المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

المصطلحات الحديثية بين الاتفاق والافتراق دراسة تحليلية موضوعية

راوية بنت عبد الله علي جابر

صفحة ٤ من ٤٠

49 ويكون هكذا من فوقه ممن حدثه، حتى ينتهى بالحديث موصولًً إلى النبي  أو إلى من انتهي به إليه دونه، لأن كل واحد منهم مثبت لمن حدثه، ومثبت على من حدث عنه، فلا يستغنى في كل واحد منهم عما وصفت."(1) تعريف الحميدي(2) (ت219هـ قال رحمه الله : " فإن قال قائل: فما الحديث الذي يثبت عن رسول الله  ويلزمنا الحجة به؟ قلت: هو أن يكون الحديث ثابتاً عن رسول الله ،متصلاً غير مقطوع، معروف الرجال، أو يكون حديثاً متصلاً حدثنيه ثقة معروف عن رجل جَ هِّ لْ تُ ه وعَ رَ فَ ه الذي حدثني عنه، فيكون ثابتاً يعرفه من حدثنيه عنه حتى يصل إلى النبي ،وإن لم يقل كل واحد ممن حدثه: سمعت، أو حدثنا، حتى ينتهي ذلك إلى النبي ،وإن أمكن أن يكون بين المحدِّّث والمحدهث عنه واحد أو أكثر، لأن ذلك عندي على السماع لإدراك المُ حدِّّ ث من حدث عنه حتى ينتهي ذلك إلى النبي ،ولًزم صحيح يلزمنا قبوله ممن حمله إلينا، إذا كان صادقاً مدركاً لمن روى ذلك عنه، ...قال: فهذا الظاهر الذي يُ عمل به، والباطن ما غاب عنا من وهم المحدث وكذبه ونسيانه، وإدخاله بينه وبين من حدث عنه رجلاً وأكثر، وما أشبه ذلك مما يمكن أن يكون ذلك على خلاف ما قال، فلم نُ كله ف علمه إلً بشيء ظهر لنا ، فلا يسعنا حينئذ قبوله لما ظهر لنا منه".(3) (1) المرجع السابق،370-372،قال رحمه الله: "وإذا ثبت عن رسول الله  الشيء فهو اللازم لجميع من عرفه، لً يقويه ولً يوهنه شيء غيره، بل الفرض الذي على الناس اتباعه، ولم يجعل الله لأحد معه أمرا يخالف أمره."المرجع السابق330. وقد استطردت في ذكر شروط الصحيح عند الشافعي اقتداءً بابن رجب الحنبلي الذي ذكرها في شرحه لعلل الترمذي بعد قوله: " أما الصحيح من الحديث: وهو الحديث المحتج به فقد ذكر الشافعي رحمه الله شروطه بكلام جامع". قال محقق الكتاب الدكتور نورالدين عتر –مُعلِّّقاً على ذلك- : "وهذا أقدم تعريف مدوّن يصلنا ل لحديث الصحيح، وكأن العلماء بنوا عليه تعريفهم للصحيح فاختصروه". ابن رجب، شرح علل الترمذي، تحقيق: نور الدين عتر، 1/345-346. (2) عبدالله بن الزبير بن عيسى القرشي الأسدي، أبو بكر الحميدي، المكي، من شيوخ البخاري، ثقة حافظ فقيه أجل أصحاب ابن عيينة، قال الحاكم كان البخاري إذا وجد الحديث عند الحميدي لً يعدوه إلى غيره. ينظر: الذهبي، الكاشف، 1/552 (2721)، ابن حجر،التقريب، 303 (3320.) (3) أخرجه الخطيب البغدادي في كتابه الكفاية،24. وقد ذكر محقق كتاب معرفة علوم الحديث للحاكم –الدكتور أحمد فارس السلّوم- في مقدمة تحقيقه أن للحميدي رسالة صغيرة في من يقبل حديثه ويُردّ، وقد أفادني مشكوراً هو والدكتور سعد الحميّد بأنني سأجد بعضاً من نصوصها في مقدمة الجرح والتعديل لًبن أبي حاتم، وفي الكفاية للخطيب البغدادي. والحميدي من تلاميذ الإمام الشافعي، وفي نفس الوقت =

عدد الصفحات ٥١

50 تعريف مسلم (ت261هـ): وصف الإمام مسلم الأحاديث -التي أودعها في صحيحه- بقوله في مقدمة كتابه الصحيح: "الأخبار التي هي أسلم من العيوب من غيرها وأنقى من أن يكون ناقلوها أهل استقامة في الحديث، وإتقان لما نقلوا، لم يوجد في روايتهم اختلاف شديد ولً تخليط فاحش، كما قد عثر فيه على كثير من المحدثين، وبان ذلك في حديثهم".(1) تعريف ابن خزيمة(2) (ت311هـ قال رحمه الله في بداية كتاب الوضوء من كتابه الصحيح: "مختصر المختصر، من المسند الصحيح عن النبي  بنقل العدل عن العدل، موصولًً إليه  من غير قطع في أثناء الإسناد، ولً جرح في ناقلي الأخبار، التي نذكرها بمشيئة الله تعالى".(3) = من شيوخ البخاري حيث قال ابن حجر في فتح الباري: "جزم كل من ترجمه - أي البخاري - بأن الحميدي من شيوخه في الفقه والحديث"، وقد افتتح كتابه الصحيح بالرواية عنه، حيث ذكر ابن حجر من ضمن تعليله لسبب ذلك: "لكونه أفقه قرشي أخذ عنه"، فلا عجب إذن من اهتمام الحميدي –رحمه الله- بذكر شروط الحديث الصحيح، ونجد محقق كتابه المسند الأستاذ حسين سليم أسد يذكر من ضمن الأسباب التي دفعته لتحقيق الكتاب: "نظافة هذا المسند الذي بلغت أحاديثه (1330) حديثاً ، منها (582 ) حديثاً اتفق عليه الشيخان، وانفرد البخاري بـ (96) حديثاً منها، بينما انفرد مسلم بـ152) حديثاً ، وإذا علمنا أن هناك عدداً من الآثار ينبغي تحييدها، ثم حسبنا النسبة المئوية لما فيه من الضعيف لوجدناها أقل من 7% وهذه النسبة لً تكون إلً في الكتب التي بلغت غاية في النظافة".ا.هـالمراجع: ابن حجر، فتح الباري،1/10،1/15، حسين سليم أسد، "آثار الحميدي"، من تحقيقه ودراسته لكتاب أبي بكر عبدالله بن الزبير الحميدي، مسند الحميدي، 1/58، أحمد فارس السلوم، "الحاكم أول من صنف في جمع علوم الحديث" من تحقيقه لكتاب أبي عبدالله الحاكم، معرفة علوم الحديث، 11. (1) مسلم، صحيح مسلم ، 1/5، ولم ينصّ رحمه الله على تعريف الصحيح بل ذكر طريقة انتقائه للمرويات، ومواصفات الراوي والمروي، ولكونه جرّد كتابه للأحاديث الصحيحة؛ فيُعدّ ذلك تضميناً لشروط الصحيح عنده، قال ابن الصلاح في كتابه صيانة صحيح مسلم: "شرط مسلم في صحيحه أن يكون الحديث متصل الإسناد بنقل الثقة عن الثقة من أوله إلى منتهاه سالما من الشذوذ ومن العلة وهذا هو حد الحديث الصحيح في نفس الأمر"، ولًبن حجر تعقيب على ما ذكره ابن الصلاح بخصوص اشتراط مسلم نفي الشذوذ، نقل هذا التعقيب السيوطي في تدريب الراوي، و سيأتي بيان ذلك عند تحرير التعريفات بإذن الله.المراجع: ابن الصلاح، صيانة صحيح مسلم، 72،يُنظر: السيوطي، التدريب، 1/30. (2) محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي، أبو بكر، كان فقيها مجتهدا،عالما بالحديث. وله مصنفات عديدة تزيد على 140 من أشهرها كتابه الصحيح ينظر: الذهبي، السير، 11/225 .الزركلي،الأعلام، 6/29. (3) ابن خزيمة، الصحيح، 1/45، أيضاً نجده رحمه الله لم ينص على تعريف للصحيح، بل وصف لنا بشكل عام صفات مروياته في كتابه.

عدد الصفحات ٥٢

51 تعريف ابن حبان (ت354هـ): ذكر رحمه الله في مقدمة صحيحه شروطه في الراوي والمروي فقال: "نملي الأخبار بألفاظ الخطاب بأشهرها إسناداً وأوثَقِّها عماداً من غير وجود قطع في سندها ولً ثبوت جرح في ناقليها"(1)، وأضاففي نهاية مقدمته :" وقد تركنا من الأخبار المشاهير التي نقلها عدول ثقات لعلل تبين لنا منها الخفاء على عالم من الناس جوامعها."(2) وقال في شروطرواة صحيحه: "وأما شرطنا في نَقْلَةِّ ما أودعناه كتابنا هذا من السنن فإنا لم نحتجه فيه إلً بحديث اجتمع في كل شيخ من رواته خمسة أشياء: الأول: العدالة في الدين بالسهتر الجميل. والثاني: الصدق في الحديث بالش هرة فيه. والثالث: العقل بما يُحدِّّثُ من الحديث . والرابع: العلم بما يُحيلُ من معاني ما يروي. والخامس: المُ تَ عَ رِّّ ى خبره عن التدليس. فكل من اجتمع فيه هذه الخصال الخمس احتججنا بحديثه وبَنَيْنَا الكتاب على روايته وكل من تعرهى عن خصلة من هذه الخصال الخمس لم نحتج به. "(3) وقال في مقدمة كتابه "المجروحين– مختصراً لما فصّله سابقاً -: "وأقل ما يثبت به خبر الخاصة حتى تقوم به الحجة على أهل العلم: هو خبر الواحد(4) الثقة في دينه، المعروف بالصدق في حديثه، العاقل بما يحدث به، العالم بما يحيل معاني (1) صحيح ابن حبان، ينظر: الألباني، التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان، 1/51 باختصار (2) المرجع السابق، 1/126. (3) المرجع السابق، 1/112. (4) إشارة منه إلى حجية خبر الآحاد، ورد على من يشترط التعدد في الصحيح

عدد الصفحات ٥٣

52 الحديث من اللفظ، المتبرّي على (1) هكذا التدليس في سماع ما يروى عن الواحد مثله في الأحوال بالسنن وصفاتها، حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله  سماعاً متصلاً(2) تعريف الخطابي(3) (ت388هـ عرّف الخطابي الصحيح بقوله: "ما اتصل سنده، وعُدِّّلت نقَلتُه" (4). تعريفالحاكم النيسابوري (ت405هـ): ذكر الحاكم في كتابه "معرفة علوم الحديث" تحت النوع التاسع عشر: معرفة الصحيح والسقيم: "وصفة الحديث الصحيح أن يرويه عن رسول الله  صحابي زائلٌ عنه اسم الجهالة(5)، وهو أن يروي عنه تابعيان عدلًن، ثم يتداوله أهل الحديث بالقَ بول إلى وقتنا (1) هكذا في المطبوع، ولعل الصواب "من" بدلً من "على"، كما جاء في تعريف الشافعي السابق "بريّاً من أن يكون مدلسا". (2) ابن حبان،المجروحين، 1/8. (3) حمد بن محمد بن إبراهيم ابن الخطاب البستيّ، أبو سليمان. كان إمامًا في الفقه والحديث واللغة. من تصانيفه: (غريب الحديث) و(شرح البخاري). ينظر: ابن السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، 3/282. السيوطي،طبقات الحفاظ، 404 .الزركلي،الأعلام، 2/273. (4) الخطابي، معالم السنن، 1/6 . (5) مسألة إطلاق لفظ الجهالة على الصحابي المقصود بالجهالة هنا عدم الشهرة بالرواية لً جهالة العدالة، ويشهد لذلك ما أتبعه بقوله المفسّر لمقصوده وهو: (أن يروي عنه تابعيان عدلًن)، قال ابن حجر في ا لفتح: " فالجواب عن هذا الموضع أن الشرط المذكور إنما هو في غير الصحابة ، وأما الصحابة فكلهم عدول فلا يقال في واحد منهم بعد أن ثبتت صحبته مجهول، وإن وقع ذلك في كلام بعضهم فهو مرجوح"، وقال في لسان الميزان- فيمن وصف أحد الصحابة بأنه مجهول، وبيان مرادهم من ذلك-: "وكذا هو في كتاب ابن أبي حاتم في جماعة من الصحابة في الأفراد...، وكذا يصنع أبو حاتم في جماعة من الصحابة يطلق عليهم اسم الجهالة لً يريد جهالة العدالة، وإنما يريد أنه من الأعراب الذي لم يرو عنهم أئمة التابعين".ا.هـ. قال الجديع: "والتحقيق أن جهالة الصحابي غير قادحة، وذلك لًعتبارين: الأول: بناء على أصل عدالة جميع الصحابة، ومظنة النفاق والردة ليست واردة على نقلة الأثر. قال ابن الصلاح: "الجهالة بالصحابي غير قادحة؛ لأن الصحابة كلهم عدول" والثاني: لما علم بالتتبع أن الرواية عن صحابي مجهول العين قليلة، ولم يوجد فيها ما يعد منكراً أو ضعيفاً لمجرد كون الصحابي لم يسم أو لم يعرف، فدل على سقوط أثر ذلك". وقد أخرج الخطيب البغدادي - تحت باب في قول التابعي: حدثني رجل من أصحاب النبي ، هل يكون ذلك حجة؟- بسنده إلى الإمام أحمد بن حنبل أنه سُئِّل: " إذا قال رجل من التابعين حدثني ر جل من أصحاب النبي  =

عدد الصفحات ٥٤

53 هذا كالشهادة على الشهادة."(1) تعريف الميانشي (ت581 هـ): نقل الميانشي تعريف الحاكم للصحيح، فقال : "وصفة الصحيح: أن يرويه عن رسول الله  صحابي زائلٌ عنه اسم الجهالة، وهو أن يروي عنه تابعيان عدلًن، ثم يتداوله أهل العلم بالقَ بول، وهو بمنزلة الشهادة، حكاه الحاكم أبو عبدالله".(2) تعريف ابن الصلاح(ت643هـ): قال رحمه الله: "أما الحديث الصحيح فهو: الحديث المسند ، الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه؛ ولً يكون شاذاً ولً معللاً ".(3) = فالحديث صحيح؟ قال: نعم. وقد توسع الدكتور عبدالجواد حمام في عرض هذه المسألة في كتابه جهالة الرواة، وأرجع ما يقع من بعض الأئمة في وصف بعض الصحابة بالجهالة إلى ثلاث حالًت هي: 1- من جُهل اسمه (فأُطلِّق على الإبهام جهالة). 2- إطلاق الجهالة لعدم ثبوت الصحبة عند القائل 3-جهالة الًشتهار بالعلم والرواية. ثم لخّص ضمن نتائج بحثه: أنّ من وصف أحد الصحابة بالجهالة من المحدثين، فإنه لم يرد الجهالة الًصطلاحية، وإنما يقصد معنىً خاصاً بالجهالة وهو قلّة الرواية. المراجع: ينظر: الخطيب البغدادي، الكفاية، 415،ابن الصلاح، علوم الحديث، 56، ابن حجر،فتح الباري، 10/575، ابن حجر، لسان الميزان، 6/13،الجديع، تحرير علوم الحديث، 1/350. عبدالجواد حمام، جهالة الرواة وأثرها في قبول الحديث النبوي، 2/911- 937،2/1137. (1) الحاكم، علوم الحديث، 62. هذا ما عرّف به الحديث الصحيح في هذا الكتاب بينما نجده قد ذكر في كتابه الآخر (المدخل إلى الإكليل) أن الحديث الصحيح على أقسام عشرة ذكرها بأمثلتها، وسيأتي الإشارة إلى ذلك أثناء تحرير التعريفات.. (2) الميانشي،ما لً يسع جهله، 27. (3) ثم بعد أ ن ذكر التعريف ومحترزاته أردف بقوله: "فهذا هو الحديث الذي يحكم له بالصحة بلا خلاف بين أهل الحديث. وقد يختلفون في صحة بعض الأحاديث لًختلافهم في وجود هذه الأوصاف فيه، أو لًختلافهم في اشتراط بعض هذه الأوصاف، كما في المرسل. ومتى قالوا: هذا (حديث صحيح) فمعناه: أنه اتصل سنده مع سائر الأوصاف المذكورة، وليس من شرطه أن يكون مقطوعا به في نفس الأمر، إذ منه ما ينفرد بروايته عدل واحد، وليس من الأخبار التي أجمعت الأمة على تلقيها بالقبول". ابن الصلاح، علوم الحديث، 11-14، ويشير تعقيبه إلى الًختلاف الحاصل بين العلماء في تصحيح بعض الأحاديث، وأثر التفرّد في الرواية ولو جمعت شروط الصحيح، وهي مسألة تحتاج إلى تفصيل يتضح بإذن الله في تحرير مصطلح الفرد والشاذ، وبيان من يُحتمل تفرّده من الرواة، ومن لً يُحتمل.

عدد الصفحات ٥٥

54 تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح أما من جاء بعد ابن الصلاح فمنهم من اختصر تعريفه كالنووي (ت676هـ)(1)،وابن جماعة (ت733هـ)(2)، ومنهم من استدرك وتعقّب كابن دقيق العيد (ت702هـ)(3)، وتلميذه الذهبي (ت748هـ) حيث أضاف قيد نفي التدليس، فقال في كتابه الموقظة: "فالمجمع على صحته إذاً: المتصل السالم من الشذوذ والعلة، وأن يكون رواته ذوي ضبط وعدالة وعدم تدليس"(4). وأطال ابن كثير (ت774هـ) ، في تعريف الصحيح – جامعاً أغلب ما اُستدرِّك على من سبقه- فقال: "حاصل حد الصحيح: أنه المتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله، حتى ينتهي إلى رسول الله ، أو إلى منتهاه، من صحابي أو من دونه، ولً يكون شاذاً، و مردوداً، ولً معللاً بعلة قادحة، وقد يكون مشهوراً أو غريباً "(5) (1) قال-رحمه الله-: "هو ما اتصل سنده بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولً علة". وقوله "بالعدول الضابطين" محتملة لأن يكون مراده مجموع رواة الإسناد من أوله إلى آخره، ويحتمل اشتراطه العدد وليس مراداً كما قال السيوطي في "التدريب": "توهم أن يرويه جماعة ضابطون عن جماعة ضابطين، وليس مرادا"، المراجع: النووي، التقريب،25، السيوطي، التدريب، 1/27. (2) قال-رحمه الله- مختصراً لكلام ابن الصلاح: "اعلم أن الحديث الصحيح: هو ما اتصل سنده برواية العدل الضابط عن مثله، وسلم عن شذوذ وعلة". ابن جماعة، المنهل الروي، 33 . ثم أشار كغيره إلى سبب الًختلاف في الحكم على بعض الأحاديث بالصحة، والسبب في ذلك اختلافه م في وجود هذه الشروط أو انتفائها، وأعقب ذلك بذكر تعريف الشافعي والخطابي للحديث الصحيح. (3) ناقش تعريف ابن الصلاح ثم تعقّبه بقولهولو قيل في هذا الحدِّّ : الصحيح المجمع على صحته هو كذا وكذا إلى آخره لكان حسناً ، لأَنه من لً يشترط بعض هذه الشروط لً يحصر ال صحيح في هذه الأوصاف . ومن شَرْطِّ الحدِّّ أن يكون جامعاً مانعاً. "ا.هـ، فقد أشار إلى أن ما ذكره ابن الصلاح من قيود للحديث الصحيح إنما تنطبق على المجمع على صحته، وأن هناك من لً يشترط كل هذه القيود، ولعله يقصد بالشروط التي لم يشترطها بعضهم : نفي الشذوذ والعلة، حيث ذكر أن مدار التعريف عند الأصوليين والفقهاء على عدالة الراوي وتيقّظه، وبعضهم يزيد قيد الًتصال.ابن دقيق العيد، الًقتراح،5. (4)الذهبي،الموقظة، 24. وسلفه- في إضافة نفي التدليس- الشافعي وابن حبان في شروطهما في رواة الصحيح، وحين ناقش تعريف الحديث الحسن أشار إلى التداخل بينه وبين الصحيح. (5) ابن كثير، الًختصار، 28. فأشار تعريفه إلى أن الصحة لً تقتصر على المسند المرفوع، بل يشمل الموقوف والمقطوع، وكذلك ليس شرطاً أن يكون الحديث عزيزاً بل قد يكون مشهوراً أو غريباً، =

عدد الصفحات ٥٦

55 وبعد أن أطال ابن كثير في تعريف الصحيح، عادابن الملقن (ت804هـ لًختصاره، حيث نجده في كتابه المقنع صاغ تعريف الصحيح بما عرّفه به النووي في التقريب، فقال: "ما اتصل إسناده بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولً علة"(1)، ثم عاد واختصره في كتابه التذكرة(2)، فقال: "الصحيح: ما سلم من الطعن في إسناده ومتنه(3) . ومن أبرز ما تمت إضافته- لتعريف ابن الصلاح- وصف التمام لضبط الراوي، وأضافه ابن حجر (ت852هـ) في كتابه نخبة الفكر، فقال: "وخبر الآحاد بنقل عدل تام الضبط، متصل السند، غير معلل ولً شاذ: هو الصحيح لذاته".(4) ووافق ابن حجر على إضافة هذا الوصف من جاء بعده من تلامذته وغيرهم(5). المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها اشتمل تعريف ابن الصلاح للصحيح على عدد من القيود والشروط، فقد اشترط لصحة الحديث أن يكون مُسنداً، وأن يكون الإسناد متصلاً ، واشترط في رواته العدالة والضبط، = ووصف العلة بكونها قادحة، وزاد قيداً بقوله "ولً مر دوداً"، ولعله أضافه من باب التأكيد على أن الصحيح من نوع المقبول لً المردود، فإن اُختلف في معنى الشذوذ-كما سيأتي في فصل الحديث الشاذ- فمراده أن الصحيح المتفق عليه يكون من المقبول الذي لم يرد، والله أعلم. (1)ابن الملقن، المقنع، 1/41. (2) ذكر في مقدمة كتابهالتذكرة في علوم الحديث: أنها مقتضبة من المقنع، فقال: "فهذه تذكرة في علوم الحديث، يتنبه بها المبتدي، ويتبصر بها المنتهي، اقتضبتها من (المقنع) تأليفي"، وهي رسالة مختصرة في علوم الحديث. ابن الملقن، التذكرة، 13. (3) ثم أتبعه بقوله: "ومنه المتفق عليه، وهو ما أودعه الشيخان في صحيحهما". المرجع السابق، 14. (4) ابن حجر ، نزهة النظر، 67 . (5) ينظرالبقاعي، النكت الوفية،1/80، السخاوي،فتح المغيث، 1/29، السيوطي،التدريب، 1/173 .

عدد الصفحات ٥٧

56 ونفى عنه الشذوذ والعلة، وهناك من زاد شروطاً أخرى: كاشتراط الشهرة في الرواة، واشتراط تعددهم، ونفي التدليس في روايتهم، وسيأتي إيضاح لكل قيد من هذه القيود، وبيان اتفاقهم على اشتراطها أو اختلافهم في ذلك. وأبدأ أولًً بقيود الصحيح عند ابن الصلاح، مؤخرةً اشتراط كونه مسنداً رغم تقدّمه في التعريف لتعلّق إيضاح المراد به بوضوح المراد في القيود الأخرى، ثم ألحقت بها القيود الزائدة على تعريف ابن الصلاح. قيود الصحيح عند ابن الصلاح: القيد الأول: اتصال السند: الًتصال في اللغة: من الوصل ، و اتصل الشيء بالشيء: لم ينقطع (1)، فالًتصال ضد الًنقطاع. وفي الاصطلاح: قال ابن الصلاح تحت النوع الخامس من أنواع علوم الحديث: معرفة المتّصل، "ويقال فيه أيضا: الموصول، ومطلقه يقع على المرفوع(2) والموقوف(3). وهو الذي اتصل إسناده، فكان كل واحد من رواته قد سمعه ممن فوقه، حتى ينتهي إلى منتهاه".(4) (1) ينظر مادة (و ص ل): الفيروز آبادي،القاموس، 1068،الزبيدي، تاج العروس، 31 /79 . (2) "المرفوع: ما أضيف إلى رسول الله  خاصة." ابن الصلاح، علوم الحديث، 45، ينظر: النووي، التقريب، 32، الذهبي،الموقظة، 41، ابن حجر،النزهة، 131. (3) الموقوف "ما يروى عن الصحابة رضي الله عنهم من أقوالهم أو أفعالهم ونحوها، فيوقف عليهم، ولً يتجاوز به إلى رسول الله ." ابن الصلاح، علوم الحديث ، 46. ينظر: النووي، التقريب، 33، الذهبي، الموقظة، 41، ابن حجر،النزهة، 139. (4) ابن الصلاح،علوم الحديث، 44.

عدد الصفحات ٥٨

57 وقال ابن حجر: "المتّصل: ما سلِّم إسناده من سقوط فيه، بحيث يكون كل من رجاله سمع ذلك المروي من شيخه."(1) والسهندفي اللغة: "أصل يدل على انضمام الشيء إلى الشيء. يقال سنَدت إلى الشيء أسْ نُ دُ سُ نُ ودا، واستَ نَدت استنَادا. وأسنَدت غيري إسنَادا"(2)، والسهنَدُ: ما ارتفع من الًرض...، وكل شيء أسنَدت إليه شيئاً فهو مُ سنَد"(3). وفي الاصطلاح : ذكر نقلة الخَبر ، أو الطريق الموصلة إلى المتن ، وهو رجاله الذين رووه(4). فمعنى اتصال السند: أن يكون كل راوٍّ من الرواة قد تحمّل الحديث عن شيخه بوجه من وجوه التحمّل(5) الصحيح، ويخرج بهذا القيد ما في سنده نوع انقطاع(6). واشتراطهم الًتصال في الحديث الصحيح؛ للجهالة بحال الساقط من السند من حيث توفّر شرط الصحيح فيه أو اختلال ذلك، وبتأمل ما ذكره من سبق ابن الصلاح في بيان حد الصحيح، أو شروطه نجد شبه اتفاق على هذا القيد، وإن لم ينصّ بعضهم عليه. (1) ابن حجر،نزهة النظر، 70. (2) ابن فارس،المقاييس، 3/105. (3)الفراهيدي، كتاب العين، 7/228. (4) ينظر: الجعبري،الرسوم، 134، ابن حجر، النزهة، 130،الدهلوي، أصول الحديث، 40 . (5) تحمّل الحديث هو تلقِّّي الحديث وأخذه عن الشيوخ، ونقله عنهم بأيّ طريقة من طُرق التحمّل المعتبرة عند علماء الحديث. يُنظر: أبو شُهبة، الوسيط، 94، الغوري، موسوعة علوم الحديث، 1/433. (6) كالمرسل، والمنقطع، والمعضل، والمعلّق،هذا عند الإطلاق ؛ كما يشير إليه قول ابن الصلاح. (فمطلق المتصل) - يقع على المرفوع والموقوف، أما مع التقييد فهو جائز، بل واقع أيضا في كلامهم، يقولون: هذا متصل إلى سعيد بن المسيب، أو إلى الزهري، أو إلى مالك، ونحو ذلك. ينظر: السخاوي، فتح المغيث، 1/136.

عدد الصفحات ٥٩

58 فلقد نصّ الشافعي على شرط الًتصال صراحةً بقوله حتى ينتهى بالحديث موصولً إلى النبي  أو إلى من انتهي به إليه دونه"،(1) وكذلك الحميدي نصّ على الًتصال بقوله "متصلاً غير مقطوع(2)"، بل نجده يتحرّى ذلك في مسنده (3) أما مسلم فلم ينصّ على شرط الًتصال صراحة لكن كلامه في مقدمة صحيحه يتضمنه حين صحح الحديث المعنعن(4) وحمله على السماع بقوله: "كل رجل ثقة روى عن مثله (1) ونجده يُشدد في قبول الحديث المرسل–والذي هو نوع من انقطاع السند- ويضع لذلك شروطاً لكل من الراوي المُرسِّل وللرواية المرسلة وذلك في كتابه الرسالة، ينظر: الشافعي، الرسالة، 461-464، وتتكرر عباراته وتتنوع -في تقديم الرواية المتصلة على المنقطعة، وعدم احتجاجه بالمنقطع إلً بشروط- في مناقشته للمسائل والأحكام في كتابه الأم، وكذلك إثباته سماع الراوي ممن هو فوقه في الإسناد، أو عدم سماعه. ينظر: الشافعي، الأم، 2/123،4/183،5/408،7/322،9/199 . (2) أخرج الخطيب البغدادي في كتابه الكفاية عن الحميدي قوله: "فإن قال قائل: "فما الحجة في ترك الحديث المقطوع، والذي يكون في إسناده رجل ساقط وأكثر من ذلك، ولم يزل الناس يحدثون بالمقطوع، وما كان في إسناده رجل ساقط وأكثر..." ويتضح من كلام الحميدي أنه يريد بالمقطوع المنقطع. قال ابن الصلاح: "المقطوع: ما جاء عن التابعين موقوفا عليهم من أقوالهم أو أفعالهم،... وقد وجدت التعبير بالمقطوع عن المنقطع غير الموصول في كلام الإمام الشافعي، وأبي القاسم الطبراني وغيرهما، والله أعلم". وقد ذكر ذلك السيوطي في كتابه تدريب الراوي حيث قال: " المقطوع، وجمعه الم قاطع، والمقاطيع، وهو الموقوف على التابعي قولً له، أو فعلا، واستعمله الشافعي، ثم الطبراني في المنقطع الذي لم يتصل إسناده، وكذا في كلام أبي بكر الحميدي، والدارقطني. إلً أن الشافعي استعمل ذلك قبل استقرار الًصطلاح" والذي استقرّ عليه المتأخرون أن المنقطع غير ال مقطوع. المراجع ينظر: الخطيب البغدادي، الكفاية، 390، ابن الصلاح، علوم الحديث، 47، السخاوي،فتح المغيث، 1/140، السيوطي، التدريب، 1/101. (3) فمن أمثلة تحرّيه اتصال السند ما أخرجه في مسنده من طريق شيخه سفيان بن عيينة، وأشار إلى أنه بداية لم يصرّح بسماعه من ال زهري، فأوقف الرواية عليه، ثم صرّح بالسماع فرواها عنه مسندة، فقال: "ثنا سفيان قال سمعت الزهري يحدث عن عروة، عن عائشة قالت: «طيبت رسول بيدي هاتين لحرمه حين أحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت»قال أبو بكر: وهذا مما لم يكن يحدث به سفيان قديما عن الزهري فوقفناه عليه، فقال: قد سمعته من الزهري." الحميدي، المسند، 1/262 ح213 .) وصرّح في حديث آخر بأن شيخه سفيان لم يسمعه من الزهري فقال ثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة عن النبي ... قال أبو بكر: ولم يسمعه سفيان من الزهري ." المرجع السابق ، 1/281 ح247.) (4) تطرّق ابن حجر - في مقدمة كتابه فتح الباري- إلى ما يتعلّق بخصوص شرط الًتصال عند مسلم في صحيحه، والفرق بينه وبين شرط البخاري فيه، فقال: "ما يتعلق بالًتصال... وذلك أن مسلما كان مذهبه ...أن الإسناد المعنعن له حكم الًتصال إذا تعاصر المعنعن ومن عنعن عنه ، وإن ل م يثبت اجتماعهما إلً إن كان المُ عنعِّ ن مُ دلِّّ سا، والبخاري لً يحمل ذلك على الًتصال حتى يثبت اجتماعهما ولو مرة...، وهذا مما ترجح به كتابه لأنا وإن سله منا ما ذكره مسلم من الحكم بالًتصال، فلا يخفى أن شرط البخاري أوضح في الًتصال، والله أعلم". وقال أيضاً في كتا به النكت: " وأما أول من صنف الصحيح المعتبر عند أئمة الحديث الموصوف بالًتصال وغير ذلك من الأوصاف، فأول من جمعه البخاري، ثم مسلم كما جزم به ابن الصلاح". =

عدد الصفحات ٦٠

59 حديثا وجائز ممكن له لقاؤه والسماع منه، لكونهما جميعا كانا في عصر واحد وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا، ولً تشافها بكلام فالرواية ثابتة. والحجة بها لًزمة. إلً أن يكون هناك دلًلة بينة أن هذا الراوي لم يلق من روى عنه، أو لم يسمع منه شيئا."(1) ويرى رحمه الله أن التفتيش عن موضع السماع في الأسانيد يكون لمن عُرف عنه التدليس، حيث قال: "وإنما كان تفق د من تفقهد منهم سماع رواة الحديث ممن روى عنهم إذا كان الراوي ممن عرف بالتدليس في الحديث وشهر به، فحينئذ يبحثون عن سماعه في روايته ويتفقدون ذلك منه كي تنزاح عنهم علة التدليس."(2)، وكلامه رحمه الله يُدلِّّل على حرص الأئمة على التأكد من سلامة الإسناد من السقط والًنقطاع، ويدلل على ذلك أيضاً صنيعه في كتابه التمييز، حيث أعلّ أحاديث لًنقطاع في سندها(3). = أما المراد بالمعنعن فقد قال ابن الصلاح في علوم الحد يث: "الإسناد المعنعن، وهو الذي يقال فيه: (فلان عن فلان)، عده بعض الناس من قبيل المرسل والمنقطع حتى يتبين اتصاله بغيره. والصحيح والذي عليه العمل: أنه من قبيل الإسناد المتصل. وإلى هذا ذهب الجماهير من أئمة الحديث وغيرهم، وأودعه المشترطون للصحيح في تصانيفهم فيه وقبلوه، وكاد أبو عمر بن عبدالبر الحافظ يدعي إجماع أئمة الحديث على ذلك. وادعى أبو عمرو الداني المقرئ الحافظ إجماع أهل النقل على ذلك ، وهذا بشرط أن يكون الذين أضيفت العنعنة إليهم قد ثبتت ملاقاة بعضهم بعضا مع براءتهم من وصمة التدليس، فحينئذ يحمل على ظاهر الًتصال إلً أن يظهر فيه خلاف ذلك". وممن ذكر الإجماع -قبل ابن عبدالبر- الحاكم في كتابه معرفة علوم الحديث حيث قال تحت النوع الحادي عشر: "هذا النوع من هذه العلوم هو معرفة الأحاديث المعنعنة، وليس فيها تدليس، وهي متصلة بإجماع أئمة أهل النقل على تورع رواتها، عن أنواع التدليس". وقد اختلفت مذاهب العلماء في الحديث المعنعن، وممن حقق المسألة وأطال فيها ابن رجب في شرحه لعلل الترمذي، وإنما أشرت إلى مسألة الحديث المعنعن عند مسلم لبيان شرطه للاتصال في صحيحه. المراجع: ابن حجر، هدي الساري ، 12،ابن حجر، النكت، 1/279، ابن الصلاح، علوم الحديث، 61. الحاكم،علوم الحديث، 34. ابن رجب، علل الترمذي، 2 /595- 599. (1) مسلم،صحيح مسلم، 1/29. (2) مسلم، صحيح مسلم، 1/33. ذكر ابن حجر حين قسّم المدلسين إلى طبقات ومراتب أن منهم "من احتمل الًئمة تدليسه وأخرجوا له في الصحيح لإمامته وقلة تدليسه في جنب ما روى كالثوري أو كان لً يدلس الً عن ثقة كابن عيينة". ابن حجر، طبقات المدلسين، 13. (3) من أمثلة ذلك: ما ذكره من سبب إعلاله لحديث ابن لهيعة، وهو أنه أخد الحديث من كتاب دون سماع ولً عرض على المحدث، فقال: "الرواية الصحيحة في هذا الحديث ما ذكرنا عن وهيب، وذكرنا عن عبد الله بن سعيد عن أبي النضر. وابن لهيعة إنما وقع في الخطأ من هذه الرواية، أنه أخذ الحديث من كتاب موسى بن عقبة إليه فيما ذكر، وهي الآفة التي نخشى على من أخذ الحديث من الكتب من غير =

عدد الصفحات ٦١

60 وقد صرّح ابن خزيمة بهذا الشرط في صحيحه، وعدّ من أسباب إعلاله الحديث وتضعيفه انقطاع سنده وتصريحه بعدم سماع الراوي ممن هو فوقه(1)، بل يستدرك على نفسه في بعض الأحاديث التي اتضحت له علتها -بانقطاع سندها- بعد إخراجه لها فنبّه عليها.(2) وكذلك صرّح ابن حبان بضرورة اتصال السند لصحة الحديث، ولم تخْلُ تعقيباته بعد بعض مروياته في صحيحه من الإشارة إلى ذلك(3)، وقد حرص أيضاً على بيان = سماع من المحدث أو عرض عليه. فإذا كان أحد هذين -السماع أو العرض- فخليق أن لً يأتي صاحبه التصحيف القبيح وما أشبه ذلك من الخطأ الفاحش إن شاء الله." مسلم، كتاب التمييز، 188. وقد أعلّ كذلك بعض طرق حديث مواقيت الحج المكانية بعدد من العلل، وأعلّ طريق ميمون ابن مهران عن ابن عمر، بعدم سماع ميمون من ابن عمر فقال: "وفي رواية ميمون جعل لأهل المشرق ذات عرق. وسالم، ونافع، وابن دينار، كل واحد منهم أولى بالصحيح عن ابن عمر، من ميمون الذي لم يسمعه من ابن عمر ". المرجع السابق ، 215. ينظر كذلك محمد عوّامة، من منهج الإمام مسلم في عرض الحديث المعلل في صحيحه. (1) من أمثلة ذلك في صحيحه: قوله تحت كتاب الإمامة في الصلاة، "باب اختيار صلاة المرأة في بيتها على صلاتها في المسجد، إن ثبت الخبر، فإني لً أعرف السائب مولى أم سلمة بعدالة ولً جرح، ولً أقف على سماع حبيب بن أبي ثابت هذا الخبر من ابن عمر، ولً هل سمع قتادة خبره من مورق، عن أبي الأحوص أم لً؛ بل كأني لً أشك أن قتادة لم يسمع من أبي الأحوص؛ لأنه أدخل في بعض أخبار أبي الأحوص بينه وبين أبي الأحوص مورقا، وهذا الخبر نفسه أدخل همام وسعيد بن بشير بينهما مورقا..." ثم ذكر عدداً من الأحاديث (1683-1684-1685-1686-1687) ثم أعقبها بقولهوإنما قلت: ولً هل سمع قتادة هذا الخبر عن أبي الأحوص لرواية سليمان التيمي هذا الخبر عن قتادة عن أبي الأحوص؛ لأنه أسقط مورقاً من الإسناد، وهمام وسعيد بن بشير أدخلا في الإسناد مورقاً ، وإنما شككت أيضا في صحته لأني لً أقف على سماع قتادة هذا الخبر من مورق". ابن خزيمة، الصحيح، 3/92-93، وذكر تحت كتاب الصيام، باب ذكر البيان أن الحجامة تفطر الحاجم والمحجوم جميعا ...عدداً من الأحاديث ثم أعقبها بقوله: " فكل ما لم أقل إلى آخر هذا الباب: إن هذا صحيح ، فليس من شرطنا في هذا الكتاب، والحسن لم يسمع من ثوبان". المرجع السابق، 3/236، ح1984). لستزادة ينظر: محمد عوّامة، من مصطلح ابن خزيمة في إعلاله الحديث في صحيحه. (2) ينظر صحيح ابن خزيمة: قولههذا الخبر له علة لم يسمعه الأعمش، عن شقيق لم أكن فهمته في الوقت" 1/25 ح37)، وقوله كذلكخبر حماد بن زيد غير متصل الإسناد غلطنا في إخراجه؛ فإن بين هشام بن عروة، وبين محمد بن عمرو بن عطاء، وهب بن كيسان" 1/26 ح38.) وقولهغلطنا في إخراج الحديث؛ لأن هذا مرسل ، موسى بن أبي عثمان لم يسمع من أبي هريرة ، أبوه أبو عثمان التبان، روى عن أبي هريرة أخبارا سمعها منه" 3/115 ح1728.) (3) من أمثلة ذلك في صحيحه: - أن ابن حبان بعد أن أخرج حديثاً لأبي هريرة  من رواية سعيد ابن أبي الحسن عنه، أشار إلى سبب إثباته لسماع هذا التابعي من أبي هريرة؛ بقوله: "سعيد بن أبي الحسن سمع أبا هريرة بالمدينة؛ لأنه بها نشأ. والحسن لم يسمع منه؛ لخروجه عنها في يَ فَ اعته." صحيح ابن حبان، 2/297 ح967.) =

عدد الصفحات ٦٢

61 مسموعات الراوي من عدمها في كتابيه الثقات(1) والمجروحين(2). وصرّح الخطابي بهذا الشرط، وأعلّ أحاديث وضعّفها -في شرحه لسنن أبي داود- لعلة الًنقطاع في سندها.(3) أما الحاكم -وقد تابعه الميانشي (4)- فلم ينصّ عليه في تعريفه للصحيح، لكنه أشار إلى أهمية شرط الًتصال؛ للاحتجاج بالرواية، وذلك حين عرّف المُسنَد (1) في كتابه معرفة = - وأخرج كذلك حديثاً لثوبان من رواية أبي كبشة السلولي، ولم يخرجه من طريق سالم بن أبي الجعد لًنقطاعه، فقال: " وخبر سالم بن أبي الجعد عن ثوبان خبر منقطع ف لذلك تنكبناه " المرجع السابق، 2/337 ح1034). والرواية الأخرى من طريق سالم أخرجها الإمام أحمد في مسنده، والدارمي في سننه، والحاكم في المستدرك. ينظر: مسند الإمام أحمد بن حنبل، 37/60 ح22378)، مسند الدارمي كتاب الطهارة، باب ما جاء في الطهور، 1/519 ح681)، الحاكم، المستدرك، كتاب الطهارة، 1/221 ح448.) (1) من أمثلة ذلك في كتابه الثقات: ذكر ابن حبان ف ي ترجمة: حرام بن سعد أنه يروى قصة ناقة البراء، ولم يسمع من البراء، وقيل إنه يروي عن أبيه عن البراء. 4/185، وفي ترجمة زياد بن مالك قال: "يروي عن ابن مسعود، ولم يسمع منه" 4/260، وفي ترجمة: أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود قال: "يروي عن أبيه، ولم يسمع منه" 5/561. (2) من أمثلة ذلك في كتابه المجروحين: قوله في ترجمة: باذام أبي صالح مولى أم هانئ بنت أبي طالب أخت علي بن أبي طالب، يحدث عن ابن عباس، ولم يسمع منه. 1/185، وفي ترجمة: عبد الله بن زياد ابن سمعان مولى أم سلمة، قال: "يروي عن الزهري ونافع وقد روى عن مجاهد ولم يره روى ... كان ممن يروي عمن لم يره ويحدث بما لم يسمع " 2/7، وقال عن: مطرف بن مازن الكناني : "قاضي اليمن،... كان ممن يحدث بما لم يسمع، ويروي ما لم يكتب عمن لم يره، لً تجوز الرواية عنه إلً عند الخواص للاعتبار فقط." 3/29. (3) من أمثلة ذلك ففي سنن أبي داود كتاب الطهارة، باب من لم يذكر الوضوء عند الحدث: حدثنا زياد بن أيوب، حدثنا هشيم، أخبرنا أبو بشر، عن عكرمة، أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت «فأمرها النبي  أن تنتظر أيام أقرائها، ثم تغتسل وتصلي،...» 1/82 ح305) قال الخطابي فيمعالم السنن: "هذا الحديث منقطع، وعكرمة لم يسمع من أم حبيبة بنت جحش." 1/94. وأخرج أبو داود في سننهحدثنا داود بن رشيد، حدثنا عباد بن العوام، ح وحدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد، عن سفيان ابن حسين، عن الزهري، عن سعيد، وأبي سلمة، قال: هارون عن أبي هريرة، أن امرأة من اليهود أهدت إلى النبي : شاة مسمومة،..." وفي الحديث الآخر قال: "حدثنا سليمان بن داود المهري، حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: كان جابر بن عبد الله يحدث أن يهودية، من أهل خيبر سمت شاة مصلية ثم أهدتها لرسول الله ،..." 4/173-174 ح4509-4510)،قال الخطابي: "أما حديث اليهودية فقد اختلفت الرواية فيه وأما حديث أبي سلمة فليس بمتصل. وحديث جابر أيضاً ليس بذاك المتصل؛ لأن الزهري لم يسمع من جابر شيئاً." 4/7. ووضّح الخطابي في حديث آخر سبب تضعيفهم له بقولهإنما ضعفوا حديث عمرو ابن شعيب من قبل الحجاج بن أرطاة لأنه معروف بالتدليس." 3/259. (4) فقد نقل تعريف الحاكم، ولم يعقّب عليه

عدد الصفحات ٦٣

62 علوم الحديث، وحدّه بكونه المرفوع الموصول، وأردف بقوله: "ثم مع هذه الشرائط أيضاً لً نحكم لهذا الحديث بالصحة، فإن الصحيح من الحديث له شرط نذكره في موضعه إن شاء الله."(2) وقد ذكر -رحمه الله- اختلاف الأئمة في الًحتجاج بغير المتصل، بل عدّ المراسيل (3)، وأخبار الأئمة الثقات من المدلسين من أقسام الصحيح المختلف فيه، وذلك في كتابه المدخل إلى الإكليل (4)، هذا فيما يخص روايات الثقات؛ بينما عدّ ضمن طبقات المجروحين، في الطبقة الخامسة: رواة وصلوا أحاديث مرسلة، والطبقة السابعة: رواة أكثروا السماع من شيوخ ثم عمدوا إلى أحاديث لم يسمعوها عنهم فرووها بالسماع، ولم يميزوا بين ما سمعوا وما لم يسمعوا(5)، وفي تجريح الرواة بما سبق تضمين لًشتراط الًتصال لصحة الإسناد. = (1) ذُكِّر للمُسند تعريفات ثلاثة ذكرها ابن الصلاح في كتابه علوم الحديث 1- وهوالذي اتصل إسناده من راويه إلى منتهاه. 2- ما رُفِّ ع إلى النبي  خاصة، سواءٌ كان متصلاً أو منقطعاً. 3- ما جمع بين رفعه إلى النبي ، واتصال إسناده. ينظر: ابن الصلاح،علوم الحديث، 42-43، وسيأتي مزيد إيضاح للمراد بالمسند في القيد السادس من قيود التعريف. (2) الحاكم،علوم الحديث، 17. حيث قال في النوع الرابع من معرفة علوم الحديث: "معرفة المسانيد من الأحاديث وهذا علم كبير من هذا الأنواع لًختلاف أئمة المسلمين في الًحتجاج بغير المسند (3) جمع مرسل، والمرسل في الًصطلاح اُختلف في تعريفه، والمشهور: هو ما رفعه التابعي إلى النبي  سواء كان التابعي صغيراً أم كبيراً. ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث ، 51، ابن حجر، النزهة، 100، السيوطي، التدريب، 1/219، عتر،منهج النقد، 370، الغوري،الموسوعة، 3/246-247. (4)الحاكم،المدخل إلى كتاب الإكليل، 37- 39. (5) ينظرالمرجع السابق، 61-64.

عدد الصفحات ٦٤

63 أمّا من جاء بعد ابن الصلاح، فقد صرّحت أغلب تعريفاتهم باشتراط الًتصال في السند، بينما تضمّن بعضها ذلك با شتراط السلامة من القدح أو الطعن بشكل عام، فإن كان الًنقطاع في السند قادحاً فقد تضمن شرطهم نفيه.(1) نخلص مما سبق أن الأغلب سواء قبل ابن الصلاح أو بعده قد اشترطوا اتصال السند في الحديث الصحيح إما نصاّ أو ضمناً، مع إشارة الحاكم إلى اختلاف بعضهم في تصحيح بعض المراسيل أو روايات الثقات من المدلسين.(2) فاشتراط اتصال السند في حدّ تعريف الحديث الصحيح إنما هو في الصحيح المتّفق عليه كما أشار أكثر من واحد من علماء هذا الفن، ويوضح ذلك ما ذكره ابن حجر حين المفاضلة بين موطأ مالك، وصحيح البخاري، حيث قال: "ذلك محمول على أصل اشتراط الصحة، فمالك لً يرى الًنقطاع في الإسناد قادحا؛ فلذلك يخرج المراسيل والمنقطعات(3) والبلاغات(4) في أصل موضوع كتابه، والبخاري والبخاري يرى أن الًنقطاع علة فلا يخرج ما هذا سبيله إلً في غير أصل موضوع (1) كتعريف الجعبري للصحيح، وتعريف ابن الملقّن في التذكرة بينما صرّح في كتابه المقنع باشتراطه، باشتراطه، وقد اختصر عبدالحق الدهلوي تعريف ابن حجر للصحيح إلً أنه أغفل ذكر هذا القيد!، ولعله سقط سهواً. المراجع: ينظر: الجعبري، الرسوم، 54، ابن الملقن،المقنع، 1/41، ابن الملقن،التذكرة، 14، الدهلوي،أصول الحديث، 58. (2) ويلحق بشرط الًتصال ما اشترطه بعضهم من الشروط الزائدة علىحدّ الصحيح عند ابن الصلاح، وهو شرط نفي التدليس، وسيأتي معنا تفصيل ذلك بإذن الله. (3) اُختلِّ ف في تعريف المنقطع، حيث يشمل عند المتقدمين لكل أنواع السقط في الإسناد سواء من أوله أو وسطه أو آخره. أشار إلى ذلك ابن الصلاح في مقدمته، بينما خصّ المتأخر ون تعريف المنقطع بأنه: ما سقط في أثناء سنده واحد فأكثر بشرط عدم التوالي. المراجع، ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، 57-59،ابن حجر، النزهة، 102، السخاوي، فتح المغيث ، 1/195-197، السيوطي، التدريب، 1/235-236. (4) "البلاغات: الأسانيد التي ورد فيها: (بلغني عن فلان). مثل بلاغات مالك وغيره." الخيرآبادي، معجم مصطلحات الحديث ، 31.

عدد الصفحات ٦٥

64 كتابه كالتعليقات(1) والتراجم(2)، ولً شك أن المنقطع وأن كان عند قوم من قبيل ما يحتج به، فالمتصل أقوى منه إذا اشترك كل من رواتهما في العدالة والحفظ ، فبان بذلك شفوف(3) هكذا كتاب البخاري"(4) . القيد الثاني العدالة: العدالة في اللغة: مصدر من عَدَلَ يَعْدِّلُ، فهو عادِّلٌ وعَدْل. (1) المعلّق في الًصطلاحما حُذف من مبتدأ إسناده واحد أو أكثر. ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، 24، ابن حجر،النزهة، 98. (2) يقصد بها عناوين الأبواب، فالترجمة: "يراد بها في كتب الحديث عنوان على الأحاديث يدل على موضوعها". قال ابن الصلاح: " ثم إن ما يتقاعد من ذلك عن شرط الصحيح قليل، يوجد في كتاب البخاري في مواضع من تراجم الأبواب دون مقاصد الكتاب وموضوعه الذي يشعر به اسمه الذي سماه به..." ابن الصلاح، علوم الحديث، 26، الخيرآبادي،المعجم، 36. (3) كذا في المطبوع (طبعة دار المعرفة)، وفي المخطوط " تفوق". شهاب الدين أبو الفضل أحمد ابن علي بن محمد بن حجر العسقلاني، هدي الساري لفتح الباري مقدمة شرح البخاري، موقع مخطوطات الأزهر الشريف، 328937، مصورة، اللوح 5، ص10. (4) ابن حجر،هدي الساري، 10، وقد أفرد ابن حجر في مقدمته فصلاً كاملاً للرد على الأحاديث التي اُنتقد على الشيخين إخراجها في الصحيح، وكان مما اُنتقد عليهما إخراج أحاديث أُعلِّّت بالًنقطاع، وكان جوابه على ذلك: "وأما من حيث التفصيل فالأحاديث التي انتقدت عليهما تنقسم أقساما: ...منها ما تختلف الرواة فيه بالزيادة والنقص من رجال الإسناد، فإن أخرج صاحب الصحيح الطريق المزيدة، وعلله الناقد بالطريق الناقصة، فهو تعليل مردود كما صرح به الدارقطني فيما سيحكيه عنه في الحديث الخامس والأربعين؛ لأن الراوي إن كان سمعه فالزيادة لً تضر؛ لأنه قد يكون سمعه بواسطة عن شيخه ثم لقيه فسمعه منه، وإن كان لم يسمعه في الطريق الناقصة فهو منقطع والمنقطع من قسم الضعيف والضعيف لً يعل الصحيح ... وإن أخرج صاحب الصحيح الطريق الناقصة وعلله الناقد بالطريق المزيدة تضمن اعتراضه دعوى انقطاع في ما صححه المصنف ، فينظر إن كان ذلك الراوي صحابيا أو ثقة غير مدلس قد أدرك من روى عنه إدراكا بينا أو صرح بالسماع إن كان مدلسا من طريق أخرى، فإن وجد ذلك اندفع الًعتراض بذلك، وإن لم يوجد وكان الًنقطاع فيه ظاهرا فمحصل الجواب عن صاحب الصحيح أنه إنما أخرج مثل ذلك في باب ماله متابع وعاضد أو ما حفته قرينة في الجملة تقويه ويكون التصحيح وقع من حيث المجموع... وربما علل بعض النقاد أحاديث أدعى فيها الًنقطاع لكونها غير مسموعة كما في الأحاديث المروية بالمكاتبة والإجازة، وهذا لً يلزم منه الًنقطاع عند من يسوغ الرواية بالإجازة؛ بل في تخريج صاحب الصحيح لمثل ذلك دليل على صحة الرواية بالإجازة عنده ،..." ابن حجر، المرجع السابق ، 347 باختصار، ينظر: السيوطي،التدريب، 1/147- 149.

عدد الصفحات ٦٦