المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

المصطلحات الحديثية بين الاتفاق والافتراق دراسة تحليلية موضوعية

راوية بنت عبد الله علي جابر

صفحة ٧ من ٤٠

96 يروي الثقات حديثاً مرسلاً ، وينفرد به ثقة مسنداً . فالمسند صحيح، وحجة، ولً تضره علة الإرسال"(1). من أجل ذلك عقّب ابن دقيق العيد على تعريف ابن الصلاح بقولهولو قيل في هذا الحدِّّ: الصحيح المجمع على صحته هو كذا وكذا إلى آخره لكان حسناً، لأَنه من لً يشترط بعض هذه الشروط لً يحصر الصحيح في هذه الأوصاف . ومن شَرْطِّ الحدِّّ أن يكون جامعاً مانعاً."(2) أما من جاء بعد ابن الصلاح فقد نصّوا على نفي العلة ضمن حدّ الحديث الصحيح سوى من أ جمل تعريفه، واقتصر على اشتراط السلامة من القدح أو الطعن كابن الملقن في التذكرة بينما نصّ على ذلك في المقنع كما سبق وأشرنا إلى ذلك في نفي الشذوذ. نخلص مما سبق: أن العلة بشكل عام هي كل ما يمرض الحديث ويُضعفه سواء كانت ظاهرة أم خفية، وبما أن نفي العلة جاء ض من قيود الحديث الصحيح، والذي اُشترِّط في حدّه شروط تخص الراوي والمروي من اشتراط العدالة والضبط واتصال السند ونحوه، فينصرف المعنى (1) فمن أقسام الصحيح عند الخليلي في كتابه الإرشادصحيح متفق عليه، وصحيح معلول، وصحيح مختلف فيه. وذكر مثالً للصحيح المتفق عليه بما يرويه (رواة ثقات عدول)، ومثّل للصحيح المعلول بعلة لً تضرّه، وذكر أمثلة في حال خالف الثقة الثقات، وعدّها من العلل غير القادحة. وذكر على ذلك مثالً من صحيح البخاري حديث: ((أن النبي  يقبل الهدية ويثيب عليها)) – أخرجه في صحيحه كتاب الهبة، باب المكافأة في الهبة 3/157 ح2585) وقال "لم يذكر وكيع، ومحاضر، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة"- قال محقق كتاب التتبع للدارقطني –في خاتمة تحقيقه ضمن ثمرات البحث- يبيّن: "دقة نظر علمائنا رحمهم الله، بحيث إننا نقرأ في (صحيح البخاري) و (صحيح مسلم) أوقات كثيرة فما نتفطن لتلك العلل التي ربما أشار إليها صاحبا الصحيح، ومن الأمثلة على ذلك حديث: ((أن النبي  يقبل الهدية ..)) انتقده الدارقطني، وقد نبّه البخاري أن له علة، ولعلها غير قادحة عنده" وصحيح مختلف فيه (ومراده ما اختلف الأئمة في تصحيحه؛ لًختلافهم في شروط الصحيح). ينظر: المراجع: الخليلي، الإرشاد،1/157- 163، الدارقطني، الإلزامات والتتبع، 576. (2) ابن دقيق العيد،الًقتراح، 5

عدد الصفحات ٩٨

97 المراد بالعلة هنا- على الأرجح- إلى ما قد يكون سبباً خفياً قادحاً في الصحة، "فالمحدثون إذا تكلموا عن العلة باعتبار أن خلو الحديث منها يعد قيدا لًبد منه لتعريف الحديث الصحيح، فإنهم في هذه الحالة يطلقون العلة ويريدون بها المعنى الًصطلاحي الخاص، وهو: السبب الخفي القادح. وإذا تكلموا في نقد الحديث بشكل عام فإنهم في هذه الحالة يطلقون العلة ويريدون بها: السبب الذي يعل الحديث به: سواء كان خفيا أم ظاهرا قادحا أم غير قادح."(1) ولً ريب أن صنيع الأئمة ونقّاد الحديث في مجمله يدل على اشتراطهم خلو الحديث الصحيح مما يُعلّه أو يقدح في صحته، وإن لم ينصّ بعضهم على هذا الشرط إلً أن صنيعه يثبت ذلك، وإنما وقع الًختلاف بينهم في بعض العلل من حيث كونها قادحة في الصحة أو غير قادحة، ولعل ذلك هو الذي دعا بعضهم للجمع بين وصف الصحيح والعلة فأطلق (الصحيح المعلول). وقد أشار ابن دقيق العيد إلى أن ما ذكره ابن الصلاح من قيود للحديث الصحيح إنما تنطبق على المجمع على صحته، وأن هناك من لً يشترط كل هذه القيود،(2) فاقترحأن يقال - لكي يكون الحدّ جامعاً مانعاً -: "الصحيح المجمع على صحته هو كذا وكذا إلى آخره..."(3). (1)فحل،أثر علل الحديث في اختلاف الفقهاء، 17. (2) لعله يقصد بالشروط التي لم يشترطها بعضهم: نفي الشذوذ والعلة؛ حيث ذكر أن مدار التعريف عند الأصوليين والفقهاء على عدالة الراوي وتيقّظه، وبعضهم يزيد قيد الًتصال. (3) ابن دقيق العيد،الًقتراح، 5

عدد الصفحات ٩٩

98 وعلى كل حال: "فوجود العلة في الحديث تعني أنه وقع فيه خلل في الًتصال، أو في عدالة الرواة أو ضبطهم، فعاد الأمر إلى (ما اتصل سنده بنقل الثقة)"(1). القيد السادس: اشتراط كونه مُسنداً (2) : المُسنَد بفتح النونفي اللغة: مأخوذ من السهند، وهو "أصل يدل على انضمام الشيء إلى الشيء. يقال سنَدت إلى الشيء أسْ نُ دُ سُ نُ ودا، واستَ نَدت استنَادا. وأسنَدت غيري إسنَادا".(3) والسهنَدُ: ما ارتَفَعَ من الًرض...، وكل شيء أسنَدت إليه شيئاً فهو مسند"(4). وللمسند ثلاثة تعريفات: 1- تعريف الحاكم: "ما اتصل سنده إلى النبي." 2- تعريف ابن عبدالبر: "كل حديث مرفوع للنبي متصلاً كان أو غير متصل". 3- تعريف الخطيب: "ما اتصل سنده على أي وجه كان نقلها ابن الصلاح(5)، ولم يرجّح بينها هذه التعريفات، وحين عرّف الحديث الصحيح ذكر لفظ المُسند في حدّه، فقال: "الحديث الصحيح: فهو الحديث المسند الذي يتّصل إسناده"، ورجّح ابن حجر أنه يقصد بالمُسند الحديث المرفوع، فقال: "اُ عترض عليه بأنه لو قال: المسند المتصل لًستغنى عن تكرار لفظ الإسناد. (1) هذه العبارةمن إضافات فضيلة المناقش أ.د. سعد بن عبدالله الحُميّد. (2) رأيت تأخير هذا القيد- رغم ابتداء تعريف ابن الصلاح به-؛ لكونه غير متفق عليه كقيد مستقل إنما يندرج في أحد معانيه تحت اتصال السند، وقدّمت القيود الأخرى عليه؛ لبروزها في إيضاح حدّ الصحيح. (3) ابن فارس، المقاييس، 3/105. (4) الفراهيدي، العين، 7/228. (5) أعقبها بقوله: "فهذه أقوال ثلاثة مختلفة، والله أعلم." ابن الصلاح،علوم الحديث، 42-43.

عدد الصفحات ١٠٠

99 والجواب عن ذلك: أنه إنما أراد وصف الحديث المرفوع؛ لأنه الأصل الذي يتكلم عليه، والمختار في وصف المسند على ما سنذكره أنه الحديث الذي يرفعه الصحابي مع ظهور الًتصال في باقي الإسناد ، فعلى هذا لً بد من التعرض لًتصال الإسناد في شرط الصحيح، والله أعلم"(1). وبتأمل تعريف الصحيح عند من سبق ابن الصلاح نجد أن الشافعي لم يشترط في الصحيح أن يكون من قبيل المرفوع فقال: "حتى ينتهى بالحديث موصولً إلى النبي  أو إلى من انتهي به إليه دونه". أما الحميدي فقد كان جوابه وفق ما وُجِّّه إليه من سؤال، فإنه سُئِّل عن الحديث المرفوع، فأكّد على اتصال السند إلى النبي ، ونصه: "فإن قال قائل: فما الحديث الذي يثبت عن رسول الله  ويلزمنا الحجة به؟..." إلى أن قال :" حتى ينتهي ذلك إلى النبي "، فقد أجاب وفق منطوق السؤال، ولً يُفهم من ذلك حصره لشروط الصحيح في الحديث المرفوع فقط، وقد ضمّ مسنده نسبة قليلة جداً من الأحاديث الموقوفة، وكان ينبّه إلى أن شيخه ابن عيينة لم يرفعها.(2) (1) ابن حجر،النكت، 1/234. (2) كان الحميدي حريصاً في تمييز الطرق التي أوقفها شيخه عن المرفوعة رغم قلتها، وكان يسأل شيخه عن بعضها ، ومن أمثلة ذلك في مسنده: - بعد أن أخرج قول علي بن أبي طالب  في خطبة العيد : ((لً يأكلن أحدكم من لحم نسكه فوق ثلاث)) قال الحميدي: "قلت لسفيان: إنهم يرفعون هذه الكلمة عن علي بن أبي طالب. قال سفيان: لً أحفظها مرفوعة وهي منسوخة". 1/152 ح8.) - وأخرجعن أبي أيوب قال((من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال فكأنما صام الدهر)). قال الحميدي: فقلت لسفيان أو قيل له : إنهم يرفعونه قال: اسكت عنه قد عرفت ذلك ". 1/370-371 ح (384.) – وأخرج حديث أسامة بن زيد مرفوعاالربا في النسيئة)). ثم قال: "كان سفيان ربما لم يرفعه؟ فقيل له في ذلك؟ فقال: أتقيه أحيانا لكراهية الصرف؟ فأما مرفوع فهو مرفوع". 1/469 ح555 .) وتدل الأمثلة على حرصه في تبيين وتمييز الموقوف من المرفوع في مسنده.

عدد الصفحات ١٠١

100 وأما ابن خزيمة فقد وصف أحاديث كتابه الصحيح، بقوله "مختصر المختصر، من المسند الصحيح عن النبي  بنقل العدل عن العدل، موصولً إليه..."، مما يدل على أن شروط الصحة في كتابه إنما تنطبق على الأحاديث المسندة والمرفوعة إلى النبي ، وكان ينبّه في حال صحّ الإسناد عنده موقوفاً ولم يصح مرفوعا.(1) وعلى نهج شيخه سار ابن حبان، فقد أشار إلى اعتماده للروايات المسندة المرفوعة في صحيحه بقوله في مقدمته: "كون الخبر عن مثل من وصفنا نعته بهذه الخصال الخمس؛ فيرويه عن مثله سماعا، حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله "(2)، بل جعل وصف المسند المرفوع من صفات الخبر المحتجّ به، فقال: "وأقل ما يثبت به خبر الخاصة حتى تقوم به الحجة على أهل العلم: هو خبر الواحد الثقة في دينه، ... عن الواحد مثله في الأحوال بالسنن وصفاتها، حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله  سماعاً متصلاً(3)، فالمسند المرفوع مقدّم عنده على المرسل والموقوف(4) . (1) من أمثلة ذلك في صحيح ابن خزيمة: - فقد أخرج حديث أبي هريرة أن النبي قال((الهرة لً تقطع الصلاة، إنها من متاع البيت)) من طريق عبيدالله بن عبدالمجيد مرفوعاً ثم أخرجه من طريق ابن وهب موقوفاً، وقال: "ابن وهب أعلم بحديث أهل المدينة من عبيدالله بن عبدالمجيد "، وهنا علل المرفوع بالموقوف، وعنون للحديث بقوله "باب مرور الهر بين يدي المصلي إن صح الخبر مسندا؛ فإن في القلب من رفعه." 2/20 ح828- 829.) - وأخرج حديثاً لعبد الله بن مسعود، كان إذا رأى النساء قال: أخروهن حيث جعلهن الله...، وذلك تحت "باب ذكر بعض أحداث نساء بني إسرائيل الذي من أجله منعن المساجد" ثم قال: "الخبر موقوف غير مسند" 3/99 ح1700.) - وعقّب بعد أن أخرج حديث أبي هريرة، عن رسول قال((تعرض أعمال الناس في كل جمعة مرتين: يوم الًثنين، ويوم الخميس، فيغفر لكل مؤمن، إلً عبد بينه وبين أخيه شحناء، ...)) فقال: "هذا الخبر في موطأ مالك موقوف غير مرفوع، وهو في موطأ ابن وهب مرفوع صحيح" 3/299 ح (2120.) (2) ابن حبان،الصحيح، 1/113 . (3) ينظر: ابن حبان، المجروحين، 1/8. (4) من أمثلة ذلك في صحيحه: فبعد أن أخرج ابن حبان حديث أبي هريرة قال: قال رسول: ((الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة)) أعقبه بقوله: "رفع عنه هذا الخبر =

عدد الصفحات ١٠٢

101 وأيضاً نجد الحاكم يصف الحديث الصحيح في كتابه معرفة علوم الحديث بأنه ما رفعه الصحابي إلى النبي ، فقال وصفة الحديث الصحيح أن يرويه عن رسول الله  صحابي زائلٌ عنه اسم ا لجهالة..." ، ومفهوم تعريفه اشتراطه للرفع في صفة الحديث الصحيح، إلً أنه قد ذكر في كتابه المدخل إلى الإكليل ضمن أقسام الحديث الصحيح المختلف فيه المراسيل، وقد اقتصر في تعريفه للمُسند على ما جمع بين صفتي الرفع والوصل(1)، ولعل الجمع بين أقواله بأن حدّ الصحيح المتفق عليه أن يكون مُسنداً، وما فقد = عن مالك أربعة أنفس: الماجشون وأبو عاصم ويحيى بن أبي قتيلة وأشهب بن عبدالعزيز، وأرسله عن مالك سائر أصحابه. وهذه كانت عادة لمالك، يرفع في الأحايين الأخبار، ويوقفها مرارا، ويرسلها مرة، ويسندها أخرى، على حسب نشاطه، فالحكم ـ أبدا ـ لمن رفع عنه وأسند، بعد أن يكون ثقة حافظا متقنا على السبيل الذي وصفناه في أول الكتاب"7/420 ح5162). فالرفع مقدم على الوقف، وإن كان كلاهما صحيحا؛ بل أن ذلك لً يمنع من أن يصحح غير المسند المرفوع، فبعد أن أخرج ابن حبان في صحيحه حديث أبي بردة عن أبي موسى قال: قال رسول الله : ((لً نكاح إلً بولي). قال ابن حبان: "سمع هذا الخبر أبو بردة عن أبي موسى .... مرفوعا: فمرة كان يحدث به عن أبيه مسندا، ومرة يرسله، وسمعه أبو إسحاق من أبي بردة: مرسلا ومسندا معا: فمرة كان يحدث به مرفوعا، وتارة مرسلا ، فالخبر صحيح -مرسلا ومسندا معا - لً شك ، ولً ارتياب في صحته " 6/202 ح (4071.) (1) تعريف المسند عند الحاكم "المسند من الحديث أن يرويه المحدث عن شيخ يظهر سماعه منه لسنٍّ يحتمله، وكذلك سماع شيخه من شيخه إلى أن يصل الإسناد إلى صحابي مشهور إلى رسول الله  . الحاكم،علوم الحديث، 17، ولقد اُختلف في عبارةلسنٍّ يحتمله هكذا وجدتها في طبعتي المعرفة للحاكم ط (دار الكتب العلمية)، وط (دار ابن حزم)، وكذلك في كتاب النكت لًبن حجر، ط (الجامعة الإسلامية) 1 /508، ووجه ابن حجر تعريف الحاكم بقولهفلم يشترط حقيقة الًتصال، بل اكتفى بظهور ذلك كما قلته تفقها". وفي طبعتي فتح المغيث ط (مكتبة السنة) 1/135، وط (دار المنهاج1/184 ليس يحتمله حيث قال السخاوي: " فالظاهر أن قوله: (ليس يحتمله ) يخرج عنعنة المدلس، خصوصا وقد صرح الحاكم بعدُ باشتراط عدم التدليس في رواته. " ورجحها الدكتور ماهر الفحل في تحقيقه لنكت ابن حجر ط (الميمان)310. بينما علّق محقق المعرفة ط (دار ابن حزم)، د.أحمد السلوم على تعريف الحاكم للمسند بما يأتي: يؤخذ من كلام الحاكم ما يلي: 1- المسندلً يقع إلً على ما أضافه الصحابي إلى النبي، فيخرج بذلك المرسل وما شابهه 2- الحاكم يقصر المسند على المتصل المرفوع 3- رجّح رواية (لسنٍّ يحتمله)، وعليه فالمعنى أن المسند ما يرويه المحدّث عن شيخه، وسماع المحدّث من شيخه ظاهر لً يدفعه شيء؛ إذ سنهما محتملة لذلك. ينظر: الحاكم، علوم الحديث، ط ابن حزم 137- 141 الحاشية باختصار

عدد الصفحات ١٠٣

102 أحد شرطي المُسند من الرفع أو الوصل فمُختلف في صحته، والله أعلم (1) أما من جاء بعد ابن الصلاح فلم يذكروا هذا القيد في حدّ الصحيح، بل هناك من اتّبع الشافعي في تصريحه بأن الحديث متى ما استوفى شروط الصحة فهو صحيح سواء رُفع إلى النبي  أو إلى من دونه، كابن كثير حيث قالفحاصل حد الصحيح: أنه المتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله، حتى ينتهي إلى رسول الله ، أو إلى منتهاه، من صحابي أو من دونه،..."(2) وقد ضمّت كثير من مصادر كتب السنة الأحاديث والآثار الموقوفة والمقطوعة(3)،مثل موطأ مالك، ومصنف عبدالرزاق(4) وابن أبي شيبة(1)، بل نجد أن ابن حجر ألّف كتاباً (1) وفي مسألة الًحتجاج بالأحاديث الموقوفة والمقطوعة، وما شابههاقال الخطيب في كتابه الكفاية في علم الرواية - فيما يخص الأحاديث المُسندة-: "فأما الأحاديث المسندات إلى النبي  فهي أصل الشريعة ومنها تستفاد الأحكام وما اتصل منها سنده وثبتت عدالة رجاله فلا خلاف بين العلماء أن قبوله واجب والعمل به لًزم والراد له آثم". وقال في الموقوفات على الصحابة: "جعلها كثير من الفقهاء بمنزلة المرفوعات إلى النبي  في لزوم العمل بها، وتقديمها على القياس وإلحاقها بالسنن... وأما الأحاديث المرسلات عن النبي  فهي أيضا عند خلق من العلماء بمنزلة المسندات المتصلة في تقبلها والعمل بمتضمنها، ومن لم يرها كذلك من نقاد الآثار وحفاظ الأخبار، فإنه يكتبها للاعتبار بها ولن يجعلها علة لغيرها... وأما المقاطيع: فهي الموقوفات على التابعين فيلزم كتبها والنظر فيها ؛ لتتخير من أقوالهم ولً تشذ عن مذاهبهم ". ينظر: الخطيب البغدادي، الكفاية، 2/189-191. وكلامه رحمه الله يدل على وجود الخلاف بين العلماء في الًحتجاج بغير المُسند من الحديث. (2) ابن كثير،الًختصار، 28. (3) ذكر السيوطي في كتابه تدريب الراوي تحت نوع المقطوع فائدة فقال: "جمع أبو حفص ابن بدر الموصلي كتابا سماه: " معرفة الوقوف على الموقوف " أورد فيه ما أورده أصحاب الموضوعات في مؤلفاتهم فيها، وهو صحيح عن غير النبي -  - إما عن صحابي أو تابعي فمن بعده. وقال إن إيراده في الموضوعات غلط، فبين الموضوع والموقوف فرق. ومن مظان الموقوف والمقطوع مصنف ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، وتفاسير: ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر، وغيرهم." السيوطي، التدريب، 1/101. (4) عبدالرزاق بن همام بن نافع الحميري، أبو بكر الصنعاني. من حفاظ الحديث الثقات. من مصنفاته: (الجامع الكبي ر) و(المصنهف). مات سنة 220هـ. ينظر الذهبي، السير، 8/222، الصفدي، الوافي بالوفيات، 18/244 (6968)، الزركلي، الأعلام، 3/353 .

عدد الصفحات ١٠٤

103 سماهالوقوف على الموقوف على صحيح مسلم" وقال في مقدمته: "هذه أحاديث موقوفة ومقطوعة تتبعتها من صحيح مسلم، وقد وقع أكثرها في ضمن أحاديث مرفوعة..."(2) ثم ذكر سبب تأليفه لهذا الجزء بقوله: "وكان الحامل على جمع هذه الأحاديث أنه يقع في بعض مجالس الحديث قول أبي عمرو بن الصلاح في " علوم الحديث " أنه ليس في صحيح مسلم بعد الخطبة والمقدمة إلً الحديث المرفوع الصرف غير ممزوج بالموقوفات، واستدرك من تأخر عن عصر ابن الصلاح عليه أنه وقع في مسلم شيء من الموقوفات على بعض التابعين، وهو: قول يحيى بن أبي كثير(3) :(لً يستطاع العلم براحة الجسد)(4)."(5) وقد ذكر أنه تتبع أمثال هذا القول، وجمعه في هذا الكتاب(6) نخلص مما سبق أن الراج ح في معنى المسند هو المرفوع المتّصل، وأن المسند المرفوع مقدم في الًحتجاج على المرسل والموقوف؛ لذا غلب في مصنفات المتقدمين اهتمامهم بجمع = (1) عبدالله بن محمّد بن أبي شيبة العبسيّ الكوفيّ، أبو بكر. حافظ للحديث، وله مصنفات منها: (المسند) و(المصنف في الأحاديث والآثار) و( الإيمان). مات سنة 235هـ. ينظر: السيوطي، طبقات الحفاظ، 192 .الزركلي،الأعلام، 4/117. (2) ابن حجر، الوقوف على الموقوف على صحيح مسلم، 25. (3) يحيى بن أبي كثير، الطائي مولًهم، أبو نصر اليمامي، قال الذهبي: الإمام، أحد الأعلام، كان من العباد العلماء الأثبات. وقال ابن حجر: "ثقة ثبت لكنه يدلس ويرسل"، وجعله ضمن الطبقة الثانية من طبقات المدلسين ممن احتمل الأئمة تدليسهم لإمامتهم، مات سنة 129 وقيل132هـ. ينظرالذهبي، الكاشف، 2/373-374 (6235)، ابن حجر،التقريب، 596 (7632)،ابن حجر، طبقات المدلسين، 36 (63.) (4) في صحيح مسلم "براحة الجسم"، وقد أخرجه مسلم في صحيحه كتاب المساجد، باب أوقات الصلوات الخمس، 1/428 ح612 .) (5) ابن حجر،الوقوف على الموقوف، 27. (6) الوقف قد يكون الوجه الأصوب للرواية، ويكون مُعللاً للرفع، كما أشار لذلك الأستاذ محمد عوّامة في كتابه (من منهج الإمام مسلم في عرض الحديث المعلل في صحيحه) فذكر أنه في حال وقع الًختلاف في رفع الحديث ووقفه-وهو اختلاف في أمر إسنادي- فطريقة الإمام مسلم أنه يُقدّم الإسناد الصحيح، ويؤخر المعلل، وذكر أمثلة على ذلك. ينظر: عوّامة، منهج مسلم في الحديث المعلل، 64-65.

عدد الصفحات ١٠٥

104 الأحاديث المرفوعة وتمييزها عن الموقوفة والمقطوعة، ولعل ذلك سبب ذكر بعضهم– كابن خزيمة وابن حبان- قيد المسند ضمن شروط مروياته في كتابه الذي خصه بجمع الصحيح وتمييزه عن غيره؛ إلً أن لفظ الصحيح غير قاصر على الأحاديث المسندة المرفوعة؛ وإنما يشمل الآثار الموقوفة والمقطوعة إذا جمعت شروط الصحة من اتصال السند وعدالة الرواة وضبطهم وخلت من شذوذ وعلة؛ لذا فإن من جاء بعد ابن الصلاح لم يذكر شرط المُسند ضمن شروط الصحيح بل صرّح ابن كثير فقال: " حاصل حد الصحيح: أنه المتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله، حتى ينتهي إلى رسول الله ، أو إلى منتهاه، من صحابي أو من دونه،..."(1)، والله أعلم الشروط أو القيود الزائدة على تعريف ابن الصلاح: جاء في تعري فات بعضهم للصحيح شروط وقيود لم يصرّح بها ابن الصلاح ضمن تعريفه، من ذلك: نفي التدليس، واشتراط شهرة الرواة في الطلب، واشتراط العدد. قيد نفي التدليس: من القيود الزائدة على شرط الصحيح عند ابن الصلاح، وقد ذكره الشافعي ضمن شروط راوي الحديث المحتجّ به بقوله: "بريّ اً من أن يكون مدلسا ، يُ حدِّ ث عن من لَ قِّ ي ما لم يَ سمع منه"، وكذلك الحال بابن حبان حيث ذكر شروط من يحتجّ بخبره فقال: " المتعرهى خبره عن التدليس"، والذهبي -على الرغم من كون كتابه الموقظة مختصر من كتاب شيخه ابن دقيق العيد- إلً أنه حين اختصر تعريفه للصحيح زاد عليه قيد "عدم التدليس". (1) ابن كثير،الًختصار، 28.

عدد الصفحات ١٠٦

105 والتدليسفي اللغة من الدّلَس، وهو الظلمة.(1) وهو في الحديث على أنواع منها : تدليس الإسناد، ويُعد من أنواع السقط الخفيّ في الإسناد، والذي عناه الشافعي بقوله :" يحدث عن من لقي ما لم يسمع منه"(2) وعرّفه ابن الصلاح بقوله: "وهو أن يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه، موهما أنه سمعه منه، أو عمن عاصره ولم يلقه، موهما أنه قد لقيه وسمعه منه. ثم قد يكون بينهما واحد وقد يكون أكثر."(3)، وقد تعقّبه ابن حجر حيث قال وقوله: عمن عاصره ليس من التدليس في شيء، وإنما هو المرسل الخفي"(4) ، وصوّب التفريق بين المصطلحين، وأشار إلى الفرق بينهما بقوله: "والفرق بين المُ ده لس والمرسل الخفي دقيق،... وهو أن التدليس يختص بمن روى عمن عُ رِّ ف لقاؤه إياه، فأما إن عاصره، ولم يُ عرَ ف أنه لقيه، فهو المُ رَ سل الخفي. ومن أدخل في تعريف التدليس المعاصرة ولو بغير لُ قِّ يّ ، لزمه دخول المرسل الخفي في تعريفه، والصواب التفرقة بينهما."(5) وعليه فالتدليس نوع من علل الإسناد التي قد تؤثر في اتصاله، وسبق معنا أن اشتراط الًتصال في السند شرط من شروط الحديث الصحيح المتفق عليه، وقد اشترطته أغلب (1) ينظر: الجوهري،الصحاح، 3/930. الفيروزآبادي،القاموس، 546. قال ابن حجرواشتقاقه من الده لَ س بالتحريك، وهو اختلاط الظلام بالنور، سُ مِّّ ي بذلك لًشتراكهما في الخفاء ". وقال في النكت: "وكأنه أظلم أمره على الناظر؛ لتغطية وجه الصواب فيه." ينظر: ابن حجر، النزهة، 103، ابن حجر، النكت، 2/614. (2) وفي كتب مصطلح الحديث يعدّدون أنواعاً أخرى للتدليس كتدليس التسوية، وتدليس الشيوخ، وتدليس الصيغ، إلً أنني اقتصرت على ما يخص تدليس الإسناد الذي وضّح معناه الشافعي. (3) ابن الصلاح،علوم الحديث، 73. (4) ابن حجر،النكت، 2/614. (5) ابن حجر، النزهة، 104. وهناك كتاب اُلّف لبيان أوجه الموافقة والمخالفة بين هذين المصطلحين، ينظر: خالد القريوتي، الإرسال والتدليس مع بيان أوجه الموافقة والمخالفة.

عدد الصفحات ١٠٧

106 تعريفات الصحيح إمّا صراحة أو ضمناً، ويكون اشتراط نفي التدليس من باب التأكيد على أهمية الًتصال، والتأكد من خلو السند من الًنقطاع الظاهر أو الخفي. فهذا القيد مُتضمَن في قيود الصحيح السابق ذكرها من حيث اشتراط الًتصال، واشتراط نفي العلل القادحة، فقد أشار مسلم في مقدمة صحيحه - وذلك في معرض حديثه عن الًحتجاج بالإسناد المعنعن- بأن نقاد الحديث من السلف لم يفتشوا عن موضع السماع في الأسانيد إلً إذا كان الراوي ممن عُرف بالتدليس في الحديث وشُهِّر به، فقال: "وإنما كان تَ فق د من تفقه د منهم سماع رواة الحديث ممن روى عنهم ، إذا كان الراوي ممن عُ رِّ ف بالتدليس في الحديث ، وشُ هِّ ر به ، فحينئذ يبحثون عن سماعه في روايته ، ويتفقدون ذلك منه كي تنزاح عنهم علة التدليس(1)".(2) وكذلك كان ابن خزيمة يتوقّف في تصحيح بعض الأحاديث، ويُعِّل ها بتدليس بعض رواتها أمّا ابن حبّان فقد تشدّد في قبول رواية المدلّسين - ولو كانوا ثقات - إلً إذا صرّحو ا بالسماع، ولم يستثن سوى سفيان بن عيينة(3)؛ لأنه عُرِّف أنه لم يُدلِّّس إلً عن ثقة (4) (1) حقّق ابن رجب الحنبلي مسألة الحديث المعنعن وشروط قب وله، وذكر فيها مذاهب العلماء واختلافهم، وذلك في كتابه شرح علل الترمذي. يُنظر: ابن رجب، علل الترمذي، 2/585-599. (2) مسلم،الصحيح، 1/32- 33. (3) سفيان بن عيينة بن أبى عمران أبو محمد الهلالي، مولًهم، الكوفي ثم المكي، قال عنه الذهبي: أحد الأعلام، ثقة ثبت حافظ إمام، وقال ابن حجر: "ثقة حافظ فقيه إمام حجة؛ إلً أنه تغير حفظه بأخرة و كان ربما دلس لكن عن الثقات، و كان أثبت الناس في عمرو بن دينار"، مات سنة 198هـ ينظر: الذهبي، الكاشف، 1/449 (2002)، ابن حجر،التقريب، 245 (2451.) (4) حيث قال في مقدمة صحيحه"وأما المدلسون الذين هم ثقات وعدول فإنا لً نحتج بأخبارهم إلً ما بينوا السماع فيما رووا ـ مثل الثوري والأعمش وأبي إسحاق وأضرابهم من الأئمة المُتهقين وأهل الورع في الدين ـ لأنا متى قبلنا خبر مدلس لم يُبيِّّنِّ السماع فيه ـ وإن كان ثقة ـ لَزِّمَنا قبول المقاطيع والمراسيل كلها لأنه لً يدري لعل هذا المدلس دَلهسَ هذا الخبر عن ضعيف يَهِّي الخبر بذكره إذا عُرِّفَ اللهم إلً أن يكون المدلس يعلم أنه ما دلهس ـ قط ـ إلً عن ثقة فإذا كان كذلك قُبِّلَتْ روايته وإن لم يبين السماع. وهذا ليس في الدنيا إلً سفيان بن عيينة وحده فإنه كان يُدلِّّ سُ ولً يُدلِّّسُ إلً عن ثقة متقن ولً يكاد يوجد لسفيان بن عيينة خبر دلس فيه إلً وجد الخبر بعينه قد بين سماعه عن ثقة مثلِّ نفسه". يُنظر: ابن حبان، الصحيح، 1/121.

عدد الصفحات ١٠٨

107 وقد أجاب عمّا جاء في صحيحه من رواية المدلسين دون تصريح منهم بالسماع بقوله "فإذا صحه ـ عندي ـ خبر من رواية مُدلِّّسِّ أنه بَيهنَ السماع فيه ، لً أبالي أن أذكُرَه من غير بيان السماع في خبره بعد صِّحهتِّه عندي من طريق آخر ."(1) وأما الحاكم فقد ذكر في كتابه "المدخل إلى الإكليل" تحت القسم الثاني من الصحيح المختلف في صحته: "روايات المدلسين إذا لم يذكروا إسماعهم في الرواية" أن جماعة من أئمة أهل الكوفة صححوها، وردّها جماعة من أئمة أ هل المدينة، ثمّ مثّل للمراد بالتدليس إلى أن قال: "وأخبار المدلسين كثيرة، وضبط الأئمة عنهم ما لم يُ دلِّّ سوا، والتمييز بين ما دلسوا وما لم يُ دلِّّ سوا ظاهر في الأخبار."(2) والمدلسون من حيث قبول روايتهم أو ردّها على أجناس ومراتب فقد ذكر الحاكم في كتابه "معرفة علوم الحديث" أجناساً ستة للمدلسين(3)، وفرّق كذلك الخطيب البغدادي بين أنواع المدلسين وذكر مذاهب العلماء في خبر المُ دلِّ س بين القَ بول والرد، وبين الإكثار من التدليس والإقلال منه، وبين التدليس عن ثقة أو عن غير ثقة، وعن التصريح المُ دلِّ س بالسماع وعدمه، وقد صحّح م ذهب من يشترط التصريح بالسماع.(4) (1) المرجع السابق، 1/122. (2) الحاكم، الإكليل، 39-40. (3) يُنظر: الحاكم،علوم الحديث، 338- 358. تحت النوع السادس والعشرين: معرفة المدلسين. (4) يُنظر، الخطيب البغدادي،الكفاية، 361-362.

عدد الصفحات ١٠٩

108 ثم جاء العلائي(1) وجمع أسماء ثمانية وستين ممن وُصفوا بالتدليس، مرتّبين على حروف المعجم، وصنّفهم إلى خمس طبقات ومراتب – مستفيداً ممن سبقه في ذلك- وبيّن اختلاف الحكم على رواياتهم باختلاف طبقاتهم(2)، وقد قام الحافظ ابن حجر بتلخيص ذلك، وجعلهم على خمس مراتب: - الأولى: لمن لم يوصف بذلك إلً نادراً .(3) - والثانية: لمن احتمل الأئمةُ تدليسَ هُ ، فأخرجوا له في الصحيح لإمامته، وقلة تدليسه في جنب ما روى، أو لكونه لً يدلس إلً عن ثقة.(4) - والثالثة: من أكثر من التدليس، فاختلف الأئمة في حديثهم بين: الًحتجاج بما صرحوا فيه بالسماع، أو رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم مطلقاً.(5). - والرابعة: اتفق وا على عدم الًحتجاج بشيء من حديثهم إلً بما صرحوا فيه بالسماع لكثرة تدليسهم على الضعفاء، والمجاهيل(6). - والخامسة: ردوا حديث من ضُ عِّّ ف بأمر آخر سوى التدليس، ولو صرحوا بالسماع(7).(8) (1) خليل بن كيكلدي بن عبد الله العلائي الدمشقيّ، أبو سعيد، صلاح الدين. كان إماما محدثا حافظا متقنا جليلا فقيها أصوليا نحويا . من مصنفاته: ( جامع التحصيل في أحكام المراسي ل) و( الوشي المعلم ) و(الأربعين في أعمال المتقين ). مات سنة 761هـ. ينظر ابن السبكي، طبقات الشافعية الكبرى ، 10/36 .السيوطي،طبقات الحفاظ، 533 .الزركلي، الأعلام، 2/321. (2) يُنظرالعلائي، جامع التحصيل في أحكام المراسيل، 113-114. (3) كيحيى بن سعيد انصاري، وهشام بن عروة، وموسى بن عقبة. (4) كسفيان الثوري، وابن عيينة، والزهري، ويحيى بن أبي كثير (5) كالحسن وقتادة، وأبي الزبير المكي. (6) كبقية بن الوليد، وابن إسحاق، وجابر الجعفي. (7) كأبي جناب الكلبي وأبي سعد البقال، إلً أن يُ وثّ ق من كان ضعفه يسيراً كابن لهيعة. (8) ينظر: العلائي،المراسيل، 113-114، ابن حجر، طبقات المدلسين، 13-14.

عدد الصفحات ١١٠

109 فحكم رواية المُدلِّّس تختلف باختلاف طبقته ومرتبته فمنهم من يُحتمل تدليسه، ومنهم من يُردّ، ومنهم من يُقبل تدليسه إذا صرّح بالسماع. (1) وأمّا ما جاء في الصحيحين من روايات المدلسين فهي علىالنحو الآتي: -إمّا أن يكونوا من أهل المرتبتين الأولى والثانية، فهؤلًء احتمل الأئمة تدليسهم. - وأمّا أن يكونوا ممن اشترط الأئمة تصريحهم بالسماع لقبول مروياتهم، فما جاء في الصحيحين من رواية هؤلًء أُجيب عنه بأنه: "محمول على ثبوت السماع عندهم فيه من جهة أخرى، إذا كان في أحاديث الأصول لً المتابعات تحسينا للظن بمصنفيها."(2) قال الحافظ ابن حجر في كتابه النكت: "فإنا نعلم في الجملة أن الشيخين لم يخرجا من رواية المدلسين بالعنعنة إلً ما تحققا أنه مسموع لهم من جهة أخرى".(3)، وزاد السيوطي (1) ذكر ابن رجب في شرحه لعلل الترمذيمذاهب العلماء في قبول رواية المُدلِّّس أو ردها. ينظر: ابن رجب، علل الترمذي، 2/582-585، القريوتي،الإرسال والتدليس، 47-48. (2) قاله السخاوي في فتح المغيث، وعقّب بقوله: " يعني ولو لم نقف نحن على ذلك لً في المستخرجات التي هي مظنة لكثير منه ولً في غيرها." ثم أردفه بقوله: "وأحسن من هذا كله قول القطب الحلبي في "القدح المعلى ": " أكثر العلماء أن المعنعنات التي في الصحيحين مُ نزه لة مَ نزِّ لة السماع"، يعني : إما لمجيئها من وجه آخر بالتصريح، أو لكون المعنعن لً يدلس إلً عن ثقة ، أو عن بعض شيوخه، أو لوقوعها من جهة بعض النقاد المحققين سماع المعنعن لها. " السخاوي، فتح المغيث ، 1/232-233 . ينظر كذلك: النووي،التقريب، 39، ابن الملقن،المقنع، 1/158، السيوطي،التدريب، 1/262-264. (3) ابن حجر،النكت، 1/315. وقال في مقدمته لفتح الباري"وأما دعوى الًنقطاع فمدفوعة عمن أخرج لهم البخاري، لما عُلم من شرطه، ومع ذلك فحكم من ذُكر من رجاله بتدليس أو إرسال أن تُسبر أحاديثهم الموجودة عنده بالعنعنة، فإن وُجد التصريح فيها بالسماع اندفع الًعتراض، وإلً فلا." ابن حجر، هدي الساري، 385 . وقد قام الدكتور عواد الخلف في رسالته للدكتوراه بجمع جميع روايات المدلسين في صحيح البخاري، وسبرها، وتتبعها، ودفع عنها الًعتراض. وقد توصّل في خاتمة بحثه إلى "أن أحاديث المدلسين في صحيح البخاري غير طاعنة في شرط الصحة؛ وذلك لأن احتمال الًنقطاع قد زال: إما بإثبات التصريح بالسماع للمدلس المعنعن الذي لً تُقبل روايته إلً بذلك. أو ما يقوم مقام التصريح بالسماع من اعتبارات قبول عنعنة المدلس" 519. وقد بيّن هذه الضوابط والًعتبارات في مقدمة بحثه، وذكر فيها ثلاثاً وثلاثين ضابطاً في قبول عنعنة المدلس فيما يخص روايات صحيح البخاري. يُنظر: عوّاد الخلف، روايات المدلسين في صحيح البخاري جمعها- تخريجها- الكلام عليها، 26-33.

عدد الصفحات ١١١

110 قولهوإنما اختار صاحب الصحيح طريق العنعنة على طر يق التصريح بالسماع ؛ لكونها على شرطه دون تلك."(1) نخلص مما سبق أن زيادة قيد نفي التدليس في حدّ الصحيح زيادة من باب التأكيد على اتصال السند، وعدم انقطاعه، سواءً كان الًنقطاع جليّاً فيخرج باشتراط اتصال السند، أو كان خفيّاً فيخرج باشتراط نفي العلّة، فقد تضمّن كل من: شرطيّ اتصال السند ونفي العلة - للحديث الصحيح- هذا القيد؛ لذا لم ينشط لذكره كل من جاء بعد ابن الصلاح سوى الذهبي رحمهم الله جميعاً. قيد الشهرة في الطلب: من القيود التي زيدت في شرط الصحيح، قال الحافظ ابن حجر: "زاد الحاكم في علوم الحديث في شرط الصحيح أن يكون راويه مشهورا بالطلب،..."(2) ومعنىالشهرة في اللغة: الوضوح والبيان والًنتشار والذيوع.(3) وفي الاصطلاحشهرة الراوي تعني خروجه عن حد الجهالة.(4) (1) السيوطي، التدريب، 1/264. (2) ابن حجر،النكت، 1/238. (3) ينظر: الرازي، مختار الصحاح، 170، ابن منظور، اللسان، 4/432. الفيروزآبادي،القاموس، 421،المعجم الوسيط، 1/498. (4) قال البقاعي في النكتوالمشهور بحال من الأحوال لً بد من أن يكون روى عنه تلك الحال من بلغوا الكثرة التي تصيره في عداد المشهورين فلا يكون حينئذ مجهول العين، ثم نقول: إن كان في حاله التي اشتهر بها ما يتضمن العدالة فقد زالت عنه جهالة الحال أيضا، وانطبق عليه قوله فيما تقدم: (وصححوا استغناء ذي الشهرة عن تزكية) وإلً فهو مجهول الحال،...". قال ابن حجر: "والمراد بجهالة الراوي: بأن لً يعرف فيه تعديل ولً تجريح معين." =

عدد الصفحات ١١٢

111 والشهرة بشكل عام شيوع أمر الراوي وانتشاره بين نقاد الحديث، فإن كان هذا الشيوع ثناءً ومدحاً كان إثباتاً لعدالته، وإن كان ذماً وقدحاً كان نفياً لها.(1) قال ابن الصلاحفمن اشتهرت عدالته بين أهل النقل أو نحوهم من أهل العلم، وشاع الثناء عليه بالثقة والأمانة، استغني فيه بذلك عن بينة شاهدة بعدالته تنصيصا."(2) والمراد بالشهرة بالطلب –في هذا القيد -: أن يكون ل لراوي "مزيد اعتناء بالرواية ؛ لتركن النفس إلى كونه ضبط ما روى "(1)، أي شهرة بالطلب مقيّدة بالضبط والإتقان، = وقال الخطيب البغدادي في الكفاية: "المجهول عند أصحاب الحديث: هو كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه، ولً عرفه العلماء به، ومن لم يعرف حديثه إلً من جهة راو واحد". وقد جعل ابن الصلاح المجهول على ثلاثة أقسام: مجهول العين، ومجهول العدالة الظاهرة والباطنة، ومجهول العدالة في الباطن دون الظاهر، وهو المستور. وجعلهم ابن حجر على قسمين: مجهول العين: وهو من لم يروِّ عنه غير واحد ولم يُوثّق. ومجهول الحال وهو المستور: من روى عنه اثنان فصاعداً ولم يُوثّق. وتزول جهالة عين الراوي برواية اثنان فصاعداً عنه ، قال الخطيب البغدا دي: "وأقل ما ترتفع به الجهالة أن يروي عن الرجل اثنان فصاعدا من المشهورين بالعلم كذلك... إلً أنه لً يثبت له حكم العدالة بروايتهما عنه".ا.هـ. أي أنه يصبح من طبقة "مجهول الحال" وهو من لم تعرف عدالته الظاهرة ولً الباطنة، أو "المستور" وهو من عرفت عدالته الظاهرة أي لم يوقف منه على مفسق، لكن لم تثبت عدالته الباطنة، وهي التي ينص عليها علماء الجرح والتعديل ولو واحد منهم". ينظر: المراجع: البقاعي ، النكت الوفية ، 1/626، ا بن حجر، النزهة، 107،126،الخطيب البغدادي، الكفاية، 88-89،ابن الصلاح، علوم الحديث، 111-112،عتر، منهج النقد، 90. (1) من الرواة من اُشتهِّر بالعدالة والحفظ بل وبالإمامة فيهما، وشاع أمره بين نقاد الحديث، كمالك وأحمد بن حنبل وغيرهم، ومنهم على النقيض من ذلك من شاع أمره بالكذب والوضع في الحديث كنوح ابن أبي مريم، وأبان بن جعفر النجيرمي، وأحمد بن الصلت الحماني، وغيرهم. (2) ثم قالوهذا هو الصحيح في مذهب الشافعي ، وعليه الًعتماد في فن أصول الفقه وممن ذكر ذلك من أهل الحديث أبو بكر الخطيب الحافظ، ومثل ذلك بمالك، وشعبة، والسفيانين، والأوزاعي، والليث، وابن المبارك، ووكيع، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن الم ديني، ومن جرى مجراهم في نباهة الذكر واستقامة الأمر، فلا يسأل عن عدالة هؤلًء وأمثالهم، وإنما يسأل عن عدالة من خفي أمره على الطالبين ". ابن الصلاح، علوم الحديث ، 105، يُنظر أيضاً: النووي، التقريب، 48، السيوطي، التدريب، 1/353. نكتة في الفرق بين التزكية والتعديل: "عرّف التزكية غير واحد من المصنفين بأنها ضد الجرح، ومنهم من عرّفها بأنها هي التعديل. لكن المتأمل لكتب المحدثين والأصوليين يجد أنهم يتكلمون على التزكية طريقاً من طرق التعديل، ومن ثمه فلا ينحصر التعديل بالت زكية؛ بل قد يثبت التعديل بطرق أخرى غير التزكية؛ كالشهرة، والحكم بالشهادة...، فيكون مفهوم التعديل أوسع من مفهوم التزكية، وإن كانت التزكية أكثر طرق ثبوت التعديل شيوعاً واعتماداً. وتفسير التزكية بأنها ضد الجرح فيه نظر تبعاً لما تقدّم؛ لأن الجرح هو ضد التعديل، والتزكية إحدى طرق التعديل، وليست التعديل نفسه." حمام، جهالة الرواة، 1/404.

عدد الصفحات ١١٣