65 والعدْ ل من الناس: المرضي من الناس قوله وحكمه، وقيل: المستوي الطريقة.(1) وفي الاصطلاح: تتقارب أقوال العلماء في بيان معنى العدالة، وصفات العَدْل، ومن ذلك: قول الشافعي: "لً أعلم أحداً أُ عطي طاعة الله حتى لم يخلطها بمعصية إلً يحيى بن زكريا عليه السلام، ولً عصى الله فلم يخلط بطاعة، فإذا كان الأغلب الطاعة فهو المُ عده ل، وإذا كان الأغلب المعصية فهو المُ جره ح."(2)، فأجمل الشافعي القول في العدْل بأنه من غلبت عليه الطاعة، وفصّل ابن الصلاح صفاته فقال: "أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه على: أنه يشترط فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلًً ... وتفصيله أن يكون مسلماً ، بالغاً ، عاقلاً ، سالماً من أسباب الفسق وخوارم المروءة(3)".(4) أمّا ابن حجر فقد عرّف العدل بقوله من له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة، والمراد بالتقوى: اجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق أو بدعة".(5) (1) يُنظرالفراهيدي، كتاب العين، 2/38. ابن فارس، المقاييس، 4/246، الفيروزأبادي،القاموس، 1030. (2) الخطيب البغدادي، الكفاية، 79. (3) فالمروءة كما ذكر السخاوي في الفتح هي رعاية مناهج الشرع وآدابه، والًهتداء بالسلف، والًقتداء بهم"، وقيل: "آداب نفسانية تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات"، وخوارم المروءة: "هي كل ما يحطّ من قدر الإنسا ن في العُرف الًجتماعي الصحيح، مثل التبو ل في الطريق، وكثرة السخرية، والًستخفاف؛ لأن من فعل ذلك كان قليل المبالًة، لً نأمن أن يستهتر في نقل الحديث النبوي، وأما الأكل، والشرب في السوق- كما عدّهما البعض خلاف المروءة- فهما يُنظر فيهما إلى العُرف، فشرب المشروبات من الشاي، والبارد، وتناول بعض الأشياء في السوق لً يُعد في عرف اليوم مخالفاً للمروءة." المراجع: السخاوي، فتح المغيث، 2/7، الجزائري، توجيه النظر، 1/97، الغوري،الموسوعة، 3/260. (4) ابن الصلاح،علوم الحديث، 104-105 . (5) ابن حجر،نزهة، 69.
عدد الصفحات ٦٧66 قال الحازمي(1): "قد أجمع أهل العلم على أنه لً يُقبل إلً خبر العدل، وكل حديث اتصل إسناده بين من رواه وبين النبي لم يلزم العمل به إلً بعد ثبوت عدالة رجاله، وإمعان النظر في أحوالهم سوى الصحابي الذي رفعه إلى رسول الله ؛ لأنعدالة الصحابي ثابتة معلومة بتعديل الله تعالى لأصحاب النبي وإخباره عن طهارتهم، وصفات العدالة هي اتباع أوامر الله تعالى والًنتهاء عن ارتكاب ما نهى عنه، وتجنّب الفواحش المسقطة، وتحرّي الحق والتوقّي في اللفظ مما يلثم الدين والمروءة، وليس يكفيه في ذلك اجتناب الكبائر حتى يجتنب الإصرار على الصغائر."(2) وبالنظر إلى تعريفات الحديث الصحيح نجدها قد تضمنت اشتراط العدالة في الرواة كشرط للصحيح إمّا بالنصّ على لفظ العدل أو ما يقوم مقامه من صفات كالثقة (3) والًستقامة، وحرصوا على خلوِّّ مروياتهم من الرواة المجروحين في عدالتهم، قال الإمام مسلم في مقدمته: "فأما ما كان منها عن قوم هم عند أهل الحديث متهمون، أو عند الأكثر منهم، فلسنا نتشاغل بتخريج حديثهم..."(4) (1) محمد بن موسى بن عثمان بن حازم، الحافظ أبو بكر الحازمي الهمداني الشافعي. محدث مؤرخ فقيه، ومن أحفظ الناس للحديث وأسانيده. له: ( الًعتبار في بيان الناسخ والمنسوخ). مات سنة 584 . ينظر: ابن قاضي شهبة،طبقات الشافعية، 2/46. كحالة، المؤلفين، 3/742 (16201.) (2)الحازمي،شروط الأئمة الخمسة، 55. (3) استدرك الزركشي وتبعه السيوطي على ابن الصلاح إسهابه في تعريف الصحيح برواية العدل الضابط، فقال الزركشي: "ولو قال بنقل الثقة عن الثقة لًستغنى عما ذكر؛ لأن ذلك معنى الثقة" ونقل السيوطي هذا الًستدراك بقوله : "قيل: كان الأفضل أن يقول بنقل الثقة؛ لأنه من جمع العدالة والضبط، والتعاريف تصان عن الإسهاب". إلً أن للذهبي رأياً آخر معتبراً بخصوص لفظ الثقة حيث قال: "وقد اشتَهَر عند طوائف من المتأخرين إطلاق اسم (الثقة) على: من لم يُجرَح، مع ارتفاع الجهالة عنه. وهذا يُسمهى: (مستوراً )، ويُسمىه: (محله الصدق)، ويقال فيه: (شيخ)". لذا قد يكون الجمع بين لفظ العدالة وبيان درجة ضبطه وإتقانه في حدّ الصحيح أكثر دقة ووضوح لصفات الراوي، وأبعد عن الإشكال من الًقتصار على لفظ الثقة، والله أعلم. المراجع: الزركشي، النكت، 1/100، السيوطي، التدريب، 61، الذهبي، الموقظة، 78. (4) مسلم،الصحيح، 1/7. يقول ابن حجر في مقدمته لفتح الباري ينبغي لكل منصف أن يعلم أن تخريج صاحب الصحيح لأي راو كان مقتض لعدالته عنده وصحة ضبطه وعدم غفلته ولً سيما ما انضاف إلى ذلك من إطباق جمهور الأئمة على تسمية الكتابين بالصحيحين، وهذا معنى لم يحصل لغير من خرج عنه في الصحيح فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل من ذكر فيهما هذا إذا خرج له في الأصول، فإما إن خرج له في المتابعات والشواهد والتعاليق فهذا يتفاوت درجات من أخرج له منهم في الضبط وغيره مع حصول اسم الصدق لهم..." ابن حجر، هدي الساري، 384 .
عدد الصفحات ٦٨67 وقد صرّح ابن خزيمة بهذا الشرط في صحيحه، وضعّف أحاديث وأعلّها أو توقّف في صحتها لجرح في رواتها أو في أحدهم.(1) ولًبن حبان تعريف خاص بالعدل عنده، فقد قال في كتابه الثقات: "العدْل من لم يُعرَف منه الجرح ضد التعديل، فمن لم يُعلَم بجرح فهو عدل إذا لم يبين ضده، إذ لم يُكلهف الناس من الناس معرفة ما غاب عنهم، وإنما كُلِّّفوا الحكم بالظاهر من الأشياء غير المُغيّب عنهم."(2)؛ لذا اُنتقد عليه إخراجه لأحاديث رواة مجروحين، إلً أنه برر ذلك بالشروط التي اشترطها في كتابه الثقات حيث أحال عليه، فقال في مقدمة صحيحه: (1) من أمثلة ذلك في صحيح ابن خزيمة: نجده يؤكّد على اشتراط عدالة الرواة لصحة الخبر، فقال بعد أن أخرج حديثاً في كتاب الوضوء، باب الأمر بالوضوء من أكل لحوم الإبل: "ولم نر خلافا بين علماء أهل الحديث أن هذا الخبر أيضا صحيح من جهة النقل لعدالة ناقليه." 1/21 ح32.) وأخرج حديثاّ في كتاب الصيام، تحت باب إباحة الفطر في اليوم الذي يخرج المرء فيه مسافرا من بلده ثم أعلّه بقوله: "إن ثبت الخبر!" فقال: "حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى، حدثنا عبدالله بن يزيد المقرئ، حدثنا سعيد هو ابن أبي أيوب، حدثني يزيد بن أبي حبيب أن كليب بن ذهل الحضرمي حدثه، عن عبيد ابن جبير .... ثم أعقبه بقوله :"لست أعرف كليب بن ذهل، ولً عبيد بن جبير، ولً أقبل دين من لً أعرفه بعدالة" 3/265 ح2040.) وأخرج حديثاّ في كتاب الصيام،باب ذكر البيان أن الحجامة تفطر الحاجم والمحجوم جميعا، وعقّبه بقوله: "وهذا الإسناد غلط ليس فيه عطاء بن يسار، ولً أبو سعيد وعبد الرحمن بن زيد ليس هو ممن يحتج أهل التثبيت بحديثه لسوء حفظه للأسانيد، وهو رجل صناعته العبادة والتقشف والموعظة والزهد، ليس من أحلاس الحديث الذي يحفظ الأسانيد" 3/233 ح1972.) للاستزادة ينظر: محمد عوّامة، من مصطلح ابن خزيمة في إعلاله الحديث في صحيحه. (2) ابن حبان، الثقات، 1/13. وقد تعقّب ابن حجر مذهب ابن حبان بقوله في كتابه لسان الميزان "وهذا الذي ذهب إليه ابن حبان من أن الرجل إذا انتفت جهالة عينه كان على العدالة إلى أن يتبين جرحه، مذهب عجيب، والجمهور على خلافه. وهذا هو مسلك ابن حبان في كتاب الثقات الذي ألفه فإنه يذكر خلقا ممن ينص عليهم أبو حاتم، وَغيره على أنهم مجهولون ، وكأن عند ابن حبان: أن جهالة العين ترتفع برواية واحد مشهور، وهو مذهب شيخه ابن خزيمة ولكن جهالة حاله باقية عند غيره." ا.هـ. وقد أشار الدكتور عوامة إلى اختلاف موقف ابن حجر من مذهب ابن حبان في توثيق الرواة، وعزى ذلك إلى تباعد الزمن بين ما سجّله نظرياً، وما طبّقه عملياً في بعض كتبه، فقال -في كتابه لمحات في بيان مذهب ابن حبان -: "يبدو -والله أعلم بحقا ئق المور كلها - أنه كان لًبن حجر موقفان مختلفان، أولهما: نظري، وثانيهما: تطبيقي عملي. فالأول: كلامه في لسان الميزان...، والثاني: مواقف متعددة في ثنايا كتبه وأبحاثه، يميل فيها إلى اعتماد طريقة ابن حبان..." ثم استشهد بستة أمثلة، أحدها من تخريج ابن حجر لكتاب (عوالي المجيزين) والباقية من كتابه (الأمالي المطلقة)، وأعقب ذلك بقوله: "ويُجمع بين موقفه الأول النظري، وموقفه الثاني التطبيقي، بأن الأول كان أولًً من حيث الزمن، فإن فراغه من تأليف (لسان الميزان) كان سنة 805هـ، ولنقدِّّر تاريخ البدء به قبل سنة واحدة، أما نقوله المتقدمة عن (الأمالي المطلقة) فكانت متأخرة، كان أولها آخر سنة 828هـ، وآخرها أواخر سنة830هـ. والله تعالى أعلم.". =
عدد الصفحات ٦٩68 "وقد احتججنا في كتابنا هذا بجماعة قد قَدَحَ فيهم بعض أئمتنا، فمن أحب الوقوف على تفصيل أسمائهم؛ فلينظر في الكتاب المختصر من (تاريخ الثقات) يجد فيه الأصول التي بنينا ذلك الكتاب عليها،(1) حتى لً يُعرِّّجَ على قدح قادح في محدِّّث على الإطلاق من غير كشفٍّ عن حقيقته."(2) = وقال الدكتور عبدالجواد حمام ضمن نتائج بحثه الموسوم بـ (جهالة الرواة وأثرها في قبول الحديث النبوي): "منهج ابن حبان الذي اختطّه وأدار عليه كتابه (الثقات) فيه توسّع وتساهل في الظاهر من حيث عدّ الأصل في الرواة العدالة حتى يثبت خلافها، لكنه في الوقت نفسه لً يقبل أحاديث هؤلًء إلً بشروط نصه عليها، وكثير من المحدِّّثين المحقِّّقين يوافقونه في تطبيقاتهم وأحكامهم." المراجع: ابن حجر، لسان الميزان، 1/208-209، حمام،جهالة الرواة، 2/1137، محمد عوّامة، لمحات في بيان مذهب ابن حبان في معرفة الثقات، 49-52 باختصار (1) "فكل من أذكره في هذا الكتاب فهو صدوق يجوز الًحتجاج بخبره؛ إذا تعرى خبره عن خصال خمس، فإذا وجد خبر منكر عن واحد ممن أذكره في كتابي هذا فإن ذلك الخبر لً ينفك من إحدى خمس خصال: - إما أن يكون فوق الشيخ الذي ذكرت اسمه في كتابي هذا في الإسناد رجل ضعيف لً يحتج بخبره، - أو يكون دونه رجل واه لً يجوز الًحتجاج بروايته. - أو الخبر يكون مرسلا لً يلزمنا به الحجة. - أو يكون منقطعا لً يقوم بمثله الحجة. - أو يكون في الإسناد رجل مدلس لم يبين سماعه في الخبر من الذي سمعه منه، فإن المدلس ما لم يبين سماع خبره عمن كتب عنه لً يجوز الًحتجاج بذلك الخبر؛ لأنه لً يدري لعله سمعه من إنسان ضعيف يبطل الخبر بذكره إذا وقف عليه وعرف الخبر به فما لم يقل المدلس في خبره وإن كان ثقة سمعت أو حدثني فلا يجوز الًحتجاج بخبره..." ابن حبان، الثقات، 1/11-12. (2) صحيح ابن حبان، ينظر: الألباني، التعليقات على صحيح ابن حبان، 1/126. من أمثلة ذلك في صحيحه: فبعد أن أخرج حديث عبدالله بن مسعود في التشهّد في الصلاة، أعقبه بقول الحسن بن الحر: "وزادني فيه مح مد بن أبان بهذا الإسناد قال: فإذا قلت هذا ، فإن شئت فقم ." وعقّب ابن حبان بقوله: "محمد بن أبان ضعيف قد تبرأنا من عهدته في كتاب (المجروحين)." ينظر: صحيح ابن حبان، 3/396 ح1960.) - وقد عنون لحديث بقولهذكر خبر أوهم غير المتبحر في صناعة الحديث أن هذا الخبر معلول، ذكر تحته حديث لجابر بن سمرة في الترخيص في الصلاة في مَبَات الغنم...وأعقبه بقوله "أبو ثور بن عكرمة بن جابر بن سمرة، اسمه: جعفر، وكنية أبيه: أبو ثور؛ فجعفر بن أبي ثور، هو: أبو ثور بن عكرمة بن جابر بن سمرة، روى عنه: عثمان بن عبد الله بن موهب، وأشعث بن أبي الشعثاء، وسماك ابن حرب؛ فمن لم يُحكِّم صناعة الحديث توهم أنهما رجلان مجهولًن فتفهموا- رحمكم الله- كيلا تغالطوا فيه." المرجع السابق، 2/391-392 ح1123.) ونبّه إلى الخلط أو الوهم بين الرواة خاصة إذا كان أحدهم ثقة أو صدوق والآخر ضعيف، وكان سبب الخلط اشتهارهم بالكنية، وروايتهم عن الشيخ نفسه، فقال بعد أن أخرج حديثاً لًبن عباس في النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها..."أبو حريز؛ اسمه: عبدالله بن الحسين قاضي سجستان. وأبو حريز -مولى الزهري- ضعيف واهٍّ ؛ اسمه: سليم، وجميعاً يرويان عن الزهري." المرجع السابق، 6/221-222 ح4104.) وقال في كتابه الثقات: "أبو حريز اسمه عبدالله بن الحسين ، أصله من البصرة، كان قاضيا بسجستان، يروي عن: الشعبي وعكرمة. روى عنه: الفضيل بن ميسرة، وليس هذا بأبي حريز مولى الزهري ذاك واه وهذا صدوق." ابن حبان، الثقات، 7/24-25.
عدد الصفحات ٧٠69 وصرّح الخطابي باشتراط العدالة في رواة الصحيح، وأعلّ أحاديث وضعّفها -في شرحه لسنن أبي داود- لًختلال شرط العدالة في بعض رواتها.(1) وقد نصّ ابن الملقن على شرط العدالة في كتابه المقنع، أما في التذكرة فقد كان تعريفه عاماً باشتراط السلامة من الطعن في الإسناد والمتن، ولً شك أن العدالة تدخل ضمناً في تعريفه؛ إذ هي "الركن الأكبر في الرواية"(2)، وسبق في كلام الحازمي ذِّكر الإجماع على اشتراط العدالة في الراوي؛ ليُقبل خبره. نخلص مما سبق: أن اشتراط العدالة أو ما يقوم مقامها في حدّ الصحيح من الشروط المتفق عليها عند أهل العلم.(3) (1) من أمثلة ذلك للخطابي في معالم السنن: - قوله عقب حديث: ((إذا قضى الإمام الصلاة وقعد فأحدث قبل أن يتكلم..))- سنن أبي داود كتاب الصلاة 1/167 ح617)- "هذا الحديث ضعيف، وقد تكلم الناس في بعض نقلته" 1/175. - وقال أيضاً عقب حديث آخر: "قد جاء في هذا الحديث إيجاب القضاء إلًّ أن الحديث إسناده ضعيف وزميل مجهول." 2/135. وقال بعد حديث الجار أحق بشفعة جاره ...)) –سنن أبي داود كتاب الإجارة، باب في الشفعة 3/286 ح3518)- قال الشيخ "عبد الملك بن أبي سليمان لين الحديث ، وقد تكلم الناس في هذا الحديث." 3/155. (2) نص على ذلك الزركشي في كتابه النكت على ابن الصلاح. الزركشي،النكت، 1/98. (3) ومن المسائل التي تتعلق بالعدالة- مسألة تفاوت العدالة، وقد ناقش هذه المسألة الباحث محمد مجير الحسنيّ في رسالته (معرفة مدار الإسناد) وذكر أن: العدالة تستلزم اجتماع شروط خمسة في الراوي؛ هي: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والسلامة من الفسق، ومن خوارم المروءة، وقد أشار الباحث إلى أن التفاضل بين الرواة في هذه الشروط يكون في أربعة منها: ا لإسلام: لكونه مظهر للإيمان، والإيمان يزيد وينقص، والعقل: فالعقلاء يتساوون في أصل وجوده، ويتفاوتون في بلوغ تمام كماله، والسلامة من الفسق ومثله السلامة من خوارم المروءة: فمنهم من يتجنب من ذلك مكروهه ومحرمه، ومنهم من لً يتجنّب إلً المتفق على حرمته، أمّا البلوغ فلا تفاوت فيه. واستطرد بذكر الأدلة على ذلك وأغلبها من أقوال الأصوليين وكتبهم. وأشار الشيخ طاهر الجزائري في (كتابه توجيه النظر) إلى سبب خفاء مسألة تفاوت العدالة عند العلماء مقارنة بتفاوت الضبط فقال: "واعلم أن الذي أوجب خفاء تفاوت العدالة عند بعض العلماء: أنهم رأوا أن أئمة الحديث قلما يرجحون بها، وإنما يرجحون بأمور تتعلق بالضبط، وسبب ذلك أنهم رأوا أن الترجيح بزيادة العدالة يوهم الناس أن الراوي الآخر غير عدل، فيسوء به ظنهم ويشكون في سائر ما يرويه. وقد فُ رِّ ض أنه عدلٌ ضابط." بينما أشار الحسنيّ إلى أن السبب هو: "لأن العدالة هي الركن الأكبر في الرواية...؛ لذلك كان لًبد من اشتراك من يقبل حديثه من الرواة في أصل العدالة، ويبقى التفاضل فيها =
عدد الصفحات ٧١70 القيد الثالث الضبط: الضبط في اللغة: لزوم الشيء وحبْسه وحفظه وعدم مفارقته. ورجل ضابط: حازم قوي شديد.(1) ويراد بالضبط اتصاف الراوي باليقظة وعدم الغفلة، وبالحفظ إن حدّث من حفظه، والإتقان إن حدّث من كتابه، مع الدراية بالمعنى إن روى الحديث بغير لفظه.(2) ومن طرق معرفة ضبط الراوي وحفظه ما ذكره الشافعي فقال ويعتبر على أهل الحديث بأن إذا اشتركوا في الحديث عن الرجل بأن يستدل على حفظ أحدهم بموافقة أهل الحفظ، وعلى خلاف حفظه بخلاف حفظ أهل الحفظ له."(3) قال ابن الصلاح: "يُعرف كون الراوي ضابطاً ، بأن نعتبر رواياته بروايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان، فإن وجدنا رواياته موافقة ولو من حيث المعنى لرواياتهم أو = طفيفاً مقارنة بالضبط التي تتفاوت مراتبه تفاوتاً بيّناً...فلابد من تحقق تمام أصل العدالة في من تُقبل روايته... أما تحقق تمام كمال ها فهو أمر زائد لً مدخل له في الرواية غالباً... فوصف (الأعدل) يفيد الرجحان في أمر يتعلّق بالراوي إجمالً. أما وصف (الأضبط) فإنه يفيد الرجحان في أمر يتعلّق بالرواية تفصيلاً، وهو مجال عمل المحدثين ونقدهم". - مسألة تقسيم العدالة إلى ظاهرة وباطنة: وقد ناقش هذه المسألة الدكتور عبدالجواد حمام، فأوضح أن العدالة في أصلها لً تتجزأ، فالراوي إما صادق أو كاذب، لكن علمنا بعدالته وحاله هو الذي يتجزهأ، فأحدهم لً نعرف عن حاله شيئاً، والآخر نعرف استقامة ظاهره، وهناك آخر ممن زكّاه من اختبر حاله وعرف حقيقته، فمرجع التجزّؤ ليس إلى أصل العدالة وماهيتها، وإنما إلى نسبية المعرفة بالشخص، واختبار حاله. وضابط التفرقة بين العدالة الظاهرة والباطنة، أن العدالة الظاهرة: هي الإسلام، والعلم بعدم المُفسِّّق. والعدالة الباطنة: هي ما أخبر به المزكّون والمُعدِّّلون من تحقق صفات القبول في الراوي. المراجع: ينظر: الجزائري، توجيه النظر، 1/101، الحسنيّ،معرفة مدار الإسناد وبيان مكانته في علم العلل، 2/97-109 باختصار، حمام،جهالة الرواة، 1/148- 149. (1) يُنظر: الفراهيدي،العين،7/23 .ابن سِّ يده، المحكم، 8/175. الرازي،مختار الصحاح، 182. (2) ينظر: ابن ال صلاح، علوم الحديث ، 104-105، السيوطي، التدريب، 1/353، الغوري، الموسوعة، 2/375، وذكر الشيخ طاهر الجزائري تعريف الضابط بقولهالضابط من الرواة هو الذي يقل خطؤه في الرواية ، وغير الضابط هو الذي يكثر غلطه ووهمه فيها ، سواء كان ذلك لضعف استعداده، أو لتقصيره في اجتهاده". الجزائري، التوجيه، 1/105. (3) الشافعي،الرسالة، 380.
عدد الصفحات ٧٢71 موافقة لها في الأغلب والمخالفة نادرة عرفنا حينئذ كونه ضابطا ثبتا، وإن وجدناه كثير المخالفة لهم عرفنا اختلال ضبطه ولم نحتج بحديثه، والله أعلم"(1). والضبط نوعان، ذكرهما الشافعي بقوله: " حافظاً إن حدث به من حفظه، حافظاً لكتابه إن حدث من كتابه"(2)، وشرحهما ابن حجر فقال: "والضبط: ضبط صدر: وهو أن يُثبِّت ما سمعه بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء، وضبط كتاب: وهو صيانته لديه منذ سمع فيه وصححه إلى أن يؤدي منه."(3) وبالنظر في تعريفات الأئمة للحديث الصحيح، نجد منهم من نصّ على اشتراط الضبط وهم كل من جاء بعد ابن الصلاح. وإن كان ابن الملقن لم يُصرّح بهذا الشرط في كتابه التذكرة (4) لكن ذكره في المُقنع(5)، ومنهم من ذكر صفات الضابط أو بعضها وهم بعض من جاء قبل ابن الصلاح، فقد ذكر (1) ابن الصلاح،علوم الحديث، 106. (2) الشافعي،الرسالة، 371. (3) ابن حجر، نزهة النظر ، 69، ينظر: البقاعي، النكت، 1/168، السخاوي، فتح المغيث، 1/28، الدهلوي، أصول الحديث، 62. وقال ابن الأثير -في مع نى الضبط، ونوعيه -: " الضبط: وهو عبارة عن احتياطٍّ في باب العلم، له طرفان. طرف وقوع العلم عند السماع، وطرف الحفظ بعد العلم عند التكلم حتى إذا سمع ولم يعلم، لم يكن شيئاً معتبراً، كما لو سمع صياحاً لً معنى له، وإذا لم يفهم اللفظ بمعناه على الحقيقة، لم يكن ضبطاً ، وإذا شك في حفظه بعد العلم والسماع، لم يكن ضبطاً. ثم الضبط نوعان: ظاهر، وباطن.، فالظاهر: ضبط معناه من حيث اللغة. والباطن: ضبط معناه من حيث تعلق الحكم الشرعي به، وهو الفقه..." ابن الأثير، جامع الأصول 1/72، ينظر: السخاوي،فتح المغيث، 2/4. (4) اقتصر في تعريف ه للصحيح على سلامته من الطعن في السند والمتن، وهذا التعريف مُتضمن لًشتراط الضبط على وجه العموم، أما على وجه الخصوص فيشهد لذلك تعريفه للحديث الحسن بقوله: "ما كان إسناده دون الأول في الحفظ والإتقان" فقد أشار للفرق بين الصحيح والحسن بأن راوي الحسن في درجة أدنى من الصحيح في الحفظ والإتقان، وهو ما يُطلق عليه مصطلح الضبط. ينظر: ابن الملقن، التذكرة، 14. (5) ابن الملقن،المقنع،1/41.
عدد الصفحات ٧٣72 الشافعي(1) والحميدي(2) ومسلم من الصفات ما يكون به الراوي ضابطاً لحديثه(3)، ومنهم من لم ينص عليها كالحاكم، حيث لم ينص على هذا القيد في تعريفه للصحيح في كتابه معرفة علوم الحديث؛ إلً أنه أشار إلى شرط الًتقان في رواة الصحيح حين ذكر أقسام الصحيح في كتابه المدخل إلى الإكليل(4). وممن لم ينص على قيد الضبط -ممن سبق ابن الصلاح - الإمام الخطاب ي، وقد نقل السخاوي انتقاد العراقي لذلك، وتعقيب ابن حجر عليه فقال: "ولذلك تعقب المصنف الخطابي في اقتصاره على العدالة، وانتصر شيخنا(5) للخطابي ؛ حيث كاد أن يجعل الضبط من أوصافها، لكن قال في موضع آخر مما ظاهره المخالفة :إن تفسير الثقة بمن (1) تضمن تعريف كل من الشافعي والحميدي وصف الراوي بالثقة، وهذا الوصف عند المتقدمين يشمل العدالة والضبط. يُنظر: الزركشي النكت، 1/100 .والسيوطي، التدريب، 61. وتوسع الشافعي بذكر صفات الراوي من حيث العدالة والضبط، ينظر: الشافعي، الرسالة، 370-372. (2) نفى الحميدي قبوله لحديث الواهم، ويضاف إليه ما أخرجه ابن أبي حاتم في كتابه الجرح والتعديل نقلاً عن الحميدي يذكر فيه معنى غفلة الراوي التي تّردّ بها روايته، وهذا متضمن لمفهوم ضبط الرواة، فقال: "...فما الغفلة التي ترد بها حديث الرجل الرضا الذي لً يعرف بكذب؟ قلت: هو أن يكون في كتابه غلط فيقال له في ذلك فيترك ما في كتابه ويحدث بما قالوا، أو يغيره في كتابه؟ قولهم لً يعقل فرق ما بين ذلك، أو يصف تصحيفاً فاحشاً فيقلب المعنى لً يعقل ذلك فيكف عنه، وكذلك من لقن فتلقن التلقين يرد حديثه الذي لقن فيه وأخذ عنه ما أتقن حفظه إذا علم أن ذلك التلقين حادث في حفظه لً يعرف به قديما فأما من عرف به قديما في جميع حديثه فلا يقبل حديثه ولً يؤمن ان يكون ما حفظ مما لقن." ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، 2/33-34. (3) وصف مسلم الرواة بالإتقان وهو من معاني الضبط. (4) نص الحاكم على صفة الًتقان، فقال عن القسم الأول من الصحيح المتفق عليه: "ثم يرويه عنه من أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور وله رواة ثقات من الطبقة الرابعة ثم يكون شيخ البخارى أو مسلم حافظا متقنا مشهورا بالعدالة". الحاكم، المدخل إلى الإكليل ، 29. وأكّد على ثقة الرواة في الأقسام الأربعة الباقية من الصحيح المتفق عليه، والراوي الثقة في الغالب من جمع بين العدالة والضبط. (5) يقصد ابن حجر العسقلاني
عدد الصفحات ٧٤73 فيه وصف زائد على العدالة وهو الضبط إنما هو اصطلاح لبعضهم، ويمكن التئامهما"(1). وأيّد السيوطي الًنتصار للخطابي فقالالذي يظهر لي أن ذلك داخل في عبارته، وأن بين قولنا: العدل وعدّ لوه فرقاً ؛ لأن المغفل المستحق للترك لً يصح أن يقال في حقه: عدّ له أصحاب الحديث، وإن كان عدلًً في دينه، فتأمل. ثم رأيت شيخ الإسلام ذكر في نكته معنى ذلك فقال: إن اشتراط العدالة يستدعي صدق الراوي وعدم غفلته وعدم تساهله عند التحمل والأداء."(2)، ويدلل على ذلك أيضاً صنيع الخطابي في معالم السنن وتضعيفه لأحاديث بسبب وهم رواتها أو اضطرابهم في النقل.(3) (1) يظهر من نقل السخاويقوال ابن حجر أن الوصف بالعدالة قد يحتمل الضبط عند بعضهم، وقد لً يحتمله. السخاوي، فتح المغيث، 1/25. ملاحظةما بين المعقوفتين من طبعة (دار المنهاج) تحقيق: عبدالكريم الخضير، ومحمد آل فهيد، وغير موجود في طبعة (مكتبة السنة). تحقيق: علي حسين. 1/29 (2) السيوطي، التدريب، 1/62 . (3) من الأمثلة على ذلك: - بعد أن ذكر حديث أبي داود في سننه كتاب البيوع، باب في زرع الأرض بغير إذن أصحابها: "حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا شريك، عَن أبي إسحاق عن عطاء عن رافع بن خديج قال: قال رسول ((من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته)). 3/261 ح3403.) أعقبه الخطابي بقوله: "هذا الحديث لً يثبت عند أهل المعرفة بالحديث وحدثني الحسن بن يحيى عن موسى بن هارون الجمال أنه كان ينكر هذا الحديث ويضعفه ويقول لم يروه، عَن أبي إسحاق غير شريك ولً عن عطاء غير أبى إسحاق وعطاء لم يسمع من رافع بن خديج شيئاً وضعفه البخاري أيضاً، وقال تفرد بذلك شريك، عَن أبي إسحاق وشريك يَهِّمُ كثيراً أو أحياناً. 3/96 - وذكر حديثأبي داود في كتاب الإجارة، باب في الشفعة: "حدثنا عبدالله بن محمد النفيلي، قال: حَده ثنا سفيان عن إبراهيم بن ميسرة سمع عمرو بن الشريد سمع أبا رافع سمع النبي يقول: ((الجار أحق بسقبه)). 3/286 ح3516) ثم قالوقد تكلم أهل الحديث في إسناد هذا الحديث واضطراب الرواة فيه، فقال بعضهم عن عمرو ابن الشريد، عَن أبي رافع، وقال بعضهم عن أبيه، عَن أبي رافع وأرسله بعضهم. وقال فيه قتادة عن عمرو بن شعيب عن الشريد والأحاديث التي جاءت في أن لً شفعة إلًّ للشريك أسانيدها جياد ليس في شيء منها اضطراب" 3/154. - وذكر حديث أبي داود في كتاب الأيمان والنذور، باب من رأى عليه كفارة إ ذا كان في معصية : "حدثنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا عبدالله بن المبارك عن يونس عن الزهري، عَن أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها أن النبي قال: ((لً نذر في معصية وكفارته كفارة يمين.)) 3/232 ح3290) ثم قال معقّ باً : "لو صح هذا الحديث لكان القول به واجباً والمصير إليه لًزماً إلًّ أن أهل المعرفة بالحديث زعموا أنه حديث مقلوب وهم فيه سليمان بن أرقم فرواه عن يحيى بن أبي كثير، عَن أبي سلمة =
عدد الصفحات ٧٥74 وقد زاد ابن حجر قيد التمام لصفة الضبط في راوي الصحيح، وتبعه بعض من جاء بعده، ولعل زيادته لهذا القيد ليمايز بين الصحيح والحسن (1)، ولعلها كذلك سبب تعقّبه لًبن خزيمة في تعريفه للصحيح حيث قال: "فلم يلتزم ابن خزيمة وابن حبان في كتابيهما أن يخرجا الصحيح الذي اجتمعت فيه الشروط التي ذكرها المؤلف، لأنهما ممن لً يرى التفرقة بين الصحيح والحسن، بل عندهما أن الحسن قسم من الصحيح لً قسيمه؛ وقد صرح ابن حبان بشرطه، وحاصله أن يكون راوي الحديث عدلًً مشهوراً بالطلب غير مدلس سمع ممن فوقه إلى أن ينتهي؛ فإن كان يروي من حفظه فليكن عالم اً بما يحيل المعاني؛ فلم يشترط على الًتصال والعدالة ما اشترطه المؤلف -يعني ابن الصلاح - في الصحيح من وجود الضبط ومن عدم الشذوذ والعلة. .." إلى أن قال: " فإذا تقرر ذلك عرفت أن حكم الأحاديث التي في كتاب ابن خزيمة وابن حبان صلاحية الًحتجاج بها لكونها دائرة بين الصحيح والحسن ما لم يظهر في بعضها علة قادحة؛ وأما أن يكون مراد من يسميها صحيحة أنها جمعت الشروط المذكورة في حد الصحيح فلا ؛ والله أعلم."(2) = عن عائشة فحمله عن الزهري وأرسله، عَن أبي سلمة ولم يذكر فيه سليمان بن أرقم ولً يحيى ابن أبي كثير." 4/54. (1) وصف الضبط بالتمام، يشير إلى مسألة تفاوت الضبط بين الرواة، وبروزها مقارنة بمسألة تفاوت العدالة، والتي سبقت الإشارة إليها في الحاشية أثناء تحرير قيد العدالة، قال ابن الملقن مشيراً لتفاوت مراتب الضبط: " الضبط له مراتب عليا ووسطى ودنيا، ويحصل بترك يب بعضها مع بعض مراتب الحديث في القوة فتنبه لذلك". وقال ملا قاري في شرحه على النخبة: "لً شك في تحقق تفاوت مراتب العدالة، والضبط بين أفراد نوع الإنسان من العدول، والضابطين من الصحابة، والتابعين، وبقية السلف، والخلف من العلماء العاملين الضبط، وبين مالك والنسائي في ظهور العدالة." قال الحسني في بحثه مدار الإسناد: ولما كانت الأسباب المؤدية إلى التفاوت في الضبط كثيرة جداً مع قلة الأسباب المؤدية إلى التفاوت في العدالة قله جداً ترجيح المحدثين بين الرواة بالعدالة، وأكثر ترجيحاتهم ترجع إلى أمور تتعلق بالضبط، لأن العدالة هي الركن الأكبر في الرواية... ولًبد من اشتراك من يُقبل حديثه من الرواة في أصل العدالة، والتفاضل فيها طفيف مقارنة بالضبط التي تتفاوت مراتبه تفاوتاً بيّناً... المراجع: ابن الملقن، المقنع، 1/97، ابن حجر،النزهة، 71-72، السيوطي،البحر الذي زخر، 3/1247، القاري، شرح شرح نخبة الفكر 256، الحسني، مدار الإسناد ، 2/108- 109 باختصار، الجزائري،توجيه النظر، 1/100. (2) ابن حجر، النكت، 1/290-291.
عدد الصفحات ٧٦75 فابن خزيمة لم ينصّ على شرط الضبط؛ لكنه قد يُفهم من قوله "ولً جرح في ناقلي الأخبار" أنه يشترطه ، ويدلل على ذلك صنيعه في كتابه الصحيح، وإعلاله أحاديث بسبب الطعن في ضبط رواتها(1)، وقد يُثار تساؤل حول السبب في انتصار ابن حجر للخطابي وتضمين معنى الضبط في تعريفه للصحيح –رغم عدم تنصيص الخطابي عليه- وفي المقابل تعقّبه لًبن خزيمة رغم اشتراطه نفي الجرح عن الرواة؟ ولعل الجواب على ذلك: لأن الخطابي مايز بين الصحيح والحسن، وعرّف كل منهما بتعريف مستقلّ، بينما ابن خزيمة، وتلميذه ابن حبان لم يذكرا ما يفرّقا بين الصحيح والحسن أو كما قال ابن حجر: "لأنهما ممن لً يرى التفرقة بين الصحيح والحسن، بل عندهما أن الحسن قسم من الصحيح لً قسيمه؛" هذا من جهة. ومن جهة أخرى فإن نفي الجرح عن الرواة لً يعني اتصافهم بأعلى درجات الضبط والإتقان المطلوبة في الصحيح، حيث شرط الصحيح -عند ابن حجر ومن وافقه- يتطلّب مزيد ضبط من الرواة؛ لذا تعقّب ابن خزيمة وابن حبان في ذلك، وهذا لً ينفي اشتراطهم مجمل ضبط الراوي لمروياته.(2) (1) من أمثلة ذلك في صحيح ابن خزيمة: تعليله بعض الأحاديث بشكه في ضبط راويه أو سوء حفظه أو وهمه، حيث قال: "في القلب من النعمان بن راشد فإن في حديثه عن الزهري تخليط كثير" وكان هذا سبب تردده في إثبات الخبر، وذلك بعد أن أخرجه من حديث النعمان عن الزهري في باب إعادة الخطبة الثانية بعد صلاة الًستسقاء، ح 1422،2/338. وأيضاً جاء عنه فيباب ذكر شهود من كان خارج المدن الجمعة مع الإمام إذا جمع في المدن إن صح الخبر؛ فإن في القلب من سوء حفظ عبد الله بن عمر العمري رحمه الله" 3/177، ح1860)، وقال أيضاً في: " باب الرخصة في الشرب في الطواف إن ثبت الخبر؛ فإن في القلب من هذا الإسناد، وأنا خائف أن يكون عبد السلام أو من دونه وهم في هذه اللفظة أعني قوله: في الطواف" 4/226، ح (2750.) للاستزادة ينظر: عوّامة، مصطلح ابن خزيمة في إعلال الحديث. (2) يدلل على ذلك صنيع ابن حبان في كتابه الثقات، حيث يذكر فيه الرواة الثقات عنده، ويميّز بين بعض مروياتهم التي وقع فيها وهم أو اضطراب ومن ذلك: =
عدد الصفحات ٧٧76 قال السخاوي: "وعلى كل حال فاشتراطه أي: الضبط في الصحيح لً بد منه، والمراد التام كما فهم من الإطلاق المحمول على الكامل، وحينئذ فلا يدخل الحسن لذاته المشترط فيه مسمى الضبط"(1)، أي بشكل عام، فراويا الحديث الصحيح والحديث الحسن لذاته يجتمعان في اشتراط الضبط، وإنما يتميّز راوي الصحيح عن راوي الحسن لذاته بتمامه.(2) نخلص مما سبق أن التنصيص على شرط الضبط في رواة الصحيح إنما كان ظاهراً في تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح؛ بل وزاد ابن حجر وصف التمام على الضبط؛ ليكون مُميزاً لدرجات رواة الصحيح عن الحسن- كما سيأتي بيانه في تعريف الحسن- وأما من كان قبل ابن الصلاح، فقد كانت صفة الضبط للراوي متضمنة لدى بعضهم فيما ذكروه من صفات الرواة، أو من صنيعهم بردّ أحاديث وتعليلها للشك في ضبط الراوي أو سوء حفظه كما في صحيح ابن خزيمة. = - قوله عن عكرمة بن عمار العجلي، وإدخاله في طبقة التابعين؛ "لأن له لقيا وسماعاً من الصحابي، ومتى صح ذلك دخل في جملة التابعين، سواء قلت روايته أو كثرت، وأما روايته عن يحيى ابن أبي كثير ففيه اضطراب، كان يحدث من غير كتابة." 5/233. - وقوله عنجرير بن حازم بن زيد الأزدي العتكي،... كان يخطئ؛ لأن أكثر ما كان يحدث من حفظه، وكان شعبة يقول : ما رأيت بالبصرة أحفظ من رجلين هشام الدستوائ ي، وجرير بن ح ازم" 6/144. - ويظهر كذلك تفاوت الرواة عنده حسب حفظه وإتقانهم في مفاضلته بين حماد بن زيد، وحماد بن سلمة فقال: "ما كان حماد بن زيد يحدث إلً من حفظه، وقد وهم من زعم أن بينهما كما بين الدينار والدرهم لأن حماد بن زيد كان أحفظ وأتقن وأضبط من حماد بن سلمة، كان اللهم إلً أن يكون القائل بهذا أراد فضل ما بينهما في الفضل والدين؛ لأن حماد بن سلمة كان أدين وأفضل وأورع من حماد بن زيد، ولسنا ممن يطلق الكلام على أحد بالجزاف بل نعطى كل شيخ قسطه وكل راو حظه." 6/217. (1) السخاوي،فتح المغيث، 1/29. (2) قال ابن حجروخبر الآحاد بنقل عدل تام الضبط، متصل السند، غير معلل ولً شاذ: هو الصحيح لذاته... فإن خف الضبط -أي: قَ لّ ...والمراد مع بقية الشروط المتقدمة في حد الصحيح - فهو الحسن لذاته" ينظر: ابن حجر، النزهة، 67- 78 باختصار، وسيأتي تفصيل المراد بالحديث الحسن في الفصل الخاص به.
عدد الصفحات ٧٨77 القيد الرابع: السلامة من الشذوذ (نفي الشذوذ)(1): الشذوذ فياللغة: يأتي بمعنى: الًنفراد والمفارقة.(2) وقد اُختلف في تعريف الشاذفي الاصطلاح إلى ثلاث معانٍّ رئيسية حسب ما ذكرها ابن الصلاح في مقدمته فنقل عن الشافعي قوله: "ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لً يروي غيره، إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثا يخالف ما روى الناس"(3). ثمنقل تعريف الخليلي(4) للشاذ بأن "الشاذ ما ليس له إلً إسناد واحد، يشذ بذلك شيخ ثقة كان أو غير ثقة. فما كان عن غير ثقة فمتروك لً يقبل، وما كان عن ثقة يتوقف فيه ولً يحتج به"(5). وأتبعه بقول الحاكم: "أن الشاذ هو الحديث الذي يتفرد به ثقة من الثقات، وليس له أصل بمتابع لذلك الثقة"(6). وعقّب بتوضيح أكثر لمراد الحاكم بمعنى الشذوذ، والفرق بين الشاذ والمعلل فقال: "وذكر أنه يغاير المعلل من حيث إن المعلل وقف على علته الدالة على جهة الوهم فيه، والشاذ لم يوقف فيه على علته كذلك"(7). (1) سيأتي التفصيل في بيان معنى الحديث الشاذ بشكل أوسع وذلك في الفصل الخاص بالحديث الشاذ (2) ينظر مادة (شذّ): الفراهيدي،العين، 6/215، ابن فارس،المقاييس، 3/180. (3) أخرجه ابن أبي حاتم في كتابه آداب الشافعي ومناقبه، والخطيب البغدادي في كتابه الكفاية. ينظر: ابن أبي حاتم، آداب الشافعي ومناقبه، 233، الخطيب البغدادي،الكفاية، 141. (4) الخليل بن عبدالله بن أحمد القزويني الحافظ، أبو يعلى الخليلي. قاض من أئمة وحفاظ الحديث العارفين بعلله وبرجاله. له كتاب: (الإرشاد في معرفة المحدّثين). مات سنة 446هـ. ينظر: السيوطي، طبقات الحفاظ، ،340. ابن العماد،الشذرات، ، 5/199. الزركلي،الأعلام، ،2/319 . (5) ينظر: الخليلي، الإرشاد في معرفة علماء الحديث، 1/176-177. (6) ينظر: الحاكم،علوم الحديث، 119. (7) ابن الصلاح،علوم الحديث، 76-77.
عدد الصفحات ٧٩78 وبعد أن ذكر ابن الصلاح مذاهب العلماء في الحديث الشاذ- وتعقّب واستدرك-؛ خلص - رحمه الله- إلى أن جعل الشاذ على قسمين، فقال: "الشاذ المردود قسمان: أحدهما: الحديث الفرد المخالف. والثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابر اً لما يوجبه ال تفرد والشذوذ من النكارة والضعف."(1) وقد سبق في تحرير قيد ضبط الرواة في الصحيح تضمّن تعريفات الأئمة لًشتراط الضبط في الراوي سواء: بالتنصيص على ذلك، أو بصنيعهم في تعليل الحديث أو تضعيفه أو نزوله عن رتبة الصحيح؛ لًنخرام شرط ضبط راويه؛ وعليه فيخرج من حدّ الصحيح القسم الثاني الذي ذكره ابن الصلاح لنوعيّ الشذوذ وهو: -(الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ) - باشتراط ضبط الرواة أو تمامه (2)، ويقتصر معنى الشذوذ المنفي في الصحيح على القسم الأول وهو: الفرد المخالف. (1) المرجع السابق (2) قال الزركشي في النكتهلا اكتفى بقوله: (الضابط) عن قوله: (ولً يكون شاذا)، لأن الضبط عبارة عن موافقة الثقات فيما يروونه، فإن خالفهم لم يكن ضابطا، وهذا معنى الشاذ؟ فالجواب عن ذلك: أن مخالفة الثقات على قسمين: غالبة، ونادرة. فمتى خالف الثقات فيما رواه غالبا لم يكن حافظاً ، ومتى خالفهم نادراً ولو في حديث واحد كانت مخالفته شذوذا، فاحتاج المصنف أن يذكر في حد الصحيح السلامة من الشذوذ وكون الراوي ضابطا". وقال نور الدين عتر: "والحقيقة أن نفي الشذوذ يتحقق بالشروط السابقة، لكنهم صرحوا بانتفائه؛ لأن الضبط ملكة عامة بالنسبة لجملة أحاديث الراوي، إلً أنه قد يحتمل أن يقع منه وهم في حديث ما، دون أن يفقد صفة الضبط لسائر حديثه، فهذا يخل بصحة الحديث الذي وهم فيه فقط، لذلك صرحوا بنفي الشذوذ." المراجع: الزركشي، النكت، 1/102، عتر،منهج النقد، 243.
عدد الصفحات ٨٠79 وهذا ما أكده كلٌ من الزركشي وابن حجر - في تنكيتهما على كتاب ابن الصلاح- حين شرحا قيد نفي الشذوذ في حدّ الحديث الصحيح، فذكرا أن المراد بالشذوذ المنفي في حدّ الصحيح هو: المخالفة(1) . ورجحه السيوطي أيضاً فقالقيل: لم يفصح بمراده من الشذوذ هنا، وقد ذكر في نوعه ثلاثة أقوال؛ أحدها: مخالفة الثقة لأرجح منه. والثاني: تفرد الثقة مطلقاً . والثالث: تفرد الراوي مطلقاً . ورد الأخيرين؛ فالظاهر أنه أراد هنا الأول."(2) وبالنظر في تعريفات الأئمة للحديث الصحيح، وما وضعوه من شروط في الراوي والمروي، نجد أن قيد نفي الشذوذ قد ذكره الشافعي حين نفى عن الراوي للصحيح وصف التدليس وعطف عليه نفي المخالفة بقوله: "برياً من أن يكون مدلساً ، يحدث عمّ ن لقي ما لم يسمع منه، ويحدث عن النبي ما يحدث الثقات خلافه عن النبي " أي: وبريّاً من المخالفة كذلك، وتحديث الثقة بما يخالف رواية الثقات هو ما اختاره الشافعي تعريفاً للشذوذ. أما الحميدي فقد عدد ما قد يُردّ به حديث الراوي من: الوهم، والكذب، والنسيان، وغير ذلك إلى أن قال: " وما أشبه ذلك مما يمكن أن يكون ذلك على خلاف ما قال "، وفي موضع آخر نجده يتحدث عن ضبط الراوي وحفظه لكتابه، وصيانة مروياته عن المخالفة، وذلك لما للمخافة من أثر في ردّ الحديث وطرحه، فقال: (1) قال الزركشي في النكتمن شرط الحكم على الحديث بالصحة ألً يكون شاذاً والشاذ أن يروي الثقة حديثاً مخالفاً لرواية من هو أحفظ منه"، وقال ابن حجر في النكت: "مراده بالشاذ هنا ما يخالف الراوي فيه من هو أحفظ منه أو أكثر كما فسره الشافعي. لً مطلق تفرد الثقة كما فسره به الخليلي. فافهم ذلك. وللمخالفة شرط يأتي في نوع زيادة الثقة." ينظر: الزركشي، النكت، 1/101-102، ابن حجر، النكت، 1/236-237. (2) السيوطي،التدريب، 1/64.
عدد الصفحات ٨١80 "من اقتصر على ما في كتابه فحدث به، ولم يزد فيه ولً ينقص منه ما يغير معناه، ورجع عما يخالف فيه بوقوف منه عن ذلك الحديث، أو عن الًسم الذي خولف فيه من الإسناد ولم يغيره، فلا يطرح حديثه ولً يكون ضارا ذلك له في حديثه؛ إذا لم يرزق من الحفظ والمعرفة بالحديث ما رزق غيره إذا اقتصر على كتابه، ولم يقبل التلقين(1)."(2) فما ذكره الحميدي يتضمن اشتراطه خلو حديث الراوي من المخالفة في المتن والإسناد لكيلا يُردّ، وإن لم يُسمّ ذلك شذوذاً. أما مسلم فلم ينص على نفي الشذوذ - في مقدمة صحيحه- في حين أن ابن الصلاح قال: "شرط مسلم في صحيحه أن يكون الحديث متصل الإسناد بنقل الثقة عن الثقة من أوله إلى منتهاه سالما من الشذوذ ومن العلة وهذا هو حد الحديث الصحيح في نفس الأمر" (3)، ولعله استنتج ذلك من صنيع الإمام مسلم في كتابه الصحيح، أو فهمه من مقدمته لكتاب التمييز؛ حيث أوضح الإمام مسلم أن المخالفة من الراوي- وإن كان حافظاً - لغيره من الرواة الحفّاظ؛ تنفي الصحة عن الحديث - وإن لم يسمّه شذوذاً - فقال: "فيُ علم حينئذ أن الصحيح من الروايتين ما حدث الجماعة من الحفاظ ، دون الواحد المنفرد و إن كان حافظاً ."(4) (1) التلقين في اللغة: التفهيم، والمتلقن المتفهم، وهو يقبل على ما يُ فهِّّ مه من غير منازعة، ولً توقف. وفي العرف: إلقاء كلام إلى الغير ابتداء، أو يكون ذلك عند غياب شيء مما يحدث به عنه فيتوقف، يدعي من يلقنه أن ذلك الذي لقنه له هو الذي غاب عنه، والتلقين في الحديث: وهو أن يلقن الشيء فيحدث به من غير أن يعلم أنه من حديثه. فقبول كل ما يلقى من ذلك قادح في الراوي. ينظر: المراجع: العراقي، شرح التبصرة ، 1/366، البقاعي، النكت، 1/583،2/17، السيوطي،التدريب، 1/401. (2) ابن أبي حاتم،الجرح، 2/27. (3) ابن الصلاح،صيانة مسلم، 72. (4) ثم قالعلى هذا المذهب رأينا أهل العلم بالحديث يحكمون في الحديث، مثل شعبة وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد وعبدالرحمن بن مهدي وغيرهم من أئمة أهل العلم". مسلم، التمييز، 172.وكتابه مليء بذكر أمثلة على مخالفة الراوي (ثقة أو صدوق أو ضعيف) لغيره من الحفاظ في سند الحديث ومثنه، ومن أمثلة ذلك : =
عدد الصفحات ٨٢