المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

المصطلحات الحديثية بين الاتفاق والافتراق دراسة تحليلية موضوعية

راوية بنت عبد الله علي جابر

صفحة ٨ من ٤٠

112 تجمع بين عدالة الراوي وضبطه وإتقانه والشهرة فيهما، وهي شهرة تزيد على ما ذهب إليه ابن عبدالبر (2) في تعديله للرواة ممن عُرف بحمل الع لم ومجالسة العلماء، ولم يُجرّح (3)، فمن اشترط في رواة الصحيح شهرتهم بالطلب إنما قيّدها بالضبط والإتقان، بينما من عدّلهم ابن عبدالبر لشهرتهم بالطلب، تُوقِّّف في أمر ضبطهم إلى أن يتبيّن حالهم بعد اختبار مروياتهم. ويشير إلى قيد الإتقان مع الشهرة الخطيب البغدادي حين ذكر تفاوت الرواة في العلم، وحثّه طالب الحديث أن يتخيّر من شيوخه من اتصف بالشهرة في طلب الحديث المُشار إليه بالإتقان، فقال: "درجات الرواة لً تتساوى في العلم، فيقدم السماع ممن علا إسناده على ما ذكرنا، فإن تكافأت أسانيد جماعة من الشيوخ في العلو، وأراد الطالب أن يقتصر على السماع من بعضهم ، فينبغي أن يتخيّ ر المشهور منهم بطلب الحديث، المشار إليه = (1) السيوطي،تدريب، 1/68. (2) يوسف بن عبدالله بن محمد بن عبدالبر النمري القرطبي، أبو عمر. من كبار حفاظ الحديث، ومؤرخ وفقيه، وأديب. من مصنفاته: (التمهيد شرح الموطأ) و(الًستذكار) و( الًستيعاب في معرفة الأصحاب) وغيرها. مات سنة 463 هـ. ينظر: السيوطي، طبقات الحفاظ، 431. الزركلي،الأعلام، 8 /240. كحالة، المؤلفين، 4/170 (18455.) (3) قال ابن عبدالبر"كل حامل علم معروف العناية به فهو عدل محمول في أمره أبدا على العدالة حتى تتبين جرحته في حاله، أو في كثرة غلطه؛ لقوله : ((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله))- أخرجه البيهقي في السنن الكبرى كتاب الشهادات،باب: الرجل من أهل الفقه يسأل عن الرجل من أهل الحديث 10/353 ح20911)". قال السخاوي ونحوه قول ابن ا لموهاق من المتأخرين: أهل العلم محمولون على العدالة، حتى يظهر منهم خلاف ذلك. وقال ابن الجزري: إن ما ذهب إليه ابن عبد البر هو الصواب وإن رده بعضهم، وسبقه المزي فقال: هو في زماننا مرضي، بل ربما يتعين. ونحوه قول ابن سيد الناس: لست أراه إلً مرضيا، وكذا قال الذهبي: إنه حق، قال: ولً يدخل في ذلك المستور ؛ فإنه غير مشهور بالعناية بالعلم، فكل من اشتهر بين الحفاظ بأنه من أصحاب الحديث، وأنه معروف بالعناية بهذا الشأن، ثم كشفوا عن أخباره فما وجدوا فيه تليينا، ولً اتفق لهم علم بأن أحدا وثقه، فهذا الذي عناه الحافظ، وأنه يكون مقبول الحديث إلى أن يلوح فيه جرح". أضاف فضيلة المناقش استدراكاً: "لكن ابن عبدالبر يُعلّ الأحاديث بالجهالة". المراجع: ابن عبدالبر،التمهيد،1/28، البيهقي،السنن الكبرى،10/353، السخاوي، فتح المغيث،2/20.

عدد الصفحات ١١٤

113 بالإتقان له والمعرفة به"(1). فأشار إلى أن العلو في مراتب الشيوخ وطلبة العلم يجمع بين الشهرة بالطلب والإتقان والمعرفة. وكذلك حين ذكر الحاكم أقسام الحديث الصحيح، فإنه وصف رواة القسم الأول - المخرّج في الصحيحين- فيما هم دون الصحابي بالشهرة بالثقة والإتقان، بينما اكتفى في الصحابي بالشهرة بالرواية، فقال: "القسم الأول من المتفق عليها اختيار البخاري ومسلم وهو الدرجة الأولى من الصحيح. ومثاله الحديث الذي يرويه الصحابي المشهور(2) بالرواية عن رسول وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه التابعي المشهور بالرواية عن الصحابة وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور ، وله رواة ثقات من الطبقة الرابعة ، ثم يكون شيخ البخاري أو مسلم حافظا متقنا مشهورا بالعدالة ف ي روايته. فهذه الدرجة الأولى من الصحيح"(3) هذه الشهرة التي ذكرها الحاكم، فسّرها ابن حجر مُعلِّّقاً وموضحاً فقال: " زاد الحاكم في علوم الحديث(4) في شرط الصحيح أن يكون راويه مشهورا بالطلب، وهذه الشهرة قدر زائد على مطلق الشهرة التي تخرجه من الجهالة. واستدل الحاكم (1) الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي، 1/126 . (2) جاء في تعريفه للصحيح في كتابه معرفة علوم الحديث "أن يرويه عن رسول الله  صحابي زائل عنه اسم الجهالة، وسبق تفصيل مسألة إطلاق لفظ الجهالة على الصحابي- في حاشية تعريفه في بداية هذا الفصل. " وبيان أن المراد بنفي الجهالة هنا هي المتعلّقة بشهرة الرواة لً بعدالتهم. وقد توسع الدكتور عبدالجواد حمام في عرض هذه المسألة في كتابه جهالة الرواة، وأرجع ما يقع من بعض الأئمة في وصف بعض الصحابة بالجهالة إلى ثلاث حالًت هي: 1- من جُهل اسمه (فأُطلِّق على الإبهام جهالة2- إطلاق الجهالة لعدم ثبوت الصحبة عند القائل 3-جهالة اشتهار بالعلم والرواية. ثم لخّص ضمن نتائج بحثه: أنّ من وصف أحد الصحابة بالجهالة من المحدثين، فإنه لم يرد الجهالة الًصطلاحية، وإنما يقصد معنىً خاصاً بالجهالة وهو قلّة الرواية. ينظر: حمام، جهالة الرواة، 2/911- 937،2/1137. (3) الحاكم، المدخل إلى الإكليل، 33. (4) ملاحظة: لفظ الشهرة لم يأت في كتاب "معرفة علوم الحديث- كما في المطبوع- إنما جاء في كتاب "المدخل إلى الإكليل" في الدرجة العليا من الصحيح فقط.

عدد الصفحات ١١٥

114 على مشروطية الشهرة بالطلب بما أسنده(1) عن عبدالله بن عون(2) قال(لً يؤخذ العلم إلً ممن شُ هِّ د له عندنا بالطلب)(3). والظاهر من تصرف صاحبي الصحيح اعتبار ذلك إلً أنهما حي ث يحصل للحديث طرق كثيرة يستغنون بذلك عن اعتبار ذلك - والله أعلم"(4). وكلام ابن حجر يدل على أن الشيخين اعتبرا هذا الشرط– وهو: الشهرة بالطلب مع الثقة والإتقان- في روايات دون أخرى، فحيث كثرت طرق الحديث الموافقة لرواية الراوي دل على ضبطه وعنايته بالراوية، فيكون في غنىً عن هذا الشرط(5). (1) اطّلعت على طبعتين لتحقيق كتاب النكت للحافظ ابن حجر، وقد أشار كلا المحققين إلى أنهما لم يجدا هذا النص في طبعات كتاب علوم الحديث للحاكم. ينظر: ابن حجر، النكت، ط (الجامعة الإسلامية)، تحقيق: ربيع المدخلي، 1/238، وط (الميمان) بتحقيق: ماهر الفحل،88. (2) أبو عون عبدالله بن عون بن أرطبان المزني مولًهم البصري، الإمام الحافظ، شيخ أهل البصرة، قال الذهبي في التذكرة: لًبن عون جلالة عجيبة ووقع في النفوس؛ لأنه كان إماما في العلم رأسا في التأله –أي: التعبد - والعبادة حافظا لأنفاسه. كبير الشأن. وقال ابن حجر: ثقة ثبت فاضل. مات سنة 151هـ ينظر: الذهبي، تذكرة الحفاظ، 1/118،ابن حجر، التقريب، 317. (3) أخرجه ابن أبي حاتم في الجرحوالتعديل. قال أبو زرعة: فسمعت أبا مسهر يقول: "إلً جليس العالم فإن ذلك طلبه". قال الخطيب: أراد أبو مسهر بهذا القول أن من عرفت مجالسته للعلماء وأخذه عنهم، أغنى ظهور ذلك من أمره أن يسأل عن حاله ، والله أعلم. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، 2/28، الخطيب البغدادي، الكفاية، 87 . (4) ابن حجر،النكت، 1/238-239. (5) وليس كل رواة الصحيحين قد اشتهروا بالطلب، بل تتفاوت درجاتهم في الضبط والإتقان يقول ابن حجر في مقدمته لفتح الباري: "ينبغي لكل منصف أن يعلم أن تخريج صاحب الصحيح لأي راو كان، مقتض لعدالته عنده وصحة ضبطه وعدم غفلته، ولً سيما ما انضاف إلى ذلك من إطباق جمهور الأئمة على تسمية الكتابين بالصحيحين ، وهذا معنى لم يحصل لغير من خرج عنه في الصحيح فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل من ذكر فيهما هذا إذا خرج له في الأصول، فإما إن خرج له في المتابعات والشواهد والتعاليق فهذا يتفاوت درجات من أخرج له منهم في الضبط وغيره مع حصول اسم الصدق لهم...". ونقل الترمذي في كتابه العلل الكبير قول البخاري: "كل رجل لً أعرف صحيح حديثه من سقيمه، لً أروي عنه ولً أكتب حديثه". ومعنى كلامه: أنه يروي عن الرجل الذي في حديثه الصحيح والسقيم، لكنه ينتقي منه الصحيح ويَدَع السقيم، هذا حال الإمام مسلم كذلك. المراجع: ينظر: الترمذي، العلل، 394، ابن حجر، هدي الساري، 384، عوّامة، منهج مسلم في الحديث المعلل، 66-67. وقد سرد ابن حجر في هذه مقدمة فتح الباري أسماء من طُعن فيه من رواة الصحيح، وأجاب عن ذلك، وميّ ز من أخرج له البخاري في الأصول ممن أخرج له في المتابعات، ومن أمثلة من أخرج لهم في المتابعات: "أحمد بن بشير الكوفي أبو بكر مولى عمرو بن حريث المخزومي، قال النسائي: ليس بذلك القوي، وقال عثمان الدارمي متروك وقواه بن معين وأبو زرعة وغيرهما أخرج له البخاري حديثا واحدا تابعه =

عدد الصفحات ١١٦

115 إذ كثرة الطرق الموافقة لرواية الراوي تدل على ضبطه تلك الرواية، وقد أوضح السيوطي- نقلاً عن شيخه ابن حجر- سبب اشتراط الشهرة بالطلب في الراوي(1)، وهو التأكد من ضبط الراوي لما رواه، فقال: "يستغنى بكثرة الطرق عن اعتبار الضبط التام. قال شيخ الإسلام: ويمكن أن يقال: اشتراط الضبط يغني عن ذلك، إذ المقصود بالشهرة بالطلب أن يكون له مزيد اعتناء بالرواية لتركن النفس إلى كونه ضبط ما روى."(2) فإذا كان الراوي موصوفاً بجودة حفظه وضبطه، فهذا دليل عنايته بالرواية، وشهرته في طلبها، وإنّ اتصاف راوي الصحيح بالضبط أو بتمامه يُغني عن وصفه بالشهرة في الطلب. وبتأمل تعريف الحاكم للصحيح في كتاب "معرفة علوم الحديث"، فإنه عرّف الصحيح بوجه عام، ولم يقيّد ذلك بما أخرجه الشيخان، واقتصر في تعريفه على اشتراط زوال وصف الجهالة من الصحابي راوي الحديث؛ وذلك بأن يروي ع نه تابعيان عدلًن ثم يتداوله أهل الحديث بالقَ بول-أي: وفق شروطهم للصحيح أو المقبول بوجه عام- ولم يَرِّد التنصيص بذكر نوع الشهرة - والتي هي قدر زائد عن مطلق الشهرة المخرجة عن الجهالة- في هذا التعريف، فقد اقتصر بقوله "صحابي زائل عنه اسم الجهالة" واكتفى = عليه مروان بن معاوية وأبو أسامة وهو في كتاب الطب ، فأما تضعيف النسائي له فمشعر بأنه غير حافظ..." 384-385. - أحمد بن عاصم البلخي معروف بالزهد والعبادة له ترجمة في حلية الأولياء وقد ذكرهابن حبان في الثقات فقال روى عنه أهل بلده وقال أبو حاتم الرازي مجهول قلت روى عنه البخاري حديثا واحدا في كتاب الرقاق" 386. - أحمد بن يزيد بن إبراهيم الحراني أبو الحسن المعروف بالورتنيس قال أبو حاتم ضعيف الحديث أدركته ولم أكتب عنه قلت روى له البخاري حديثا واحدا في علامات النبوة متابعة" 387، ...وغيرهم ينظر: ابن حجر، هدي الساري، 384-456. (1) ذكر ابن حجر في كتابه النكت أن من ضمن الشروط- التي تعارف عليها المحدثون- لإطلاق لقب الحافظ على الراوي، شهرته بالطلب والأخذ من أفواه الرجال لً من الصحف. ينظر: ابن حجر، النكت، 1/268. (2) السيوطي،التدريب، 1/68.

عدد الصفحات ١١٧

116 بوصف الرواة عنه بالعدالة؛ بينما ابن حجر فسّرها بقوله: "زاد الحاكم في علوم الحديث في شرط الصحيح أن يكون راويه مشهورا بالطلب، وهذه الشهرة قدر زائد على مطلق الشهرة التي تخرجه من الجهالة"(1)، ولعله فهم ذلك من مجموع كلام الحاكم في كتبه؛ لأن وصف الشهرة بالإتقان لم يأت في كتاب المعرفة(2)؛ إنما ذكره الحاكم في كتابه "المدخل إلى الإكليل" - وهو سابق في التأليف عن المعرفة (3)- حيث قسّم الصحيح إلى أقسام، وجعله على درجات أوّلها وأعلاها ما أخرجه الشيخان، وقد ذكر من أوصافهم الشهرة بالرواية فيما يخص الصحابي، والشهرة بالإتقان والثقة لمن هم دونه، بينما لم يأت ذكر الشهرة في الأقسام الأربعة التي تليها من المتفق على صحته، ولعل وصف الشهرة إنما كان للتأكيد على إتقان وتمام ضبط رواة الصحيحين مقارنة بغيرهم، والله أعلم. وبتأمل ما سبق نستنتج أن للشهرة درجات: فقد عقد الخطيب باباً -في ك تابه الكفا ية - في أن المحدث المشهور بالإ مامة والعدالة والثقة والأمانة لً يحتاج إلى تزكية المُ عِّّ دل، ومثّل لهم بعدد من الأئمة والحفاظ كالإمام مالك وأحمد بن حنبل وغيرهم فهؤلًء كما قال: "لً يُ سأَ ل عن عدالتهم، وإنما يُ سأَ ل عن عدالة من كان في عداد المجهولين، أو أشكل أمره على الطالبين"(4)، وهذه منزلة عالية من الشهرة في ميزان نقّاد الحديث، وتليها منازل أخرى كالشهرة بالطلب ، والشهرة (1) ابن حجر،النكت، 1/238-239. (2) لفظ الشهرة لم يأت في كتاب "معرفة علوم الحديث - كما في المطبوع - إنما جاء في كتاب "المدخل إلى الإكليل" في الدرجة العليا من الصحيح فقط. (3) أشار إلى ذلك محقق طبعة دار ابن حزم، ويُضاف إلى ذلك أن الحاكم أحال في أكثر من موضع في كتابه معرفة علوم الحديث على ما ذكره في كتاب الإكليل. ينظر: أحمد بن فارس السلوم، مقدمة تحقيقه لكتاب المدخل إلى معرفة كتاب الإكليل، 7،32. (4) الخطيب البغدادي،الكفاية، 87.

عدد الصفحات ١١٨

117 بالصدق، وهناك من يوصف بمطلق الشهرة دون تقييد لنوع هذه الشهرة حيث "يطلق بعض النقاد على الراوي وصف (مشهور)(1)، وهي مفردة دالة بأصل استعمالها على دفع جهالة العين، لكنها لً تفيد التعديل الذي يثبت معه حديث الراوي، وإنما تنفع في تقوية أمره بقدرٍّ ما، إذا سَ لِّ م الراوي من قادح"(2) . فوصف الراوي بأنهمشهور): تقتضي عدم جهالة عينه، ولعل هذا الوصف هو مراد ابن حجر من قوله "مطلق الشهرة". و"ينبغي أن يُ فره ق بينها وبين كلمة أخرى هي: مشهور الحديث، فشهرة الحديث غير شهرة الرجل، فقد يكون حديثه مشهورا بين الرواة - أو الناس -من غير طريقه، أما هو فمجهول، ولً يضره أن يكون حديثه غير مشهور إذا كان هو مشهوراً بين علماء الحديث"(3). ويُفهم من ذلك أن وصف الشهرة مُجرّداً ينفي عن الراوي جهالة العين، فإن قُيّد هذا الوصف بالعدالة أو الصدق أو الطلب أفاد عدالة الراوي - بدرجات مختلفة حسب مرتبة (1) أي بمفردها مجرّدة عن التعديل أو التجريح (2) الجديع،التحرير، 1/250. يُنظر أيضاً: الحمش،الإمام الترمذي ومنهجه في كتابه الجامع دراسة نقدية تطبيقية 2/765 .من أمثلة ذلك: من كتاب بيان الوهم والإيهام للقطان: فقد نقل ابن القطان قول ابن معين في أحد الرواة فقال: "حرب بن عبيد الله بن عمير، سئل عنه ابن معين، فقال: مشهور." ثم عقّب على ذلك بقوله: "وهذا غير كاف في تثبيت روايته، فكم من مشهور لً تقبل روايته".3/494. - وقال عن أخرعبدالرحمن بن أبي شميلة وهو أيضا لً تعرف حاله. وإن كان قال فيه ابن معين وأبو حاتم: مشهور، فإنما يعنيان برواية حماد ابن زيد عنه، وكم من مشهور لً تقبل روايته." 3/605-606. المرجعابن القطان، بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام. (3) قاله محمد عوامة في دراساته على الكاشف، ثم استدل على ذلك بما ذكره الحافظ ابن حجر في ترجمة حفص بن حسان حيث قال: أن النسائي قال فيه: (مشهور الحديث)، وهي عبارة لً تشعر بشهرة حال هذا الرجل، لً سيما ولم يرو عنه إلً جعفر بن سليمان، ففيه جهالة ". ثم عقّب الدكتور محمد عوامة بقوله: " فأفادنا هذا القول التفرقة بين هاتين الكلمتين، وأن (مشهور) فقط تدل على رفع جهالة عين الرجل. والله أعلم". وجاء أيضاً في التقريب قول ابن حجر: "عمرو ابن حَ ريش الزُ بيدي، له حديث مشهور، وهو مجهول الحال". ينظر: المراجع: ابن حجر ، تهذيب التهذيب ، 1/450، ابن حجر، التقريب، 420 (5010.) محمد عوامة، دراسات الكاشف للإمام الذهبي، 1/75.

عدد الصفحات ١١٩

118 الوصف عند علماء الجرح والتعديل-؛ لأن من الرواة من يشتهر بين نقاد الحديث بالكذب أو التهمة به، فوصف الراوي مجرداً بكونه مشهوراً أو معروفاً خروج له عن حيّز الجهالة إلى معرفة عينه، أمّا المعرفة بحاله فتختلف من راوٍّ لآخر، حسب الحال التي اُشتهر أو عُرف بها، "فإن كان في حاله التي اشتهر بها ما يتضمن العدالة فقد زالت عنه جهالة الحال أيضا، وانطبق عليه قوله فيما تقدم: "وصححوا استغناء ذي الشهرة عن تزكية" وإلً فهو مجهول الحال."(1) نخلص مما سبق أن الشهرة بشكل عام خروج الراوي عن حدّ الجهالة، سواء باشتهار شخصه فيخرج عن جهالة العين، أو باشتهار حاله فيخرج عن جهالة الحال. والشهرة درجات: أعلاها: شهرة الراوي بالإمامة والحفظ شهرة تغنيه عن تزكية المعدِّّلين(2). ثم تليها شهرة بطلب الحديث وإتقانه والعناية به والتي تدل على عدالته وتمام ضبطه، ثم شهرة بالصدق دون بلوغ الغاية في الضبط والإتقان(3)، ثمشهرة بحمل العلم والعناية به –وهو مذهب ابن عبدالبر والذي عدّه تعديلاً للراوي(4)- ويليهامُطلق الشهرة دون قيد أو وصف، وهي التي ترفع عن الراوي جهالة عينه ولً تدل على تعديله. (1) البقاعي،النكت، 1/626. (2) إذ الشهرة والًستفاضة أحد طرق إثبات العدالة (3) سيأتي بيانها في مبحث الشهرة بالصدق ضمن قيود الحديثالحسن. (4) "قد انتقده ابن الصلاح فقال: "وفيما قاله اتساع غير مرضي"، وكأن ابن الصلاح لحظ في ذلك إلى الشبه بالمستور. لكن صوه ب هذا القول المحققون من أهل الحديث كالجزري، والمزي، والذهبي، والسخاوي، وصوروه بما لً يشابه مجهول الحال". =

عدد الصفحات ١٢٠

119 وما ذكره الحاكم في الصحيح من كون رواته مشهورين بالطلب يغني عنه-كما ذكر ابن حجر- اشتراط تمام الضبط في الراوي؛ لأن ضبطه دليل عنايته بالرواية مُضافاً إليه تأكيده انتفاء الجهالة من رواة الصحيح، وخروجهم عن حدّ الجهالة بنوعيها حيث قال: "فأما جهالة الحال فمندفعة عن جميع من أخرج لهم في الصحيح؛ لأن شرط الصحيح أن يكون راويه معروفا بالعدالة، فمن زعم أن أحدا منهم مجهول فكأنه نازع المصنف في دعواه أنه معروف، ولً شك أن المدعي لمعرفته مقدم على من يدعي عدم معرفته؛ لما مع المثبت من زيادة العلم ومع ذلك فلا تجد في رجال الصحيح أحداً ممن يسوغ إطلاق اسم الجهالة عليه أصلا."(1) وتجدر الإشارة إلى أنوصف الحاكم لرواة الصحيح بالشهرة بالرواية أو بالطلب-المقيّدة بالثقة والإتقان(2)- إنما كان خاصاً بما أخرجه كل من البخاري ومسلم في صحيحهما، إذ عدّه القسم الأول من الصحيح المتفق على صحته، وجعله في الدرجة الأولى منه، ولم يشترط ذلك في الأقسام الأخرى من الصحيح المتفق عليه والذي أخرجه غيرهما، وبذلك يكون ما نُسِّب إليه من اشتراط الشهرة بالطلب كشرط للصحيح مقيّداً بما أخرجه الشيخان = فهو أرفع حالًً من المستور ومجهول الحال، فحاله في العلم والعناية به معروفة. قال الذهبي: "ولً يدخل في ذلك المستور، فإنه غير مشهور بالعناية بالعلم، فكل من اشتهر بين الحفاظ بأنه من أصحاب الحديث وأنه معروف بالعناية بهذا الشأن، ثم كشفوا عن أخباره فما وجدوا فيه تليينا ولً اتفق لهم على علم بأن أحدا وثقه، فهذا الذي عناه الحافظ وأنه يكون مقبول الحديث، إلى أن يلوح فيه جرح" ينظر: السخاوي، فتح المغيث، 2/20، عتر، منهج النقد، 103. أضاف فضيلة المناقش استدراكاً"لكن ابن عبدالبر يُعلّ الأحاديث بالجهالة". (1) ابن حجر ، هدي الساري، 384. ينظر: السخاوي،فتح المغيث، 2/55-56. (2) ملاحظة إنما وصف الصحابي بالشهرة بالرواية عن رسول الله ، وزاد على الشهرة وصف الثقة والإتقان فيمن هو دون الصحابي؛ ولعل ذلك إشارة منه - رحمه الله- لعدالة الصحابة وعدم الحاجة إلى البحث عن عدالتهم، والله أعلم.

عدد الصفحات ١٢١

120 في كتاب يهما، وليس شرطاً عاماً لكل حديث صحيح (1)، إذ يُكتفى بالشروط السابقة من اتصال السند وعدالة الرواة وضبطهم وخلو الحديث من الشذوذ والعلة، والله أعلم. قيد اشتراط العدد: وهو من القيود الزائدة على شرط الصحيح عند ابن الصلاح، والمراد باشتراط العدد في الحديث الصحيح أو المقبول بوجه عام "أن يرويه عدلًن عن عدلين حتى يتصل السند مثنى مثنى برسول الله "(2) . وممن نُسب إليه اشتراط هذا الشرط-في الحديث الصحيح – من أئمة الحديث(3): الإمام الحاكم –رحمه الله - مستدلين بما جاء في تعريفه للصحيح في كتابه "معرفة علوم (1) معلوم أن البخاري ومسلم رحمهما الله لم يستوعبا في كتابيهما كل الصحيح، بل جاء عن البخاري قوله: "ما أدخلت في كتابي الجامع إلً ما صح وتركت من الصحاح لحال الطول" الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، 2/322 . وقال مسلم في صحيحهقال: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ها هنا إنما وضعت ها هنا ما أجمعوا عليه" مسلم، الصحيح، 1/304 ح63 .) (2) ابن حجر،النكت، 1/238. أشار إلى ذلك المعنى العراقي في كتابه التقييد، بنقله جزءاً من رسالة البيهقي إلى أبي محمد الجويني -رحمهما الله- حيث قال: "رأيت في الفصول التي أملاها الشيخ حرسه الله تعالى حكاية عن بعض أصحاب الحديث أنه يشترط في قبول الأخبار أن يروى عدلًن عن عدلين حتى يتصل مثنى مثنى برسول الله . ولم يذكر قائله إلى آخر كلامه. وكأن البيهقي رآه في كلام أبى محمد الجوينى فنبهه على أنه لً يعرف عن أهل الحديث والله أعلم." العراقي، التقييد، 21. (3) مسألة اشتراط العدد: قال ابن حجر في فتح الباري: "نقل الأستاذ أبو منصور البغدادي أن بعضهم اشترط في قبول خبر الواحد أن يرويه ثلاثة عن ثلاثة إلى منتهاه، واشترط بعضهم أربعة عن أربعة، وبعضهم خمسة عن خمسة، وبعضهم سبعة عن سبعة انتهى. وكأن كل قائل منهم يرى أن العدد المذكور يفيد التواتر أو يرى تقسيم الخبر إلى متواتر وآحاد ومتوسط بينهم، وفات الأستاذ ذكر من اشترط اثنين عن اثنين كالشهادة على الشهادة، وهو منقول عن بعض المعتزلة ونقله المازري وغيره عن أبي علي الجبائي، ونُ سب إلى الحاكم أبي عبد الله وأنه ادعى أنه شرط الشيخين، ولكنه غلط على الحاكم كما أوضحته في الكلام على علوم الحديث".13/233. ومن أقوال أهل الحديث في حجية خبر الآحاد قول ابن حبان في مقدمة صحيحه: "فأما الأخبار فإنها ـ كلها ـ أخبار آحاد؛ لأنه ليس يوجد عن النبي  خبر من رواية عدلين روى أحدهما عن عدلين وكل واحد منهما عن عدلين حتى ينتهي ذلك إلى رسول =

عدد الصفحات ١٢٢

121 الحديث" حيث قالوصفة الحديث الصحيح أن يرويه عن رسول الله  صحابي زائلٌ عنه اسم الجهالة، وهو أن يروي عنه تابعيان عدلًن(1)، ثم يتداوله أهل الحديث بالقَبول = الله  .فلما استحال هذا وبطل ثبت أن الأخبار ـ كلها ـ أخبار الآحاد، وأن من تنكب عن قبول أخبار الآحاد فقد عمد إلى ترك السنن كلها لعدم وجود السنن إلً من رواية الآحاد." وقال ابن عبدالبره في التمهيد: "أجمع أهل العلم من أهل الفقه والأثر في جميع الأمصار فيما علمت، على قبول خبر الواحد العدل وإيجاب العمل به، إذا ثبت ولم ينسخه غيره من أثر أو إجماع، على هذا جميع الفقهاء في كل عصر من لدن الصحابة إلى يومنا هذا، إلً الخوارج وطوائف من أهل البدع شرذمة لًتعد خلافاً ". وفى ذلك يقول الإمام الحازمي -في كتابه شروط الأئمة-: "ولً أعلم أحداً من فرق الإسلام القائلين بقبول خبر الواحد اعتبر العدد سوى متأخري المعتزلة؛ فإنهم قاسوا الرواية على الشهادة، واعتبروا في الرواية ما اعتبروا في الشهادة، وما مغزى هؤلًء إلً تعطيل الأحكام كما قال أبو حاتم ابن حبان". إن مسألة اشتراط وجود أكثر من راوٍّ في كل طبقة من طبقات الإسناد لقبول الحديث، وتفنيد الأقوال فيها، وبيان حجية خبر الآحاد من المسائل المبسوطة بأدلتها في كتب علوم الحديث وكتب أصول الفقه، المراجع: ابن حبان، الصحيح، 1/118، ا بن عبد البر ، التمهيد، 1/2، الحازمي، شروط الأئمة ،61 . وللاستزادة ينظر الشافعي، الرسالة، 401،محمد بن علي الطيب أبو الحسين البصري، المعتمد في أصول الفقه، 2/138،أبو حامد الغزالي، المستصفى في علم الأصول، 23،الرازي، المحصول في علم أصول الفقه ، 4/417، ابن حجر، النكت ، 1/241-247،البقاعي، النكت الوفية ، 1/87،2/439- 442، السيوطي،تدريب الراوي ، 1/69-75، السيوطي،البحر الذي زخر، 1/363-376، الجزائري، توجيه النظر، 1/181-186، الجديع،تحرير علوم الحديث ، 1/52. (1) قال أحمد السلوم في تعليقه على هامش كتابه -في بيان شرط الشيخين -: "مما اُنتقِّد على الإمام البخاري في أسلوب تعامله مع الصحابة ، إطلاقه لفظ الضعف على بعضهم كـ(هند بن أبي هالة،وهو هند ابن خديجة ، فقد أدخله البخاري في كتاب الضعفاء، فأنكر عليه ذلك أبو حاتم وقال "روى عنه قوم مجهولون فما ذنب هند ابن أبي هالة أدخله البخاري في كتاب الضعفاء. قال أبو محمد بن أبي حاتم: فسمعت أبي يقول: يحول من هناك." واعتذر الحافظ المعلمي عن صنيع البخاري فقال -في تعليقه في حاشية كتاب ابن أبي حاتم -: "ذاك اصطلاح للبخاري إذا لم يكن للصحابي إلً حديث واحد- لم يصح عنه- ذَ كره في الضعفاء، على معنى أن الحديث الذى يُ روى عنه لً يصح، وقد تابعه على هذا ابن عدى. اهـ" قال السلّوم: "بل واصطلاح مشى عليه أبو حاتم نفسه، فقد قال في ترجمة وهب بن قيس الطائفي: له صحبة، روت عنه ابنته رقيقة، قال أبو محمد سمعت أبي يقول: هو مجهول" فمراده أن حديثه لً يُروى إلً من طريق ابنته رقيقة، وهي مجهولة، فالإسناد مجهول، لً لضعف في الصحابي، بل لأجل من دونه، والله أعلم." ويشهد لذلك قول ابن حجر في لسان الميزانكذا يصنع أبو حاتم في جماعة من الصحابة يطلق عليهم اسم الجهالة لً يريد ج هالة العدالة وإنما يريد أنه من الأعراب الذي لم يرو عنهم أئمة التابعين". وأورد أبو أحمد بن عدي في كامله ترجمة لزيد بن أبي أوفى، وقال: له صحبة... ثم قال في آخر الترجمة: "وكل من له صحبة ممن ذكرناه في هذا الكتاب ، فإنما تكلم البخاري في ذلك الإسناد الذي انتهى فيه إلى الصحابي أن ذلك الإسناد ليس بمحفوظ، وفيه نظر، لً أنه يتكلم في الصحابة فإن أصحاب رسول الله  لحق صحبتهم، وتَ قَ ادِّ م قدمهم في الإسلام لكل واحد منهم في نفسه حق وحرمة للصحبة، فهم أجل من أن يتكلم أحد فيهم. اهـ.". المراجع: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، 9/116،9/22، ابن عدي، الكامل في ضعفاء الرجال،

عدد الصفحات ١٢٣

دمهم في الإسلام لكل واحد منهم في نفسه حق وحرمة للصحبة، فهم أجل من أن يتكلم أحد فيهم. اهـ.". المراجع: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، 9/116،9/22، ابن عدي، الكامل في ضعفاء الرجال، 4/161-163، ابن حجر،اللسان، 6/13،أحمد بن فارس السلوم، تتمة في بيان شرط الشيخين البخاري ومسلم في صحيحيهما-مطبوع مع تحقيقه لكتاب المدخل إلى الإكليل، 180. بتصرف ولعل الحاكم –رحمه الله- قلّد البخاري في اصطلاحه هذا؛ لذا اشترط في الصحيح بوجه عام: أن يكون الصحابي قد زال عنه وصف الجهالة برواية عدلين عنه، ويكون الطريق إليه صحيحاً قد استوفى شروط =

عدد الصفحات ١٢٣

122 إلى وقتنا هذا كالشهادة على الشهادة"(1)، أو بما ذكره من أقسام الصحيح في "المدخل إلى الإكليل" حيث قال: "والصحيح من الحديث منقسم على ع شرة أقسام. خمسة متفق عليها، وخمسة منها مختلف فيها. فالقسم الأول من المتفق عليها: اختيار البخاري ومسلم وهو الدرجة الأولى من الصحيح، ومثاله: الحديث الذي يرويه الصحابي المشهور بالرواية عن رسول الله  وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه التابعي المشهور بالرواية عنالصحابة وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور، وله رواة ثقات من الطبقة الرابعة، ثم يكون شيخ البخاري أو مسلم حافظا متقنا مشهورً ا بالعدالة في روايته. فهذه الدرجة الأولى من الصحيح. القسم الثاني من الصحيح المتفق عليها: الحديث الصحيح بنقل العدل عن العدل رواه الثقات الحفاظ إلى الصحابي وليس لهذا الصحابي إلً راو واحد...". وبعد أن ذكر أمثلة على هذا القسم قال: "والشواهد لما ذكرناه كثيرة ولم يخرج البخاري ومسلم هذا النوع من الحديث في الصحيح". القسم الثالث من الصحيح المتفق عليها: أخبار جماعة من التابعين عن الصحابة، والتابعون ثقات إلً أنه ليس لكل واحد منهم إلً الراوي الواحد..." ثم قال: "وليس في الصحيح من هذه الروايات شيء وكلها صحيحة، بنقل العدل عن العدل متداولة بين الفريقين محتج بها". القسم الرابع من الصحيح المتفق عليه: هذه الأحاديث الأف راد الغرائب التي يرويها الثقات العدول تفرد به ثقة من الثقات وليس لها طرق مخرجة في الكتب..." ثم قال: "وشواهد هذا القسم كثيرة كلها صحيحة الإسناد غير مخرجة في الكتابيين. = القبول عند أهل الحديث، ونجد كذلك الإمام الحافظ أبا عبدالله محمد بن إسحاق بن منده (ت395هـ،- وهو من معاصري الحاكم- يُصرّح بنسبة الصحابي إلى الجهالة ما لم يروِّ عنه إلً تابعي واحد حيث قال: "من حُكْم الصحابي أنه إذا روى عنه تابعي واحد -وإن كان مشهورًا مثل الشعبي وسعيد بن المسيب - ينسب إلى الجهالة. فإذا روى عنه رجلان صار مشهورًا، واحتج به، وعلى هذا بنى البخاري ومسلم كتابيهما الصحيحين". ابن طاهر المقدسي، شروط الأئمة الستة، 22، ولعل مراده بقوله (ُاحتُجّ به) أي جُعل في مرتبة الًحتجاج به أي في أصول الصحيحين لً في الشواهد والمتابعات؛ لذا أعقبه بقوله (وعلى هذا بنى البخاري ومسلم كتابيهما)، فمرادهم بالجهالة هنا: قلة الرواة عن الراوي، وعدم اشتهاره، وليس المقصود جهالة عدالته، فعدالة الصحابة معلومة كما سبق، والله أعلم. (1) الحاكم،علوم الحديث، 62.

عدد الصفحات ١٢٤

123 القسم الخامس من الصحيح المتفق عليه: أحاديث جماعة من الأئمة عن آبائهم عن أجدادهم، ولم يتواتر الرواية عن آبائهم وأجدادهم إلً عنهم..." وقال أيضا: "فهذه الأقسام الخمسة مخرجة في كتب الأئمة محتج بها وإن لم يخرج في الصحيحين منها حديث –أي: الأقسام الأربعة دون الأول - لما بيناه في كل قسم منها".(1) وقد تفاوتت مذاهب العلماء في توجيه كلام الحاكم في كتابيه السابقين- المعرفة والإكليل- إلى مذهبين رئيسيين، الأول: فهم من كلام الحاكم اشتراط العدد في رواة الصحيح، والثاني: فهم اشتراط شهرة رواة الحديث الصحيح، هذا بشكل مجمل، أما تفصيل ذلك فهو على النحو الآتي: المذهب الأول: فهم من كلام الحاكم اشتراطه للعدد (أي: تعدد الرواة في كل طبقة من طبقات السند بما لً يقل عن راويين) وانقسموا إلى قسمين: القسم الأول: من فهم اشتراط العدد، وأيّده كالميانشي (ت581هـ، فقد عرّف الصحيح بنفس عبارات الحاكم وعزاه إليه - ثم عقهب بقوله : "فأما الذي شرطه الشيخان في صحيحهما، فهو أنهما لً يدخلان في كتابيهما إلً ما صح عندهما، وذلك ما رواه عن النبي  اثنان من الصحابة فصاعدً ا، وما نقله عن كل واحدٍّ من الصحابة أربعة من التابعين فأكثر، وأن يكون عن كل واحد من التابعين أكثر من أربعة"(2). قال الزركشي-مستغرباً ما ذهب إليه المانشي-: "وأغرب مما قاله الحاكم قول أبي حفص الميانشي: إن شرطهما في صحيحيهما ألً يدخلا فيه إلً ما صح عندهما، وذلك ما رواه (1) ينظرالحاكم، الإكليل ، 33-41.باختصار. وقد تعقّب ابن حجر ما ذكره الحاكم من أقسام الحديث الصحيح- فقال: "وكل من هذه الأقسام التي ذكرها في هذا المدخل مدخول"، وردّ عليه بذكر أمثلة من الصحيحين تنقض ما ذكره الحاكم من العموم في هذه الأقسام. ينظر: ابن حجر، النكت، 1/367-370. (2) الميانشي،ما لً يسع المحدث، 27

عدد الصفحات ١٢٥

124 عن رسول اثنان فصاعدا وما نقله عن كل واحد من الصحابة أربعة من التابعين فأكثر."(1) وكذلك تعجّب السيوطي مما ذهب إليه الميانشي، فقال: "وما أدري من أين له ذلك؟!، وقد كنت أقول: لعله سرى إليه من فهمه كلام الحاكم على غير وجهه، حتى رأيت كتابه، فرأيته ساق أولً كلام الحاكم معزوّا إليه وجعله شرط مطلق الصحيح، ثم قال: فأما الذي شرط الشيخان وذكر ما تقدّم بنصه."(2) وبالنظر فيما ذكره الميانشي من شرط الشيخين، نرى أنه زاد على تعر يف الحاكم، وأضاف - ما لم يذكره في تعريفه - من تعدد طبقة الصحابة والتصريح بكونهم اثنان فصاعداً، وضاعف العدد فيمن بعدهم، وقد تعقّبه ابن حجر - فيما ذكره- بقوله: "فهذا الذي قاله مستغنٍّ بحكايته عن الرد عليه ، فإنهما لم يشترطا ذلك ولً واحد منهما. وكم في الصحيحين من حديث لم يروه إلً صحابي واحد، وكم فيهما من حديث لم يروه إلً تابعي واحد. وقد صرح مسلم في صحيحه ببعض ذلك"(3). القسم الثاني من فهم اشتراط العدد، واعترض عليه وخطّأه كالحازمي (ت584هـ فقد قال الحازمي في كتابه "شروط الأئمة الخمسة": "وذكرت أن بعض الناس يزعم أن شرط الشيخين أن لً يخرجا إلً حديثاً سمعاه من شيخين عدلين، وكل واحد منهما رواه أيضاً عن عدلين كذلك إلى أن يتصل الحديث على هذا القانون برسول الله . ولم يخرجا (1) الزركشي،النكت، 1/266. (2) السيوطي،البحر، 1/696-697. (3) ذكر سبب تعقبّه لكلام الميانشي فقالوإنما حكيت كلام الميانجي (أو الميانشي كلاهما ورد في كتب التراجم) هنا لأتعقبه لئلا يغتر به". ابن حجر، النكت، 241 .

عدد الصفحات ١٢٦

125 حديثاً لم يُعرف إلً من جهة واحدة أو لم يروه إلً راوٍّ واحد وإن كان ثقة...وهذا قول قد قيل ودعوى قد تقدمت حتى ذكره بعض أئمة الحديث في مدخل الكتابين". ثم نقل أقسام الحديث الصحيح التي ذكرها الحاكم في المدخل إلى الإكليل، وعلّق بقوله : "ولم يُصب فيها".(1) وذكر تحت الباب الذي عنونه بقوله- في إبطال قول من زعم أن شرط البخاري إخراج الحديث عن عدلين وهلم جرا إلى أن يتصل الخبر بالنبي  - عددًا من الأمثلة على الأحاديث الأفراد المخرّجة في الصحيحين أو أحدهما، ثم قال: "ومن أمعن النظر في هذه الأمثلة المذكورة بان له فساد وضع الأقسام التي ذكرها الحاكم".(2) قال ابن حجر مُعقِّّبا وشارحاًقد فهم الحافظ أبو بكر الحازمي من كلام الحاكم أنه ادعى أن الشيخين لً يخرجان الحديث إذا انفرد به أحد الرواة، فنقض عليه بغرائب الصحيحين. والظاهر أن الحاكم لم يرد ذلك، وإنما أراد كل راو في الكتابين من الصحابة فمن بعدهم، يشترط أن يكون له راويان في الجملة، لً أنه يشترط أن يتفقا في رواية ذلك الحديث بعينه عنه"(3) . (1) ينظرالحازمي، شروط الأئمة الخمسة، 33-38 باختصار (2) ينظرالمرجع السابق، 43- 49. (3) أشار إلى ما قد يكون سبباً في فهم كلام الحاكم على أنه يشترط العدد في رواة الصحيح فقال: "إن قوله –أي الحاكم- في آخر الكلام: "ثم يتداوله أهل الحديث كالشهادة على الشهادة". إن أراد به تشبيه الرواية بالشهاد ة من كل وجه فيقوى اعتراض الحازمي، وإن أراد به تشبيهها بها في الًتصال والمشافهة، فقد ينتقض عليه بالإجازة، والحاكم قائل بصحتها. وأظنه إنما أراد بهذا التشبيه أصل الًتصال والإجازة عند المحدثين لها حكم الًتصال - والله أعلم- ولً شك أن الًعتراض عليه بما في علوم الحديث أشد من الًعتراض عليه بما في المدخل؛ لأنه جعل في المدخل هذا شرطا لأحاديث الصحيحين. وفي العلوم جعله شرطا للصحيح في الجملة."ابن حجر،النكت، 1/240. ينظر: السيوطي،التدريب، 1/135.

عدد الصفحات ١٢٧

126 "فالحازمي ظن أن الحاكم يذهب إلى أن شرط الشيخين هو إخراج الحديث المروي عن عدلين إلى نهاية السند، ...والحقيقة أنه لم يرد ذلك، ويبعد من الحاكم أن يذهب ذلك المذهب، ولو أراد ما فهمه المعترضون لقال: الحديث الذي يرويه صحابيان...إلخ"(1) فلميأت في كلام الحاكم التصريح بأن يكون الحديث من رواية اثنين من الصحابة، بل نجده قد ذكر في كتابه المعرفة - ضمن أنواع علوم الحديث- تحت النوع الرابع والعشرين معرفة الغريب من الحديث فنوع منه غرائب الصحيح، ومثّل له من الصحيحين، ووصفها بالأحاديث الصحيحة الغريبة.(2) وهذا يدلل على أنه لم يُرِّد اشتراط العدد في الحديث الصحيح - أما أصحاب المذهب الثاني: وهم من فهم كلام الحاكم على أنه اشتراط لشهرة رواة الصحيح في كل طبقات السند بما في ذلك طبقة الصحابة (أي: شهرة تخرج الراوي عن حد الجهالة برواية راويين عنه على الأقل)، وهم على أقسام: (1)عتر،الإمام الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين، 60-61 باختصار (2) ينظر: الحاكم،علوم الحديث، 94 .من الأمثلة التي ذكرها: فقد أخرج الحاكم حديث جابر بن عبد الله قال: ((كنا يوم الخندق نحفر الخندق فعرضت فيه كذّ انة وهي الجبل، فقلت: يا رسول الله كذانة قد عرضت فيه، ...)) ثم أعقبه بقوله: "رواه البخاري في الجامع الصحيح- كتاب المغازي، باب غزة الخندق 5/108 ح4101)- عن خلاد بن يحيى المكي ، عن عبدالواحد بن أيمن، فهذا حديث صحيح وقد تفرد به عبدالواحد بن أيمن ، عن أبيه ، وهو من غرائب الصحيح". المرجع السابق، 94. - وأخرج حديث عبدالله بن عمرو قال: لما حاصر النبي  أهل الطائف فلم ينل منهم شيئا، فقال((إنا قافلون إن شاء الله غدا...)). قال الحاكم: "رواه مسلم في المسند الصحيح –كتاب الجهاد والسير، باب غزوة الطائف 3/1402 ح1778)- عن أبي بكر بن أبي شيبة، وغيره، عن سفيان، وهو غريب صحيح، فإني لً أعلم أحدا حدث به عن عبدالله بن عمرو غير أبي العباس السائب بن فروخ الشاعر، ولً عنه غير عمرو بن دينار، ولً عنه غير سفيان بن عيينة فهو غريب صحيح." المرجع السابق، 95.

عدد الصفحات ١٢٨