقعين لابن القيِّم 1/441 . (4) انظر : صحيح البخاريّ : ح ( 444 ،4444 ) ، صحيح مسلم : ح ( 5494 ) . (5) شرح صحيح مسلم 11/111 [ بتصرّف يس ] . وانظر : زاد المعاد لابن القيّم 4/564 ، عمدة القاري للعيني4/191 .
عدد الصفحات ٢١٣المبحث الخامس ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 104 السّبب ورد فيهم )) (1) . 4 ـ وروى ابن أبي شيبة بسنده عن حجر بن عنبس الحضرمي قال : (( خرجنا مع عليّ إلى النهروان ، حتَّى إذا كنّا ببابل حضرت الصَّلاة ، قلنا : الصَّلاة ، فسكت ، ثُمَّ قلنا : الصَّلاة ، فسكت ، فلمّّ خرج منها صلىّ ، ثُمَّ قال : ما كنت أصليّ بأرض خسف بها ثلاث مرّات )) (4) ، يقول ابن حجر : (( الظّاهر أنّ قوله ( ثلاث مرّات ) ليس متعلّقًا بالخسف ؛ لأنّه ليس فيها إلاّ خسف واحد ، وإنّمّ أراد أنّ عليًّا قال ذلك ثلاثًا )) (4) . وهذا الأثر يدلّ على أنّ الصَّلاة لا يشرع إيقاعها في مواضع العذاب ، وهو ظاهر صنيع الإمام البخاريّ ـ رحمه الله ـ ؛ فقد عقد في كتاب الصَّلاة بابًا ترجم له بقوله : (( باب الصَّلاة في مواضع الخسف والعذاب )) ، وصدّره بأثر عليّ معلّقًا . والقاعدة أنّه مهمّ صدّر به النّقل عن صحابي أو تابعي فهو اختياره (4) . ثُمَّ روى خبر ابن عمر في النّهي عن دخول ديار ثمود مسندًا ؛ (0) فتح الباري6/414 . (1) مصنّف ابن أبي شيبة : كتاب الصَّلاة ، الصَّلاة في الموضع الَّذي خسف به 4/422 . وانظر : المصنّف للصنعاني : كتاب الصَّلاة ، باب الصَّلاة في المكان الَّذي فيه العقوبة ، ح ( 1644 )1/415 . والحديث حسن الإسناد كمّ قاله ابن عبد البر وابن حجر . انظر : التمهيد 5/444 ، تغليق التعليق4/441 . وقد ورد في بعض الروايات رفع النّهي عن الصَّلاة في أرض بابل ؛ لأنَّّا ملعونة . ولكن في إسناده انقطاع ، وفي بعض رواته ضعف . انظر : التمهيد لابن عبد البر 5/444 ،444 ، جامع الأصول5/425 ، فتح الباري لابن حجر1/544 . (3) فتح الباري1/544 . (4) انظر : فتح الباري 9/424 .
عدد الصفحات ٢١٤أحكام التَّوحيد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 105 ليبين أنّ عليًّا لم ينزل ولم يصلّ في بابل كمّ صنع الن بيّ حين قنّع رأسه ، وزجر ناقته ، وأسرع السير حتَّى أجاز وادي الحجر (1) ؛ ولهذا قال العيني : (( مراده من عقد هذا الباب هو الإشارة إلى أنّ الصَّلاة في مواضع الخسف مكروهة )) (4) . وهكذا رويت الكراهة عن الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ ؛ يقول ابن قدامة : (( قال الإمام أحمد : أكره الصَّلاة في أرض الخسف ؛ لأنَّّا موضع مسخوط عليه )) (4) . وهذه الكراهة يحتمل أن تكون للتحريم أو التّنزيه ، والَّذي استقرّ عليه مذهب أتباعه حمل الكراهة على التّنزيه ، والقول بصحّة الصَّلاة في كلّ بقعةٍ نزل بها عذاب أو سخ ؛ كأرض بابل ، والحجر ، ومسجد الضرار (4) . والأظهر أنّ الكراهة في كلام الإمام أحمد والبخاريّ يراد بها التحريم ؛ لأنّ منطوق الخبر وفحواه وما في معناه (5) يدلّ ع التحريم دلالة ظاهرة ؛ ولهذا قال ابن العربيّ : (( أمر النَّبيّ بهرق ماء ديار ثمود ، وإلقاء ما عجن وحيس به ؛ لأجل أنّ ه ماء سخ ، فلم يجز الانتفاع به ؛ فرارًا من سخ الله ... وكذلك لا يجوز الصَّلاة فيها ؛ لأنَّّا دار سخ وبقعة غضب ... فصارت هذه البقعة مستثناة من قوله : جُعِلَتْ ليَِ الأَرْضُ (0) انظر : صحيح البخاريّ وشرحه فتح الباري 1/544 ، صحيح مسلم وشرحه للنووي 11/111 . (1) عمدة القاري4/119 . (3) المغني4/422 . (4) انظر : شرح المنتهى للبهوتي 1/151 ، كشّاف القناع للبهوتي أيضًا 1/424 . (5) كقوله تعا : لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا [ التوبة : 141 ] ؛ فحرّم الصَّلاة في مسجد الضرار ؛ لأنّه محلّ غضب وسخ فكذلك بقاع العذاب من باب أولى . انظر : حاشية كتاب التَّوحيد لابن قاسم ص144 .
عدد الصفحات ٢١٥المبحث الخامس ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 101 مَسْجِدًا ، وَجُعِلَ تُرَابُهَا طَهُورًا (1) ؛ ف يجوز التيمّم بها ، ولا الوضوء من مائها ، (0) انظر : صحيح مسلم : كتاب المساجد ومواضع الصَّلاَة ، ح 114 . ) واستثناء بقاع السَّخ من عموم الحديث هو المسلك الموافق للأصو ل ؛ لأنّ العام يبنى على الخاص مطلقًا ؛ ولهذا استثنى العلمّء من عموم الحديث الصَّلاة في بعض المواضع ؛ كالمقبرة ، وأعطان الإبل ، والحمّّم . ورأى ابن عبد البر ومن وافقه أنّ هذا العموم لا يدخله التخصيص ولا النسخ ؛ لأنّه عموم فضيلة فيكون كلّ ما خالفه منسوخًا ؛ ولهذا أجاز الصَّلاة في كلّ موضع من الأرض إذا كان طاهرًا من الأنجاس بمّ في ذلك موضع العذاب ، والمقبرة ، والحمّّم ، وأعطان الإبل . انظر : التمهيد 5/412 ـ445 ، تفسير القرطبي 14/41 ـ54 ، المغني لابن قدامة 4/461 ـ414 ، نيل الأوطار للشوكا 4/144 ـ 141 . ومن العلمّء من نظر إلى المسألة نظرًا جزئيًّا يختصّ بأرض بابل ؛ فجوّز الصَّلاة فيها ؛ بحجّة أنّه لا يعلم أحدًا من العلمّء كره الصَّلاة فيها ، وما ورد عن عليّ في ذلك معارض بحديث جُعِلَتْ ليَِ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا وهو أصح منه ؛ ولو ثبت ما ورد عن عليّ فالأشبه أنّ الصَّلاة كناية عن الاستيطان ، والنهي فيه على الخصوص ، وهذه طريقة الخطابي . انظر : معالم السنن للخطابي 1/141 . وهذا القول ضعفه ظاهر ؛ لأنّ الخبر ثابت عن عليّ بن أبي طالب ، وسياق القصة يدلّ على أنّ المراد ترك الصَّلاة لا الاستيطان ، وأنّ الحكم لا يختص بعليّ وحده . ودعوى أنّ أحدًا لم يحرِّم الصَّلاة في أرض بابل غير مسلّمة ؛ فعليّ ومن معه من العلمّء لم يصلّوا فيها ، والإمامان الجليلان أحمد والبخاريّ كرها الصَّلاة فيها كراهة تحريم على الأرجح . ثُمَّ إِنَّ هذا القول غير مستقيم من الناحية الأصوليّة ؛ لأنّ الخاص أقوى دلالة من العام ، والأقوى أرجح ، فيجب تقديمه والعمل بمقتضاه ، وبخاصّة أنّ إعمّله لا يستلزم إهمال العام من كلّ وجه ؛ خلافًا لتقديم العام كمّ فعل الخطابي وابن عبد البرّ فإنّه يستلزم إهمال كثير من الأدلّ ة الخاصّة ، ولا شكّ أنّ إعمّل الدليلين المتعارضين أولى من إهمال أحدهما . فتح الباري 1/544 ، تغليق التعليق لابن حجر4/441 ، إرشاد الفحول للشّوكاني ص 164 ،164 .
عدد الصفحات ٢١٦أحكام التَّوحيد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 102 ولا الصَّلاة فيها )) (1) . ولو قيل : إِنَّ النّهي عن الصَّلاة في بقاع الغضب يقتضي الفساد لما كان بعيدًا ؛ وبخاصّة على أصول الحنابلة ؛ فإنَّّم يبطلون الصَّلاة في المقبرة ، والحمّّم ، وأعطان الإبل ، والمجزرة ، والمزبلة ، وقارعة الطّريق ؛ لأنّ النّهي متعلّق بالبقعة ، وطهارة البقعة شرط في الصَّلاة ، والقاعدة عندهم أنّ النّهي إذا عاد إلى ذات العبادة أو شروطها اقتضى الفساد (4) ؛ وعلى هذا فإبطال الصَّلاة في مواضع الغضب أصحّ نظرًا وخبرًا ممّا استقرّ عليه المذهب ؛ لأنّ النّهي فيها متعلّق بالبقعة ؛ و هي شرط في الصَّلاة ، ودليل النّهي عن الصَّلاة في مواضع الغضب أقوى ممّا ورد في المجزرة ، والمزبلة ، وقارعة الطّريق ؛ ولهذا قال ابن تَيْمِيَّة : (( ومقتضى كلام الآمدي ، وأبي الوفاء بن عقيل أنّه لا تصحّ الصَّلاة في أرض الخسف ، وهو قويّ )) (4) . وإذا تقرّر النّ هي عن الصَّلاة في هذه البقاع .. ، والمنع عمّّ فيها من المياه والمساكن والمنافع ؛ فرارًا من غضب الله وسخطه ، فإنّ بعض أهل العلم نظروا في عكس هذه المسألة ؛ وهي تحرّي العبادة في مواضع نجاة الأنبياء وأتباعهم ، والتبرّك بمّ بقي من آثارهم ؛ يقول توبة بن سالم : (( رأيت زرّ بن حبيش (4) (0) أحكام القرآن4/144 . وانظر : فتح الباري لابن حجر 6/414 . (1) انظر : كشاف القناع للبهوتي 1/461 ـ425 . (3) الاختيارات ص45 . (4) زرّ بن حبيش بن حباشة الأسدي ، تابعي مخضرم ، كان عالمًا بالقرآن ، قارئًا ، فاضلاً ، ثقة ، كثير الحديث ، روى العلم عن كبار الصحابة ، كعمر وعثمّن وعليّ وابن مسعود ، وروى عنه إبراهيم النخعي وعاصم بن بهدلة والشعبي وغيرهم . توفي سنة ( 11 ) هـ وقيل غير ذلك بعد أن بلغ مائة وعشرين عامًا . انظر : تهذيب التهذيب لابن حجر 4/441 ،444 .
عدد الصفحات ٢١٧المبحث الخامس ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 101 يصليِّ في الزاوية حين يدخل من أبواب كنده على يمينك ، فسألته : إنّك لكثير الصَّلاة ههنا يوم الجمعة ؟ قال : بلغني أنّ سفينة نوح أرست من ههنا )) (1) ، ويقول القرطبي : (( أمره أن يستقوا من بئر الناقة دليل على التبرّك بآثار الأنبياء وا لصّالحين ، وإن تقادمت أعصارهم ، وخفيت آثارهم ، كمّ أنّ في الأوّل (4) دليلاً على بغض أهل الفساد ، وذمّ ديارهم وآثارهم )) (4) . وهذا النّظر غير مسلّم لوجوه : ـ أحدها : أنّ الجوديّ الَّذي أرست عليه سفينة نوح مختلف تعيينه : فقال مجاهد وقتادة : هو جبل بالج زيرة . وقال الضحّاك : هو جبل بالموصل . وقال بعضهم : هو الطور . وقال آخرون : الجوديّ اسم لكلّ جبل لا لجبل بعينه (4) . فلو كانت تشرع له عبادة مخصوصة ، أو يشرع تحرّي العبادة فيه لكان معلومًا للخاصّة والعامّة ، ولكان أهل القرون المفضّلة يقصدونه لتحرّي بركته وف ضله ، وإذا لم يكن شيء من ذلك حاصلاً تعينّ أن يكون ما ورد عن زرّ بن حبيش اجتهادًا فرديًّا لتابعي فاضل يعتذر له ولا يحتجّ به . والثّاني : أنّ قصد بقعةٍ معيّنةٍ بالعبادة لا يشرع إلاّ إذا كان قصدها للعبادة ممّا جاء به الشرّع ؛ ولهذا أنكر عمر بن الخطّاب على من تتبّع آثار (0) تفسير ابن كث4/442 . (1) يعني أمر بالخروج من ديارهم ، وهرق ما استقوا من بيارهم . (3) تفسير القرطبي14/42 . وانظر : شرح صحيح مسلم للنووي 11/114 . (4) انظر : تفسير الطبري 14/41 ، تفسير القرطبي 9/41 ،44 ، تفسير ابن كث 4/446 ،442 .
عدد الصفحات ٢١٨أحكام التَّوحيد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 101 النَّبيّ ومقاماته ، وقصدها بالعبادة ، وقال : (( إنّمّ هلك من كان قبلكم بمثل هذا ، كانوا يتبعون آثار أنبيائهم ويتّخذونَّا كنائس وبيعًا )) (1) ، وأمر بقطع الشجرة الَّتي بويع تحتها النَّبيّ ؛ لأنّ النّاس كانوا يتحرّون قصدها فخاف عليهم الفتنة وأن يفضي بهم ذلك الفعل إلى اتخّاذها مسجدًا وعيدًا ثُمَّ وثنًا يعبد من دون الله تعالى . وتحرّي العبادة في الموضع الَّذي أرست فيه سفينة نوح من هذا الضرّب الَّذي أنكره عمر بن الخطاب بمحضر وعلم من الصحابة ، ولم يخالفه في إنكاره أحد منهم فكان إجماعًا ، لا يعارضه حتَّى ما ورد عن ابن عمر ـ رضي الله عنهمّ ـ من تحرّي العبادة في المواضع الَّتي نزلها النَّبيّ اتّفاقًا ؛ لأنّه إنّمّ فعل ذلك إقتداءً بالنَّبيّ في صورة فعله لمعنى في البقعة . وهو اجتهاد خالفه جمهور الصحابة فلا يكون حجّة لهذا الضرّب من الاقتداء فضلاً عن أن يكون دليلاً لمشروعية التبرّك بمقامات الأنبياء (4) . والثّالث : أنّ الأمر بالاستقاء من البئر الَّتي كانت تردها الناقة لا دلالة فيه على التبرّك أصلاً ؛ لأنّ النَّبيّ إنّمّ أمرهم بالاستقاء منها لحاجتهم إلى الماء آنذاك وسلامة البئر من أثر اللعنة الَّتي عمّت ديار ثمود ، ولو كان فيها بركة خاصّة لبينّ النَّبيّ ذلك بيانًا واضحًا كمّ بينّ ما اختصّ به ماء زمزم من البركة ، ولحرص الصحابة على التردّد على بئر الناقة ، والاستقاء من مائها المبارك ؛ لأنَّم كانوا أفضل القرون معرفة بالخير ورغبة فيه . (0) نقلاً عن اقتضاء الصرِّاط المستقيم 4/24 . وهو صحيح الإسناد كمّ نقل ذلك محقّق الكتاب عن شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة . وكذلك نصّ على ثبوت الأثر ابن حجر العسقلاني . انظر : فتح الباري 1/569 . (1) انظر : اقتضاء الصرّاط المستقيم 4/244 ـ141 .
عدد الصفحات ٢١٩المبحث الخامس ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 111 والرابع : أنّ التبرّك بذات الشخص خاصّ بالنبيّ ؛ لما جعل الله فيه من البركة ؛ ولهذا لم يفعله الصحابة مع خيرة الصالحين في هذه الأمّة ؛ وهم الخلفاء الراشدون ، وسائر المبشرّين بالجنّة ، ولم يفعله التابعون مع أحد من الصحابة ؛ لعلم الجميع أنّه خاصّ بالنبيّ لا يتعدّاه إلى من يقطع بصلاحه فضلاً عمّن يظنّ ذلك فيه أو يتوهّم ؛ فيجب الوقوف مع ما ورد ؛ إقتداء بأهل القرون المفضّلة ، وحسمًّ لمادّة الشرك (1) ، يقول الشّاطبيّ : (( العامّة لا تقتصر في ذلك على حدّ ، بل تتجاوز فيه الحدود ، وتبالغ بجهلها في التمّس البركة ، حتَّى يداخلها للمتبرّك به تعظيم يخرج به عن الحدّ ، فربمّ اعتقد في المتبرّك به ما ليس فيه . وهذا التبرّك هو أصل العبادة ، ولأجله قطع عمر الشجرة الَّتي بويع تحتها رسولُ الله ، بل كان هو أصل عبادة الأوثان في الأمم الخالية حسبمّ ذكره أهل السير ، فخاف عمر أن يتمّدى الحال الصَّلاة إلى تلك الشجرة حتَّى تعبد من دون الله ، فكذلك يتّفق عند التوغّل في التَّعظيم ، ولقد حكى الفرغاني مذيل تاريخ الطبري عن الحلاّج أنّ أصحابه بالغوا في التبرّك به حتَّى كانوا يتمسّحون ببوله ، ويتبخّرون بعذرته حتَّى ادّعوا فيه الإلهية ، تعالى الله عمّّ يقولون علوًّا كبيرًا )) (4) . (0) انظر : الاعتصام للشاطبي 4/1 ـ14 ، حاشية كتاب التَّوحيد لابن قاسم ص95 . (1) الاعتصام4/9 ،14 .
عدد الصفحات ٢٢٠أحكام التَّوحيد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 110 الدعاء بالإهلاك على الكفر دلّت نصوص المثلات على جواز الدعاء على الكفرة بالهلاك العام ، والموافاة على الكفر متى علم الداعي يقينًا استحالة إيمّنَّم ، واتّباعهم للحقّ ؛ ولهذا لمّا أُوحِيَ إلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إلا مَنْ قَدْ ءَامَنَ [ هود : 46 ] دعا عليهم بالإيغال في الكفر ، والاستئصال من الأرض ، قال تعالى : وَ تَزِدِ الظَّالِمِينَ إلا ضَلالاً [ نوح : 44 ] ؛ أي ضلالة في الدِّين ، وإيغالاً في الكفر حتَّى لا يزيدهم البقاء قبل الاستئصال إلاّ زيادةً في العذاب (1) ، وقال تعا : وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَ رْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إنَّكَ إنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إلا فَاجِرًا كَفَّارًا [ نوح : 26 ،42 ] ، قال قتادة : (( أما والله ما دعا عليهم حتَّى أتاه الوحي من السَّمّء أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إلا مَنْ قَدْ ءَامَنَ [ هود : 46 ] فعند ذلك دعا عليهم نبيّالله نوح )) (4) . وعلى هذا يحمل دعاء موسى على فرعون وملئه ، ودعاء محمَّد على نفر من كفّار قريش بالإهلاك على الكفر ، قال تعالى : وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ [ يونس : 11 ] ؛ فدعا عليهم بتعجيل العقوبة ، والشدّ على قلوبهم إلى حين حصولها ؛ حتَّى لا تنشرح صدورهم للإيمّن ، ويهلكوا على طغيانَّم وكفرهم ، يقول القرطبي : (( استشكل بعض النّاس هذه الآية ؛ فقال : كيف دعا عليهم (0) انظر : تفسير ابن عطية 4/149 ، تفسير القرطبي1/424 ،11/414 ، تفس ابن كثير 4/442 ، روح المعا49/91 . (1) تفسير الطبري49/141 . وانظر : تفسير القرطبي 11/414 .
عدد الصفحات ٢٢١المبحث الخامس ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 111 وحكم الرسل استدعاء إيمّن قومهم ؟ فالجواب : أنّه لا يجوز أن يدعو نبيّ على قومه إلاّ بإذن من الله ، وإعلام أنّه ليس فيهم من يؤمن ، ولا يخرج من أصلابهم من يؤمن . دليله قوله لنوح : أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إلا مَنْ قَدْ ءَامَنَ [ هود : 46 ] ؛ وعند ذلك دعا عليهم بالإهلاك على الكفر )) (1) . وروى البخاريّ بسنده عن عبد الله بن مسعود قال : بَ يْنَمَا رَسُولُ اللََِّّ قَائِمٌ يُصَلِّر عِنْدَ الْكَعْبَةِ وَجَْْعُ قُرَيْش فِِ مَََالِسِهِمْ إِذْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ : أَلاَ تَنْظُرُونَ إِلََ هَذَا الُْْرَائِر ، أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلََ جَزُورِ آلِ فُان فَيَعْمِدُ إِلََ فَرْثِهَا وَدَمِهَا وَسَ اهَا فَيَجِرءُ بِهِ ثُمَّ يمُْهِلُهُ حَتََّّ إِذَا سَجَدَ وَضَعَهُ بَينَْ كَتِفَيْهِ ، فَانْبَعَثَ أَشْقَاهُمْ ، فَلَمَّا سَجَدَ رَسُولُ اللََِّّ وَضَعَهُ بَينَْ كَتِفَيْهِ وَثَبَتَ النَّبُِِّ سَاجِدًا ، فَضَحِكُوا حَتََّّ مَالَ بَعْضُهُمْ إِلََ بَعْض مِنَ الضَّحِكِ ، فَانْطَلَقَ مُنْطَلِقٌ إِلََ فَاطِمَةَ ـ عَلَيْهَا السَّام ـ وَهِرَ جُوَيْرِيَةٌ ، فَأَقْبَلَتْ تَسْعَى ، وَثَبَتَ النَّبُِِّ سَاجِدًا حَتََّّ أَلْقَتْهُ عَنْهُ ، وَأَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَسُبُّهُمْ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللََِّّ الصَّاةَ قَالَ : اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْش ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْش ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْش ، ثُمَّ سََّْى اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِعَمْرِو بْنِ هِشَام ، وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَ ةَ ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَف ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِر مُعَيْط ، وَعُمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ . قَالَ عَبْدُاللََِّّ : فَوَاللََِّّ لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى يَوْمَ بَدْر ، ثُمَّ سُحِبُوا إِلََ الْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْر (4) . ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللََِّّ : وَأُتْبِعَ أَصْحَابُ الْقَلِيبِ لَعْنَةً (4) ؛ فدعا على قريش بالإهلاك ع (0) تفسير القرطبي 1/425 [ بتصرّف يس ] . وانظر : زاد المسير لابن الجوزي 4/59 ، مجموع الفتاوى لابن تَيْمِيَّة 1/446 ، حاشية الصّاوي على الجلال 4/451 . (1) هذا باعتبار الأكثر ، لأنّ عمّرة بن الوليد مات بأرض الحبشة ، وعقبة قتل صبرًا بعد بدر بمرحلة . انظر : فتح الباري 1/451 . (3) صحيح البخاريّ : كتاب الصَّلاة ، ح ( 544 ) . وانظر : صحيح مسلم : كتاب الجهاد والسير ، ح ( 4449 ) .
عدد الصفحات ٢٢٢أحكام التَّوحيد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 113 الكفر ، ومراده بذلك من سمّى منهم (1) ؛ لعلمه باستحالة إيمّنَّم ، يقول ابن العربيّ : (( إنّمّ خصّ النَّبيّ الدعاء على عتبة وشيبة وأصحابه ؛ لعلمه بمآلهم ، وما كشف له من الغطاء عن حالهم )) (4) . وعلى هذا فالدعاء ع معينّ أو على أمّة بعينها بالشدّ على القلب والاستئصال على الكفر لا يشرع بعد انقطاع الوحي من السمّء ؛ لأنّ مآلهم مجهول عندنا ؛ فقد يتوب الله عليهم ، ويكون مآلهم السعادة ؛ فلا يكون رضا الله في إهلاكهم ، والدعاء إنّمّ يكون مشروعًا إذا كان بمّ يعلم أنّ الله يحبّه ويرضاه ؛ كالدعاء على جنس الكافرين بمّ فيه عزّ المؤمنين ؛ ولهذا شرع القنوت في الوتر ؛ يقول ابن العربيّ : (( دعا النَّبيّ على من تحزّب على المؤمن ، وألّب عليهم (4) ، وفي قوله : وَأُتْبِعَ أَصْحَابُ الْقَلِيبِ لَعْنَةً دلالة على أَنَّ حكم أصحاب القليب كحكم أصحاب المثلات في مشروعيَّة لعنهم بأعيانَّم أو بوصفهم الخاصّ ، لأَنَّ إتباعهم باللَّعن يدلّ على مشروعيَّة لعنهم بأعيانَّم ، وحصوله فعلاً ، وملازمته لهم في جميع أحوالهم ؛ فلا يذكرون إلاّ بمّ يزيد نكالهم وعذابهم والعياذ باللهَّ . (0) انظر : فتح الباري 1/451 . (1) أحكام القرآن لابن العربيّ4/1161 . (3) انظر أمثلة لهذه الأدعية في المصنّف للحافظ الصنعا 4/145 ـ144 ، صحيح البخاريّ ، ح ( 4944 ) ، الأدب المفرد بشرحه فضل اللهّ الصمد 4/155 ، ح ( 244 ) ، المسند للإمام أحمد ح ( 14945 ) ، مجمع الزوائد للهيثمي 4/145 ، تلخيص الحبير لابن حجر 4/45 . وأمّا ما ورد من لعنٍ لبعض المشركين بأعيانَّم في القنوت فالصّحيح أنّه منسوخ بقوله تعالى : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ [ آل عمران : 141 ] كمّ هو ظاهر بعض روايات الصّحيح . انظر : صحيح البخاريّ ، ح ( 4559 ،4564 ) ، صحيح مسلم ، ح ( 1414 ) . وللعلمّء خلاف مشهور في هذه المسألة ؛ فمنهم من منع الدعاء على
عدد الصفحات ٢٢٣المبحث الخامس ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 114 وكان هذا أصلاً في الدعاء على الكفار في الجملة ، ف أمّا كافر معينّ لم تعلم خاتمته فلا يدعى عليه ؛ لأنّ مآله عندنا مجهول ، وربمّ كان عند الله معلوم الخاتمة للسعادة )) (1) . مخاطبة الموتى وسماعهم دلّت نصوص المثلات على مخاطبة الموتى ، وأنَّم يسمعون كلام من يخاطبهم ، وذلك في موضعين متشابهين ؛ أحدهما : قوله تعالى : فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ * فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَ اقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ المشركين باللعن والهلاك على الكفر مطلقًا ، واعتبر أنّ ما ورد من ذلك منسوخ بهذه الآية وبمّ صحّ عنه من دعاء للمشركين بالهداية ، ومنهم من جوّزه مطلقًا وبخاصّة إذا اشتدّت شوكة المشركين وكثرت أذيّتهم ، ورأوا أنّ الآية لا دلالة فيها على النسخ ؛ وإنّمّ هي مجرّد إخبار عن أنّ الأمر لله يتوب على من يشاء ، ويعجّل العقوبة لمن يشاء . والصواب أنّ الآية ناسخة للدعاء على المشركين بأعيانَّم لا للدعاء عليهم مطلقًا ؛ ولهذا استفاض عن السّلف الدعاء على الكفرة ولعنهم في قنوت رمضان خاصّة . انظر : المصنّف للحافظ الصنعاني 4/145 ـ144 ، تفسير القرطبي4/444 ، مجموع الفتاوى 1/445 ،446 ، فتح الباري 6/142 ،141 ،11/196 ، تلخ يص الحبير 4/45 . (0) أحكام القرآن 4/1161 . وانظر : مجموع الفتاوى لابن تَيْمِيَّة 1/445 ،446 ، تفسير ابن كثير 1/444 ، حاشية الصّاوي على الجلال 4/451 .
عدد الصفحات ٢٢٤أحكام التَّوحيد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 115 رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ [ الأعراف : 22 ـ29 ] ؛ قال ابن كثير : (( خاطب قومه بعد هلاكهم وقد أخذ في الذهاب عن محلّهم إلى غيرها ... وهكذا خاطب النَّبيّ أهل قليب بدر بعد ثلاث ليا ل )) (1) . وقال : (( قال لهم صالح ذلك بعد هلاكهم تقريعًا وتوبيخًا وهم يسمعون ذلك )) (4) . والثّاني : قوله تعالى : وَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكُمْ إذًا لَخَاسِرُونَ * فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَ صْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ * الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ * فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَ ـيْفَ ءَاسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ [ الأعراف : 94 ـ94 ] ؛ قال ابن كث : (( أي فتولىّ عنهم شعيب بعدما أصابهم من العذاب والنقمة والنكال وقال مقرّعًا لهم وموبّخًا ... قد أدّيت إليكم ما أرسلت به فلا آسف عليكم وقد كفرتم بمّ جئتكم به )) (4) . وقد دلّت السنّة الثابتة على نظير ما دلّت عليه هذه النّصوص ؛ روى البخاريّ بسنده عن أبي طلحة : أَنَّ نَبَِِّ اللََِّّ أَمَرَ يَوْمَ بَدْر بِأَرْبَعَة وَعِشْرِينَ رَجُاً مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْش فَقُذِفُوا فِِ طَوِيٍّ مِنْ أَطْوَاءِ (4) بَدْر خَبِيث مُُْبِث ، وَكَانَ إِذَا ظَهَرَ عَلَى قَوْم أَقَامَ (0) البداية والنهاية 1/142 . وانظر : حاشية الصّاوي على الجلالين 4/144 . وهذا القول هو الموافق لظاهر القرآن والسنّة ، وقيل إِنَّ الخطاب كان قبل موتهم وقت ظهور علامات العذاب فيهم . انظر : حاشية الصّاوي 4/144 . (1) تفسير ابن كث4/444 . (3) المرجع السّابق 4/444 . (4) الأطواء جمع طوى ؛ وهي البئر الَّتي طويت وبنيت بالحجارة لتثبت ولا تنهار .
عدد الصفحات ٢٢٥