المبحث الثّالث ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 021 أسمّئه ؛ وه ي القويّ ، والعزيز ، والمقتدر ، والمحي ؛ فكلّها تدلّ على كمّل قدرة الله تعالى قوّةً وغلبةً وامتناعًا ؛ فلا منتهى لقدرته ، ولا يفوته شيء ، أو يلحقه عجز ، أو يعارضه معارض ، أو يخشى تبعة فيمّ يريد إنفاذه . والتذييل بالرّحيم مع هذه الأسمّء محقّق لكمّل القدرة وشمولها لا معارض له ؛ إذ المقصود أنّ ما تعلّقت به القدرة من الإنجاء والإهلاك ، قد عمَّ أهله واستوعبهم ؛ فكمّ استوعب العذاب أهله فلم يغادر منهم أحدًا فكذلك الرّحمة قد استوعبت أهلها ولم تغادر منهم أحدًا (1) . وهذا الطّريق رغم كفايته ودلالته التامّة على كمّل القدرة إلاّ أنّ نصوص المثلات تضمّنت طرقًا أخرى تدلّ على هذه الصفة ، منها التّصريح بالقوّة ، والدلالة على شدّتها بقياس الأولى ، قال تعالى : فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [ فصّلت : 15 ] ؛فجعل ما في المخلوق من شدّة دليلاً على شدّة الخالق ؛ لأنّ الخالق الواهب أحقّ بالكمّل من المخلوق الموهوب (4) . ومنها ذكر أحكام القدرة وآثارها كإنفاذ أمره الكوني في محلّ تقديره ، وإهلاك أعدائه بأنواع عقوباته ؛ قال تعالى : وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ [ الإسراء : 12 ] ، وقال : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ [ البقرة : 65 ] ، وقال : إنْ كَانَتْ إلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإذَا (0) انظر : تفسير ابن كثير 4/496 ،512 ، حاشية الصّاوي على الجلال 4/444 ، روح المعاني للآلوسي 14/94 ، تفسير ابن سعدي 5/644 ، المنهاج الأسنى لزين شحاته 1/415 ،416 . (1) انظر : مجموع الفتاوى لابن تَيْمِيَّة 16/452 .
عدد الصفحات ١٧٦صفات اللّه تعالى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 022 هُمْ خَامِدُونَ [ يس : 49 ] ، وقال : وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً [ النِّساء : 42 ] ؛ أي أنّ أمره الكوني نافد حتمًّ ؛ فلا يتخلّف ، أو يعارض ، أو يمّنع ؛ لكمّل قدرة الآمر وقوّته (1) . ومنها نفي العجز والخوف والضّرر وكلّ ما يضاد كمال القدرة على الإهلاك وسائر الأفعال ؛ قال تعالى : قَالَ إنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [ هود : 44 ] ، وقال : فَإنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئً ا إنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ [ هود : 52 ] ، وقال : وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا [ الشَّمس : 15 ] ؛ فنزَّه ذاته الكريمة عن أن يعجزها شيء ؛ يقال : أعجزت فلانًا ؛ أي جعلته عاجزًا ؛ والعجز اسم لقصور القدرة عن فعل الشيّء ؛ وهو نقص نفاه الله تعالى عن نفسه بمّ يفيد استمرار النّفي وتوكيده ؛ فلا يغلب ، أو يفوته أحد ممّن يريد إهلاكه في وقتٍ من الأوقات (4) . وكذلك نزّه ذاته الكريمة عن الضرّر بمّ يعمّ المهلك وأنصارهم ؛ فلا يقدرون إذا أراد إهلاكهم على إضراره ، أو الانتصار منه ، أو مقابلة فعله بمّ ينقص ملكه ، أو يخلّ بأمره (4) . بل إنّه سبحانه منزّه عمّّ هو أخصّ من ذلك ؛ وهو مجرّد خوف التبعة وعاقبة الفعل كمّ يكون من ملوك الدّنيا من خشية تبعة أفعالهم (4) . والتنزيه عن الخوف وما ذكر معه من (0) انظر : تفسير ابن كثير 1/541 ، شرح الطحاوية ص444 . (1) انظر : المفردات للراغب ص 444 ، تفسير القرطبي9/41 ، روح المعاني للآلو 14/45 . (3) انظر : روح المعاني 14/15 . (4) انظر : تفسير ابن كثير 4/512 ، روح المعاني للآلو44/116 .
عدد الصفحات ١٧٧المبحث الثّالث ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 021 النّقائص يدلّ على ثبوت القدرة الكاملة ، والقوّة التامّة ؛ لأنّ الصِّفات السلبيّة تدلّ على ثبوت ضدّها على أكمل وجهٍ ؛ قال تعالى : أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَـيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِ هِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا [ فاطر : 44 ] ؛ فذيّل التّنزيه عن العجز بإثبات كمّل ضدّه ؛ وهو العلم والقدرة ؛ لأنّ النفي لا يكون كمّلاً وتوحيدًا إلاّ إذا تضمّن إثباتًا وتمجيدًا ؛ ولهذا لم يصف الله تعالى نفسه في كتابه أو على لسان رسوله بنفي مجرّدٍ أبدًا كمّ يدلّ لذلك استقراء نصوص التنزيه (1) . صفة العلم هذه الصفة قرينة القدرة في الآية المذكورة آنفًا ؛ لأنّ إيقاع العذاب الموعود لا يكون إلاّ بعلم تامّ بمن يستحقّه ، وقدرة كاملة على إنفاذه في محلّه ؛ ولهذا كثر ذكر العلم في نصوص المثلات ، وتعدّدت طرق إثباته ، وإثبات أسبابه وآثاره ؛ فمن ذلك التّنزيه عما يضادّ العلم من النّقائص ، قال تعالى : وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْ ضِ (4) وَإلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا (0) انظر : الرِّسالة التدمريّة ص 59 ، القواعد المثلى لابن عثيمين ص44 ،44 . (1) اكتفى بذكر العلم بالغيب عن الشهادة لدلالته عليه ، كمّ يكتفى أحيانًا بذكر المشرق عن المغرب ثُمَّ يصرّح به في موضع آخر . انظر : تفسير القرطبي 9/112 ، تفس ابن كثير 4/4 .
عدد الصفحات ١٧٨صفات اللّه تعالى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 021 رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (1) [ هود : 144 ] ؛ فذيّل الآية بنفي الغفلة ؛ وهي ترك الشيّء سهوًا لقلّة التحفّظ والتيقّظ (4) ، والتنزيه عن الغفلة يدلّ على إثبات العلم المحي بأعمّل المعذّبين والمخاطبين والخلق أجمعين (4) . فالتذييل محقّق لما دلّ عليه أوّل الآية من إثبات العلم المحي بغيب السموات والأرض وشهادتهمّ بمّ في ذلك ما علمناه وما لم نعلمه ممّا حاق بأصحاب المثلات . ولعلّ هذا سبب ذكرها آخر أخبارهم و الله أعلم . ومن طرق الدلالة على العلم التصريح بأسبابه وآثاره ؛ كالسّمع والبصر والرؤية ؛ قال تعالى : لا تَخَافَا إنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [ طه : 46 ] ، وقال : تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ [ القمر : 14 ] ، وقال : إنَّ رَبِّي عَلَى كُ لِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ [ هود : 52 ] ، إنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [ الفجر : 14 ] ؛ فهذه النّصوص ونظائرها (4) ممّا ورد في سياق الإخبار عن إهلاك المكذّبين تدلّ بمجموعها على إثبات كمّل السمع والبصر وعلى إثبات آثارها ومقتضياتها ؛ كحفظ أولياء الله تعالى ونصرهم ، وإعانتهم ، وإظهارهم ، وكرصد مقالات أعدائه ومقاماتهم ، ثُمَّ الحكم فيهم بعدله على ما قارفوه في إسرارهم (0) قرئت بتاء المخاطبة وياء الغيبة ، والقراءتان سبعيّتان ؛ فقرأ نافع وابن عامر وحفص بالتاء ، وقرأ باقي السّبعة بالياء ؛ وهي على القراءتين تعمّ أفعال أصحاب المثلات ؛ فعلى الأولى بناءً على تغليب المخاطب في الذكر وإرادة العموم ، وعلى الثّانية يكون التناول صريحًا ومباشرًا . انظر : الكشف عن وجوه القراءات لمكيّ بن أبي طالب 1/541 ، تفسير القرطبي 9/112 ، روح المعاني للآلو14/162 ،161 . (1) انظر : معجم مقاييس اللّغة لابن فارس 4/416 ، المفردات للراغب ص464 . (3) انظر : تفسير ابن كثير 4/466 . (4) كآية هود42 ) ، الشّعراء 15 ،64 ) ، الزخرف14 ) .
عدد الصفحات ١٧٩المبحث الثّالث ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 011 وإعلانَّم (1) . وأعظم الطرق دلالةً على العلم في هذه النّصوص ما ذيّلت به بعض آياتها من الأسماء الدالّة على هذه الصفة ؛ كالخبير ، والبصير ، والعليم ؛ كمّ في قوله تعالى : وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا [ الإسراء : 12 ] ، وقوله : أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَـيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (4) [ فاطر : 44 ] ؛ وذلك لأنّ مجيء هذه الأسمّء المشتقّة بصيغة المبالغة (4) يفيد إثبات مدلولها على أكمل وجهٍ ؛ ولهذا كان الصّحيح أن كلّ واحد من هذه الأسمّء الحسنى يدلّ بمفرده على كمّل (0) انظر : تفسير ابن عطيّة 4/114 ، تفسير القرطبي 9/44 ،54 ، تفسير ابن كث 4/444 ،454 ،4/154 ،444 ،4/464 ،541 ، شرح النونية للهراس4/94 ،91 . (1) في الآية إخبار عن اثلات ووعيد بمثلها ؛ لأنَّّا في سياق الإخبار عن سنن اللهّ المطّردة في المكذّبين . انظر : تفسير ابن عطية 4/444 ، تفسير القرطبي14/464 ،461 . (3) الأسمّء المشتقّة هي المأخوذة من الفعل ؛ كاسم الفاعل ، واسم المفعول ، والصفة المشبّهة ، ومبالغة اسم الفاعل ، أو ص يغ المبالغة ؛ كفعال ، ومفعال ، ومفعل ، ومفعل . وقد أنكر بعض أهل العلم دخول المبالغة في صفات اللهّ تعالى ، ورأووا أنّ المبالغة فيها بالنسبة لكثرة المتعلّق لا للوصف ذاته . وكأنّ أصلهم في ذلك إنكار التجدّد في آحاد الصِّفات الاختياريّة عند وجود متعلّقاتها من ا لمسموعات ، والمرئيات ، والمعلومات . وهو أصل غير مسلّم عند السّلف لا في العلم ولا في غيره ؛ لصراحة الأدلّة في ذلك ؛ كقوله تعالى : وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَ يْهِ [ البقرة : 144 ] . انظر : درء التّعارض لابن تَيْمِيَّة 4/44 ،9/494 ـ491 ، الإتقان للسيوطي 4/141 ، ابن تَيْمِيَّة السّلفي للهرّاس ص 114 ،111 ، جامع الدّروس العربيّة للغلاييني 1/191 ،4/4 .
عدد الصفحات ١٨٠صفات اللّه تعالى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 010 العلم والإحاطة بعلم الباطن والظّاهر معًا ؛ خلافًا لمن خصّ الخبير بالعلم المتّصل بكنه الأشياء وخفاياها الباطنة (1) ؛ ولهذا اكتفى بذكر الخب مواضع كثيرة لا تختصّ بعلم الباطن ؛ كقوله تعالى : وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [ البقرة : 421 ] ، وقوله : إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [ المائدة : 1 ] . والظاهر أنّ منشأ الخطأ عدم التمييز بين حال الإفرا د وحال الاقتران ؛ لأنّ الخبير إنّمّ يختصّ بعلم الباطن إذا قرن بالعليم ونحوه لا في كلّ حال ؛ كمّ في قوله تعالى : إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [ لقمّن : 44 ] ، وقوله نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ [ التَّحريم : 4 ] . وممّا ينبغي التنبّه له هنا أنّ اسم البصير ليس مرادفًا لاسم العليم والخب بإطلاق ، بدليل قوله تعالى : لا تَخَافَا إنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [ طه : 46 ] ؛ يقول الآلوسي : (( استدلّ بالآية على أنّ السّمع والبصر صفتان زائدتان على العلم ؛ بناء على أنّ قوله : إنَّنِي مَعَكُمَا دالّ على العلم ، ولو دلّ أسمع وأرى عليه أيضًا للزم التكرار ، وهو خلاف الأصل )) (4) . ولكن إذا تعلّق البصر بالعمل كمّ في قوله تعالى : وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا [ الإسراء : 12 ] كان بمعنى الع ليم عند كثير من المفسِّين ، يقول الآلوسي : (( حمُل البصر على العلم هنا وإن كان بمعنى الرؤية صفة لله تعالى ؛ لأنّ بعض الأعمّل لا يصحّ أن يرى )) (4) ؛ وممّن حمله على العلم في هذا الموضع القرطبي (0) انظر : حاشية الصاوي على الجلالين 4/442 ، روح المعا للآلوسي 15/45 ، 41/114 ، المنهج الأسنى لزين شحاته4/411 ،419 . (1) روح المعا16/191 . وانظر : شرح النونيّة للهراس 4/24 ،24 . (3) روح المعا 1/441 . والمقصود بالأعمّل الَّتي لا ترى الأصوات ؛ لأنَّّا تعلم
عدد الصفحات ١٨١المبحث الثّالث ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 011 وابن كثير وغيرهما (1) . واستدلّ القرطبي على مجيئه بمعنى العلم ب قول علقمة الفحل : فإن تسألوني بالنِّساء فإنّني بصير بأدواء النِّساء طبيب (2) والبصير هنا بمعنى العليم ؛ كمّ تقول العرب : فلان بصير بالطب ، أو بملاقاة الرِّجال ؛ أي عليم بذلك (4) . والأولى أن يفسَّ البصير في هذا الموضع بمّ يعمّ الرؤية البصريّة والعلميّة معًا ؛ ليكون شاملاً للمرئيّات والمسموعات ، ولا محذور في ذلك ؛ لجواز حمل المشترك على جميع معانيه إِلاَّ إذا كانت متضادّة أو متنافية . الرَّحمة والغضب دلالة المثلات على هاتين الصفتين من أظهر الدلالات ؛ لأنّ العذاب ناشئ عن الغضب ، وحاصل عقبه ، قال تعالى : فَلَمَّا ءَاسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ بالسّمع لا بالب . انظر : شرح النونية للهراس 4/24 . (0) انظر : تفسير الطبري 15/52 ، تفسير القرطبي 4/45 ،14/445 ، تفسير ابن كثير 4/44 . (1) العقد الفريد لابن عبد ربّه6/144 . (3) انظر : تهذيب اللّغة للأزهري 1/444 ،441 ، الصحاح للجوهري4/591 .
عدد الصفحات ١٨٢صفات اللّه تعالى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 013 فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ [ الزخرف : 55 ] ؛ يقول ابن كث : (( قال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس ـ رضي الله عنهمّ ـ : آسفونا ؛ أسخطونا . وقال الضحّاك عنه : أغضبونا . وهكذا قال ابن عبّاس أيضًا ، ومجاهد ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، ومحمّد بن كعب القرظي ، وقتادة ، والسدي ، وغيرهم من المفسِّين )) (1) . ونظير هذه الآية قوله تعا : قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ [ الأعراف : 21 ] ؛ لأنّ الرّجس هو العذاب ، وعطف الغضب عليه عطف سبب على مسبب (4) . ونظيرها أيضًا قوله تعا : قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَر مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَ لَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ [ المائدة : 64 ] ؛ روى مسلم بسنده عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا : إِنَّ اللَََّّ لَعَنَ أَوْ غَضِبَ عَلَى سِبْط مِنْ بَنِِ إِسْرَائِيلَ فَمَسَخَهُمْ دَوَابَّ يَدِبُّونَ فِِ الأَ رْضِ (4) . وأمّا الرّحمة فأظهر أدلّتها في هذه النّصوص إنجاء الأنبياء وأتباعهم ممّا حاق بأقوامهم من الخزي والعذاب الغليظ ، قال تعالى : وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَا بٍ غَلِيظٍ [ هود : 51 ] ، وقال : فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ (4) [ هود : 66 ] ، وقال : وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ (0) تفسير ابن كث4/144 . وانظر : المفردات للراغب ص12 . (1) انظر : تفسير القرطبي 2/142 ، تفسير الجلالين بحاشية الصاوي4/141 . (3) صحيح مسلم : كتاب الصَّيْد ، ح ( 4649 ) . (4) المراد بالخزي هنا والعذاب الغليظ في الآية قبلها ما نزل بأقوامهم من عذاب الدّنيا ؛
عدد الصفحات ١٨٣المبحث الثّالث ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 014 ءَامَنُوا مَعَ هُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا [ هود : 94 ] ، فنصّ على صفة الرّحمة في سياق الإخبار عن إنجاء أوليائه لوصف الحال ، وبيان عظم الرّحمة الَّتي أنجتهم ؛ ولهذا قرنَّا بباء الحال أو المصاحبة ، وذكرها موصوفة منونة ؛ تعظيمًّ لها وإعلاءً لشأنَّا . ويحتمل أن تكون الباء لذكر ال سّبب لا لوصف الحال ؛ والجار والمجرور متعلّق بآمنوا لا بأنجينا ؛ فيكون المراد بذكر الرّحمة الإعلام بأنّ سبب النّجاة إنّمّ حصل لأوليائه بمحض رحمته وفضله ؛ فهو الَّذي وفّقهم للإيمّن ، وعصمهم من الكفر واستغواء أهله (1) . وهكذا إنجاؤهم الآخرة إنّمّ يكون برحم ة الله وفضله ، كمّ قال النَّبيُّ : لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الَْْنَّةَ . قَالُوا : وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللََِّّ ! قَالَ : لا وَلاَ أَنَا إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِر اللََُّّ بِفَضْل وَرَحَْْة (4) . ودلالة المثلات على صفة الرّحمة لا تكون دائمًّ مفردة كمّ في هذه خلافًا لمن فسّه بعذاب الآخرة ؛ إذ لم يتقدّم ل ه ذكر ليكون التنوين عوضًا عنه ، وإنّمّ كرّر ذكره لبيان شدّة ما نجو منه وعظمته . انظر : تفسير الرّازي 12/15 ،41 ، تفسير القرطبي 9/54 ، حاشية الشّهاب على البيضاوي 5/114 ،191 ، روح المعا للآلوسي 14/16 ،94 . (0) انظر : تفسير ابن عطيّة 4/114 ،116 ،444 ، البرهان للزركشي 4/455 ، 456 ، الإتقان للسيوطي1/442 ، روح المعاني للآلو14/94 . (1) صحيح البخاريّ : كتاب المرضى ، ح ( 5624 ) . وانظر : صحيح مسلم ، صفة القيامة ، ح ( 5444 ) . وممّا ينبغي التنبّه له أنّ النّفي في الحديث للمعاوضة والمقابلة للسببيّة والتأثير ؛ خلافًا للقدرية والجبرية ؛ لأنّ النّصوص كمّ دلّت على نفي المقابلة ، فقد دلّت على إثبات تأثير العمل ، وأنّ النجاة في الدّنيا والآخرة لا تكون بدونه . وهذا هو الحقّ الَّذي عليه أهل السنة والجمّعة . انظر : شرح العقيدة الطحاوية ص 441 ـ 444 .
عدد الصفحات ١٨٤صفات اللّه تعالى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 015 النّصوص ، بل إنَّّا كثيرًا ما تقرن بمّ يدلّ على القوّة والغضب ؛ كقوله تعالى : وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ * إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَا نَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [ الشعراء : 65 ـ61 ] ؛ فذيّل الآية بمّ يدلّ على القوّة والرّحمة معًا ؛ لأنّه انتقم من أعدائه بعزّته ، وأنجى أولياءه برحمته (1) . ولهذه الآية نظائر كثيرة (4) . وتقديم العزّة في هذ ا السِّياق لا يعارض سبق الرَّحمة ؛ لأنّ الإخبار بإنفاذ الوعيد يناسبه تقديم العزّة ؛ مبالغة في الزّجر ، وإخبارًا عن الواقع ؛ لأنّه نفى الإيمّن عن الأكثر ، فدلّ بمفهومه على إيمّن الأقلّ ؛ فرتّب ذكر الصفتين كترتيب تعلّقها بالفريقين ؛ أي : في حال الإهلاك لا في كلّ الأحوال (4) ؛ لأنّ رحمة الله تعالى وسعت حتَّى المُهلكين ؛ فأمهلوا وأنظروا حتَّى لم يبق لهم على كفرهم حجّة ولا عذرًا ، قال تعالى : وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإلَيَّ الْمَصِيرُ [ الحجّ : 41 ] . وهذا الإمهال ناشئ عن رحمة الله تعالى الَّتي وسعتهم ووسعت غيرهم من الأمم حتَّى لو ظلموا ، واستعجلوا العذاب ، قال تعالى : وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ (4) لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُو ا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً [ الكهف : 51 ] ، وقال : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ (0) انظر : مجموع الفتاوى لابن تَيْمِيَّة 19/91 ، تفسير ابن كث4/442 . (1) انظر : سورة الشّعراء : آية 144 ،144 ،144 ،159 ،125 ،191 . (3) انظر : البرهان للزركشي 4/44 ،4/64 ،65 ، الإتقان للسيوطي4/12 . (4) في العدول عن التعبير بمّ يدلّ على الاتّصاف بالرحمة من الأسمّء المشتقّة إلى التّصريح بذكرها مقرونة بذو وأل الاستغراقيّة دلالة على إرادة إثبات الصفة في هذا الموضع على الوجه الأبلغ . انظر : روح المعاني للآلوسي 15/445 .
عدد الصفحات ١٨٥المبحث الثّالث ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 011 الْعِقَابِ [ الرّعد : 6 ] ؛ أي ذو ستر وإمهال لجميع الظالمين والمستهزئ (1) ؛ لأنّ سنّة الله تعالى في عباده إمهالهم لا إهمالهم ؛ ولهذا قرن الوعد بالوعيد في الآيتين ، وأتبع آية الكهف بذكر القرى الَّتي نزل بها ما توعّدوا بمثله (4) ؛ ليحذر العاقل الأمن من مكره تعالى ، والاغترار بسعة رحمته ، قال تعالى : فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ [ الأنعام : 142 ] ؛ يقول الزرك : (( لم يقل ذو عقوبة شديدةٍ لأنّه إنّ مّ قال ذلك نفيًا للاغترار بسعة رحمة الله تعالى في الاجتراء على معصيته ، وذلك أبلغ في التهديد ، معناه : لا تغترّوا بسعة رحمة الله فإنّه مع ذلك لا يردّ عذابه )) (4) . المحبّة والولاية دلالة المثلات على المحبّة والولاية مأخوذة من قوله تعالى : أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَـيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ ءَامَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ [ محمَّد : 14 ، (0) الاستدلال مبنيّ على القول بعموم الآية والَّتي قبلها ، وأنَّمّ لا يختصان بعصاة المؤمنين ، وهو القول الرّاجح الملائم لسياق الآيتين . وعلى هذا فالمراد بوصف المغفرة والرّحمة بالنّسبة للكافر الستر والإمهال لا العفو والتجاوز . انظر : تفسير ابن عطية 4/496 ،546 ، تفسير القرطبي 9/415 ،11/2 ، تفسير ابن كث 4/541 ، حاشية الشّهاب على البيضاوي 5/415 ، روح المعاني للآلوسي 14/146 ،142 . (1) انظر : تفسير ابن عطيّة 4/546 ، تفسير ابن كث4/541 . (3) البرهان4/66 .
عدد الصفحات ١٨٦صفات اللّه تعالى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 012 11 ] ؛ فعلّل حصول مثلاته الماضية والآتية بكونه مولى المؤمنين ووليّهم ؛ والمولى والولي واحد في كلام العرب كمّ قاله الفراء (1) ؛ ولهذا تعاقبا النصوص (4) ؛ وهما من أسمّءالله الحسنى الثابتة بالقرآن (4) ؛ ويدلاّن في هذا الموضع ونظائره على الولاية الخاصّة (4) ؛ وهي المحبّة ، والقرب ، والنّصرة ؛ يقال : والى فلان فلانًا إذا أحبّه ، وقرّبه ، ونصره ، وعلى هذه المعاني تدور الولاية في جميع موارد المدح ، والأظهر أنّ أصلها الحبّ لا القرب ؛ لأنّ الحبّ أصل العمل ، وعنه ينشأ القرب ، والنصرة ، وتوابع ذلك (5) . (0) انظر : تهذيب اللّغة للأزهري 4/4956 . (1) كمّ في قراءة ابن مسعود ؛ فقرأ هنا ( ذلك بأنّ اللهّ ولي الَّذين آمنوا ) ، وقرأ في المائدة ( إنّمّ مولاكم اللهّ ورسوله ) ، وكمّ في قوله : أَيمَُّا امْرَأَة نَكَحَتْ بِغَيِْْ إِذْنِ وَلِيِّهَا ، وفي رواية مَوْلاَهَا . انظر : تفسير الطبري 46/42 ، تهذيب اللّغة للأزهري 4/4956 ، تفسير القرطبي 16/444 ، صحيح الجامع الصغير للألبا1/546 ،ح ( 4249 ) . (3) انظر : فتح الباري لابن حجر 11/419 ، القواعد المثلى لابن عثيمين ص15 . (4) هذا يخرج الولاية العامّة ؛ لأنَّّا بمعنى الملك ، وتولي أمر العالم خلقًا ورزقًا وتدبيرًا ؛ كمّ في قوله تعالى : ثُمَّ رُدُّوا إلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَق [ انعام : 64 ] ، وقوله : وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ [ الشورى : 41 ] . انظر : النّهاية لابن الأثير 5/442 ، تفسير ابن كث4/114 ، تفسير الجلالين بحاشية الصاوي4/42 ، شرح النونية للهراس 1/51 . (5) انظر : تهذيب اللّغة للأزهري 4/4952 ، معجم مقاييس اللّغة لابن فارس 6/141 ، لسان العرب لابن منظور 4/916 ، القاموس المحي للفيروزآبادي 4/444 . وانظر أيضًا : منهاج السنّة النّبويّة لابن تَيْمِيَّة 5/454 ، مجموع الفتاوى لابن تَيْمِي ة 14/41 ،49 ، مقدّمة قطر الولي لإبراهيم هلال ص 21 ،25 .
عدد الصفحات ١٨٧المبحث الثّالث ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 011 والولاية من الصِّفات الثابتة من الطرف ؛ ولهذا تضاف إلى الربّ وإلى العبد ؛ فإذا أضيفت إلى الربّ دلّت مع الحبّ على الرِّضا ، والرّحمة ، والإعانة ، والكفاية التامّة ، والنّصرة المطلقة ؛ ولهذا اطّرد إيقاع مثلاته المتعاقبة بأعدائه من الكافرين الظالمين ، وكان ت العاقبة دائمًّ لأوليائه من المؤمنين المتّقين (1) . وإذا أضيفت إلى العبد دلّت مع الحبّ على موافقة المحبوب في محبوباته ، وعلى كثرة التقرّب إلى المولى بالعلم النافع والعمل الصّالح ، وعلى نصرة الحقّ بالبنان ، واللسان ، والسنان (4) . والفرق ب الولايتين أنّ ولاية العبد ولاية حاجة وطاعة وعبادة ؛ خلافًا لولاية الربّ فلا دلالة فيها على حاجةٍ أو فقر ، وإنّمّ هي محض إحسان وفضل (4) ، قال تعالى : وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِ يٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا [ الإسراء : 111 ] ؛ فنزّه نفسه عن النّقائص المنفصلة ؛ وهي الأولاد ، والشركاء ، وأولياء الذلّ ؛ لكمّل اقتداره ، وغناه ، وانفراده بالمثل الأعلى في السموات والأرض (4) . (0) انظر : تفسير الطبري 4/41 ، مجموع الفتاوى لابن تَيْمِيَّة 14/144 ، تفس السعدي 1/411 ،2/61 . (1) انظر : شرح الطحاوية ص 444 ،444 ، قطر الولي للشّوكاني ومقدّمته لإبراهيم هلال ص69 ـ26 ،442 ،441 . (3) انظر : منهاج السنّة النّبويّة لابن تَيْمِيَّة 2/44 ،444 . (4) انظر : شرح النونية للهراس 1/56 ـ64 .
عدد الصفحات ١٨٨صفات اللّه تعالى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 011 دلالة ترديد الصِّفات في ذكر الصِّف ات الاختيارية ، وكثرة ترديدها في ثنايا نصوص المثلات دلالتان مهمّتان ومترابطتان ؛ الأولى : صحّة مذهب أهل السنة والجمّعة في إثبات الصِّفات بعامّةٍ ، وبطلان مذهب الكلابية في التفريق بين الصِّفات ؛ فإنَّّم يثبتون الصِّفات اللازمة موافقة للسّلف ، ويعطّلون الصِّف ات الاختيارية موافقة للمعتزلة ؛ لئلا يلزم من ذلك قيام الحوادث بذات الربّ ؛ لأنّ ما قامت به الحوادث فهو حادث ؛ بناءً على دليل الحدوث المشهور (1) ! وهذا النفي لما جاء به الشرّع مبنيٌّ على دليل لم يرد به الشرّع ؛ فإنّ التّنزيه عن حلول الحوادث لم يرد به كتاب و لا سنّة ، وفيه إجمال ؛ فإن أريد به أنّه سبحانه لا يحلّ في ذاته شيء من مخلوقاته المحدثة ، أو لا يحدث له وصف لم يكن متّصفًا به في الأزل فهو حقّ ، وإن أريد به نفي الصِّفات الاختياريّة ؛ كالمحبّة ، والغضب ، والرحمة فهو باطل (4) ، ونصوص المثلات من أظهر أدلّة بطلانه ، فقد قرنت بكثير من الصِّفات الاختيارية ، واطرد التعبير عنها في جميع الموارد بمّ يدلّ على إرادة المعنى الحقيقي ؛ فيكون حملها على المعنى المجازي مخالفة صريحة للنّصوص ، وتقديمًّ لأصول المذهب على أدلّة الشرّع ، وهو مزلق خطر يخشى على أهله أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم (4) . (0) انظر : مقالات الإسلاميين للأشعري ص 169 ،124 ، درء التّعارض لابن تَيْمِيَّة 4/6 ،11 ،99 . (1) انظر : شرح الطحاوية ص69 . (3) انظر : مدار ج السّالكين لابن القيّم 4/69 ـ24 ، كتاب التَّوحيد بشرحه القول السّديد ص 144 .
عدد الصفحات ١٨٩المبحث الثّالث ـــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 011 والثّانية ثقة المؤمن بدينه ، وحسن ظنّه بربّه ؛ وبخاصّةٍ في عصر تكالبت فيه الأعداء على المسلمين ، وجاهرت كثير من مجتمعاته بأسباب المثلات ، وحنث أصحاب المؤتفكات ؛ حتَّى لم يعد في نظرهم سببًا لأعظم العقوبات ، وإنّمّ هو حقّ مشروع ، يكفله الدّستور ، وتثبت به الحقوق ، ويمثّل أصحابه في البرلمان ، ويخطب ودّهم حتَّى الزعمّء في حملات الانتخاب ، وحفلات التّنصيب !! ولا يكاد عاقل يصدّق أذنه وهو يتابع وسائل الإعلام الرّسميّة في بعض البلدان الغربيّة وهي تروّج لهذا الحنث العظيم ابتداءً بتحويل اسمه عندهم من شذوذٍ إلى مثليةٍ ، ثُمَّ عقد المؤتمرات الدّوليّة للسكّان والتنمية ؛ ليكون من ضمن توصياتها الرئيسة اعتبار المثلية شكلاً من أشكال الأسرة الشرَّعيّة ، ثُمَّ موافقة البرلمانات في دولةٍ إثر دولةٍ على اعتبار المثليّة أسرة تستحقّ امتيازات الأسرة الطبيعية وحقوقها ! وانتهاءً بإجراء استطلاعات للرأي تكون نتائجها أنّ هذا المجتمع الغربي أو ذاك يعتقد كثير منهم أو أكثرهم أنّ الإسلام خطر على القيم الليبرالية ، والديمقراطية الغربيّة ! ولا يستبعد أن يصل التصعيد إلى الدعوة إلى إخراج المسلمين من بين أظهرهم ، وأن تكون مقالتهم كمقالة أسلافهم : أَخْرِ جُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ [ الأعراف : 14 ] وإذا وصلت الغواية بأهلها إلى هذا الحدّ فإنّه يخشى أن يصيبهم ما أصاب قوم لوط من النّكال الَّذي ما عذّبت أمّة بمثله ، قال تعالى : فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَ افِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ [ هود : 14 ،14 ] ؛ أي وما عقوبة الائتفاك والحصب الَّتي حاقت بقوم لوطٍ ببعيدة عمّن تشبه بهم في
عدد الصفحات ١٩٠صفات اللّه تعالى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ 010 ظلمهم ، وفعلتهم القبيح ة (1) . وقد كثرت إرهاصات العقاب ونذره ؛ من كوارث مفزعة ، وزلازل هائلة ، وأمواج طاغية ، وأعاصير مدمّرة ، وأمراض فتّاكة سارية ، وأزمات اقتصاديّة عالميّة خانقة ، ولكن : مَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ * فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ [ يونس : 141 ،144 ] . (0) انظر : تفسير ابن كثير 4/455 ، تفسير ابن سعدي4/446 .
عدد الصفحات ١٩١