المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

دراسات في دلالات المثلات

عيسى بن عبدالله السعدي

صفحة ١٢ من ١٩

المبحث الرّابع توحيد العبادة توحيد العبادة فرض الله الأعظم ، وحقّ الله الخالص على جميع العباد ؛ ولهذا صدّرت به الأوامر والوصايا الشرعيّة ، وكثرت فضائله وآثاره الحميدة ، وتنوّعت طرق بيانه وتفسيره ، واطّرد الترهيب ممّا يقدح في أصله وكمّله ، وحفل النّقل ببيان أدلّته الأفقيّة والنّفسيّة والعقليّة (1) ؛ وهي إمَّا استدلال بصفات الخالق وأفعاله ، أو بصفات المخلوق وأحواله ؛ فمن عرف الخالق وغناه ، والمخلوق وفقره اضطرته معرفته إلى التعلّق بالكامل دون الناقص ، والتألّه للخالق دون المخلوق ؛ وهذه حقيقة توحيد العبادة ، أو الإلهيةّ (4) ؛ فإنّ الإلهيّة نسبة للإله ؛ وهو الَّذي تألهه القلوب ؛ محبّة ، وإنابة ، وإجلالاً ، وإكرامًا ، وتعظيمًّ ، وذلاًّ ، وخضوعًا ، وخوفًا ، ورجاء ، وتوكّلاً (4) . وهذا الأصل الكلي ينتظم كثيرًا من البراهين وصور الأدلّة (4) ، ومن ذلك برهان المثلات ؛ فإِنَّ ما أوقعه الله بقوم نوحٍ ، وعادٍ ، وثمودٍ ، وأصحاب الرس ، وقرون ب ين ذلك كثيرًا من التتبير المنقطع النظير أكبر (0) انظر : القول السّديد لابن سعدي ص 14 ـ69 ، الأدلّة العقليّة للعريفي ص52 ـ14 . (1) هذا التَّوحيد باعتبار إضافته إ اللهّ يسمّى توحيد الإلهيّة أو الألوهيّة ؛ على النسبة أو المصدر . وباعتبار إضافته إلى الخلق يسمّى توحيد العبادة . انظر : القول المفيد لابن عثيمين 1/9 ، دعوة التَّوحيد للهراس ص44 . (3) إغاثة اللهفان لابن القيِّم1/42 . (4) انظر : دعوة التَّوحيد للهراس ص45 ـ41 ، الأدلّة العقليّة للعريفي494 ـ454 .

عدد الصفحات ١٩٣

المبحث الرّابع ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 014 برهان ، وأوضح بيان على بطلان ما كانوا عليه من التعلّق بالخلق ؛ محبّةً ورغبة ورهبة ؛ إذ لو كان تقرّبهم لآلهتهم المزعومة حقًّا وصدقًا لما حلّت بهم المثلات ، ولو كانت آلهتهم كمّ يتخيّلون لدفعت عنهم أو شفعت لهم ، ولكنّها غابت عنهم أحوج ما كانوا إلى الشّفيع والنّصير ، ولم ينالوا بشركهم إلاّ نقيض مقصودهم من الذم والخذلان . وهذا برهان حسيّ عقليّ نقليّ (1) ، مداره على ثلاثة أصول : أحدها : أنّ سوء عاقبة الفعل دليل بطلانه ، ولا عاقبة أسوأ من الشرِّك ؛ فعاقبته الإهلاك المتّ صل بعذاب الآخرة ، قال تعالى :  وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا  [ يونس : 14 ] ، وقال :  وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا  [ الكهف : 59 ] ، وقال :  فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا  [ النمل : 54 ] ؛ فرتّب الإهلاك على الظّلم ؛ وهو الشرِّك الأكبر بمختلف صوره وأشكاله (4) ؛ روى البخاريّ بسنده عن عبد الله بن مسعود  قال : لََّْا نَزَلَتْ :  الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ  [ الأنعام : 14 ] قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللََِّّ ! أَيُّنَا لاَ يَظْلِمُ نَفْسَهُ ؟ قَالَ : لَيْسَ كَمَا تَقُولُونَ ،  لَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ  بِشِرْك ، أَوَلََْ تَسْمَعُوا إِلََ قَوْلِ لُقْمَانَ لابْنِهِ :  يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِ يمٌ  [ لقمّن : 14 ] (4) . والثّاني : أنّ ألهتهم المزعومة لو كانت كمّ يعتقدون لنصرتهم ، وصرفت (0) انظر : مجموع الفتاوى لابن تَيْمِيَّة 19/154 ، مدارج السّالكين لابن القيّم 4/494 . (1) انظر : تفسير الطبري 11/94 ، تفسير القرطبي1/412 . (3) صحيح البخاريّ ، كتاب الأنبياء ، باب قوله تعالى :  وَاتَّخَذَ ال لَّهُ إبْرَاهِيمَ خَلِيلاً  ، ح ( 4464 ) ( فتح الباري6/419 ) .

عدد الصفحات ١٩٤

توحيد العبادة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 015 عنهم ما أحاط بهم من بأسالله ونقمته ، ولكنّها غابت عنهم أحوج ما كانوا إليها ، فكان ذلك برهانًا قاطعًا على عجزها ، وبطلان ما اعتقدوه فيها من القدرة والشفاعة (1) ، قال تعا :  وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا ءَالِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْ تَرُونَ  [ الأحقاف : 42 ،41 ] ، وقال :  وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ  [ هود : 141 ] ، وقال :  وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْ يَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ  [ محمَّد : 14 ] ، وقال :  مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا  [ نوح : 45 ] ؛ يقول الآلوسي : (( فيه تعريض لاتخّاذهم آلهة من دونه  ، وبأنَّا غير قادرة على نصرهم ، وتهكّم بهم )) (4) . والاستدلال على صحّة التَّوحيد وبطلان الشرِّك بتجرّد الآلهة المزعومة من معاني الربوبيّة وصفات الكمّل ، واتّصافها بضدّ ذلك من الحدوث وخصائصه ؛ كالاحتياج ، والفقر ، والعجز من أكبر براهين التَّوحيد ، وأكثرها ذكرًا في النّصوص (4) ؛ قال تعا :  وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ ءَالِهَةً يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ  [ الفرقان : 4 ] ، وقال :  وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِ يرٍ * إنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ  [ فاطر : 14 ،14 ] ، وقال : (0) انظر : تفسير الطبري 46/49 . (1) روح المعا49/91 . (3) انظر : القول السّديد لابن سعدي ص 64 ، دعوة التَّوحيد للهراس ص45 ـ41 .

عدد الصفحات ١٩٥

المبحث الرّابع ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 011  وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ  [ يونس : 11 ] ؛ فهذه الصِّفات الَّتي عليها الآلهة المزعومة برهان لكلّ ذي عقل على أنّ الله تعالى هو الحقّ وأنّ ما يدعون من دونه هو الباطل الَّذي لا حجّة له إلاّ الأوهام والتخرّصات واتّباع الأ هواء والعادات . والثّالث : أنّ آلهتهم المزعومة أورثتهم نقيض مقصودهم ؛ فنالوا من جرائها الشر والضرر والدمار بدلاً عمّّ كانوا يؤملونه فيها من الخير والنّفع والنصر ؛ قال تعالى :  وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَا لِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ  [ هود : 144 ،141 ] ؛ أي تخسير وتدم ؛ معالمة لهم بنقيض قصدهم كمّ هي سنّة الله تعالى في المشركين (1) ، قال تعا :  مَثَلُ الَّذِي نَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ  [ العنكبوت : 41 ] ، وقال :  وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ءَالِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا  [ مريم : 11 ،14 ] ، وقال :  وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ءَالِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ * لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ  [ يس : 24 ،52 ] ؛ يقول ابن القيِّم : (( هذه أربعة مواضع في القرآن تدلّ على أنّ من اتخّذ من دون الله وليًّا يتعزّز به ، ويتكثّر به ، ويستنصر به ، لم يحصل له إلاّ ضدّ مقصوده ، وفي القرآن أكثر من ذلك ، وهذا من أحسن الأمثال ، وأدلهّا على بطلان الشرِّك ، وخسارة صاحبه ، وحصوله على (0) انظر : تفسير الطبري 14/114 ، تفسير ابن عطية 4/446 ، ز اد المسير لابن الجوزي 4/152 ، مجموع الفتاوى لابن تَيْمِيَّة 15/425 ، تفسير ابن كث4/459 ، فتح القدير للشّوكانيّ 4/544 .

عدد الصفحات ١٩٦

توحيد العبادة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 012 ضدّ مقصوده )) (1) ، ويقول : (( اعتمّد العبد على المخلوق ، وتوكّله عليه ، يوجب له الضرر من جهته ولا بُدّ ، عكس ما أمّله فيه ؛ فلا بُدّ أن يخذل من الجهة الَّتي قدّر أن ينصر منها ، ويذمّ من حيث قدّر أن يحمد ؛ فإنّ المشرك يرجو بشركه النصر تارة ، والحمد والثناء تارة ، فأخبر سبحانه أنّ مقصوده ينعكس عليه ، ويحصل له الخذلان والذم . وهذا كمّ أنّه ثابت بالقرآن والسنّة (4) فهو معلوم بالاستقراء والتجارب )) (4) .    ولا تنحصر دلالة المثلات في إثبات التَّوحيد وتقريره ، وإنّمّ تدلّ على كثير من مسائله وأصوله ، وقد ظهر لي منها أثناء البحث والمطالعة الأمور التالية : ـ أوَّلاً : ضرورة التمييز بين حقّ المرسل وحقّ الرَّسول ؛ فقد كانت الرّسل إذا سئلت عن وقت العذاب ، أو طلب منها الإتيان به ردّت ذلك إلى الله وحده ؛ لأنّ وظيفة الرّسل تبليغ الحقّ وبيانه والحث على اتّ باعه لا مشاركة الربّ فيمّ اختصّ به من العلم أو القدرة ، قال تعالى :  قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ (0) إعلام الموقع1/155 . (1) كحديث عمران بن حصين مرفوعًا : انْزِعْهَا ؛ فَإِنَّهَا لاَ تَزِيدُكَ إِلاَّ وَهْنًا ، وحديث عقبة بن نافع مرفوعًا : مَنْ تَعَلَّقَ تََِيمَةً فَاَ أَتَََّ اللََُّّ لَهُ ، وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدَعَةً فَاَ وَدَعَ اللََُّّ لَهُ ؛ أي لا أتمّ اللهّ له قصده ، ولا تركه في دعة وراحة وسكون ؛ بل عامله بنقيض قصده ، وحرّك عليه كلّ مؤذٍ ، والحديثان المذكوران رواهما الإمام أحمد بإسناد صحيح . انظر : فتح المجيد وتخريج أحاديثه للأرنؤوط ص145 ـ144 . (3) إغاثة اللهفان1/44 [ بتصرّف ] .

عدد الصفحات ١٩٧

المبحث الرّابع ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 011 ءَالِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ إنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ  [ الأحقاف : 44 ،44 ] ؛ فمن لم يفصل ب الحقّين كان جاهلاً بنصّ القرآن ؛ ويدخل في هذا الحكم كثير من الأشقياء الَّذين رفعوا بعض الأنبياء أو الخلق فوق منزلتهم الَّتي أنزلهم الله  ؛ فزعموا أنَّّم يعلمون الغيب المطلق الَّذي استأثر الله بعلمه ، أو أسندوا لهم شيئًا من تصريف الكون وتدبيره ، أو اعتقدوا أنّ لهم قدرة ذاتيّة على جلب المنافع والمضار (1) . ثانيًا : أنَّ رابطة التَّوحيد أصل الرواب والأواصر ، وسائر الرواب فرع وتبع لها ؛ فمن فاته الأصل لم يغنه الفرع شيئًا مهمّ عظم وشرف ، قال تعالى :  وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ا للَّهِ إلا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ  [ هود : 44 ،44 ] ، وقال :  قَالُوا يَالُوطُ إنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إلا امْرَ أَتَكَ إنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ  [ هود : 11 ] . وهكذا الحكم في الإسلام ؛ فإنّ أصول العقائد لا تختلف فيها الشرائع ؛ روى البخاريّ بسنده عن أبي هريرة  قال : قَامَ رَسُولُ اللََِّّ  حِينَ أَنْزَلَ اللََُّّ عَزَّ وَجَل  وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ  قَالَ : يَا مَعْشَرَ قُرَيْش ، أَوْ كَلِمَةً نََْوَهَا ، اشْتََُوا أَنْفُسَكُمْ ، لاَ أُغْنِِ عَنْكُمْ مِنَ اللََِّّ شَيْئًا ، يَا بَنِِ عَبْدِمَنَاف ، لاَ أُغْنِِ عَنْكُمْ مِنَ اللََِّّ شَيْئًا ، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الُْْطَّلِبِ لاَ أُ غْنِِ عَنْكَ مِنَ اللََِّّ شَيْئًا ، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللََِّّ لاَ أُغْنِِ عَنْكِ مِنَ اللََِّّ شَيْئًا ، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مَُُمَّد سَلِينِِ مَا شِئْتِ مِنْ مَاليِ ، لاَ أُغْنِِ (0) انظر : الوعد الأخروي لعيسى السعدي 4/114 ـ144 .

عدد الصفحات ١٩٨

توحيد العبادة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 011 عَنْكِ مِنَ اللََِّّ شَيْئًا (1) ؛ فأنذر  أقرب النّاس إ ليه ، وأعلمهم بأنّ رابطة النّسب وإن كرمت لا تغني عند الله شيئًا إذا فات أهلها أصل الرواب والأواصر ؛ وهو الإيمّن بمّ بعث به النَّبيُّ  من التّوحيد وشرائع الإسلام (4) . ثالثًا : قلّة أتباع الأنبياء على التَّوحيد غالبًا ، قال تعالى :  قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَ وَمَا ءَامَنَ مَعَهُ إلا قَلِيلٌ  [ هود : 44 ] ، وقال :  فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * إنَّ فِ ي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ  [ الشعراء : 119 ،194 ] ، وقال  : عُرِضَتْ عَلَرَّ الأُمَمُ ، فَأَخَذَ النَّبُِِّ يمَُرُّ مَعَهُ الأُمَّةُ ، وَالنَّبُِِّ يمَُرُّ مَعَهُ النَّفَرُ ، وَالنَّبُِِّ يمَُرُّ مَعَهُ الْعَشَرَةُ ، وَالنَّ بُِِّ يمَُرُّ مَعَهُ الَْْمْسَةُ ، وَالنَّبُِِّ يمَُرُّ وَحْدَهُ ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ كَثِيٌْ ، قُلْتُ : يَا جِبِْيلُ هَؤُلاءِ أُمَّتِِ ؟ قَالَ : لاَ ، وَلَكِنِ انْظُرْ إِلََ الأُفُقِ ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ كَثِيٌْ ، قَالَ : هَؤُلاءِ أُمَّ تُكَ ، وَهَؤُلاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا قُدَّامَهُمْ لا حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلا عَذَابَ (4) ؛ فدلّ على قلّة أتباع الأنبياء غالبًا ؛ فأقلّهم كانت معه الأمّة ؛ أي العدد الكثير (4) ؛ ولهذا كان من أعظم فضائل الكليمين ـ عليهمّ السّلام ـ ما أكرمهمّ الله به من كثر ة الأتباع على التَّوحيد ؛ فأكرم موسى  بمّ سدّ الأفق ، وأكرم محمَّدًا  بمّ سدّ (0) صحيح البخاريّ : كتاب الوصايا ، ح ( 4254 ) . وانظر : صحيح مسلم : كتاب الإيمّن ، ح ( 445 ) . (1) انظر : حاشية كتاب التَّوحيد لابن قاسم ص144 . (3) صحيح البخاريّ : كتاب الرقاق ، ح ( 6541 ) . وانظر : صحيح مسلم : كتاب الإيمّن ح ( 444 ) . (4) انظر : فتح الباري 11/442 ، كتاب التَّوحيد بشرحه القول السديد ص42 .

عدد الصفحات ١٩٩

المبحث الرّابع ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 111 الأفق الأيمن والأيس وزيادةٍ سبعين ألفًا كمّ ورد مفسًَّا في غير هذه الرِّواية (1) ؛ ولهذا كانت أمّته  أفضل الأمم ، وأكثر أهل الجنة ، روى الترمذي بسنده عن بريدة مرفوعًا : أَ هْلُ الَْْنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ ، ثَََانُونَ مِنْهَا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ ، وَأَرْبَعُونَ مِنْ سَائِرِ الأُمَمِ (4) . رابعًا : أنّ الشفاعة في الإنجاء من عذاب الله تعالى لا تقبل إلاّ فيمن كان مؤمنًا ، قال تعالى :  وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِين (4) . قَالَ يَانُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَا هِلِينَ  [ هود : 45 ،46 ] ؛ فلم تقبل شفاعة نبيّ كريم من أولي العزم من الرسل في إنجاء ابنه من الغرق (0) انظر : صحيح البخار يّ ، ح ( 5245 ،5254 ) ، صحيح مسلم ، ح ( 444 ) ، مسند الإمام أحمد ، ح ( 4441 ،4615 ،4294 ) . (1) سنن الترمذي : صفة الجنّة ، ح ( 4469 ) ، وانظر : سنن ابن ماجه : كتاب الزهد ، ح ( 4429 ) ، مسند الإمام أحمد ، ح ( 4144 ،41164 ،41944 ،41914 ) . قالالألباني : صحيح . صحيح الجامع الصغير وزيادته 1/496 ، ح ( 4546 ) . (3) أكثر المفسِّين على أنّ الآية تشفّع وتوسّل ودعاء بالإنجاء لا استعلام واستخبار عن الحال أو علّة الإغراق . انظر : تفسير الطبري 14/54 ،54 ، تفسير البغوي 4/416 ،412 ، تفسير ابن عطيّة4/126 ـ129 ، تفسير القرطبي9/45 ـ49 ، تفسير ابن كثير 4/442 ،441 ، فتح القدير للشّوكانيّ 4/544 ،544 . والتوسّل المشروع ستّة أنواع أعلاها وأشرفها التوسّل في قضاء الحاجات بأسمّء اللهّ تعالى وصفاته على سبيل العموم أو الخصوص ، وله أمثلة كثيرة منها ما في هذه الآية من توسّل في الإنجاء بصدق وعد اللهّ تعالى وعدالة حكمه ؛ وهي الصِّفات الملائمة لحاجة نوح  هنا ؛ فإنّ أحكم الحاكمين قضى بإهلاك ابنه مع أنّه وعده بإنجاء أهله وهو داخل فيهم بحسب اعتقاده وظنّه . انظر : المجموع الثمين لابن عثيمين 4/144 ـ149 .

عدد الصفحات ٢٠٠

توحيد العبادة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 110 أو إرجاعه بعد إهلاكه ؛ لأنّه كان كافرًا مخالفًا للشّافع في الدِّين والعمل (1) . وهذا الحكم ثابت في الإنجاء من عذاب الآخرة بالفحوى والنص الصرّيح ؛ فلا يحلّ لنبيّ ولا لمؤمن أن يشفع فيمن لقي الله كافرًا ؛ لا بدعاء ، ولا باستغفار ، ولا بصلاة ، ولا بغير ذلك ، قال تعالى :  مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ * وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إنَّ إبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ  [ التوبة : 114 ،114 ] ، وقال :  وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُ مْ فَاسِقُونَ  [ التوبة : 14 ] ، وروى مسلم بسنده عن أبي هريرة  قال : زَارَ النَّبُِِّ  قَبَْ أُمِّهِ ، فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ ، فَقَالَ : اسْتَأْذَنْتُ رَبِّر فِِ أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَََا فَلَمْ يُؤْذَنْ ليِ ، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِِ أَنْ أَزُورَ قَبَْهَا فَأُذِنَ ليِ ؛ فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الَْْوْتَ (4) . خامسًا : أنَّ من عظم توحيده وإخلاصه ف قد يجزى بإدخال روحه الجنّة ساعة موته ، وكذلك من عظم إشراكه وإجرامه فقد يخزى بإدخال روحه (0) انظر : ت فسير الطبري 14/49 ،54 ، حاشية الصّاوي على الجلال 4/424 . والآية من جملة أدلّة صحّة مذهب أهل السنة والجمّعة في المراد بعصمة الأنبياء ؛ وأنَّّا بمعنى عدم الإقرار على الذّنب أو الخطأ لا بمعنى عدم وقوعه منهم أصلاً ؛ ولهذا حين دعا نوح  لمن لا يجوز الدعاء لهأنكر اللهّ تعالى طلبته ، وتداركها نوح  بالتوبة والاستغفار . ومن لم يلتزم هذا المسلك لزمه تأويل هذا النّص ونظائره بمثل تأويل الجهمية لنصوص الصِّفات . انظر : تفسير الطبري 14/54 ، منهاج السنّة النّبويّة لابن تَيْمِيَّة 4/496 ـ446 ، مجموع الفتاوى لابن تَيْمِ يَّة 14/419 ـ416 ، فتح القدير للشّوكانيّ 4/544 . (1) صحيح مسلم : كتاب الجنائز ، ح ( 1644 ) .

عدد الصفحات ٢٠١

المبحث الرّابع ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 111 النَّار ساعة موته (1) ، قال تعا :  وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ  الآيات إلى قوله :  قِيلَ ادْخُلِ الْ جَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ  [ يس : 44 ـ42 ] ؛ فأدخلت روحه الجنّة ساعة موته ؛ إكرامًا لتوحيده وإخلاصه ، قال قتادة : (( أدخله اللهّ الجنّة وهو فيها حيّ يرزق )) (4) . وهذا هو المعنى المتبادر من الآية ، والملائم للتَّنصيص على الثواب في هذا السياق ؛ ولهذا أجرى الآية على ظاهرها الطبري ، وابن الجوزي ، والقرطبي ، وغيرهم (4) . وقيل : إِنَّ الأمر بدخول الجنّة ليس على حقيقته ؛ وإنّمّ هو كناية عن البشرى بها ، أو الحكم (0) هذا الأصل مبني على عقيدة أهل السنة والجمّعة في الإيمّن بأنّ الجنّة والنار مخلوقتان موجودتان الآن ؛ كمّ تدلّ لذلك النّصوص المتواترة من القرآن والسنّة ؛ خلافً ا لمن زعم من القدرية أنَّمّ معدومتان الآن ، وإنّمّ تخلقان يوم القيامة ؛ لئلا يلزم من ذلك بقاؤهما معطّلتين ، وفناؤهما قبل يوم القيامة . وهذا غير لازم ؛ لأنّ المراد بقوله تعالى :  كُل شَيْءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ  [ القصص : 11 ] ما كتب عليه الفناء والهلاك ؛ فيخرج من ذلك ما خلق للبقاء ؛ كالعرش ، والكرسي ، واللوح ، والجنّة والنّار . كمّ أنّ وجودهما الآن لا يعني بقاءهما معطّلتين إلى يوم القيامة ؛ فالأنبياء والشهداء أرواحهم في الجنّة ، وبعض الكفرة أرواحهم في النار ؛ إمَّا مطلقًا ، أو في بعض الأوقات . وأهل القبور يأتيهم من روح الجنّة وطيبها إن كانوا سعداء ، ويأتيهم من حرّ النار وسمومها إن كانوا أشقياء . انظر : شرح العقيدة الطحاوية ص414 ـ419 . (1) تفسير القرطبي 15/44 ، وانظر : تفسير الطبري 44/161 ، تفسير ابن كث 4/561 . (3) انظر : ت فسير الطبري 44/161 ، زاد المسير لابن الجوزي 2/14 ،14 ، تفس القرطبي 44/161 ، روح المعاني للآلو44/441 ، تفسير ابن سعدي6/444 .

عدد الصفحات ٢٠٢

توحيد العبادة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 113 بدخولها في الآخرة (1) .وقيل : إِنَّ المراد به معاينة مقعده في الجنّة ، وتحقّقه أنّه من ساكنيها (4) ، وهذا كلّه خروج عن الظّاهر بلا موجب ؛ ولو كان المراد بالآية ما ذكروا لما كان لصاحب يس خصوصية تميّزه عن غيره ؛ لأنّ البشرى والمعاينة يحصلان لكلّ من آمن واستقام على إيمّنه (4) ؛ فيت عين أن يكون الإدخال على حقيقته وظاهره ؛ إكرامًا لهذا المخلص الصابر ، يعضده من خارج النّص إدخال أرواح الأنبياء والشُّهداء الجنّة في البرزخ ؛ إكرامًا لإخلاصهم ويقينهم ؛ فأرواح الأنبياء في الملأ الأعلى ، وأرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسح في الجنّة حيث شاءت (4) . وأمّا إدخال روح من عظم إشراكه وإجرامه النار ساعة موته فدليله قوله تعالى :  مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا  [ نوح : 45 ] ؛ فأخزاهم ونكلهم بالحرق بعد الغرق ؛ وأدخلت أرواحهم جهنّم ساعة موتهم ؛ لعظم شركهم وصدودهم (5) . وقيل : إِنَّ المراد بالآية الحكم بدخولهم النار لا دخولها فعلاً ؛ وإنّمّ عبرّ بالماضي عن المستقبل لتوكيد تحقيق وقوعه (6) . أو أنّ المراد إدخالهم النار الَّتي تحت البحر ؛ فكانوا في (0) انظر : تفسير الطبري 44/164 ، تفسير ابن كث4/561 . (1) انظر : المحرر الوجيز لابن عطيّة 4/451 . (3) انظر : شرح الطحاوية ص412 ،411 ، الوعد الأخروي لعيسى السعدي1/94 ـ 94 . (4) انظر : شرح الطحاوية ص494 . (5) انظر : تفسير الطبري 49/144 ، تفسير القرطبي 11/411 ، تفسير ابن كث 4/442 ، تفسير ابن سعدي2/416 . (1) انظر : المحرر الوجيز لابن عطيّة 5/426 ، حاشية الصّاوي على ا لين 4/441 .

عدد الصفحات ٢٠٣

المبحث الرّابع ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 114 الدّنيا يغرقون في جانب ويحرقون جانب (1) . أو أنّ المراد عرضهم ع النار غدوًّا وعشيًّا لا دخولها والاستقرار فيها (4) . وهذه الأقوال فيها نظر من وجهين : 1 ـ أنََّّا خروج عن الظّاهر المتبادر بلا حجّة ؛ ولو كان المراد ما ذكروه لما كان لتخصيصهم بالإدخال معنى ؛ إذ كلّ كافر فإنّه محكوم بدخوله النا ر في الآخرة . 4 ـ أنّه لو كان المراد الجمع لقوم نوح في الدّنيا بين عقوبتين ، أو عرضهم على النار مرّتين لبينّ ذلك على وجه يدركه العام والخاصّ كمّ بين في حقّ من عوقبوا بذلك من أصحاب المثلات ؛ كمّ في قوله تعالى :  فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَ افِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ  [ هود : 14 ،14 ] ، وقوله :  وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَ عَشِيًّا (4) * وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ  [ غافر : 45 ،46 ] ؛ فعلم أنّ المراد إدخال أرواحهم النَّار ساعة موتهم ، وبقاؤها فيها إلى أن تقوم السّاعة ؛ وذلك (0) انظر : تفسير البغوي 4/444 ، تفسير القرطبي11/411 ، روح المعا49/91 . (1) انظر : المحرر الوجيز لابن عطيّة 5/426 . (3) هذا العرض يجوز أن يكون بجعل أرواحهم في جوف طير سود ترِد النار كلّ يوم مرّتين كمّ قال السدي والأوزاعي وغيرهما ، ويجوز أن يكون بإيرادهم منازلهم في النار كلّ يوم مرّتين حتَّى تقوم السّاعة كمّ قال قتادة ، ويجوز أن يكون بغير ذلك ؛ لأنّ اللهّ تعالى أخبرنا عن عرضهم على النار دون أن يخبرنا أو يخبرنا رسوله  عن كيفيته . انظر : تفسير الطبري 44/21 ،24 ، تفسير البغوي4/99 .

عدد الصفحات ٢٠٤

توحيد العبادة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 115 أفظع وأنكى ممّا حاق بآل فرعون ، فإنّ آل فرعون إنّمّ يعذّبون في البرزخ بدخول النار كلّ يوم مرّتين وهؤلاء أرواحهم محبوسة فيها إلى قيام السّاعة ؛ لأنََُّّم  كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْ غَى  [ النَّجم : 54 ] ؛ وحسبهم أنَّّم أوّل من أحدث في الإسلام وسنّ الشرِّك في الأمم ، وَمَنْ سَنَّ فِِ الإِسْامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيِْْ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِ مْ شَرْءٌ (1) .      (0) انظر : صحيح مسلم : كتاب الزَّكاة ، ح ( 1691 ) .

عدد الصفحات ٢٠٥

المبحث الخامس أحكام التَّوحيد دلّت نصوص المثلات على كثير من أحكام التَّوحيد والعبادة ؛ كمشروعية لعن أصحاب المثلات الخاصّة بأعيانَّم وأوصافهم الخاصَّة ، وبيان حكم الدعاء على الكفرة بالشدّ على القلب والهلاك على الكفر إطلاقًا وتعيينًا ، وتحديد ما يشرع وما لا يشرع من العبادات والأفعال المرتبطة بزمان المثلات أو مكانَّا ، وبيان القدر المشروع من مخاطبة الموتى ، وما يستلزمه ذلك من إثبات سمّعهم سمّعًا مقيَّدًا لا يكون معه قدرة على الجواب والرد فضلاً عن الاستجابة والتأثير . وهذه الأحكام المهمة تحتاج إلى شيء من التحرير والتّفصيل ؛ ليظهر مدرك الحكم ، وتقرن به الشواهد ، ويدرأ عنه ما يستشكل ، حتَّى يتمّ إثبات الحكم على الوجه الصّحيح ، وتتّضح دلالاته ولوازمه ، و يلحق به ما يشبهه أو يقاربه . و الله الموفّق والهادي إلى سواء السبيل .    لعن أصحاب المثلات ممّا عوقب به أصحاب المثلات ملازمة اللعنة لهم كلّمّ ذكروا بخصوصهم ، أو لعن الكفرة بعمومهم ؛ فاللعن تابع لهم حيث ساروا ، ودائر معهم حيث داروا ، قال تعالى :  وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ

عدد الصفحات ٢٠٧

المبحث الخامس ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 111 أَلا إنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ  [ هود : 64 ] ، وقال :  وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ  [ هود : 99 ] ، وقال  وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْ مَقْبُوحِينَ  [ القصص : 44 ] ؛ والاتباع يدلّ ع مشروعية لعنهم ، وحصوله فعلاً ، ولزومه لهم في كلّ مذهب ؛ فمدلوله ينتظم ثلاثة أمورٍ مجتمعةٍ ؛ أحدها : الأمر بلعنهم عند ذكرهم ، ومشروعيّة لعنهم بأعيانَّم ، وأوصافهم الخاصّة ؛ نحو لعن الله قوم عاد ، ولعن الله فرعون (1) . والثّاني : تحقّق لعنهم ، وحصوله بالفعل ؛ فالربّ يلعنهم ، والملائكة والأنبياء والمؤمنون يلعنونَّم بالنّص عليهم بأعيانَّم وأوصافهم الخاصّة ، وبدخولهم في عموم من يلعنونَّم من الكفرة والظلمة (4) . والثّالث : لزوم اللعن ومصاحبته لهم في الدّنيا والآخرة ؛ فكلّمّ ذكروا لعنوا ، وكلّمّ لعن الكفرة والظلمة حاقت بهم اللعنة ، ويوم القيامة يلعنهم الله تعالى ، ويلعنهم أهل الموقف قاطبة ؛ فهم في لعنة إثر لعنةٍ ، وعقوبة إثر عقوبة (4)  خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إلا مَا شَاءَ رَبُّكَ إنَّ رَ بَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ  [ هود : 142 ] . واتباع اللعن وإلحاقه لا يختصّ بمن ذكر في هذه النّصوص ؛ وهم قوم عاد وآل فرعون ؛ وإنّمّ يعمّ سائر أصحاب المثلات ؛ لأنَّم مثلهم أو أظلم (0) انظر : تفسير القرطبي 14/494 ، تفسير ابن كث4/454 ، روح المعا44/14 . (1) انظر : تفسير ابن كثير 4/454 ، روح المعا44/14 . (3) انظر : تفسير الرّازيّ 11/16 ،54 ، تفسير أبي السعود4/54 ،66 .

عدد الصفحات ٢٠٨

أحكام التَّوحيد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 111 وأطغى ؛ ولهذا أبعدهم الله كمّ أبعد هؤلاء الأشقياء ، قال تعالى :  وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ  [ هود : 44 ] ، وقال :  أَلا بُعْدًا لِثَمُودَ  [ :61 ] ، وقال :  أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ  [ :95 ] ؛ والإبعاد كاللعن ؛ فأصل اللعن في كلام العرب الطرد والإبعاد ؛ والمراد به شرعًا الإبعاد من رحمة الله وتوفيقه ، أو من كلّ خير (1) . كمّ أن قول الله تعالى :  إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِ كَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ  [ البقرة : 161 ] ، وسائر عمومات اللعن تشمل هؤلاء وأولئك يقينًا ؛ لتحقّق علّة اللعن وشرطه فيهم جميعًا ؛ فكلّهم كفرة ظلمة ، وكلّهم وافى الله على كفره وظلمه ؛ ولهذا لا يشرع لعن المعينّ الحيّ حتَّى لو كان كافرًا أو فاسقًا في الحال ؛ لأنّا لا نعرف حاله وخاتمة أمره معرفة قطعيّة ؛ يقول النووي : (( لا يجوز لعن أحد بعينه مسلمًّ كان أو كافرًا أو دابّة إلاّ من علمنا بنصّ شرعيّ أنّه مات على الكفر أو يموت عليه ؛ كأبي جهل وإبليس . وأمّا اللعن بالوصف فليس بحرام ؛ كلعن الواصلة ، والمستوصلة ، و الواشمة ، والمستوشمة ، وآكل الرِّبا ، وموكله ، والمصوّرين ، والظالمين ، والفاسقين ، والكافرين ، ولعن من غيرّ منار الأرض ، ومن تولىّ غير مواليه ، ومن انتسب إلى غير أبيه ، ومن أحدث في الإسلام حدثًا ، أو آوى محدثًا ، وغير ذلك ممّا جاءت النّصوص الشرعيّة بإطلاق ه على الأوصاف لا على الأعيان )) (4) . (0) انظر : المفردات للراغب ص 451 ، تفسير الرّازيّ 11/16 ، تفسير القرطبي 4/45 ،46 . (1) شرح صحيح مسلم4/62 . وانظر : المحرر الوجيز لابن عطيّة 4/114 .

عدد الصفحات ٢٠٩