81 وقد نقل السيوطي تعقيب ابن حجر - لما ذكره ابن الصلاح، وتخريجه له- بقوله: "ولم يتبين لي أخذه انتفاء الشذوذ من كلام مسلم، فإن كان وقف عليه من كلامه في غير مقدمة صحيحه فذاك،... قال: ثم ظهر لي مأخذ ابن الصلاح، وهو أنه يرى أن الشاذ والمنكر اسمان لمسمى واحد. وقد صرح مسلم بأن علامة المنكر أن يروي الراوي عن شيخ كثير الحديث والرواة شيئا ينفرد به عنهم، فيكون الشاذ كذلك فيشترط انتفاؤه."(1) وكذلك لم ينص ابن خزيمة على اشتراط نفي الشذوذ في حدّ الصحيح، ولكن قد يدخل ذلك ضمناً في نفيه تجريح الراوي بشكل عام –كما سبق في قيد الضبط - وقد يدخل ضمناً = - ما أخرجه في كتابه التمييز وعنون له بقوله "ومن الًخبار المنقولة على الوهم في الًسناد والمتن جميعا" و ذكر تحته خطأ أيمن بن نابل في حديث التشهد، فقال: "حدثنا أبو بكر، ثنا أبو خالد، عن أيمن عن أبي الزبير، عن جابر عن النبي ((أنه كان يقول بسم الله وبالله والتحيات)). قال الإمام مسلم: "هذه الرواية من التشهد، والتشهد غير ثابت الًسناد والمتن جميعا. والثابت ما رواه الليث وعبدالرحمن بن حميد، فتابع فيه في بعضه. فيما حدثنا قتيبة، ثنا الليث، وثنا أبو بكر، ثنا يحيى ابن آدم، ثنا عبد الرحمن بن حميد، حدثني أبو الزبير، عن طاووس، عن ابن عباس، قال: ((كان رسول الله يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن)) سمعت مسلما يقول: فقد اتفق الليث وعبدالرحمن بن حميد الرؤاسي عن أبي الزبير عن طاووس. وروى الليث، فقال: عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. وكل واحد من هذين -عند أهل الحديث- أثبت في الرواية من أيمن. ولم يذكر الليث في روايته حين وصف التشهد: بسم الله وبالله. فلما بان الوهم في حفظ أيمن لإسناد الحديث، بخلاف الليث وعبدالرحمن إياه دخل الوهم أيضا في زيادته في المتن، فلا يثبت ما زاد فيه. وقد روي التشهد عن رسول الله من أوجه عدة صحاح. فلم يذكر في شيء منه بما روى أيمن في روايته قوله: بسم الله وبالله. ولً ما زاد في آخره من قوله: أسأل الله الجنة وأعوذ بالله من النار. والزيادة في الأخبار لً يلزم إلً عن الحفاظ الذين لم يعثر عليهم الوهم في حفظهم. المرجع السابق، 188-189 ح58-59 .) - من الأمثلة كذلك حديث الًستسعاء، حيث عنون له بقولهومن الحديث الذي في متنه وهم" فقال: حدثنا ابن نمير، ثنا أبي، ثنا حجاج، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ((من أعتق نصيباً له في عبد، ضمن لأصحابه في ماله، إن كان موسراً ، وإن لم يكن له مال بذل العبد)). وروى هذا الخبر غير واحد هذه الرواية عن نافع في استسعاء العبد فاعتق. والدليل على خطئه : اتفاق الحفاظ من أصحاب نافع على ذكرهم في الحديث المعنى الذي هو ضد السعاية، وخلاف الحفاظ المتقنين لحفظهم، يبين ضعف الحديث من غيره. وسنذكر إن شاء الله ما روى الحفاظ من أصحاب نافع، بخلاف من قدمنا روايته في هذا الخبر..." ثم ذكر الطرق الأخرى الصحيحة. ينظر: المرجع السابق، 190-191 ح61-62 .) (1) السيوطي،التدريب، 68 .
عدد الصفحات ٨٣82 كذلك في شرط انتفاء العلة- كما سيأتي في قيد نفي العلة- بل إن صنيعه في صحيحه وتعليله لأحاديث بسبب مخالفة الراوي أو تفرّده غير المحتمل يشهد لذلك. (1) أما تلميذه ابن حبّان فله نقول كثيرة في كتابيه (الثقات) و(المجروحين) يُبيّن فيها أثر مخالفة الراوي للثقات في ردّ ذلك الحديث الذي وقعت فيه المخالفة(1)، وأثر كثرة مخالفة (1) من أمثلة ذلك في صحيح ابن خزيمة وتعليله لبعض الأحاديث بسب مخالفة الراوي أو تفرّده غير المحتمل : - ما أخرجه في صحيحه كتاب الصلاة، باب كراهة تسمية صلاة العشاء عتمة، فقال: " نا عمار ابن خالد الواسطي، نا محمد وهو ابن يزيد وهو الواسطي، عن شعبة، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبدالله ابن عمرو قال: قال رسول الله :((وقت الظهر إلى العصر، ووقت العصر إلى اصفرار الشمس ، ووقت المغرب إلى أن تذهب حمرة الشفق، ووقت العشاء إلى نصف الليل، ووقت صلاة الصبح إلى طلوع الشمس)) ثم عقّب ابن خزيمة بقوله: "فلو صحت هذه اللفظة في هذا الخبر، لكان في هذا الخبر بيان أن الشفق الحمرة، إلً أن هذه اللفظة تفرد بها محمد بن يزيد إن كانت حفظت عنه، وإنما قال أصحاب شعبة في هذا الخبر: (ثور الشفق) مكان ما قال محمد بن يزيد: (حمرة الشفق)..."1/182 ح354.) ومحمد بن يزيد الواسطي، قال عنه ابن حجر: "ثقة ثبت عابد"، إلً أنه روى لفظة عن شعبة مخالفة لما رواه أصحاب شعبة عنه. ينظر: ابن حجر، التقريب، 514 (6403.) - وأخرج كذلك في صحيحه كتاب الصلاة باب إجازة الصلاة في الثوب الذي يخالطه الحرير فقال: "نا عمر بن حفص الشيباني، حدثنا أبو عاصم، عن عبدالحميد بن جعفر، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبدالله، عن عقبة بن عامر، عن عمر قال: رأيت رسول الله ((صلى في فروج من حرير، ثم لم يلبث أن نزعه)) هكذا حدثنا به الشيباني قال: عن عمر، وهو وهم. قال: "وحدثنا به بندار، وأبو موسى قالً: ثنا أبو عاصم، عن عبدالحميد بن جعفر، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبدالله اليزني، - إتحاف المهرة (13886) عن عقبة بن عامر قال: رأيت رسول الله ، ولم يذكرا عمر هذا هو الصحيح، وذكر عمر في هذا الخبر وهم، وإنما الصحيح عن عقبة بن عامر: رأيت النبي .1/379 ح773-774.) - وأخرج أيضاً في صحيحه كتاب الصيام، باب ذكر الدليل على أن قيام شهر رمضان سنة النبي خلاف زعم الروافض الذين يزعمون أن قيام شهر رمضان بدعة لً سنة، فقال: "حدثنا أحمد بن المقدام العجلي، حدثنا نوح بن قيس الخزاعي صوابه: الحُدّاني كما في إتحاف المهرة13516) وهو على الصواب في طبعة ماهر الفحل (2201)، وكذا في الطبعة الثانية عند العظمي، حدثنا نصر بن علي، عن النضر بن شيبان، عن أبي سلمة ابن عبدالرحمن قال: قلت لأبي سلمة: ألً تحدثنا حديثا سمعته من أبيك، سمعه أبوك من رسول الله ؟ فقال: بلى، أقبل رمضان، فقال رسول :((إن رمضان شهر افترض الله صيامه، وإني سننت للمسلمين قيامه، فمن صامه وقامه إيماناً واحتساباً خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه)) قال أبو بكر: "أما خبر: ((من صامه وقامه. . .)) إلى آخر الخبر فمشهور من حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة، ثابت لً شك ولً ارتياب في ثبوته أول الكلام، وأما الذي يُ كرَ ه: ذكره النضر بن شيبان، عن أبي سلمة عن أبيه، فهذه اللفظة معناها صحيح من كتاب الله عز وجل، وسنة نبيه ، لً بهذا الإسناد، فإني خائف أن يكون هذا الإسناد وهما، أخاف أن يكون أبو سلمة لم يسمع من أبيه شيئاً ، وهذا الخبر لم يروه عن أبي سلمة أحد أعلمه غير النضر بن شيبان".3/335 ح2201.) والنضر بن شيبان الحدّاني ممن لً يُحتمل تفرّده، قال عنه ابن حجر: "لين الحديث". ينظر: ابن حجر، التقريب، 562 (7136). للاستزادة من الأمثلة ينظر: بلعمري،الحديث الشاذ عند المحدثين 35-39 . عوّامة، مصطلح ابن خزيمة في إعلال الحديث،
عدد الصفحات ٨٤83 الراوي للثقات في ترك الًحتجاج بخبره، ومتى يُحتمل تفرّد الراوي؟ ومتى لً يُحتمل منه ذلك؟.(2) أما الشذوذ عند الحاكم فهو في الغالب إذا أطلقه على الحديث أُريد به التفرّد الذي يُستغرب ويُستنكَر لغموضٍّ ف ي علته، وكان شذوذاً مردوداً، وإن قُرن وصف الشذوذ بالصحة أُريد = (1) من أمثلة ذلك أنه قال - في كتابه الثقات- في ترجمة: معقل بن عبيدالله الجزري، "وكان يخطئ، لم لم يفحش خطؤه فيستحق الترك، وإنما كان ذلك منه على حسب ما لً ينفك منه البشر،... بل يحتج بخبر من يخطئ ما لم يفحش ذلك منه، فإذا فحش حتى غلب على صوابه ترك حينئذ. ومتى ما علم الخطأ بعينه وأنه خالف فيه الثقات ترك ذلك الحديث بعينه واحتج بما سواه هذا حكم المحدثين الذين كانوا يخطؤن ولم يفحش ذلك منهم" ابن حبان، الثقات، 7/491-492 باختصار - وقال - في كتابه المجروحين-: "والذي عندي في سويد بن عبدالعزيز تنكب ما خالف الثقات من حديثه والًعتبار بما روى مما لم يخالف الأثبات والًحتجاج بما وافق الثقات وهو ممن أستخير الله عز وجل فيه لأنه يقرب من الثقات." 1/351 . وقال كذلك في ترجمة عبدالله بن عبدالله بن أويس بن أبي عامر الأصبحي: "كان ممن يخطئ كثيراً لم يفحش خطؤه حتى استحق الترك، ولً هو ممن سلك سَ نَن الثقات فيسلك مسلكهم. والذي أرى في أمره تنكب ما خالف الثقات من أخباره والًحتجاج بما وافق الأثبات منها. وكان يحيى ابن معين يوثقه مرة ويضعفه أخرى." ابن حبان، المجروحين، 2/24. (2) من أمثلة ذلك ما فصّله في ترجمة يحيى بن عبد الله بن الضحاك البَ ابلُ تِّّ ي في كتابه المجروحين، حيث قال: "فهو عندي فيما انفرد به ساقط الًحتجاج وفيما لم يخالف الثقات معتبر به، وفيما وافق الثقات محتج به، ولً يَتوهمن مُتوهِّّم أن ما لم يخالف الأثبات هو ما وافق الثقات؛ لأن ما لم يُخالف الأثبات هو ما رَوَى من الروايات التي لها أصول من حديث رسول الله ، وإن أتى بزيادة اسم في الإسناد أو إسقاط مثله مما هو محتمل في الإسناد. وأما ما وافق الثقات فهو ما يروي عن شيخ سَمِّع منه جماعة من الثقات، وأتى بالشيء على حسب ما أَتوْا به عن شيخه، وما انفرد من الروايات هو زيادة ألفاظ يرويها عن الثقات، أو إتيان أصل بطريق صحيح، فهذا غير مقبول منه، لما ذكرنا من سوء حفظه وكثرة خطئه، وأنه ليس بالمحل الذي تُقبل مفاريده، وإنما تقبل المفاريد إذا كان رواتها عدولٌ عاقلون، يعقلون ما يحدثون عالمون بما يحيلون من معاني الأخبار وألفاظها، فأما الثقة الصدوق إذا لم يكن يعلم ما يحيل من معاني الأخبار، وحدث من حفظه ثم انفرد بألفاظ عن الثقات لم يستحق قبولها منه؛ لأنه ليس يعقل ذلك، ولعله أحاله متوهما أنه جائز، فم ن أجل ما ذكرنا لم تقبل الزيادة في الأخبار إلً عمن سمينا من العدول على الشرط الذي وضعنا." ملاحظة: علماً أنني اعتمدت في نقل هذا النص على طبعة دار الصميعي، وذلك لأن المعنى لم يستقم عندي وشككت بوجود سقط وتحريف في النصّ في طبعة حلب 3/127-128، وبالفعل وجدته كذلك، فاستدركته من الطبعة الأخرى. ينظر: ابن حبان، كتاب المجروحين من المحدثين، تحقيق: حمدي عبدالمجيد السلفي، 2/479-480 (1220.)
عدد الصفحات ٨٥84 به المعنى اللغوي للشذوذ، وهو: التفرّد والًنفراد، يدل على ذلك الأحاديث التي وصفها بالشذوذ في كتبه.(1) أما بالنسبة لمخالفة الراوي لغيره من الثقات، فإنه وإن لم يُسمّه شذوذاً، فإنه قد صرّح بأن المخالفة من الراوي سبب لردّ حديثه، حيث قال في كتابه معرفة علوم الحديث في النوع الثامن عشر بيان معرفة الجرح والتعديل: "وأصل عدالة المحدث أن يكون مسلماً لً يدعو إلى بدعة، ولً يعلن من أنواع المعاصي ما تسقط به عدالته، فإن كان مع ذلك حافظا لحديثه، فهي أرفع درجات المحدثين، وإن كان صاحب كتاب فلا ينبغي أن يحدث إلً من أصوله، وأقل ما يلزمه أن يحسن قراءة كتابه على ما ذكرته في أول هذا الكتاب من علامات الصدق على الأصول، وإن كان المحدث غريباً لً يقدر على إخراج أصوله فلا يكتب عنه إلً ما يحفظه إذا لم يخالف الثقات في حديثه، فإن حدث من حفظه بالمناكير التي لً يتابع عليها لم يؤخذ عنه"(2) (1) قال ابن حجر في النكت- مُعلّقاً على الحديث الثالث الذي ذكره الحاكم كمثال على الشذوذ-: "وهذا الحديث أخرجه البخاري في صحيحه من هذا الوجه، والحاكم موافق على صحته إلً أنه يسميه شاذاً، ولً مشاحة في التسمية"، وجمع الباحث بلعمري في كتابه (الحديث الشاذ)، ثلاثة عشر مثالًً للأحاديث التي أطلق عليه الحاكم وصف الشذوذ –من كتب الحاكم كالمستدرك والمعرفة والمدخل، وبعض الأمثلة نُقلت عنه- وخَلُص الباحث بعد دراسته للأمثلة إلى أن الحاكم حين أطلق وصف الشذوذ على بعض الأحاديث أراد بذلك غالباً: المعنى الًصطلاحي من إطلاق الشذوذ على التفرّد غير المحتمل من الر اوي إما لضعف الراوي أو كونه ممن يُحتمل تفرّده لكنه يخالف فيما يرويه، بينما أطلق في بعض الأمثلة لفظ الشذوذ مقروناً بالصحة، وأراد به المعنى اللغوي للشذوذ أي: كونه حديثاً فرداً. ينظر المراجع: ابن حجر، النكت، 2/270-671، بلعمري، الحديث الشاذ ، 190-205 باختصار. ي نظر كذلك: اللحياني، الحديث الشاذ عند المحدثين، 16-17. (2) الحاكم، علوم الحديث، 53.
عدد الصفحات ٨٦85 وقال السخاوي فيما يخص اشتراط نفي الشذوذ والعلة من حدّ الصحيحوهذان: الرابع والخامس من الشروط، ... وهما سلبيان بمعنى اشتراط نفيهما، ولً يخدش في ذلك عدم ذكر الخطابي لهما؛ إذ لم يخالف أحد فيه."(1) ويشير كلامه إلى أن عدم ذكر الخطابي لهما في تعريفه للصحيح لً يدل على عدم اشتراط نفيهما لصحة الحديث؛ بل إن تعليله أحاديث في كتابه معالم السنن للتفرّد غير المحتمل من الراوي أو مخالفته يدل على اعتباره لذلك(2). أما من جاء بعد ابن الصلاح، فقد تابعه معظمهم في ذك ر هذا القيد في حدّ الصحيح، ونصّوا عليه سوى من أجمل تعريفه، واقتصر على اشتراط السلامة من القدح أو الطعن في السند والمتن بشكل عام - وقد يدخل نفي الشذوذ في ذلك ضمناً - كابن الملقّن (3) في التذكرة، بينما نصّ على ذلك في كتابه المقنع. نخلص مما سبق: أن ابن الصلاح أشار إلى أن أبرز تعريفات الحديث الشاذ عند العلماء تدور حول معانٍّ ثلاثة: (1) ينظر: السخاوي،فتح المغيث، 1/30. (2) من ذلك في سنن أبي داود كتاب البيوع، باب في الشفعة، قال: حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا هشيم، أخبرنا عبدالملك، عن عطاء، عن جابر بن عبدالله، قال: قال رسول الله :((الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها، وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا)). 3/286 ح3518). قال الخطابي فيمعالم السنن: "عبدالملك بن أبي سليمان: لين الحديث، وقد تكلم الناس في هذا الحديث. وقال الشافعي: نخاف أن لً يكون محفوظاً وأبو سلمة حافظ، وكذلك أبو الزبير ولً يعارض حديثهما بحديث عبدالملك. وحكي عن شعبة أنه أنكر هذا الحديث وقال إن روى عبدالملك حديثا آخر مثل هذا تركت حديثه. وجعله بعضهم رأياً لعطاء أدرجه عبدالملك في الحديث، وقال أبو عيسى الترمذي: قلت لمحمد بن إسماعيل في هذا، فقال: تفرد به عبدالملك، وروي عن جابر خلاف هذا." 3/155. (3) والجعبري في رسوم التحديث حيث اختصر ذلك بالسلامة من القادح في الحديث الصحيح بشكل عام، فقال معرفا للصحيح: "ما نقله العدل الضابط عن مثله من أوله إلى آخره، سالما من قادح". ينظر: الجعبري، الرسوم، 54.
عدد الصفحات ٨٧86 1- مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه 2- تفرد الثقة بما لً أصل له ولً متابع 3- تفرد الشيخ (وهو ما دون مرتبة الثقة) بما لً متابع له وبالرغم مما قد يظهر من اختلاف في تعريف الأئمة للشذوذ والحديث الشاذ؛ إلً أنهم شبه مجمعين على أن مخالفة الراوي للثقات - وإن لم يُطلق عليها بعضهم وصف الشذوذ- فهي مؤثرة وقادحة في صحة الحديث؛ لذا فإن أغلب من سبق ابن الصلاح اشترط لثبوت الرواية: ضبط الراوي، وعدالته، وعدم وقوع الوهم منه، وعدم مخالفته للثقات، وغير ذلك من الشروط والصفات التي تدل على ضبط الراوي وإتقانه، وإن لم ينصّوا على نفي الشذوذ بلفظه. بينما غالب تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح تضمنت نفي الشذوذ في حد الحديث الصحيح، وأشاروا إلى أن المراد بالشذوذ هنا هو المخالفة؛ حيث رجّح ابن القيم(1) تعريف الشافعي للشاذ فقال: "إنما الشذوذ: أن يخالف الثقات فيما رووه فيشذ عنهم بروايته، فأما إذا روى الثقة حديثا منفرداً به- لم يرو الثقات خلافه -: فإن ذلك لً يُ سمّ ى شاذاً، وإن اصْ طُ لِّ ح على تسميته شاذاً بهذا المعنى لم يكن هذا الًصطلاح موجبا لرده ولً مُ سوّ غاً له."(2) يُشير بذلك: إلى أن إطلاق وصف الشذوذ على تفرّد بعض الثقات برواية ما يُتابع عليه لً يؤثر على صحة الرواية، إنما يؤثر عليها فيما إذا أثبت الراوي عن شيخه شيئاً ، فنفاه من هو أحفظ أو أكثر عدداً ، أو أكثر ملازمة منه. قال السخاوي: "والمحدثون (1) محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزّرعي ثم الدمشقي الفقيه الحنبلي ، شمس الدّين أبو عبدالله، المجتهد المطلق، المفسّر النّحويّ الأصولي، المتكلم، الشهير بابن قيم الجوزية. ألّف تصانيف كثيرة منها: ( إعلام الموقعين) و(زاد المعاد ) و (مدارج السالكين) وغيرها. مات سنة 751. ينظر ابن العماد، الشذرات، 8/287. الزركلي، الأعلام، 6/56. (2) ابن قيم الجوزية، إغاثة اللهفان، 1/522.
عدد الصفحات ٨٨87 يسمونه شاذاً؛ لأنهم فسروا الشذوذ المشترط نفيه هنا بمخالفة الراوي في روايته من هو أرجح منه، عند تعسر الجمع بين الروايتين، ووافقهم الشافعي على التفسير المذكور، بل صرح بأن العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد، أي: لأن تطرق السهو إليه أقرب من تطرقه إلى العدد الكثير، وحينئذ فرَ د قول الجماعة بقول الواحد بعيد"(1)، فمخالفة الثقة لغيره من الثقات في الغالب تكون قرينة الغلط والوهم إلً إن دلت القرائن على قبولها(2)، (1) السخاوي،فتح المغيث، 1/30. (2) حالات يقبل فيها العلماء رواية الثقة، وإن خالف من هو أوثق منه (لكنها ليست مطّردة دائماً) 1- أن يكون الراوي من أثبت الناس في الشيخ المختلف عليه، فتُقبل روايته- في الجملة- وإن خالف أكثر منه عدداً أو وصفاً. 2- أن يكون المخالِّف من الأئمة المشاهير 3- أن يأتي راو آخر-غير الثقة المخالِّف، وغير الجماعة الذين خالفوه - فيروي الحديث على الوجهين. 4- أن يكون الشيخ المختلف عليه مُكثراً واسع الرواية، فيمكن أن يُحمل الحديث على ما رواه الفرد والجماعة. 5- أن يكون لهذا المخالِّف رواية أخرى يوافق فيها رواية الجماعة الذين خالفهم، فيدل على أنه عنده ما عندهم، بل عنده زيادة علم ليست عندهم. 6- أن يكون المخالِّف من الصحابة، فإن زيادة الصحابة على غيره من الصحابة مقبولة باتفاق المحدثين. 7- أن يكون المخالِّف صاحب كتاب، وحدّث من كتابه، ومن خالفه ليس كذلك 8- إذا احتفّ حديث المخالِّف بقرائن خارج ية تدل على أن الحديث محفوظ، كأن يروي مع الحديث قصة. 9- إذا روى الجماعة عن مدلِّّس بالعنعنة، ورواه عنه واحد فصرّح في رواية المدلس بالسماع من واسطة عن شيخه في رواية الجماعة أو الأوثق، قُبلت رواية الواحد. 10- إذا كان الإسناد يدور على راوٍّ، وقد عُرف بأن هذا الراوي إذا شك في الحديث نقص منه، وروى عنه جماعة أو الأحفظ الحديث ناقصاً، ورواه واحد عنه تاماً، فقد يُحمل الحديث على الوجهين. ينظر: السليماني، الجواهر السليمانية، 304-306 باختصار. مع تأكيد المؤلف إلى أن: كون معظم هذه الحالًت غير مطردة بل تخضع لنظر نقاد الحديث حسب القرائن المحتفة بالرواية، وينظر كذلك: رد الشيخ مقبل الوادعي –رحمه الله- بخصوص قرائن الترجيح -ضمن إجابته على سبب اختلاف مذاهب العلماء في زيادة الثقة – فقال: "وهكذا إذا وجدت زيادة ثقة ولم تجد للعلماء المتقدمين فيها كلامًا لً تصحيحًا ولً تضعيفًا ترجع إلى تعريف الإمام الشافعي في الشاذ، أن الشاذ: مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، وتقارن بين الصفات وبين العدد، فربّ شخص يعدل خمسة، فلا تقارن بين العدد فقط. مثل يحيى بن سعيد القطان، أو سفيان بن سعيد الثوري لو خالفه اثنان أو ثلاثة ممكن أن تجعل الحديث مرويًّا على الوجهين، وقد قال الدارقطني في "التتبع" بعد أن ذكر جماعةً خالفوا يحيى بن سعيد القطان يرويه عن عبيدالله عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة، وجماعة يروونه عن عبيدالله عن سعيد عن أبي هريرة. فيحيى بن سعيد تفرد بزيادة عن أبيه. ثم بعد أن ذكر الدارقطني الجمع الكثير الذين يخالفون يحيى ابن سعيد قال: ولعل الحديث روي على الوجهين، فقد هاب الدارقطني أن يقول: إن يحيى بن سعيد شاذ. =
عدد الصفحات ٨٩88 بينما الحال في تفرّد الثقة على العكس ففي الغالب مقبول ما لم تدل قرينة على خطئه أو وهمه. و"بعض الناس يفسرون الشاذ بمفرد الراوي من غير اعتبار مخالفته للثقات كما سبق، ويقولون صحيح شاذ وصحيح غير شاذ، فالشذوذ بهذا المعنى أيضا لً ينافي الصحة كالغرابة"(1) وإطلاق الشذوذ على الحديث الصحيح أو الجمع بين وصفيّ الصحة والشذوذ يُحمَل على المعنى اللغوي كما ذكر ابن القيم(2)، وهو الًنفراد أو التفرّد. ونقل الزركشي عمن سبقه ما يفيد بانقسام الشذوذ إلى محتجٍّ به وغير محتجّ، فقال: "كلام الشافعي محمول على حكم الشاذ الذي لً يحتج به، وهو الذي انفرد به ثقة عن غيره مخالف لما رواه الناس... ثم قال: "وهذا تقسيم لبعضهم الشاذ إلى صحيح وغير صحيح كما فعلوا في العلل، بل قسم بعضهم الشاذ إلى ثلاثة أقسام: صحيح وحسن وضعيف؛ لأن المنفرد إن كان ثقة فصحيح، وإن كان غير ثقة فحسن، وإلً فضعيف."(3) وأشار السخاوي إلى موقف شيخه ابن حجر من إطلاق الصحة على الشذوذ، فقالعلى أن شيخنا مال إلى النزاع في ترك تسمية الشاذ صحيحا، وقال: غاية ما فيه رجحان رواية على أخرى، والمرجوحية لً تنافي الصحة، وأكثر ما فيه أن يكون هناك صحيح وأصح، فيُ عمَ ل بالراجح ولً يُ عمَ ل بالمرجوح؛ لأجل معارضته له، لً لكونه لم تصح طريقه. ولً = إذا تساوت الصفتان يحمل على أن الحديث روي على الوجهين وأنصح أن يرجع إلى ما ذكره الحافظ ابن رجب في شرحه "علل الحديث للترمذي" و"توضيح الأفكار" للصنعاني وما كتبته في "الإلزامات والتتبع". الوادعي، المقترح في أجوبة بعض أسئلة المصطلح، 150-151. (1) الدهلوي،أصول الحديث، 77 (2) ابن القيم،المرجع السابق. (3) الزركشي،المرجع السابق، 2/139-140.
عدد الصفحات ٩٠89 يلزم من ذلك الحكم عليه بالضعف، وإنما غايته أن يتوقف عن العمل به" ثم أردف ذلك بقوله: "وبالجملة فالشذوذ سبب للترك إما صحة أو عملا".(1) ولً ريب أن التفصيل في معنى الشذوذ وأثره، والأمثلة عليه يحتاج مزيداً من البسط والتحرير، سيأتي شيء من ذلك في الفصل الخاص بالحديث الشاذ بإذن الله. القيد الخامس: السلامة من العلّة (نفي العلة): العلة في اللغة: تتراوح معانيها بين المرض والضعف، والعائق يعوق صاحبه، أو حدث يشغله عن وجهه.(2) ومعنى العلة في الحديث اصطلاحاً: "عبارة عن أسباب خفية غامضة قادحة فيه، فالحديث المعلل هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن ظاهره السلامة منها. ويتطرق ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقات، الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر."(3) أكّد على ذلك الحاكم بقولهوإنما يُ عله ل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واه، وعلة الحديث، يكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له (1) السخاوي،فتح المغيث ، 1/31-32، ينظر كذلك: البقاعي، النكت، 1/82، السيوطي، التدريب، 1/64-65، وزاد في التدريب نقل أمثلة علىذلك فقال: "ولم يرو مع ذلك عن أحد من أئمة الحديث اشتراط نفي الشذوذ المعبر عنه بالمخالفة. وإنما الموجود من تصرفاتهم تقديم بعض ذلك على بعض في الصحة. وأمثلة ذلك موجودة في الصحيحين وغيرهما، فمن ذلك أنهما أخرجا قصة جمل جابر من طرق، وفيها اختلاف كثير في مقدار الثمن، وفي اشتراط ركوبه، وقد رجح البخاري الطرق التي فيها الًشتراط على غيرها، مع تخريج الأمرين، ورجح أيضا كون الثمن أوقية مع تخريجه ما يخالف ذلك، ومن ذلك أن مسلما أخرج فيه حديث مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة في الًضطجاع قبل ركعتي الفجر، وقد خالفه عامة أصحاب الزهري كمعمر ويونس وعمرو بن الحارث والأوزاعي وابن أبي ذئب وشعيب، وغيرهم عن الزهري، فذكروا الًضطجاع بعد ركعتي الفجر قبل صلاة الصبح، ورجح جمع من الحفاظ روايتهم على رواية مالك، ومع ذلك فلم يتأخر أصحاب الصحيح عن إخراج حديث مالك في كتبهم. وأمثلة ذلك كثيرة." السيوطي، المرجع السابق، 1/64-65. (2) يُنظر: الفراهيدي،العين، 1/88. ابن فارس،المقاييس، 4/13-14، الرازي، المختار، 216. (3) ابن الصلاح،علوم الحديث،90،ينظرالسخاوي، فتح المغيث،1/275، السيوطي،التدريب،1/295.
عدد الصفحات ٩١90 علة، فيخفى عليهم علمه، فيصير ال حديث معلولًً ، والحجة فيه عندنا الحفظ، والفهم، والمعرفة لً غير."(1) قال الخطيب البغداديوالسبيل إلى معرفة علة الحديث أن يُ جمَ ع بين طرقه، ويُ نظر في اختلاف رواته، ويُ عتبر بمكانهم من الحفظ ومنزلتهم في الإتقان والضبط."(2) وبالنظر إلى تعريفات الأئمة للصحيح نجد أن: الشافعي والحميدي لم ينصّا على نفي العلة صراحة بل ذكرا من ضمن شروط الراوي والمروي ما يتضمن نفي ما قد يُعل الرواية ويمرضها، ومن ذلك اشتراط عقل الراوي بما يُحدّث، وعلمه بما يحيل المعنى، واشتراط الحفظ والفهم والموافقة لغيره من الثقات وعدم مخالفتهم، ونفي التدليس وما إلى ذلك مما اشترطه الشافعي. أما الحميدي فقد ذكر أنه متى ظهر له وهم الراوي أو كذبه أو نسيانه، وما إلى ذلك من علل خفيّة، فإنها تكون سبباً في ردّ الحديث، وعدم قبوله، حيث قال: "والباطن ما غاب عنا من وهم المحدث وكذبه ونسيانه، وإدخاله بينه وبين من حدث عنه رجلاً وأكثر، وما أشبه ذلك مما يمكن أن يكون ذلك على خلاف ما قال، فلم نكلف علمه إلً بشيء ظهر لنا، فلا يسعنا حينئذ قبوله لما ظهر لنا منه."(3)، وصنيعه في مسنده- والذي يظهر دقّته في النقل وبيان بعض الأوهام اليسيرة التي وقع فيها شيخه ابن عيينة، والتنبيه عليها- دليل على حرصه في تنقية الحديث مما قد يضعفه ويوهنه(4). (1) الحاكم،علوم الحديث، 112-113 . (2) الخطيب البغدادي،أخلاق الراوي، 2/295. (3) الخطيب البغدادي،الكفاية، 24. (4) من أمثلة ذلك في مسند الحميدي: =
عدد الصفحات ٩٢91 أما مسلم فقد اشترط السلامة من العيوب بشكل عام، وأضاف في مقدمة كتابه قوله : "وسنزيد إن شاء الله تعالى شرحاً وإيضاحاً في مواضع من الكتاب عند ذكر الأخبار المعللة إذا أتينا عليها في الأماكن التي يليق بها الشرح والإيضاح إن شاء الله تعالى."(1) = - فقد أخرج الحميدي لشيخه سفيان بن عيينة حديثاً لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من طريقين، مرة عن هشام بن عروة، والأخرى عن الزهري، وصرّح بعدم سماع شيخه لهذا الحديث من الزهري. "فقال: ثنا سفيان قال: ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: ((أن رسول الله كان يتعوذ من غلبة الدين)) ثم قال: "ثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة عن النبي بمثله قال أبو بكر: ولم يسمعه سفيان من الزهري" 1/281 ح246.) وأخرج له أيضاً حديثاً من روايته عن أبي الزبير، وصرّح بأنه لم يسمعه منه، ف قال: "ثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: نزلت في آية الميراث. قال أبو بكر: ولم يسمعه سفيان عن أبي الزبير" 2/322- 323 ح1265 .) - وأشار إلى وهم شيخه بزيادة راوٍّ فقال: "ثنا سفيان، قال: ثنا إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن أبيه، عن النعمان بن بشير - قال الحميدي: كان سفيان يغلط فيه – ((أن رسول الله كان يقرأ في العيد بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية، وكان يقرأ فيهما إذا وافق ذلك يوم الجمعة)) 2/166 ح949)، وقد أوضح المراد بغلط سفيان قول الترمذي في كتابه العلل "سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: هو حديث صحيح وكان ابن عيينة يروي هذا الحديث عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر فيضطرب في روايته. قال مرة حبيب بن سالم، عن أبيه، عن النعمان بن بشير وهو وهم، والصحيح حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير". الترمذي، العل الكبير، 92 ح152.) (1) مسلم،صحيح مسلم ، 1/4. هذا عدا أنه ألّف كتاب التمييز، والذي يذكر فيه أحاديث أخطأ فيها الثقات، مما يدلل على إمامته في علم العلل، واهتمامه ببيان علل الأحاديث، وقد أشاد بذلك ابن حجر في فتح الباري في أكثر من موضع منها: قوله "وأخرج مسلم حديث ابن علية 1/368 ح276) فاقتصر على المتفق على رفعه وحذف الباقي وذلك من حسن تصرفه والله أعلم" ابن حجر، الفتح، 1/475. وأشار في موضع آخر، أثناء شرحه لحديث جرّ الثوب خيلاء، بأن مسلماً أخرج الحديث من رواية ابن عمر، وأن الترمذي زاد فيه قول أم سلمة فكيف تصنع النساء بذيولهن؟ فقال يرخين شبرا ..." فعقّب ابن حجر بقوله: "وقد عزا بعضهم هذه الزيادة لمسلم فوهم، فإنها ليست عنده، وكأن مسلما أعرض عن هذه الزيادة للاختلاف فيها على نافع". المرجع السابق، 10/259. وللأستاذ محمد عوّامة بحثان يُظهِّر فيهما شيئاً من منهج الإمام مسلم في إعلاله للأحاديث : الأو ل بعنوان: من منهج الإمام مسلم في عرض الحديث المعلل في صحيحه، والثاني بعنوان: حذف طرف من الحديث الواحد اختصاراً له أو إعلالًً، وذكر في الأول أن للإمام مسلم منهجاً فيما إذا أخرج بعض الأحاديث على وجه فيه بعض الشيء، فله طريقتان في ذلك: الأولى وتكون في الأسانيد: وهي طريقة الأصول أو الًحتجاج ثم المتابعات أو الشواهد، فيذكر الأصل والحجة أولًً ثم قد يُتبعه بمتابع أو شاهد، أو بهما معاً وفي بعض رجاله كلام. والطريقة الثانية (وتكون في المتون): قد يذكر أول الباب حديثاّ في لفظه بعض الشيء، ثم يُتبعه باللفظ السليم، وينبّه إلى الفرق بين اللفظين أو محل الوهم. فمن أمثلة الطريقة الأولى: ما أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الإيمان، باب مخافة المؤمن أن يحبط عمله من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، أنه قال لما نزلت هذه الآية: يَاأَي هَا الهذِّينَ آمَنُوا لًَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِّ النهبِّيِّّ [2] في بيته، وقال: أنا من أهل النار، واحتبس عن النبي صلى الله عليه وسلم، فسأل النبي صلى الله عليه
عدد الصفحات ٩٣ي هَا الهذِّينَ آمَنُوا لًَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِّ النهبِّيِّّ [2] في بيته، وقال: أنا من أهل النار، واحتبس عن النبي صلى الله عليه وسلم، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ، فقال: «يا أبا عمرو، ما شأن ثابت؟ اشتكى؟»قال سعد: إنه لجاري، وما علمت له بشكوى،...)) ثم رواه عقبه من طريق جعفر بن سليمان، بنحو حديث حماد، وقال: "وليس في حديثه ذكر =
عدد الصفحات ٩٣92 وابن خزيمة لم يذكر نفي العلة في شرطه للصحيح إلً أنه مارس تعليل بعض الأحاديث أثناء سرده لأحاديث صحيحه.(1) وأما ابن حبان فقد ذكر في مقدمة صحيحه أنه ترك من الأحاديث التي ظاهرها الصحة لعلل خفية، حيث قال: "وقد تركنا من الأخبار المشاهير التي نقلها عدول ثقات لعلل تبين لنا منها الخفاء على عالم من الناس جوامعها."(2) = سعد بن معاذ". ورواه أيضاً من طريق سليمان بن المغيرة، وقال: "لم يذكر سعد بن معاذ، في الحديث" 1/110 ح119). قال ابن كثير في تفسيره موضحاً علة رواية حماد بن سلمة: "فهذه الطرق الثلاث معللة لرواية حماد بن سلمة، فيما تفرد به من ذكر سعد بن معاذ. والصحيح: أن حال نزول هذه الآية لم يكن سعد بن معاذ موجودا؛ لأنه كان قد مات بعد بني قريظة بأيام قلائل سنة خمس، وهذه الآية نزلت في وفد بني تميم، والوفود إنما تواتروا في سنة تسع من الهجرة، والله أعلم." - ومن أمثلة الطريقة الثانية: ما أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الصوم، باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة، عن غيلان بن جرير...أن رسول الله ((سُئِّ ل عن صوم يوم الًثنين؟ قال: ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت - أو أنزل علي- فيه)). وأعقبه مسلم بقوله: " في هذا الحديث من رواية شعبة قال: وسئل عن صوم يوم الًثنين والخميس؟ فسكتنا –أي: سكت مسلم- عن ذكر الخميس لما نُ راه وهما". ثم رواه من طريق أبان العطار، حدثنا غيلان بن جرير، في هذا الإسناد، بمثل حديث شعبة غير أنه ذكر فيه الًثنين، ولم يذكر الخميس" 2/819-820 ح1162). فهنا أخّر الرواية السليمة، وقدّم المعللّة، ووضّحها. ينظر: المراجع: ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، 7/367. عوّامة، من منهج مسلم في عرض الحديث المعلل، 22-24،43، محمد عوامة، حذف طرف من الحديث الواحد اختصاراً له أو إعلالًً. (1) من أمثلة ذلك في صحيح ابن خزيمة: - فقد أخرج في صحيحه كتاب الوضوء، باب ذكر الدليل على أن وطء الأنجاس لً يوجب الوضوء. قال: ثنا عبد الجبار بن العلاء، وعبدالله بن محمد الزهري، وسعيد بن عبدالرحمن المخزومي قالوا: حدثنا سفيان قال عبدالجبار: قال الأعمش: وقال الآخران: عن الأعمش، عن شقيق، عن عبدالله قال: ((كنا نصلي مع النبي فلا نتوضأ من موطئ..)). قال أبو بكر: "هذا الخبر له علة لم يسمعه الأعمش، عن شقيق لم أكن فهمته في الوقت". 1 /25 ح37.) - وبعد أن أخرج حديث أبي هريرة في كتاب المناسك،باب ذكر الدليل على أن النبي قد كان أعلمهم وهو بمنى أن ينزل بالأبطح، أعقبه بقوله: "سؤال النبي أين ينزل غدا في حجته إنما هو عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، فأما آخر القصة: ((لً يرث المسلم الكافر ولً الكافر المسلم))، فهو عن علي بن حسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة، ومعمر فيما أحسب واهماً في جمعه القصتين في هذا الإسناد، وقد بينت علة هذا الخبر في كتاب الكبير" 4/322 ح2984.) (2) صحيح ابن حبان، 1/126 .ومن أمثلة حرصه على بيان العلل أو نفيها في صحيحه ما يلي: فبعد أن أخرج حديثاً في تحريم الذهب والحرير على الذكور أشار إلى طريق معلولة فقال: "خبر سعيد بن أبي هند، عن أبي موسى - في هذا الباب - معلول لً يصح." 8/69-70 ح5410). وهذه الطريق ذكر الدارقطني في كتابه العلل السبب في إعلالها، فقال: " لأن سعيد بن أبي هند لم يسمع من أبي موسى شيئا". الدارقطني، العلل الواردة في الأحاديث النبوية، 7/241 ح1320.) =
عدد الصفحات ٩٤93 وأما الخطابي فلم ينصّ في تعريف الصحيح على اشتراط نفي العلة؛ لكنه بعد أن عرّف الصحيح ثم الحسن ذكر أن سنن أبي داود تجمع هذين النوعين، ثم تطرّق إلى الضعيف، وما فيه علّة تضعفه فأشار إلى خلو الكتاب منه، وإن كان فيه شيء فإن أبا داود "لً يألو أن يبين أمره ويذكر علته ويخرج من عهدته."(1)، وهو يشير إلى استبعاد كل ما فيه علة عن حد الصحيح والحسن(2). أماالحاكم فلم ينصّ على نفي العلة في وصفه للصحيح، لكنّه قال تحت هذا النوع : "إن الصحيح لً يُعرف بروايته فقط، وإنما يُعرف بالفهم والحفظ وكثرة السماع، وليس لهذا = ونجد ابن حبان في صحيحه في أكثر من موضع يدفع ما قد يُتوهم من علّة في بعض الأحاديث التي أخرجها، ويذكر السبب، ومن ذلك: قوله تحت باب ذكر الأمر بالوضوء من أكل لحم الجزور،: "ذكر خبر أوهم غير المتبحر في صناعة الحديث أن هذا الخبر معلول: أخبرنا عبدالله بن محمد الأزدي قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا النضر بن شميل قال: حدثنا شعبة عن سماك قال: سمعت أبا ثور بن عكرمة بن جابر بن سمرة عن جابر بن سمرة عن رسول الله :أنه سئل عن الصلاة في مبات الغنم فرخص فيها وسئل عن الصلاة في مبات الإبل فنهى عنها وسئل عن الوضوء من لحوم الغنم فقال: ((إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ)). قال ابن حبان معقباً : "أبو ثور بن عكرمة بن جابر بن سمرة: اسمه جعفر وكنية أبيه: أبو ثور فجعفر بن أبي ثور هو: أبو ثور بن عكرمة بن جابر بن سمرة روى عنه عثمان بن عبد الله بن موهب وأشعث بن أبي الشعثاء وسماك بن حرب فمن لم يحكم صناعة الحديث توهم أنهما رجلان مجهولًن فتفهموا رحمكم الله كيلا تغالطوا فيه". 2/319 ح1123.) وقال في موضع آخرذكر خبر قد يوهم غير المتبحر في صناعة الحديث أن خبر أبي حميد الذي ذكرناه معلول..." وبعد أن ذكر الحديث أبي حميد الساعدي في صفة صلاة النبي عقّب بقوله "سمع هذا الخبر محمد بن عمرو بن عطاء عن أبي حميد الساعدي وسمعه من عباس بن سهل بن سعد الساعدي عن أبيه فالطريقان جميعا محفوظان." 3/340-342 ح1863 .) (1) الخطابي،معالم السنن، 1/6. (2) من أمثلة ذلك في كتابه معالم السنن: تأييده لتعليل الإمام أحمد لحديث رافع بن خديج في النهي عن المزارعة، للاضطراب في الرواية، فقال: "وضعف أحمد بن حنبل حديث رافع، وقال هو كثير الألوان يريد اضطراب هذا الحديث واختلاف الروايات عنه فمرة يقول سمعت رسول الله ،ومرة يقول حدثني عمومتي عنه..." وأوضح أن من أخذ بظاهر الرواية لم يطّلع على علتها، فقال: "فإنما صار هؤلًء إلى ظاهر الحديث من رواية رافع بن خديج ولم يقفوا على علته كما وقف عليه أحمد." 3/95. وضعّف حديثاً لتكلّم الأئمة في رواته، ولمعارضته لأحاديث أقوى منه، فقال أثناء شرحه لحديثعبدالله ابن عمرو أن رسول الله قال((إذا قضى الإمام الصلاة وقعد فأحدث قبل أن يتكلم...)) "هذا الحديث ضعيف وقد تكلم الناس في بعض نقلته وقد عارضته الأحاديث التي فيها إيجاب التشهد والتسليم ولً أعلم أحدا من الفقهاء قال بظاهره"1/175 .
عدد الصفحات ٩٥94 النوع من العلم عون أكثر من مذاكرة أهل الفهم والمعرفة؛ ليظهر ما يخفى من علة الحديث"(1)، وجاء كلامه بعدأن ذكر أمثلة لأحاديث ظاهرها الصحة لكنها معلولة بعلل بيّنها(2)، وهو بهذايشير إلى العلل الخفية التي تؤثر في صحة الحديث، وأن مذاكرة نقاد الحديث وأهل معرفة علله تعين على تمييز الصحيح من السقيم، فقال - تحت النوع السابع والعشرين من علوم الحديث هذا النوع منه معرفة علل الحديث -: " وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واه، وعلة الحديث، يكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علة، فيخفى عليهم علمه، فيصير الحديث معلولً، والحجة فيه عندنا الحفظ، والفهم، والمعرفة لً غير."(3) قال ابن الصلاح ويستعان على إدراكها بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له، مع قرائن تنضم إلى ذلك تنبه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول، أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث، أو وهم واهم بغير ذلك، بحيث يغلب على ظنه ذلك، فيحكم به، أو يتردد فيتوقف فيه. وكل ذلك مانع من الحكم بصحة ما وجد ذلك فيه."(4) (1) الحاكم،علوم الحديث، 59-60. (2) فقد ذكر ثلاثة أحاديث بأسانيد تخلو من رواة مجروحين إلً أنه أعلّ م تونها، فأعلّ الحديث الأول بزيادة لفظة، فأخرج حديث: ((صلاة الليل والنهار مثنى مثنى...)) ثم قال: "هذا حديث ليس في إسناده إلً ثقة ثبت، وذكر النهار فيه وهم، والكلام عليه يطول" المرجع السابق، 58. وأعلّ الآخر بالخطأ في متنه، وأن الإسناد قد رُكّب عليه متن آخر، فأ خرج حديث: ((ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما قط، ...)) وقال: " هذا إسناد تداوله الأئمة والثقات، وهو باطل من حديث مالك، وإنما أريد بهذا الإسناد: ((ما ضرب رسول الله بيده امرأة قط،...))، ولقد جهدت جهدي أن أقف على الواهم فيه من هو فلم أقف عليه، اللهم إلً أن أكبر الظن على ابن حيان البصري على أنه صدوق مقبول. المرجع السابق، 59. وأعلّ الثالث كذلك فقال هذا حديث تداوله الثقات هكذا، وهو في الأصل معلول واه"، ثم ذكر أنه ذكرها للمثال فقط ويُقاس عليها ما شابهها من الأسانيد الصحيحة التي رُكّب عليها متون رويت بأسانيد أخرى. (3) الحاكم،علوم الحديث، 112-113. (4) ابن الصلاح،علوم الحديث، 90 .
عدد الصفحات ٩٦95 وقد ذكر الحاكم للعلة أجناساً عشرة على سبيل التمثيل لً الحصر(1)، ولعله هو أول من أشار إلى اختلاف العلماء - من فقهاء ومحدثين- في هذا القيد –قيد اشتراط نفي العلة في الحديث الصحيح- أو بشكل أدق في ماهية العلة المؤثرة في صحة الحديث، حيث ذكر في المدخل إلى الإكليل في القسم الثالث من الصحيح المختلف فيه: "خبر يرويه ثقة من الثقات عن إمام من أئمة المسلمين فيسنده، ثم يرويه عنه جماعة من الثقات فيرسلونه..." ثم أعقب بقوله: "فهذه الأخبار صحيحة على مذهب الفقهاء، فإن القول عندهم فيها: قول من زاد في الإسناد أو المتن إذا كان ثقة. فأمّ ا أئمة الحديث فإن القول فيها عندهم: قول الجمهور الذي أرسلوه لما يخُ شى من الوهم على هذا الواحد."(2) ويُعدّ ما ذكره في هذا القسم مما اُختلف فيه فيعدّه بعض النقاد من أنواع العلل، حيث تُعلّ الرواية المسندة بالمرسلة. بينما نجد الخليلي يسمّي ذلك علة لكنها لً تتنافى عنده مع الصحة، فيطلق عليه: الصحيح المعلول(3)، حيث يقول: العلة تقع للأحاديث من أنحاء شتى، لً يمكن حصرها. فمنها أن (1) ينظر أمثلة على أجناس العلل: الحاكم،علوم الحديث، 113-119. (2) الحاكم، الإكليل، 47. قال النووي وأما إذا رواه بعض الثقات الضابطين متصلاً وبعضهم مرسلاً ، أو بعضهم موقوفاً وبعضهم مرفوعاً ، أو وصله هو أو رفعه في وقت وأرسله أو وقفه في وقت، فالصحيح الذى قاله المحققون من الحديث وقاله الفقهاء وأصحاب الأصول وصححه الخطيب البغدادي أن الحكم لمن وصله أو رفعه، سواء كان المخالف له مثله أو أكثر وأحفظ؛ لأنه زيادة ثقة وهى مقبولة. وقيل: الحكم لمن أرسله أو وقفه قال الخطيب : وهو أكثر قول المحدثين ، وقيل: الحكم للأ كثر، وقيل: للأحفظ". بينما عزا ابن حجر ترجيح المحدثين إلى القرائن التي تحف بكل رواية على حده، فقال عن منهج الشيخين في كتابه الفتح: "والتحقيق أنهما ليس لهما في تقديم الوصل عمل مطرد؛ بل هو دائر مع القرينة فمهما ترجح بها اعتمداه. وإلً فكم حديث أعرضا عن تصحيحه للاختلاف في وصله وإرساله". وقال في النكت - فيما يخص منهج المحدثين بشكل عام-: "والذي يجري على قواعد المحدثين أنهم لً يحكمون عليه بحكم مستقل من القبول والرد، بل يرجحون بالقرائن كما قدمناه في مسألة تعارض الوصل والإرسال.". ينظر: المراجع: النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم، ابن حجر، الفتح، 10/203، ابن حجر، النكت، 2/687 (3) سيأتي تفصيل مراد الخليلي بالصحيح المعلول في الفصل الثامن (الحديث المعلل
عدد الصفحات ٩٧