127 القسم الأول من فهم ذلك ووافقه عليه كتلميذه البيهقي (ت458هـ)، وأبو علي الجياني(1) –الغساني- (ت498هـ فأما البيهقي فقد أكّد أن هذا هو مذهب كثير من حفاظ الحديث(2)، وهو ما يدل عليه صنيع الإمامين البخاري ومسلم، فقال: "والذي عندنا من مذهب كثير من الحفاظ، وعليه يدل مذهب الإمامين: أبي عبد الله البخاري، وأبي الحسين النيسابوري: - أنهما إنما يشترطان أن يكون للصحابي الذي يروي الحديث راويان فأكثر؛ ليخرج بذلك عن حد الجهالة، وهكذا من دونه. - ثم إن انفرد أحد الراويين عنه بحديث، وان فرد الآخر بحديث آخر، أو بحكاية، أو جرى له - وإنما التوقف في رواية صحابي أو تابعي لً يكون له إلً راوٍّ واحدٌ "(3) (1) الحسين بن محمد بن أحمد الغساني الجياني الأندلسي، أبو علي . محدث الأندلس. من مصنفاته: (تقييد المهمل وتمييز المشكل) و( الألقاب) و(التنبيه على الأوهام الواقعة ف ي المسندين الصحيحين ) وغيرها. ينظر: الذهبي، السير، 14/172. ابن العماد،الشذرات، 5/420 .الزركلي، الأعلام، 2/255. (2) ذلك بعد أن أشار إلى القول الأول، وإبهام قائله، فقالورأيت في الفصول التي أملاها في الأصول -من هذه الأجزاء- حكايةً عن بعض أصحاب الحديث: أنه اشترط في قبول الأخبار: (أن يروي عدلًن، عن عدلين،) ولم يذكر قائله". : البيهقي، رسالة الإمام أبي بكر البيهقي إلى الإمام أبي محمد الجويني، 83. (3) ذكر أمثلة لبعض الرواة من الصحابة والتابعين ممن ليس له إلً راوٍّ واحد: - كصفوان بن عسال، لم يرو عنه من الثقات إلً: زر بن حبيش. - وكعروة بن مضرس، وهو صحابي، لم يرو عنه من الثقات إلً: عامر الشعبي. - وكالصُ بّ ي بن معبد، وهو تابعي، لم يرو عنه من الثقات إلً: أبو وائل شقيق بن سلمة. ينظر: البيهقي، المرجع السابق، 84-85. ومن أمثلة ذلك في كتابه السنن الكبرى، حيث أخرج في كتاب الزكاة، باب ما ورد فيمن كتمه، حديثاً عن بهز بن حكيم بن معاوية، عن أبيه، عن جده، قال: سمعت رسول الله يقول((في كل أربعين من الإبل السائمة ابنة لبون...)). ثم عقّب بقوله: " هذا حديث قد أخرجه أبو داود في كتاب السنن –كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، 2/101 ح1575)-، فأما البخاري ومسلم رحمهما الله فإنهما لم يخرجاه جريا على عادتهما في أن الصحابي أو التابعي إذا لم يكن له إلً راو واحد لم يخرجا حديثه في الصحيحين ، ومعاوية بن حيدة القشيري لم يثبت عندهما رواية ثقة عنه غير ابنه فلم يخرجا حديثه في الصحيح والله أعلم." البيهقي، السنن الكبرى، 4/176 ح7328.)
عدد الصفحات ١٢٩128 وممن تأوّل كلام الحاكم كذلك - وبيّن أن مراده: إثبات شهرة الراوي وخروجه عن حدّ الجهالة(1)- :أبو عل ي الجيانى –الغساني- حيث قال: "وليس مراده أن يكون كل خبرٍّ روياه يجتمع فيه راويان عن صحابيه وتابعيه ومن بعده، فإن ذلك يعز وجوده، وإنما المراد أَن هذا الصحابي، وهذا التابعي قد روى عنه رجلان خرَج بهما عن حدّ الجهالة برواية الواحد"(2). قال السيوطي: "واعتنى جماعة(3) بالحاكم فقالوا"إن الحازمي ظن أن مراد الحاكم: أن كل حديث في الكتابين يشترط أن يرويه اثنان وليس ذلك مراده، إنما مراده أن كل راو فيهما يُشترط أن يكون له راويان؛ ليخرج بذلك عن حد الجهالة، لً أن يتفقا على رواية ذلك الحديث بعينه"(4) . وقد تعقّب أبو عبدبن المواق(5) هذا الرأي فقال: (1) قال الجديع- بعد أن نقل تعريف الحاكم للصحيح-: "وهذه الصفة التي ذكر الحاكم ظن بعض الناس أنه عنى أن كل حديث صحيح يجب أن يرويه اثنان عن الصحابي، وليس الأمر كذلك، إنما قوله: "وهو أن يروي عنه تابعيان عدلًن" عائد على ما ترتفع به الجهالة، فهو يقول: رفع الجهالة لً يكون إلً برواية اثنين عن الصحابي فمن دونه من رواة الحديث. ". قال الخطيب البغدادي: "المجهول عند أصحاب الحديث: هو كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه، ولً عرفه العلماء به، ومن لم يعرف حديثه إلً من جهة راو واحد" المراجع: الخطيب البغدادي، الكفاية، 88، الجديع، التحرير، 1/336 (2) نقل كلامه القاضي عياض في مقدمته لشرح صحيح مسلمعياض بن موسى بن عياض اليحصبي، إكمالُ المُعْ لِّم بفوائد مسلم، 1/83. (3) منهم: ابن حجر حيث تعقّب الحازمي بقوله: "قد فهم الحافظ أبو بكر الحازمي من كلام الحاكم أنه ادعى أن الشيخين لً يخرجان الحديث إذا انفرد به أحد الرواة، فنقض عليه بغرائب الصحيحين. والظاهر أن الحاكم لم يرد ذلك وإنما أراد كل راو في الكتابين من الصحابة فمن بعدهم، يشترط أن يكون له راويان في الجملة، لً أنه يشترط أن يتفقا في رواية ذلك الحديث بعينه عنه". ابن حجر، النكت، 1/240 (4) السيوطي،البحر الذي زخر، 2 /690-691. (5) محمد بن يوسف بن أبي القاسم بن يوسف العبدري الغرناطي، أبو عبدالله المواق: فقيه مالكي. له: (التاج والإكليل في شرح مختصر خليل) و (سنن المهتدين في مقامات الدين). مات سنة 897هـ. ينظر الزركلي، الأعلام، 7/154. كحالة، المؤلفين، 2/302.
عدد الصفحات ١٣٠129 "ما حمل الغساني عليه كلام الحاكم-وتبعه عليه عياض وغيره- ليس بالبيِّّ ن، ولً أعلم أحدا روى عنهما أنهما صرحا بذلك، ولً وجود له في كتابيهما ولً خارجا عنهما، فإن كان قائل ذلك عرفه من مذهبهما بالتصفح لتصرفهما في كتابي هما فلم يصب؛ لأن الأمرين معً ا في كتابيهما، وإن كان أخذه من كون ذلك أكثريً ا في كتابيهما، فلا دليل فيه على كونهما اشترطاه، ولعل وجود ذلك أكثريا إنما هو لأن من روى عنه أكثر من واحد، أكثر ممن لم يرو عنه إلً واحد من الرواة مطلقا، لً بالنسبة إلى من خرج له منهم في الصحيحين، وليس من الإنصاف إلزامهما هذا الشرط من غير أن يثبت عنهما ذلك مع وجود إخلالهما به؛ لأنهما إذا صح عنهما اشتراط ذلك كان في إخلالهما به درك عليهما."(1) فقد اعترض ابن المواق على إلزام الشيخين بهذا الشرط، ونسبته لهما دون أن يصرحا بذلك، ولو كان هذا ال نوع هو الغالب في كتابيهما، ويشير ابن المواق بذلك إلى النسبة الغالبة في أحاديث الصحيحين - بل في الحديث عمومًا – من كون أغلب رواة الحديث قد روى عنهم أكثر من واحد. القسم الثاني: من فهم اشتراط الحاكم لشهرة الرواة، وانتقد تعميمه ذلك على جميع ما أُخرِّج في الصح يحين كابن منده (ت 470هـ)، وابن طاهر المقدسي -ابن القيسراني (2)- (ت507هـ (1) قالابن حجر: "وهذا كلام مقبول وبحث قوي." السيوطي، التدريب، 1/135-136. السيوطي، البحر، 2/694-695. (2) محمد بن طاهر بن علي بن أحمد الشيباني المقدسي الحافظ القيسراني، شمس الدين أبو الفضل. من حفاظ الحديث. له كتب كثيرة، منها: (أطراف الكتب الستة) و (أطراف الغرائب والأفراد) و(معرفة التذكرة في الأحاديث الموضوعة) وغيرها. ينظر: ابن العماد، الشذرات، 6/30. الزركلي ، الأعلام، 6/171، كحالة، المؤلفين، 3/364 (13770.)
عدد الصفحات ١٣١130 حيث أوضحوا أنها قاعدة غير مطّردة، وذكروا ما ينقض ذلك مما يخالف القاعدة التي ذكرها الحاكم، فقال ابن طاهر المقدسي في كتابه "شروط الأئمة الستة" - في نقد كلام الحاكم فيما قدهرهُ شرطاً للبخاري ومسلم-: "الجواب أن البخاري ومسلمًا لم يشترطا هذا الشرط، ولً نُقِّ ل عن واحد منهما أنه قال ذلك، والحاكم قدر هذا التقدير وشرط لهما هذا الشرط على ما ظن. ولعمري إنه شرط حسن لو كان موجودًا في كتابيهما، إلً أنا وجدنا هذه القاعدة التي أسسها الحاكم منتقضة في الكتابين جميعًا..."(1)، ثم ذكر أمثلة من الصحيحين لعدد من الصحابة لم يرو عنهم إ راوٍّ واحد (2)، وأتبع ذلك بقولههذا في أشياء كثيرة اقتصرنا منها على هذا ال قدر لتعلم أن القاعدة التي أسسها منتقضة لا أصل لها.."(3) ويحوي رد ابن طاهر-على الحاكم- جانبين: الأول: أن ما ذكره الحاكم من شرط البخاري ومسلم لم ينصّا عليه في كتابيهما. والثاني: أن ما ذكره من شرط مُنتَقَض بما يخالفه من صنيعهما في كتابيهما، فالإمامين البخاري ومسلم لم يلتزما ما اشترطه الحاكم في كتابيهما. وقد أشار ابن طاهر بأن سبيل معرفة شرط كل إمام من أئمة الحديث - كالبخاري ومسلم- في كتابه إن لم يصرّح به؛ إنما يكون بسبر كتبهم، ثم ذكر ما توصّل إليه من شرطهما (1) ابن طاهر المقدسي،شروط الأئمة ، 22. (2) ذكر الذهبي أن مجموع الرواة من الصحابة الذين أخرج لهم البخاري، ولم يرو عنهم سوى واحد هم عشر رواة، هم: "مرداس الأسلمي؛ عنه قيس بن أبي حازم، حزن المخزومي؛ تفرد عنه ابنه أبو سعيد المسيب بن حزن، زاهر بن الأسود؛ عنه ابنه مجزأة، عبدالله بن هشام بن زهرة القرشي؛ عنه حفيده زهرة بن معبد، عمرو بن تغلب؛ عنه الحسن البصري، عبدالله بن ثعلبة بن صعير؛ روى عنه الزهري قوله، سنين أبو جميلة السلمي؛ عنه الزهري، أبو سعيد بن المعلى؛ تفرد عنه حفص بن عاصم، سويد ابن النعمان الأنصاري شجري؛ تفرد بالحديث عنه بشير بن يسار، خولة بنت ثامر؛ عنها النعمان بن أبي عياش، فجملتهم عشرة". الذهبي، السير،12/470. (3) ابن طاهر المقدسي،المرجع السابق، 23.
عدد الصفحات ١٣٢131 فقال "اعلم أن شرط البخاري ومسلم أن يخرجا الحديث الم تفق على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور ... فإن كان للصحابي راويان فصاعداً فحسن وإن لم يكن له إلً راوٍّ واحد إذا صح الطريق إلى ذلك الراوي أخرجاه"(1). ثمأيّد ما ذكره بما نقله عن ابن منده، فقال: "وأما الإمام الحافظ المتقن أبو عبدالله محمد ابن إسحاق بن منده، فأشار إلى نحو ما ذكرناه، وخلاف ما رسمه الحاكم...- قال-:"من حُكْم الصحابي أنه إذا روى عنه تابعي واحد -وإن كان مشهورًا مثل الشعبي (2) وسعيد بن المسيب(3)- ينسب إلى الجهالة(4). فإذا روى عنه رجلان صار مشهورًا، واحتج به، وعلى هذا بنى البخاري ومسلم كتابيهما الصحيحين، إلً أحرفا تبين أمرها..." ثم عقّب ابن طاهر بقوله: "فاستثنى ابن منده أحرفاً وهو هذا النوع الذي أشرت إليه، فقد صح لديك بيان ما قدمته إليك، والله أعلم بالصواب."(5) وبالنظر فيما ذكره ابن طاهر، وما استدل به من قول ابن منده، نجده موافقًا لما ذكره الحاكم من جهة أن ثلاثتهم –ابن منده والحاكم وابن طاهر - رحمهم الله- اشترطوا شهرة (1) المرجع السابق، 17-18. (2) عامر بن شراحيل الشعبي، وقيل: ابن عبدالله بن شراحيل، أبو عمرو الكوفي، قال عنه الذهبي: أحد الأعلام، ولد زمن عمر،.. وقال مكحول: ما رأيت أفقه من الشعبي، وقال آخر: الشعبي في زمانه كابن عباس في زمانه، قال ابن حجر: "ثقة مشهور فقيه فاضل". مات سنة: 103 أو104هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، 1/522 (2531)، ابن حجر،التقريب، 287 (3092.) (3) سعيد بن المسيب بن حزن بن أبى وهب القرشي المخزومي، أبو محمد المدني، قال عنه الذهبي: "الإمام، أحد الأعلام، وسيد التابعين، ثقة حجة فقيه، رفيع الذكر، رأس ف ي العلم والعمل"، وقال ابن حجر: "أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار اتفقوا على أن مرسلاته أصح المراسيل وقال ابن المديني لً أعلم في التابعين أوسع علما منه"، مات سنة 94هـ. ينظر: الذهبي،الكاشف، 1/444 (1960)، ابن حجر، التقريب، 241 (2396.) (4) المقصود بالجهالة هنا عدم الشهرة بالرواية لً جهالة العدالة، فالصحابة كلهم عدول، وسبق بيان هذه المسألة في حاشية تعريف الحاكم في بداية الفصل، أضاف فضيلة المناقش استدراكاً: "بل المقصود عدم ثبوت صحبته". (5) ابن طاهر المقدسي،المرجع السابق،22.
عدد الصفحات ١٣٣132 الصحابي راوي الحديث المُخرّج له في الصحيحين - والفارق بينهم أنّ ابن طاهر وابن منده استثنيا من هذا الشرط من أُخرِّج حديثه من الصحابة ولم يرو عنه إلً واحد، وهم قلة في الصحيحين، بينما الحاكم أطلق قوله - في التعريف بالصحيح- دون استثناء، ولكنه ذكر هذا الًستثناء في تعقيبه على حديث في المستدرك (1)، وهو ما نبه إليه السخاوي بقوله: "وقد وجدت في كلام الحاكم التصريح باستثناء الصحابة من ذلك، وإن كان مناقضا لكلامه الأول، ولعله رجع عنه إلى هذا، فقال: "الصحابي المعروف إذا لم نجد له راويا غير تابعي واحد معروف، احتججنا به، وصححنا حديثه؛ إذ هو صحيح على شرطهما جميعا."(2) وبهذا الًستثناء يكون الحاكم قد وافقهم فيما ذكروه من القاعدة الأغلبية - وهناك من انتصر للحاكم على كلا المذهبين، وأشار إلى احتمالهما جميعاً كابن الأثير(3)(ت606هـ)، وبيّن أن مراد الحاكم يحتمل الأمرين (سواء اشتراط العدد أو إثبات الشهرة للرواة)، ولً إنكار عليه، فقال في "مقدمته لجامع الأصول" - بعد أن سرد مقولة الحاكم في شرط الصحيح عند الشيخين-: "وقد قال غيره: إن هذا الشرط غير مطهرد في كتابَي البخاري ومسلم، فإنهما قد أخرجا فيهما أحاديث على غير هذا الشرط. (1) الحاكم،المستدرك، كتاب الإيمان ح (61 )1/74. (2) السخاوي،فتح المغيث، 1/68. (3) مبارك بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجرزي ثم الموصلي المعروف بابن الأثير مجد الدين أبو السعادات، كان فقيها، محدّثا، أديبا، نحويا، عالما بصنعة الحساب والإنشاء، وله المصنفات البديعة والرسائل الوسيعة منها: (جامع الأصول في أحاديث الرسول) و (النهاية في غريب الحديث) وغيرها. مات سنة 606هـ. ينظر: الذهبي، السير،16/45 . ابن العماد، الشذرات، 7/42 . الأدنه وي، طبقات المفسرين، 212.
عدد الصفحات ١٣٤133 والظن بالحاكم غير هذا، فإنه كان عالمًا بهذا الفن، خبيرًا بغوامضه، عارفًا بأسراره، وما قال هذا القول وحكم على الكتابين بهذا الحكم إلً بعد التفتيش والًختبار والتيقن لما حكم به عليهما. ثم غاية ما يدعيه هذا القائل، أنه تتبع الأحاديث التي في الكتابين، فوجد فيهما أحاديث لم ترد على الشرط الذي ذكره الحاكم، وهذا منتهى ما يمكنه أن ينقض به، وليس ذلك ناقضًا، ولً يصلح أن يكون دافعًا لقول الحاكم، فإن الحاكم مثبت، وهذا ناف، والمثبت يقدم على النافي، وكيف يجوز له أن يقضي بانتفاء هذا الحكم بكونه لم يجده، ولعل غيره قد وجده ولم يبلغه وبلغ سواه؟ وحسن الظن بالعلماء أحسن، والتوصل في تصديق أقوالهم أولى، على أن قول الحاكم له تأويلان: أحدهما: أن يكون الحديث قد رواه عن الصحابي المشهور بالرواية راويان، ورواه عن ذينك الراويين أربعة، عن كل راو راويان، وكذلك إلى البخاري ومسلم. التأويل الثاني: أن يكون للصحابي راويان ويروي الحديث عنه أحدهما، ثم يكون لهذا الراوي راويان، ويروي الحديث عنه أحدهما، وكذلك لكل واحد ممن يروي ذلك الحديث راويان، فيكون الغرض من هذا الشرط تزكية الرواة، واشتهار ذلك الحديث بصدوره عن قوم مشهورين بالحديث."(1) (1) ابن الأثير، جامع الأصول ، 1/162-163 .تعقّب الحافظ ابن حجر ما ذكره الحاكم- من أقسام الصحيح في كتاب المدخل إلى الإكليل- وذكر ما يُنتقض به عليه في كل قسم فقال في النكت: "ولولً أن جماعة من المصنفين كالمجد بن الأثير في مقدمة جامع الأصول تلقوا كلامه فيها بالقبول، لقلة اهتمامهم بمعرفة هذا الشأن واسترواحهم إلى تقليد المتقدم دون البحث والنظر؛ لأعرضت عن تعقب كلامه في هذا؛ فإن حكايته خاصة تغني اللبيب الحاذق عن التعقب." ابن حجر، النكت، 1/367. وجاء عن ابن حجر أيضاً استغرابه مما اُشتهر عن شرط الشيخين فقال في الفتح"قال الكرماني: قالوا لم يرو عن المسيب بن حزن -وهو وأبوه صحابيان- إلً ابنه سعيد بن المسيب، وهذا خلاف المشهور من شرط البخاري أنه لم يرو عن واحد ليس له إلً راو واحد. قلت- أي ابن حجر-: وهذا المشهور راجع إلى غرابته، وذلك أنه لم يدّعه إلً الحاكم ومن تلقى كلامه، وأما المحققون فلم يلتزموا ذلك، وحجتهم أن ذلك لم ينقل عن البخاري صريحا، وقد وجد عمله على خلافه في عدة مواضع منها: "هذا فلان يعتد به" وقد قررت ذلك في "النكت على علوم الحديث". وعلى تقدير تسليم الشرط المذكور، فالجواب عن هذا الموضع أن الشرط المذكور إنما هو في غير الصحابة، وأما الصحابة فكلهم عدول فلا يقال في واحد منهم بعد أن ثبتت صحبته مجهول، وإن وقع ذلك في كلام بعضهم فهو مرجوح، ويحتاج من ادعى الشرط في بقية المواضع إلى الأجوبة". ابن حجر، فتح الباري ، 10 /575.
عدد الصفحات ١٣٥134 - وهناكمن رجّح المذهب الثاني وبيّن أنه غير مطّرد في جميع ما اُخرج في الصحيحين كابن حجر(ت852هـ)، وتلميذه السخاوي (ت902هـ)، فقد توسطوا، وجمعوا بين تأويل الشرط بالشهرة، وبيان عدم اطّراده في جميع ما أُخرِّج في الصحيحين. بينما رجّح السيوطي (ت911هـ) هذا المذهب، وأشار إلى أنه مطّرد فقال: "ولً ينتقض أيضاً ببعض الصحابة المشار إليهم لما سأبينه في محله، فصحّ كلام الحاكم والبيهقي، ولله الحمد"(1). قال ابن حجر والشرط الذي ذكره الحاكم و إن كان مُ نتقِّ ضً ا في حق بعض الصحابة الذين أخرج لهم، فإنه مُ عتَ بر في حق من بعدهم فليس في الكتاب حديث أصل(2) من رواية من ليس له إلً راو واحد قط "(3)، وفي كلام ابن حجر إشارة إلى أن هذا الشرط إنما اُنتقض في روايات بعض الصحابة ممن لً راوي عنه إلً واحد، أما من أخرج لهم البخاري في صحيحه ممن هم دون الصحابي - وكانت روايته في أصول الكتاب دون الشواهد والمتابعات- فهذا الشرط متحقق فيهم. (1) السيوطي،البحر، 1/696. (2) حين يكون الحديث عن شرط الشيخين "ينبغي أن يؤخذ بالًعتبار تقسيمهما لأحاديث الكتابين، لأن مما لً خلاف فيه أن أحاديث الكتابين على قسمين: الأول: ما أخرجاه أصولًً للأبواب. الثاني: ما كان من قبيل المتابعات والشواهد، فالأمر في هذا أخف، وقد يحصل فيه تساهل، لً يخرجه من دائرة الصحيح، على اختلاف مراتبه وأنواعه. ونحن إذ نتكلم على تحديد شرطهما، فالمراد القسم الأول من الأحاديث." السلوم، تتمة في بيان شرط الشيخين، 177. (3) ابن حجر،هدي الساري، 9. وإن كان السيوطي لً يرى في عدم اطراد الشرط اختلاله أو انتقاضه بل يصدق عليه حكم الأغلبية حيث قال: "ولً ينتقض أيضاً ببعض الصحابة المشار إليهم لما سأبينه في محله، فصحّ كلام الحاكم، والبيهقي، ولله الحمد" السيوطي، البحر الذي زخر، 2/696 . "وكذا الحال في مسلم، فإن من طُعن فيه لأجل تفرد راوٍّ واحد عنه، ماله في الأصول شيء. وقد يُخرج هو والبخاري في المتابعات أحرفاً يسيرة لبعض هؤلًء. وإنما شرطا ذلك في الراوي؛ لأن تفرد رجل واحد بالرواية عنه موجب لعدم شهرته بالطلب، ومعرفته بالعلم، وهذا أمر يحجم الًطمئنان إليه، والًعتماد عليه." السلوم، شرط الشيخين، 181.
عدد الصفحات ١٣٦135 وساق السخاوي من كلام الحاكم ما يدل على استثناء الصحابة من هذا الشرط فقال: "قد وجدت في كلام الحاكم التصريح باستثناء الصحابة من ذلك، وإن كان مناقضا لكلامه الأول، ولعله رجع عنه إلى هذا، فقال: الصحابي المعروف إذا لم نجد له راويا غير تابعي واحد معروف، احتججنا به، وصححنا حديثه ؛ إذ هو صحيح على شرطهما جميعا"(1). وقد لخهص أحد الباحثين في رسالته(2)- والتي كانت عن الإمام الحاكم وكتابه المستدرك- ما توصّل إليه في بحث هذه الجزئية فقال: "خلاصة الأمر: أن الحاكم يعلم أن الشيخين أخرجا لبعض الصحابة الذين ليس لهم إلً راو واحد، وفي الوقت نفسه هو يذهب إلى أن الأصل الذي بنى الشيخان عليه كتابيهما الإخراج عن الصحابي الذي له أكثر من راو من التابعين – ثم أردف بقوله- والذي عندي في تفسير موقف الحاكم هذا بشعبتيه أمران، لكل شعبة منهما أمر: - فأما أنه يعلم تخريج الشيخين لبعض الصحابة الذين ليس لهم إلً راو واحد فحق؛ في علمه وفي واقع الأمر(3)، غير أنه يمكن أن يضاف إلى ذلك علمه- فيما أرى- أن هؤلًء الذين أخرج لهم الشيخان هم من الصحابة المعروفين، وإن لم يرو عنهم إلً تابعي واحد. (1) السخاوي،فتح المغيث، 1/68. ينظرالحاكم، المستدرك، كتاب الإيمان ح (61 )1/74. (2) ينظر: عادل حسن علي،الإمام الحاكم النيسابوري وكتابه المستدرك، 228-229 باختصار (3) مثال ذلك قول الحاكم بعد أن أخرج أحد الأحاديث في مستدركه: "هذا حديث صحيح قد اتفقا على الًحتجاج برواته، عن آخرهم إلى الصحابة، وعبد الرحمن بن قتادة من بني سلمة من الصحابة، وقد احتجا جميعا بزهير بن عمرو، عن رسول الله ، وليس له راو غير أبي عثمان النهدي، وكذلك احتج البخاري بحديث أبي سعيد بن المعلى، وليس له راو غير حفص بن عاصم" الحاكم، المستدرك، كتاب الإيمان ح (84 )1/85. وقال بعد أخرج حديثاً آخر هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فقد اتفقا جميعا على إخراج جماعة من الصحابة ليس لكل واحد منهم إلً راو واحد " الحاكم، المرجع السابق ، كتاب الإيمان ح (126 )1/102.
عدد الصفحات ١٣٧136 والدليل على هذا من كلام الحاكم نفسه، فقد قالالصحابي المعروف إذا لم نجد له راويا غير تابعي واحد معروف احتججنا به، وصححنا حديثه إذ هو صحيح على شرطهما جميعا"(1) - وأما أن القاعدة عند الشيخين كما يراها الحاكم: التخريج للصحابة الذين روى عن الواحد منهم أكثر من تابعي فكذلك، غاية الأمر أن تُحمَل على القاعدة المطردة أو الحكم الأغلبي، وما ورد في الصحيحين على خلافها فهو محمول على الًستثناء الذي لً ينفي القاعدة، ولً يلغي الحكم الأغلبي، وقد صرح بمثل هذا أحد الأئمة المعاصرين للحاكم، وهو أبو عبدالله محمد بن إسحاق بن منده، فقال: "من حكم الصحابي أنه إذا روى عنه تابعي واحد- وإن كان مشهوراً مثل الشعبي وسعيد بن المسيب- ينسب إلى الجهالة، فإذا روى عنه رجلان صار مشهوراً واحتج به، وعلى هذا بنى محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج كتابيهما، إلً أحرفاً تبين أمرها."(2) ثم أضاف الدكتور من ضمن ردوده في هذه المسألة قوله: "ولً يشغب على هذا قول الحاكم عن حديث الصحابة الذين ليس للواحد منهم إلً الراوي الواحد من التابعين: "ولم يخرج البخاري ومسلم هذا النوع من الحديث في الصحيح"(3)؛ ذلك أن تفسير هذه الجملة من كلام الحاكم هو أن المقصود بها استيعاب هذا النوع(4) من الحديث في الصحيحين، أو (1) الحاكم،المستدرك ، كتاب الإيمان ح (61 )1/74. (2) المقدسي،شروط الأئمة، 23. (3) الحاكم،المدخل إلى الإكليل ، 38 (4) حيث نجد الحاكم قد صرّح في المستدرك باحتجاج البخاري ومسلم ببعض هذا النوع، ومن ذلك: قوله: "هذا حديث صحيح، ولم يخرجاه وهي في جملة ما قلنا: إنهما أعرضا، عن الصحابي الذي لً يروي عنه غير الواحد، وقد احتجا جميعا ببعض هذا النوع." الحاكم، المستدرك ، كتاب الطهارة، ح (522 )1/247.
عدد الصفحات ١٣٨137 جعله في مكانة واحدة من حيث الًختيار منه عند الرواية، مع غيره من روايات الصحابة؛ ولً شك أن هذا وذلك غير الواقع في الصحيحين."(1) نخلص مما سبق(2): أن علماء الحديث اختلفوا في تأويل مراد الحاكم من شرط الشيخين، وهل مراده اشتراط العدد في كل طبقة من طبقات الإسناد، أو أن يكون الراوي مشهورًا زال عنه وصف الجهالة برواية راويين عنه فأكثر. والمعنى الثاني أيّده الأكثر، ومنهم من كان معاصراً له كتلميذه البيهقي، بل إن أغلب من ذهب إلى تأويل مراده باشتراط الشهرة كانوا أقرب لعصره ممن اشترط العدد، ونلحظ أن من اشترط العدد قد زادوا على نص الحاكم ما لم يصرّح به من تعدد رواة الحديث من الصحابة، ولعله قد اُلبِّس عليهم في ذلك. إلً أن ما ذهب إليه الحاكم - عموما- لم يسلم من توجيه الًنتقاد إليه في نسبة ذلك إلى الشيخين رغم إخراجهم لأحاديث رواة ليس لهم إلً راوٍّ واحد، ووجه بعضهم ذلك بكونه شرطًا أغلبيًا، وذكروا أن ما أُخرِّج في أصول الكتابين اُلتُزِّم فيه بالشرط، وإنما الًعتراض بالنقد يتوجّه للرواة الذين أُخرج لهم في الشواهد والمتابعات، وهؤلًء ليسوا ضمن شرط الشيخين في الًحتجاج بهم. ومن يتأمل تعريف الحاكم للصحيح في كتابه "معرفة علوم الحديث" فإنه جاء عاماً ولم يُقيد بما أخرجه الشيخان في صحيحهما، واقتصر فيه على اشتراط زوال الجهالة عن (1) ينظر: علي،الإمام الحاكم، 228-229 باختصار (2) إن اختلاف العلماء في فهم كلامالحاكم وتوجيهه والًستدلًل بصنيعه، يجعل من الصعب أو العسير الحكم على مراده دون جمع لأقواله، ومعرفة المتقدم منها من المتأخر، وما نُقِّّح من كتبه وما عاجلته المنية قبل أن يتيسّر له تنقيحه وتبيضه، هذا عدا استقراء كتبه ومنهجه بشكل عام ومستفيض؛ لًستخراج القاعدة الأغلبية التي يسير عليها، وفي هذا المبحث يطول الأمر ويصعُب استقصاء ذلك، فهو بحاجة إلى بحث مطوّل بل أبحاث؛ لذا ما ذُكر هنا من خلاصة هذا المبحث إنما هو مجرد اجتهاد في جمع الأقوال، وتأمل استنتاجات من سبق مع أدلتهم، والخروج بنتيجة وفق هذه المعطيات، والله أعلم بالصواب.
عدد الصفحات ١٣٩138 الصحابي راوي الحديث، ويقصد بالجهالة هنا: قلة الرواة عنه وعدم اشتهاره بالرواية جهالة العدالة أو الحال، فالصحابة كلهم عدول. وقد فسّر زوالها: بأن يروي عنه تابعيان عدلًن، بينما جاء التصريح بوصف الشهرة للرواة في كتابه "المدخل إلى الإكليل"- وهو سابق في التأليف عن المعرفة-(1) وفيه قسّم الصحيح إلى أقسام خص القسم الأول منهما بالصحيح عند الشيخين، وفيه وصف الصحابي بالشهرة بالرواية، ووصف من بعده بالشهرة بالإتقان –وقد سبق تفصيل ذلك في قيد الشهرة بالطلب. والراجح "أن الحاكم موافق لجمهور أهل السنة من المحدثين الذين لم يشترطوا تعدد الرواية، بل قبلوا أحاديث الآحاد والأفراد (2)، إذا توفرت شروط صحتها وقبولها خلافاً لبعض أهل البدع الذين اشترطوا التعدد، ولم يقبلوا رواية الواحد"(3)، والله أعلم المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف: - لقد تفاوتت القيود التي اشتمل عليها تعريف ابن الصلاح للحديث الصحيح من حيث اتفاقهم عليها أو اختلافهم. (1) أضاففضيلة المناقش: "إذا كان المدخل إلى الإكليل سابقاً للمعرفة، فالأولى القول برجوع الحاكم عن هذا القول، أو أنه قصد الأغلبية". (2) من أمثلة ذلك: قول الحاكم في المستدرك بعد إخراجه لحديث أبي هريرة قال: قال رسول :((يا أيها الناس إنما أنارحمة مهداة)) "هذا حديث صحيح على شرطهما فقد احتجا جميعا بمالك ابن سعير، والتفرد من الثقات مقبول". الحاكم، المستدرك، 1/91 ح100.) (3) عبدالجواد حمام،التفرّد في رواية الحديث ومنهج المحدثين في قبوله أو رده ، 373.
عدد الصفحات ١٤٠139 - وقد اتفقوا على اشتراطالعدالة في رواة الصحيح، وإن كان هناك تفاوت غير مؤثر في بيان معنى العدل إلً أن العدالة - وما يتعلّق بديانة الراوي وتقواه- هي الركن الأساس في الرواية. - وكذلك ما يخص قيد ضبط الراوي وإتقانه لما يروي، فهو من القيود والشروط الأساسية للحديث الصحيح، وإن لم يتم التصريح والتنصيص عليه في بعض التعريفات التي سبقت ابن الصلاح؛ إلً أن ما يذكرونه من شروط لرواية الراوي تتضمن ذلك، أما من جاء بعد ابن الصلاح، فقد صرّحوا به ونصّوا عليه، وزاد ابن حجر وصف التمام للضبط؛ لتمييز مراتب الحديث الصحيح عن الحسن. - أما شرط اتصال السند، فقد اشترطته أغلب التعريفات خاصة فيما يتعلّق بالحديث المتفق على صحته، بينما أشار الحاكم إلى اختلاف العلماء في تصحيح بعض المراسيل، أو روايات الثقات من المدلسين. - ومن الشروط التي نص عليها ابن الصلاح في حدّ الحديث الصحيح: نفي الشذوذ، وقد تعددت تعريفات الحديث الشاذ - قبل ابن الصلاح - إلى ثلا ثة معاني، ثم صاغها ابن الصلاح في قسمين هما: الفرد المخالف، والفرد غير المُحتمل. وبالرغم من الًختلاف في المقصود من الشذوذ إلً أن أغلبهم أشار إلى تأثير المخالفة من الراوي لغيره على صحة الحديث – وإن لم يُسَمِّّ ذلك شذوذا. ولقد صرّح الزركشي وابن حجر على أن المر اد بنفي الشذوذ في حد الحديث الصحيح هي المخالفة. - أما بخصوص نفي العلة، وإن لم ينصّ بعضهم عليه في حد الصحيح –خاصة من قبل ابن الصلاح- إلً أنهم متفقون على نفي كل ما يُعارض صحة الحديث على وجه العموم، وإنما اختلفوا في بعض العلل من حيث كونها قادحة في الصحة أو غير قادحة، فكل ما
عدد الصفحات ١٤١140 يقدح ويؤثر على صحة الحديث من سبب ظاهر أو خفي فهو خارج عن حد الصحيح، ولكون الشروط والقيود السابقة أخرجت الأسباب الظاهرة التي تقدح في الصحة، رُجّح بأن المراد بنفي العلة في الحديث الصحيح ينصرف إلى العلل والأسباب الخفية القادحة في الصحة. - أما بخصوص اشتراط كون الحديث مُسنداً كشرط من شروط الصحيح، واختلافهم في معنى المسند على معانٍّ منها: اتصال إسناده، وهو بهذا المعنى يكون تكراراً لًشتراط اتصال السند، والحدود تُصان عن التكرار. ومن معاني المسند: المرفوع، وفي اشتراط ذلك في حدّ الصحيح قصر للصحة على الأحاديث المسندة المرفوعة، بينما الصحة وصف يتطرّق لكل ما يجمع شروط الصحة السابقة من الآثار والأقوال الموقوفة والمقطوعة. - وقد زيدت بعض الشروط والقيود التي لم تُذكر في حد الصحيح عند ابن الصلاح، ومن ذلك: - اشتراط نفي التدليس، الذي هو نوع من الًنقطاع الخفي في السند، ويمكن اندراج نفي التدليس ضمن شرطي اتصال السند ونفي العلة، فباتصال السند يخرج كل سند منقطع ظاهر الًنقطاع، وبنفي العلة يخرج الًنقطاع الخفي. - وهناك شرط شهرة الرواة بالطلب ، والذي نُسِّب للإمام الحاكم اشت راطه في رواة الصحيح، والمراد بهذه الشهرة: عناية الراوي بالحديث وإتقانه له، ويُغني عنها كما ذكر ابن حجر: وصف الراوي بتمام الضبط والإتقان، وضبط الراوي لمروياته دليل إتقانه وعنايته بالرواية. - وكذلك نُسِّب للحاكم اشتراط تعدد الرواة في إسناد الحديث الصحيح، وقد تفاوتت مواقف العلماء من فهم مراد الحاكم وتوجيهه إلى مذهبين رئيسيين:
عدد الصفحات ١٤٢141 المذهب الأول فهم من كلام الحاكم اشتراطه للعدد (أي: تعدد الرواة في كل طبقة من طبقات السند بما لً يقل عن راويين) فمنهم من فهم ذلك وأيّده كالميانشي (ت581هـ)، ومنهم من اعترض عليه وخطّأه كالحازمي (ت584هـ والمذهب الثاني: فهم من كلام الحاكم اشتراطه للشهرة (أي: شهرة الراوي وخروجه عن حد الجهالة برواية راويين عنه على الأقل) فمنهم من فهم ذلك ووافقه عليه كتلميذه البيهقي (ت458هـ)، وأبو علي الجياني–الغساني- (ت498هـ ومنهم من فهم ذلك وانتقد تعميمه على جميع ما أُخرِّج في الصحيحين كابن منده (ت470هـ)، وابن طاهر المقدسي-ابن القيسراني-(ت507هـ وهناك من انتصر للحاكم على كلا المذهبين، وأشار إلى احتمالهما جميعاً كابن الأثير(ت606هـ)، وهناك من رجّح المذهب الثاني كالسيوطي (ت911هـ)، بينما هناك من رجّح الثاني وبيّن أنه غير مطّرد في جميع ما اُخرج في الصحيحين كاب ن حجر(ت852هـ)، وتلميذه السخاوي (ت902هـ بينما يدل صنيع الحاكم في المستدرك على موافقة جمهور أهل السنة من المحدثين، الذين لم يشترطوا تعدد الرواة، بل قبلوا أحاديث الآحاد والأفراد. فهذا الشرط، وإن انطبق على بعض الأحاديث الصحيحة؛ لكنه لً يَعُم كل الصحيح، بل من الصحاح آحاد وأفراد. هذا، ويمكن اختصار تعريف الصحيح بكونه (ما اتصل سنده بنقل الثقة)(1). وبهذا نختم فصل الحديث الصحيح ، و ننتقل إلى الفصل الثاني من فصول هذا البحث، وتحرير النوع الثاني الذي ذكره ابن الصلاح، وهو الحديث الحسن. (1) من إضافات فضيلة المناقش أ.د. سعد بن عبدالله الحُميّد.
عدد الصفحات ١٤٣142 الفصل الثاني الحديث الحسن المبحث الأول: تعريف الحسن لغة واصطلاحاً: المطلب الأول: تعريفه لغة: المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً (حسب الترتيب الزمني): المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها: المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.
عدد الصفحات ١٤٤