574 "وما ذهب إليه رحمه الله تعالى متجه؛ لأن المتقدمين من المحدثين كانوا يعدّون ذكر الإسناد نوعاً من البيان بخلاف المتأخرين؛ لًندثار علم الجرح والتعديل ومعرفة الرجال، ولكون الغاية من الإسناد عندهم هو التبرك وإبقاء الخصوصية لهذه الأمة"(2) - ومن جملة البيان كذلك، ما ذكرهالخطيب البغدادي بقوله: "ومن روى حديثا موضوعاً على سبيل البيان لحال واضعه، والًستشهاد على عظيم ما جاء به، والتعجب منه، والتنفير عنه ، ساغ له ذلك، وكان بمثابة إظهار جُرْح الشاهد في الحاجة إلى كشفه ، والإبانة عنه"(3). - وفي قول العراقي في شرح التبصرة لم يجيزوا لمن علم أنه موضوع أن يذكره برواية، أو احتجاج، أو ترغيب إلً مع بيان أنه موضوع"(4)، نوع إشكال لإدراجه لفظ الًحتجاج في معرض ذكره لحكم الموضوع!. وقد وجّه ابن حجر قول شيخه بأن عبارة: "(أو احتجاج) ليس مستثنى منه بقوله: (إلً مع بيان)، وإن كان من الجمل المتعاطفة بأو، فإنه خرج بقرينة؛ لأنه لً يمكن أن يحتج به ويبين أنه موضوع، إذ لً فائدة في ذلك؛ فكأنه قيل: لً يجوز لمن علم أن الحديث موضوع = سنده، وإن كان لً يجوز له السكوت عليه من غير بيانه، كما تقدم. وأما من لم يبرز سنده، وأورده بصيغة الجزم فخطؤه أفحش، كالزمخشري ". المراجع: ابن الصلاح، علوم الحديث ، 100، العراقي، شرح التبصرة، 1/312-313، ينظر: السيوطي،التدريب، 1/341. (1) السخاوي،فتح المغيث، 1/312، الأثيوبي، شرح ألفية السيوطي، 1/287. (2) فلاته،الوضع في الحديث، 326. (3) الخطيب البغدادي،الجامع لأخلاق الراوي، 2/99. (4) العراقي،شرح التبصرة، 1/307.
عدد الصفحات ٥٧٦575 أن يحتج به مطلقاً ، ولً يجوز له أن يرويه، أو يرغب به في شيء، إلً أن يبين أنه موضوع."(1) وأردف البقاعي ما ذكره شيخه ابن حجر بتوجيهٍّ آخر، فقالويمكن أن يُ وجه ه بأن يكون لفظ الموضوع حسناً ، ومعناه صحيحاً ، فيحتج به على شيء ويبين أنه موضوع، إعلاماً بإن المراد ليس الًحتجاج بنسبة هذا اللفظ إلى النبي ، بل نسبة المعنى بعد ذكر ما يعضده من الشريعة، والله أعلم."(2) ولعل ما ذكره البقاعي من توجيه قريب مما ذكره شيخه ابن حجر- في كتابه الإصابة في تمييز الصحابة - وذلك بعد أن ساق حديثاً فيه قصة عجيبة، ضمن ترجمة له يب ابن مالك(3)، نقل فيها قول ابن عبدالبر إسناد هذا الحديث ضعيف، ولو كان فيه حكم لم أذكره، لأن رواته مجهولون، وعمارة بن زيد(4) متهم بوضع الحديث، ولكنه في معنى حسن من أعلام النبوة، والأصول في مثله لً تدفعه، بل تصححه وتشهد له"(5). فعقّب ابن حجر بقوله "يستفاد من هذا أنه تجوز رواية الحديث الموضوع، إذا كان بهذين الشرطين: (1) البقاعي،النكت، 1/548. (2) المرجع السابق (3) قيل: اسمه لُهيب بالتصغير- بن مالك اللهبي، وقيل: لهب، روى خبراً عجيباً في الكهانة، وأعلام النبوة. ينظر: ابن عبدالبر، الًستيعاب، 641-642 (2240)، ابن حجر،الإصابة، 9/399 (7597.) (4) عمارة بن زيد، وأبوه هو عبد الرحمن بن زيد روى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. قال الأزدي: كان يضع الحديث . ينظر: الذهبي، الميزان، 3/177(6025)، ابن حجر، اللسان، 4/278 (790.) (5) ابن عبدالبر،المرجع السابق.
عدد الصفحات ٥٧٧576 ألً يكون فيه حكم، وأن تشهد له الأصول، وهو خلاف ما نقلوه من الًتفاق على عدم جواز ذلك إلً مقروناً ببيانه، ويمكن أن يقال: ذكر هذا الشرط من جملة البيان."(1) فيكون ذكر ابن عبدالبر لهذه القصة ليس تصحيحاً لإسنادها، وإنما لكون معناها مما تعضده وتشهد له الأصول، ونبّه إلى أنها لً تشتمل على حكم، ولو كان فيها ذلك؛ لتجنب ذكرها لضعف إسنادها، ووجود راوٍّ متهم بالكذب فيه. وأما قول ابن حجر: "ويمكن أن يقال: ذكر ه ذا الشرط من جملة البيان "، فإن العلماء اتفقوا على تحريم رواية الحديث الموضوع إلً مع بيان ذلك، والبيان يكون بأمور منها: 1- ذكر الحديث مقروناً بالحكم عليه بالوضع أو الكذب والبطلان 2 ـ أن يُذكر الأسناد، وذلك سائغ في كتب الأئمة المتقدمين في عصر الرواية؛ لأنهم أهل دراية بالجرح والتعديل، لكنه غير سائغ لمن بعدهم. 3- أن يُذكر على سبيل التعجّب منه، والتنفير عنه، وبيان حال واضعه والأولى تجنب رواية الموضوع، ففيما صح عن النبي غنى و كفاية؛ لأخذ الأحكام والعمل والًعتقاد و فضائل الأعمال. المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف. - يأتي الوضع في اللغة على معانٍّ منها: الحط والإسقاط، والإلصاق والًختلاق. (1) ابن حجر،المرجع السابق.
عدد الصفحات ٥٧٨577 - المناسبة بين المعنى اللغوي والًصطلاحي ظاهرة؛ لأن الموضوع فيه معنى السقوط وانحطاط رتبته عن غيره، وفيه معنى الًختلاق وإيجاد ما لم يكن موجودا. - يُجاب عن إشكال: إدراج الموضوع ضمن أنواع الحديث رغم أنه ليس بحديث، بما يلي: أ) أنهم أرادوا بالحديث القدر المشترك، وهو ما يُحَدِّّثُ به . ب) أو إطلاقهم الحديث عليه بالنسبة إلى زعم واضعه، وإلى ظاهر الأمر قبل البحث، والنظر، وإلً فليس هو في التحقيق حديثا. ج) أو لأجل معرفة الطرق التي يتوصل بها لمعرفته لِّ يُ نفَ ى عن المقبول ونحوه. - أبرز من عرّف الموضوع قبل ابن الصلاح (ت643هـ)، هما: ابن الجوزي(ت597هـ)، وابن دحية(ت633هـ. - عرّف ابن الصلاح الموضوع بقوله: ( هو: المختلق المصنوع)، وأغلب من جاء بعده تابعه في تعريفه، وزاد بعضهم لفظ (المكذوب)، ب ينما اقتصر آخرون على تعريفه بالمختلق. - أطلق ابن الصلاح على ما أخطأ فيه الراوي، ولم يتعمّد فيه الوضع (شبه الوضع)، ومثّل له بمثال عدّه كُلٌ من: العراقي وابن حجر من أقسام المدرج. - وهناك ما يُسمّى بالوضع الإسنادي، وهو: أن يأخذ الواضع حديثاً ضعيف الإسناد فيُ ركِّّ ب له إسنادا صحيحا لِّ يَ رُ وْ جَ . - ذكر الذهبي أن الحديث الموضوع على مراتب، هي: "- ما اتفقوا على أنه كذب...، ومنه: ما الأكثرون على أنه موضوع، والآخرون يقولون: هو حديث ساقط مطروح، ولً نجسر أن نسميه موضوعا.
عدد الصفحات ٥٧٩578 ومنه: ما الجمهور على وهنه وسقوطه، والبعض على أنه كذب.(1) "والحكمة من وراء اختلافهم في تعداد هذه الدرجات، مع أنها جميعاً في الدرك الأسفل من الحديث الهابط، فالجواب: أن هذا يدل على مدى إنصافهم في إعطاء كل ذي حق حقه، ولو كان الكل ساقطاً، فذلك من العدل الذي أُمِّر به المسلمون، والعلماء أولى به من غيرهم، ففاوتوا بين الدرجات، وإن كانت في السيئات، والله أعلم بالصواب".(2) - أعظم أصناف الواضعين ضرراً هم أولئك الذين يتدينون بوضع الحديث، ترغيباً للناس في فعل الخير كما يزعمون، وأخفى أنواع الوضع ما يقع من غير تعمّد من راوٍّ موصوف بالصدق. - اتفق العلماء على تحريم رواية الموضوع إلً مع بيان وضعه. وبنهاية هذا الفصل، نصل إلى خاتمة البحث، وبيان أهم نتائجه، والحمد لله أولًً وآخراً . (1) ينظرالذهبي، الموقظة، 36. (2) عمر سليمان الأشقر،الوضع في الحديث النبوي، 23-24.
عدد الصفحات ٥٨٠579 الخاتمة الخاتمة وأهم النتائج، والتوصيات: في ختام هذا البحث، أحمد الله عز وجل أن منه عليّ إتمامه بحوله وقوته، وأسأله سبحانه أن يكون عملي فيه مُسدّداّ ،وأن يجبر ما فيه من الخلل والزلل. وفيما يلي ذكر أبرز النتائج مبتدئةً ذلك بذكر نتائج عامة، وأتبعتها بالنتائج التفصيلية مرتبةً حسب ترتيب فصول البحث. النتائج العامة لهذا البحث: - إنّ قيود التعريف لكل مصطلح، والمستنبطة من تعريف ابن الصلاح هي قيود أغلبية تندرج تحتها جملة من التعريفات السابقة لًبن الصلاح واللاحقة، مع وجود استثناءات يسيرة، قد تندرج تحت التعريف الل غوي، أو تتبع مصطلحاً خاصاً لواضعه، وأن ما انتخبه ابن حجر في كتابه (نُخْبة الفِّكَر) من تعريفات ل لمصطلحات - مجال الدراسة - يدور معظمه على القاعدة الأغلبية، مثل: تعريف الشاذ، والمنكر، والمضطرب. - أظهر البحث اتفاق أكثر التعريفات على أبرز قيود التعريف لكل مصطلح؛ إما بالنصّ عليها في حدّ التعريف، أو تضمينها في شروطه وأقسامه، أو شواهده من الأمثلة والًستدلًلًت.
عدد الصفحات ٥٨١580 - إنّ اقتصار بعض التعريفات لأحد المصطلحات على شقٍّّ أو قسم منه، وتعريفه دون الأقسام الأخرى؛ يسير في العادة على القاعدة الغالبة لأمثلة هذا النوع، ومن ذلك: تعريف المدرج، والمضطرب والمقلوب. وقد دعّم البحث عدداً من نتائجه مستفيداً من بعض الأبحاث والدراسات المعاصرة، والتي: جمعت أمثلة مصطلح بعينه وتناولته بالدراسة التطبيقية، من ذلك: مصطلح الحسن، والشاذ، والمنكر، والمضطرب، وغيرهم... - أجاب البحث عن عدد من الإشكالًت والتساؤلًت فيما يظهر من تعارض بين مسائل بعض المصطلحات. النتائج التفصيلية: أما ما يخصّ النتائج التفصيلية لكل مصطلح بعينه، فهي على النحو الآتي: في الحديث الصحيح: - تتفاوت قيود الحديث الصحيح من حيث الًتفاق عليها أو الًختلاف، فمما اتفقوا عليه: عدالة الرواة وضبطهم، واشترط أغلبهم اتصال السند. - واختلفوا في معنى الشذوذ؛ إلً أن أغلبهم أشار إلى تأثير المخالفة من الراوي لغيره على صحة الحديث – وإن لم يُسَمِّّ ذلك شذوذا، في حين صرّح الزركشي وابن حجر على أن المراد بنفي الشذوذ في حد الحديث الصحيح هي المخالفة. - أما نفي العلة، فهم متفقون على نفي كل ما يُعارض صحة الحديث على وجه العموم- وإن لم ينصّ بعضهم على ذلك - وإنما اختلفوا في بعض العلل من حيث كونها قادحة في الصحة أو غير قادحة؛ ولأن قيود الصحيح الأخرى أخرجت الأسباب الظاهرة القادحة في
عدد الصفحات ٥٨٢581 الصحة، رُجّح بأن المراد بنفي العلة في الحديث الصحيح ينصرف إلى العلل والأسباب الخفية القادحة. - أما اشتراط شهرة رواة الصحيح بالطلب، الذي نُسِّب اشتراطه للإمام الحاكم؛ فالمراد به هو: عناية الراوي بالحديث وإتقانه له، ويُغني عنه وصف الراوي بتمام الضبط والإتقان، فذلك دليل عنايته بالرواية. - نُسِّب للحاكم كذلك اشتراط تعدد الرواة في إسناد الحديث الصحيح، وقد تفاوتت مواقف العلماء من فهم مراد الحاكم وتوجيهه إلى مذهبين رئيسيين: الأول: منهم من فهم اشتراطه للعدد (أي: تعدد الرواة في كل طبقة من طبقات السند بما لً يقل عن راويين) وأيّده، ومنهم من فهم ذلك واعترض عليه وخطّأه. والثاني: منهم من فهم اشتراطه للشهرة (أي: شهرة الراوي وخروجه عن حد الجهالة برواية راويين عنه على الأقل) ووافقه على ذلك، ومنهم من فهم ذلك وانتقد تعميمه على جميع ما أُخرِّج في الصحيحين. وهناك من انتصر للحاكم على كلا المذهبين، وأشار إلى احتمالهما جميعاً، وهناك من رجّح المذهب الثاني، وبيّن أنه غير مطّرد في جميع ما اُخرج في الصحيحين. بينما يدل صنيع الحاكم في المستدرك على موافقة جمهور أهل السنة من المحدثين، الذين لم يشترطوا تعدد الرواة، بل قبلوا أحاديث الآحاد والأفراد. فهذا الشرط، وإن انطبق على بعض الأحاديث الصحيحة؛ لكنه لً يَعُم كل الصحيح، بل من الصحاح آحاد وأفراد، والله أعلم. في الحديث الحسن: - من أبرز نتائج هذا الفصل: بيان أن شهرة الرواة على درجات:
عدد الصفحات ٥٨٣582 أعلاها شهرة بالعدالة والإمامة والحفظ، تليها شهرة بطلب الحديث والعناية به، ثم شهرة تقصر في ضبطها عن رواة الصحيح، ثم مطلق الشهرة دون تقييد بوصف معيّن، وتُفيد رفع جهالة العين عن الراوي، وكثرة الرواة عنه، لكنها لً تُفيد تعديله. - وصف الراوي بالشهرة بالصدق والأمانة، هي مرتبة رواة الحسن لذاته، والتي تقصر عن رواة الصحيح في الحفظ والإتقان قصوراً لً يُستنكر به حديث الراوي حال انفراده بالإسناد، وهذا القيد يُقابل اشتراط العدالة مع تمام الضبط في شروط الحديث الصحيح، فالشهرة المطلوبة في رواة الحسن لذاته هي درجة متوسطة في الإتقان والضبط، عبّر عنها ابن حجر بخفة الضبط. - ويتنوع المراد بستر الرواة حسب القرينة والسياق: حيث نجد وصف المستور يتّسع ليشمل طبقات من مراتب الرواة تبدأ بأدناها وهو مجهول الحال الذي عُرفت ع ينه وجُهلت عدالته، وهذا في حال إرادة المعنى الًصطلاحي من الستر، أمّا إذا أُريد المعنى اللغوي فيراد به الرجل الفاضل الثقة، والذي لم يظهر منه ما يُعاب، وإذا جُمع مع الستر أوصاف تدل على الصدق والإتقان، فيراد به الدرجة المتوسطة من الرواة في الحفظ والإتقان، والله أعلم. - هناك تداخل بين مطلق الشهرة ومطلق الستر، فكلا الراويين معروفا العين مجهولً الحال، إنما يفترقان في عدد الرواة عن كل منهما، حيث تقل الرواة عن المستور، وتكثر عن المشهور. - اختلفوا في مرتبة المُعاضِد من المتابِع أو الشاهِد ؛ لينجبر به الضعف اليسير، ويصبح الحديث بمجموعهما حسناً لغيره، ففي حال كون المعاضِد أعلى وأقوى فهناك من جعله جابراً، فيرتقي به الضعيف للحسن لغيره، وهناك من رأى أنه لً يَجبُر ضعفه، ولً يُصبِّح بمجموعهما حسناً؛ لأن الًعتماد في هذه الحالة على القوي الصحيح دون الضعيف.
عدد الصفحات ٥٨٤583 - وأما في حال التساوي بين المتابَع والمتابِع في الضعف اليسير، فعند بعضهم يتقوّى الحديث قوة لً تخرجه عن حيّز الضعيف، وعند آخرين فإنه يتقوّى ويصبح بمجموعهما حسناً لغيره. - وفي حال كان المتابِع مُنحَطاً عن درجة المتابَع وأدنى منه، فلا يجبره ولً يُلتفَت إليه، وهناك رأي لًبن حجر – وتبعه بعض تلامذته في ذلك- وهو: في حال كثرت طرق المتابِّع الضعيف ضعفاً شديداً، فإن كثرة الطرق تكسبه قوة بحيث يرتقي عن كونه منكراً أو لً أصل له، وفيما ذهبوا إليه - رحمهم الله- نظر، إذ كثرة الطرق الواهية لً تزيد الحديث إلً وهناً وضعفاً، ومذهبهم هذا يُخالف ما عليه كبار أئمة النقد المتقدمين. والله أعلم. - نصّ الترمذي على اشتراط نفي الشذوذ في تعريفه للحديث الحسن عنده، واختلف من جاء بعده في تفسير مراده بالشذوذ، فهناك من فسّره بالمخالفة، وهناك من فسّره بالتفرّد، وهناك من جمع بينهما –أي: بين المخالفة والتفرّد كمعنى للشذوذ- دون مُرجِّّح. وصرّح ابن الصلاح في قسميّ الحسن بنفي النكارة تبعاً لنفي الشذوذ؛ لأن المنكر عنده بمعنى الشاذ. أما ابن حجر فلم يتطرق لنفي النكارة في الحسن بقسميه بل اكتفى بنفي الشذوذ عن الحسن لذاته تبعاً لًشتراطه ذلك في الصحيح. واشترط في الحسن لغيره أن يكون ضعفه منجبراً، وفي كلا القسمين– سواء في الحسن لذاته أو الحسن لغيره- لم يبلغ الراوي عنده من الضعف ما يستدعي نفي النكارة، لأن المنكر أشدّ ضعفاً عنده من الشاذ، والله أعلم. - اشتراط السلامة من العلة في تعريف الحديث الحسن سواء أُريد بها المعنى الًصطلاحي أو المعنى العام، فذلك متوجه إلى القسم الموسوم بالحُسن لذاته، والذي هو من أدنى مراتب الصحيح.
عدد الصفحات ٥٨٥584 ويُشكل اشتراط ذلك في الحسن لغيره، إذ أنه من الضعيف المُنجبر، والعلة في الًصطلاح إنما تتطرق للأحاديث التي ظاهرها الصحة، ويوجّه مرادهم بنفي العلة في هذا القسم بأن العلة المنفية هي: الضعف الشديد غير المنجبر، وممن صرّح بهذا الشرط في تعريفه للحسن (لذاته ولغيره) ابن الصلاح - على الراجح- وابن جماعة، والطيّبي، السخاوي، أما ابن حجر فقد اشترطه في الحسن لذاته، وتبعه الشُمُنِّّي. - إن المتأمل لقيود الحديث الحسن يجدها تتقابل مع قيود الصحيح، فاشتراط شهرة الرواة بالصدق والأمانة في الحسن لذاته، واشتراط ستر الرواة في الحسن لغيره، يقابله اشتراط العدالة والضبط في رواة الصحيح، بحيث يكون رواة الصحيح في أعلى درجات العدالة والضبط بينما يقصر رواة الحسن لذاته في درجة الضبط عن التمام، وتنزل مرتبة راوي الحسن لغيره إلى أدنى مراتب التعديل، شريطة ألً ينزل عمن يُجبر حديثه بمجيئه من وجه آخر. - وجاء شرط المعاضدة لجبر النقص الحاصل في قيد العدالة والضبط عند رواة الحسن، أو لجبره في بعض أنواع الًنقطاع. - ونجد ابن الصلاح في كلا القسمين يركّز على تحديد درجة الراوي، ومدى ضبطه وإتقانه، ووضع لذلك حداّ أدنى وأعلى، فلا يكون راوي الحسن مشهوراً معتنٍّ بالرواية والضبط، وإن قَصُر فلا يصل إلى حد الًتهام بالكذب والتغفيل وكثرة الخطأ. - ولم يتطرّق لشرط الًتصال، ولكنه عاد ونفى الشذوذ والعلة، وفي هذا ملحظ لًنتفاء العلل الظاهرة من باب أولى كأنواع الًنقطاع؛ لأن الًنقط اع جهالة بالراوي الساقط، وبالتالي جهالة بحاله. في الحديث الضعيف: - لم يضع – من جاء قبل ابن الصلاح - تعريفاً للحديث الضعيف أو حداً له، إذ ببيان مراتب المقبول من الحديث يتميّز ضده من المردود.
عدد الصفحات ٥٨٦585 فبمقدار اتفاقهم عل ى كل شرط من شروط القَ بول، يكون اتفاقهم على أن انتفاءه يَ سلُ ب الحديث صفة القَ بول، ويُجعله في حيّز الضعف والرّد. -التنبيه إلى أن مسببات الضعف في الحديث - وهي: (السقط في السند، والطعن في عدالة الرواة، وفي ضبطهم، وانتفاء العاضد في الضعيف القابل للانجبار، والشذوذ المردود، ثم العلة القادحة)- تتراوح في تأثيرها على ضعف الحديث خفّةً وشدّةً، ويُضاف إلى ذلك تفرّد سبب الضعف أو تعدد الأسباب في الحديث الواحد مما يؤثر بالتالي على قابلية هذا الضعف للانجبار والتقوّي بالمعاضدة أو عدم قابليته. في الحديث الشاذ: - أبرز التعريفات التي دار عليها مصطلح الشاذ هو تعريف الشافعي والحاكم والخليلي، وغالب ما جاء بعدها إنما كان ترجيحاً لأحدها، أو دمجاً فيما بينها. - وحاصل مذاهب المحدثين في الشاذ، أنهم استعملوه بمعنيين: الأول: ما رواه الثقة مخالفاً غيره من الثقات. الثاني: ما رواه الثقة - أو غيره- منفرداً به، ولم يتابع عليه، ولو لم تقع مخالفة. وحقيقة الشاذ: هو ما لً يصح من أحاديث الثقات، أو ما تضمن قرينة على الخطأ سواء كانت هذه القرينة مخالفة صريحة واضحة أو مخالفة ضمنية بتفرّده بما لً يعرفه الآخرون، أو لً يتابعه عليه أحد، والله أعلم. في الحديث المنكر: - المنكر عند ابن الصلاح بمعنى الشاذ، وقد دارت غالب تعريفات المنكر: حول تفرد الضعيف أو التفرّد غير المحتمل.
عدد الصفحات ٥٨٧586 - اُشتهِّر عن ابن حجر اقتصاره- في معنى المنكر- على المخالفة دون التفرد، وذلك في كتابه النخبة، واعتمده على رأي الأكثرين في تنكيته على كت اب ابن الصلاح، وتجدر الإشارة إلى أن مجموع ما ذكره من أقوال في معنى المنكر - حسب ما وجدته أثناء البحث- خمسة أقوال: - مخالفة الصدوق الذي لا يُحتمل تفرّده لتدنّي ضبطه عن الرواة المقبولين في حدّ الصحيح والحسن. - تفرد الضعيف ضعفاً قابلا للانجبار كالمستور أو الموصوف بسوء الحفظ أو المضعف في بعض مشايخه. - مخالفة الضعيف ضعفاً قابلا للانجبار لمن هو أولى منه وأضبط. - تفرّد الضعيف ضعفاً شديداً كفاحش الغلط، وكثير الغفلة، وظاهر الفسق. - رواية المتروك تُعدّ من الأحاديث المنكرة. - واُشتهر عن ابن حجر كذلك تصريحه بالتفريق بين الشاذ وا لمنكر، وسبقه إلى ذلك شيخه ابن الملقن. ولعل الداعي إلى القول بالفرق بينهما: أن أكثر تعريفات الشاذ وأمثلته في مخالفة الثقات أو تفردهم، بينما تعريفات المنكر وأمثلته يدور غالبها حول تفرّد الضعيف، ومن باب أولى مخالفته لأنها أشد. في الأفراد: - أغلب من ذكر نوع ا لأفراد ضمن أنواع علوم الحديث ضمّنها أقساماً تدور حول الإطلاق والنسبية، وإن لم يصرّح بعضهم بذلك، ولعل أبرز ما تطرّقوا إليه هو بيان العلاقة بين الأفراد والغريب، حيث يتداخل المصطلحان، وقد تعددت مذاهب أهل الاصطلاح بين اعتبارهما نوعاً واحداً أو التفريق بينهما:
عدد الصفحات ٥٨٨587 - فهناك من ذكرهما كنوعين متتاليين وذكر لكل منهما أقسامه التي لً تخلو من التداخل بينها وبين أقسام النوع الآخر كالحاكم. - وهناك من فرّق بينهما بذكر تعريف مستقل لكل نوع كالميانشي، وابن الملقن، ويُشبه ما ذهب إليه ابن الملقن ما نُقل عن مذهب ابن منده في التفريق بين الغريب والفرد. - وهناك من ذكرهما كنوعين فيهما تداخل كبير بين أقسامهما وأشار إلى موطن الًفتراق كابن الصلاح، وكثير ممن تبعه في تلخيص كتابه دون تعقيب. - وهناك من اكتفى بذكر أحدهما دون الآخر كالخليلي حين ذكر أنواع الأفراد، وابن دقيق العيد الذي اقتصر على ذكر الغريب بعد نوعيّ الشاذ والمنكر، ولم يُذكر الأفراد وتبعه الذهبي. - وهناك من جعلهما نوعاً واحداً وصرّح بذلك كالمقدسي، وابن حجر، ومن وافقه من تلاميذه كالسخاوي. والخلاصة: أن العلاقة بين الفرد والغريب علاقة عموم وخصوص مطلق، فالفرد نوع عام، يشمل كل ما وقع في ه التفرّد، بغض النظر عن قبول هذا التفرد أو رده، ...أما الغريب؛ فلا يُسمّى به إلً ما كان تفردا مستغرباً، أو استقلالًً بالرواية تثير عند الحفاظ شيئاً من الًستغراب... فكل غريب يسمّى فرداً، وليس كل فرد يسمى غريباً ، والله أعلم. في زيادة الثقة: من القيود التي اتفقت عليها التعريفات في زيادة الثقة: 1) أن يكون المنفرد بالزيادة ثقة، فغير الثقة لً تُقبل زيادته، وزاد بعضهم اشتراط كونه أحفظ وأتقن ممن لم يروِّ الزيادة. 2) أن يكون المنفرد بالزيادة من التابعين فمن بعدهم، أما زيادات الصحابة فهي أحاديث مستقلّة، تقبل مُطلقاً ولً تدخل في باب زيادة الثقة.
عدد الصفحات ٥٨٩588 - أماتقييد عدد رواة الزيادة بواحد أو أكثر، فقد اختلفت التعريفات في التنصيص على ذلك، وكان المختار في تعريف زيادة الثقة: عدم التقييد بكون راوي الزيادة واحداً؛ ليفيد بأن الزيادة قد يرويها جماعة من الرواة أو يرويها راوٍّ واحد. في الحديث المعلل: - أول تقعيد نظري لتحديد مفهوم علة الحديث: هو ما ذكره الحاكم في كتابه معرفة علوم الحديث، والذي حرره ابن الصلاح - في تعريفه للحديث المعلل - وكان من أبرز قيوده قيدين: الأول: غموض العلة وخفائها، والثاني: قدحها في الصحة. - وأُجيب عن الإشكال الوار د من إطلاقهم - أحياناً - وصف المعلل أو المعلول على الحديث ظاهر العلة بجوابين: الأول: أن نسبة الإعلال بالأمور الظاهرة قليل بالنسبة للإعلال بالأمور الخفية، أي: أن التقييد بقيد الخفاء في العلة قيد أغلبي. الثاني: أن ما قد يبدو - في بعض الأحيان- تعليلاً بأمور ظاهرة؛ إنما مردّه في الأساس إلى أمور خفية كالتفرّد ونحوه، لً يتنبّه إليه إلً أهل هذا الفن من نقاد الحديث وجهابذته. - وقد أخبر ابن الصلاح أن العلة تقع في الإسناد، وفي المتن؛ إلً أن وقوعها في الإسناد أغلب وأكثر، وأشار كذلك إلى تفاوتها في القدح. فمن العلل ما يقع في الحديث (إسناداً أو متناً) ويقدح فيهما أو في أحدهما أو لً يقدح في أيّ منهما. - وأشار ابن حجر كذلك إلى أن هذا القدح يتفاوت في تأثيره: بين ما ظاهره القدح فإذا جاء ما يجبره - بورود الحديث من طرق أخرى صحيحة- زال عنه القدح، وبين القدح الشديد الذي لً ينجبر، وعبّر عن ذلك بـ (مراتب العلل).
عدد الصفحات ٥٩٠589 - وعليهفالًصطلاح الشائع والمشهور بين أهل الحديث تخصيص لفظ العلة لما كان خفياً وغامضاً قادحاً. وأما إطلاقهم اسم العلة على كل قادح، فليس من باب المعنى الًصطلاحي، بل من استعمال العلة بمعناها الل غوي العام. - فالعلة ذات مدلول واسع عند الأئمة المتقدمين، فكل قادح في صحة الحديث سواء كان ظاهراً أم خفياً يُعتبر مما يُعِّل الحديث ويضعفه، بينما استقرّ اصطلاح المتأخرين على تضييق مدلول العلة؛ لتكون خاصة بالسبب الخفي الذي يقدح في بعض الروايات التي ظاهرها الصحة، والله أعلم. في الحديث المضطرب: - وأبرز قيود الحديث المضطرب، هي: 1- اختلاف روايات الحديث الواحد، ويتضمن: الًختلاف المؤثر، واتحاد المخرج 2- التساوي بين أوجه الًختلاف، ويتضمن: عدم إمكانية الجمع أو الترجيح - ويُشكل في ظل اشتراط عدم إمكانية الجمع أو الترجيح بين الروايات، وجود عددٍّ ليس بالقليل من أمثلة الحديث الموصوف بالًضطراب في كتب نقّاد الحديث مع وجود ترجيح لأحد رواياته أو بعضها؟! وتحتمل الإجابة عن هذا الإشكال عدداً من الأجوبة، وهي كما يلي: - أن ذلك مجرد وصف بالًضطراب؛ لوجود الًختلاف بين الروايات، سواء تكافأت الروايات أو تفاوتت. - أو أنه وصف بالًضطراب بالنسبة إلى طريق أو راوٍّ . - أو كونه ترجيح افتراضي لً أثر له بل تظل معه الروايات مضطربة وإنما قال بترجيحه؛ لأنه أحسنها في الظاهر.
عدد الصفحات ٥٩١