المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

المصطلحات الحديثية بين الاتفاق والافتراق دراسة تحليلية موضوعية

راوية بنت عبد الله علي جابر

صفحة ٣٦ من ٤٠

558 الضعيفة"(1)، وصوّب العراقي ما ذكره آخراً، فقال "وهذا هو الصواب(2)،كما ذكره ابن الصلاح هنا. وأما قوله في قسم الضعيف: إن ما عدم فيه جميع صفات الحديث الصحيح والحسن، هو القسم الآخِّرُ الأرذل؛ فهو محمول على أنه أراد ما لم يكن موضوعا..." (3). وأجيب بأنه لً تنافي بين القو لين، لأن القسم الأرذل من الضعيف يدخل تحته نوعان: الضعيف مطلقاً، والموضوع.(4) قيود الموضوع عند ابن الصلاح عرّف ابن الصلاح الموضوع بكونه المختلق المصنوع، " أي: إن واضعه اختلقه وصنعه"(5)، وعليه فإن من أبرز قيود الموضوع عند ابن الصلاح، قيد الًختلاق والصُنْع قيد: الاختلاق والصُنْع: معنى الًختلاق في اللغة: يقال: خَلَقَ الكلمة، واختلقها، وخَرَقَهَا واخْتَرَقَها: إِّذا ابْتَدَعَها كذباً ، واختلقه بمعنى: ابتدعه، وافتراه.(6) (1) المرجع السابق، 98. (2) ينظر العراقي، التقييد، 131. (3) العراقي،شرح التبصرة، 1/306. (4) ينظرالبقاعي، النكت، 1/547، السخاوي،فتح المغيث، 1/310، الأنصاري،فتح الباقي، 1/285. (5) العراقي،شرح التبصرة، 1/306. (6) ينظر مادة (خ ل ق): الأزهري،التهذيب، 7/14، ابن سيده،المحكم، 1/537، الرازي،المختار، 95، الفيروزآبادي،القاموس، 880.

عدد الصفحات ٥٦٠

559 والصُنْع: مصدر من صَنَع الشيء صَنْعاً وصُنْعاً، بالفتح والضمِّّ، أي عَمِّله، فهو مَصْنوع"(1). والمصنوع من الشِّّعر وغيره: المفتعل(2) وكلا اللفظين (المختلق المصنوع) يتضمنان معنى الًبتداع والًفتراء والتلفيق قال السخاوي في تعريف الموضوع: "واصطلاحاً: (الكذب) على رسول الله  (المُختلَ ق) بفتح اللام، الذي لً ينسب إليه بوجه، (المصنوع) من واضعه، وجيء في تعريفه بهذه الألفاظ الثلاثة المتقاربة للتأكيد في التنفير منه".(3) وقد أوضح ابن الصلاح أنواعاً من الوضع والًختلاق في الحديث، فقالثم إن الواضع ربما صنع كلاماً من عند نفسه فرواه، وربما أخذ كلاماً لبعض الحكماء (4) أو غيرهم، (1) الزبيدي،تاج العروس، 21/363. (2) المعجم الوسيط، 1/526. (3) السخاوي،فتح المغيث، رجع سابق، 1/310. (4) مثال ذلك: حديث: ((المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء)) هذا من كلام الأطباء، إما الحارث بن كلدة، أو غيره ولً أصل له عن النبي . ينظر الزركشي، اللآلئ المنثورة في الأحاديث المشهورة، 145،السخاوي، المقاصد الحسنة،611 ح1035)، السيوطي، الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة، 178 ح372)، العراقي،شرح التبصرة، 1/315، السخاوي،فتح المغيث، 1/326، وحديث: ((حب الدنيا رأس كل خطيئة))، أخرجه أبو نعيم في الحلية من كلام عيسى بن مريم عليهما السلام، وقال العراقي: " فإنه إما من كلام مالك بن دينار، كما رواه ابن أبي الدنيا في كتا ب (مكايد الشيطان) بإسناده إليه. وإما هو مروي من كلام عيسى بن مريم كما رواه البيهقي في كتاب (الزهد)، ولً أصل له من حديث النبي  إلً من مراسيل الحسن البصري". ينظر: أبو نعيم الأصفهاني، حلية الأولياء 6 /388، الزركشي،المرجع السابق، 122، العراقي،المرجع السابق، الأبناسي، الشذا الفياح، 1/229.

عدد الصفحات ٥٦١

560 فوضعه على رسول"(1)، وقد سبقه ابن الجوزي بذكر هذين النوعين بقوله: "فتارة تكون موضوعة في نفسها، وتارة توضع على الرسول  وهى كلام غيره"(2). وكلا النوعين يتضمّنان معنى الًختلاق والًفتراء، إلً أن التقييد بالًختلاق قد يقصر الوضع على ما وقع عمداً (3)، دون ما وقع سهواً من الراوي وخطأً، ولعل ذلك ما دعا ابن الصلاح إلى ذكر نوع ثالث من أنواع الموضوع أطلق عليه (شبه الوضع) (4)، فقال "وربما غلط غالط، فوقع في شبه الوضع من غير تعمد، كما وقع لثابت بن موسى الزاهد في حديث: ((من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار))"(5)، وقد سبق ذكر هذا المثال في فصل الحديث المدرج، إذ عدّه العراقي وتبعه ابن حجر من أقسام المدرج.(6) وهو من الأمثلة المتداخلة بين نوعي الإدراج والوضع، حيث صدّر العراقي هذا المثال بقوله: "ومن أقسام الموضوع: ما لم يقصد وضعه، وإنما وهم فيه بعض الرواة." (7) ثم أردفه بذكر أقوال نقّاد الحديث فيه، وال تي تراوحت بين الوصف بالإدراج، والوضع والبطلان، فقال: "وقول المصنف - يقصد ابن الصلاح- في هذا الحديث أنه شبه الوضع (1) ابن الصلاح،علوم الحديث، 100. (2) ابن الجوزي،الموضوعات، 1/35. (3) "قوله (المختلق) أخرج ما لم يكن عن عمد، فلا يسمّى موضوعاً على ذلك. والصواب: أن الموضوع: هو المكذوب على رسول الله  سواء تعمد ذلك راويه، أو أخطأ في ذلك، فإن الرجل المغفل قد يشتبه عليه الأمر، ويذكر أحاديث عن رسول الله  ليست من كلامه، إلً أنه شُبِّّه عليه، هذا من حيث وصف الحديث بأنه موضوع، أما الراوي فلا يلزم من ذلك أن يُوصف بأنه وضّاع، إلً إذا كان متعمداً لذلك؛ فوضّاع ولً كرامة". السليماني، الجواهر، 374 . (4) وقد سبقت الإشارة إليه في فصل الحديث المدرج (5) المرجع السابق (6) ينظر: العراقي،التقييد، 133، العراقي، شرح التبصرة، 1/316، ابن حجر، النكت، 2/835. (7) العراقي،شرح التبصرة، 1/316.

عدد الصفحات ٥٦٢

561 حسن؛ إذ لم يضعه ثابت بن موسى، وإن كان ابن معين قد قال فيه أنه كذاب. نعم بقية الطريق التي سرقها من سرقها موضوعة؛ ولذلك جزم أبو حاتم الرازي بأنه موضوع فيما حكاه ابنه أبو محمد في العلل،(1) والله أعلم"(2) فعند ابن الصلاح الموضوع ما تعمّد راويه الكذب على رسول، وشبه الموضوع ما لم يقصد راويه وضعه، وإنما وقع منه ذلك وهماً وخطأً، ولعل تعريف ابن دحية يشملهما، حيث قال: " هو ما وُضع على رسول الله - أي أُلْصِّقَ به - ولم يقُلْه "(3)، والإلصاق يشمل ما وضع عمداً، أو خطأً. وتعريف الوضع بالإلصاق أليق كما ذكر ابن حجر في نكته على ابن الصلاح.(4) ونجده أيضاً زاد نوعاً من أنواع الموضوع في النزهة، فقالأو يأخذ - أي الواضع- حديثا ضعيف الإسناد فيركب له إسنادا صحيحا لِّ يَ رُ وْ جَ "(5). "فهذا الحديث موضوع"(6)، وسمّاه السخاوي بالوضع السندي.(7) وبالنظر إلى تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح، نجد أنها اتفقت على كون الموضوع من المختلق المصنوع، فمعظمها صرّح بلفظ الًختلاق في نص التعريف، بينما لم يصرح (1) ابن أبي حاتم،العلل، 2/36 ح196.) (2) العراقي،التقييد، 133. (3) ابندحية، أداء ما وجب، 148-149. (4) ينظر: ابن حجر،النكت، 2/838، السخاوي،فتح المغيث، 1/310. (5) ابن حجر،النزهة، 110. (6) القاري،شرح النخبة، 445. (7) ينظرالسخاوي، فتح المغيث، 1/327.

عدد الصفحات ٥٦٣

562 الذهبي بذلك، ولكن جاء الوصف بالًختلاق في معرض كلامه عن طرق معرفة الحديث الموضوع، فقال: "فيحكمون بأن هذا مختلق، ما قاله رسول الله "(1). وقدسلك أئمة الحديث وأعلام السنة لمعرفة الحديث الموضوع طريقتين: إحداهما نظرية، حيث وضعوا القواعد الدالة على وضع الحديث وأقاموا الأ مارات الصادقة على ذلك بما لً يدع مجالً للشك. ثانيهما: عملية، وذلك ببيانهم لأ شخاص الوضاعين وتعري ف الناس بهم، وبيان الموضوعات التي وضعوها والأ كاذيب التي اختلقوها ، وصنفوا تآليف كثيرة لبيان الأحاديث الموضوعة وبذلوا في ذلك غاية جهودهم، وهي الكتب المعروفة اليوم بكتب الموضوعات(2)".(3) طرق معرفة الموضوع قال ابن الصلاح: " وإنما يعرف كون الحديث موضوعاً بإقرار واضعه ، أو ما يتنزل منزلة إقراره ، وقد يفهمون الوضع من قرينة حال الراوي أو المروي ، فقد وضعت أحاديث طويلة يشهد بوضعها ركاكة ألفاظها ومعانيها."(4) ويمكن تقسيمالعلامات التي وضعها علماء الحديث للكشف عن الحديث الموضوع إلى قسمين، قسم يختص بالراوي أي: بالسند، وآخر يتعلق بالمروي، أي: بالمتن. (1) الذهبي،الموقظة، 37. (2) قال السخاوي يوجد الموضوع كثيراً في الكتب ال مصنفة في الضعفاء، وكذا في العلل ،..." السخاوي، فتح المغيث، 1/312. ومن الكتب التي أفردت الموضوع بالتصنيف: كتاب الموضوعات لًبن الجوزي، واللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة للسيوطي، و كتاب الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة للعلامة محمد بن علي الشوكاني (ت1250). ينظر: أبو شهبة،الوسيط، 360-363. (3) إدريس عزوزي،ضوابط معرفة الحديث الموضوع عند المحدثين، 98. (4) ابن الصلاح،علوم الحديث، 99.

عدد الصفحات ٥٦٤

563 أولاً ما يتعلق بالسند: 1- إقرار واضع الحديث بوضعه(1) ومثالهكحديث نوح بن أبي مريم(2) في فضائل القرآن(3). وحديث أبي بن كعب في فضائل القرآن سورة سورة، فقد اعترف راويه بالوضع.(1) (1) تعقّب ابن دقيق العيد ما ذكره ابن الصلاح، فقال: "وقد ذكر فيه إقرار الراوي بالوضع، وهذا كافٍّ في ردِّّ ه، لكنه ليس بقاطعٍّ في كونه موضوعا، لجواز أن يكذب في هذا الإقرار بعينه."، وقد استدرك الذهبي على شيخه فقال في الموقظة: " قلت: هذا فيه بعض ما فيه، ونحن لو افتتحنا باب التجويز والًحتمال البعيد، لوقعنا في الوسوسة والسفسطة!". وأجاب ابن حجر عن استدراك الذهبي فقال في النزهة: "وفهم منه بعضهم أنه لً يعمل بذلك الإقرار أصلا، وليس ذلك مراده، وإنما نفي القطع بذلك، ولً يلزم من نفي القطع نفي الحكم؛ لأن الحكم يقع بالظن الغالب، وهو هنا كذلك" أما العراقي فقد عدّ ما ذكره ابن دقيق العيد بدايةً: استشكالًً، ولم يتعقبه، وكأنه يقرّه، فقال في التقييد: "وقد استشكل الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد الحكم على الحديث بالوضع بإقرار من ادعى أنه وضعه؛ لأن فيه عملا بقوله بعد اعترافه على نفسه بالوضع". وقال ابن حجر في النكت: "كلام ابن دقيق العيد ظاهر في أنه لً يستشكل الحكم؛ لأن الأحكام لً يشترط فيها القطعيات ولم يقل أحد أنه يقطع بكون الحديث موضوعا بمجرد الإقرار، إلً أن إقرار الواضع بأنه وضع يقتضي موجب الحكم العمل بقوله، وإنما نفى ابن دقيق العيد القطع بكون الحديث موضوعا بمجرد إقرار الراوي بأنه وضعه فقط" ، ونقل البقاعي عن شيخه ابن حجر مراجعته لشيخه العراقي في ذلك، فقال في النكت: " قال شيخنا: وقد كان الشيخ عبر في النظم أولً (بالحكم)، فلما قرأنا ذلك عليه غير (الحكم) (بالقطع)، فكأنه غير النظم ولم يغير الشرح. قلت: وكان ينبغي أيضا تغيير قوله في النظم (استشكل)، فإنه لم يستشكل بل أوضح موضع الحكم، فلو قال بدلها: (استرذلً) لزال المحذور." وقال الأنصاري: "ففي الحقيقة ليس ذلك استشكالً، بل بيان للمراد والواقع؛ إذ لً يشترط في الحكم القطع، بل يكفي غلبة الظن، والله أعلم." المراجع: ابن دقيق العيد، الًقتراح، 25، الذهبي،الموقظة، 37، العراقي،التقييد، 131، ابن حجر، النزهة، 109، ابن حجر،النكت، 2/840-841، البقاعي،النكت، 1/578- 579، ينظر: الزركشي، النكت، 2/256، السخاوي، فتح المغيث ، 1/333-334، الأنصاري، فتح الباقي ، 1/297، الأثيوبي، شرح الألفية، 1/288. (2) نوح ابن أبي مريم، أبو عصمة المروزي، قاضي مرو، مشهور بكنيته ، قال عنه الذهبي: فقيه واسع العلم، تركوه، قال ابن حجر: كذبوه في الحديث، وقال ابن المبارك: كان يضع، مات سنة: 173هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، 2/327 (5894)، ابن حجر،التقريب، 567 (7205.) (3) "قيل لأبي عصمة نوح بن أبي مريم المروزي من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة وليس عند أصحاب عكرمة هذا! فقال: إني رأيت الناس أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحاق فوضعت هذا الحديث حسبة." أخرجه الحاكم في المدخل إلى الإكليل، 54، وابن الجوزي فيالموضوعات، 1/41. ومثال آخر ذكره السيوطي في التدريب، فقال: " وقال البخاري في (التاريخ الأوسط ): حدثني يحيى الأشكري، عن علي بن جرير، قال: سمعت عمر بن صبح، يقول: أنا وضعت خطبة النبي . " البخاري،التاريخ الأوسط (مطبوع خطأ باسم التاريخ الصغير)، 2/210، ابن الجوزي، الموضوعات، 3/254، السيوطي،التدريب، 1/323.

عدد الصفحات ٥٦٥

564 2- ما يتنزّل منزلة الإقرار بالوضع، أو بمعنى إقراره(2): قال ابن حجر في النكت(3)" :والأَولى أن يُ مثِّّ ل لذلك بما رواه البيهقي في المدخل بسنده الصحيح أنهم اختلفوا بحضور أحمد بن عبدالله الجويباري(4) في سماع الحسن من أبي هريرة ،فروى لهم حديثا بسنده إلى النبي  قال((سمع الحسن من أبي هريرة ))(5). = (1) أخرجه الخطيب في الكفاية،401، وابن الجوزي في الموضوعات 1/241-242. (2) قال العراقي في التقييد: كأن يحدث بحديث عن شيخ، ويسأل عن مولده، فيذكر تاريخا يعلم وفاة ذلك الشيخ قبله، ولً يعرف ذلك الحديث إلً عنده، فهذا لم يعترف بوضعه، ولكن اعترافه بوقت مولده يتنزل منزلة إقراره بالوضع؛ لأن ذلك الحديث لً يعرف إلً عن ذلك الشيخ، ولً يعرف إلً برواية هذا الذي حدث به." العراقي، التقييد، 132. وتعقبّ ذلك ابن حجر في النكت فقال ثم إن شيخنا  مثل لقول ابن الصلاح: "أو ما يتنزل منزلة إقراره" بما إذا حدث محدث عن شيخ، ثم ذكر أن مولده في تأريخ يعلم تأخره، عن وفاة ذلك الشيخ ولم يتعقبه بما تعقبه به الأول والًحتمال يجري فيه كما يجري في الأول سواء، فيجوز أن يكذب في تاريخ مولده بل يجوز أن يغلط في التأريخ ويكون في نفس الأمر صادقا". ابن حجر، النكت، 2/842. (3) ابن حجر،المرجع السابق. (4) أحمد بن عبدبن خالد، أبو علي الجويباري، ويقال الجوباري. قال ابن عدي: كان يضع الحديث لًبن كرام على ما يريده، فكان ابن كرام يخرجها في كتبه عنه، وقال ابن حبان: "دجال من الدجاجلة كذاب يروى عن ابن عيينة ووكيع وأبي ضمرة وغيرهم من ثقات أصحاب الحديث ويضع عليهم ما لم يحدثوا". ينظر: ابن حبان، المجروحين، 1/142، الذهبي،الميزان، 1/106 (421)، ابن حجر،اللسان، 1/193 (611 .) (5) روى البيهقي الحديث نقلاً عن شيخه الحاكم، ينظر: الذهبي،الميزان، 1/108. نحو هذا المثال، ما ذكره السخاوي، فقال أن عبد العزيز بن الحارث التميمي جد رزق الله بن عبدالوهاب الحنبلي سئل عن فتح مكة، فقال: عنوة، فطولب بالحجة، فقال: ثنا ابن الصواف، ثنا عبدالله ابن أحمد، ثنا أبي، ثنا عبدالرزاق عن معمر، عن الزهري عن أنس، ((أن الصحابة اختلفوا في فتح مكة؛ أكان صلحا أو عنوة؟ فسألوا عن ذلك رسول الله ، فقال: كان عنوة))، هذا مع أنه اعترف أنه صنعه في الحال، ليندفع به الخصم ".السخاوي، فتح المغيث ، 1/108، ينظر: الذهبي، الميزان، 2/624-625 (5092.)

عدد الصفحات ٥٦٦

565 3- قرينة حال الراوي : كمن يرو ي عمن لم يدركه (1)، ب أن يُ حدِّّ ث بحديث عن شيخ ، ويُ سأل عن مولده، فيذكر تاريخا يُ علَ م وفاة ذلك الشيخ قبله، ولً يُ عرف ذلك الحديث إلً عنده(2). ثانياً ما يتعلق بالمروي، أي: بالمتن: - وتتمثل في: قرينة حال المروي(3): مثلالأحاديث الطويلة التي يشهد بوضعها ركاكة ألفاظها، ومعانيها، أو تخالف العقل ولً تقبل تأويلا بحال(4)،فإن معرفة الوضع من قرينة حال المروي أكبر من قرينة حال الراوي"(5) ولعل هذا ما دعا الذهبي لتعريف الموضوع بأنهما كان متنه مخالفا للقواعد، وراويه كذابا"(6)، فهذه إشارة منه إلى ما تمثله القرائن الخاصة بالمروي في الحكم بالوضع ونجد ابن حجر كذلك بعد أن عرّف الموضوع بأنه: " الطعن بكذب الراوي في الحديث النبوي" أردفه بقوله: "والحكم عليه بالوضع إنما هو بطريق الظن الغالب، لً بالقطع؛ إذ (1) ينظر: الزركشي،النكت، 2/257-258، وفي المطبوع (كمن لم يرو) بنفي الرواية، ولعله خطأ مطبعي، فالمعنى لً يستقيم مع المثال. (2) مثال ذلك "قال الخطيب هذا مما يستدل به على كذب الراوي كما جاء عن عمر بن موسى قال ثنا شيخكم الصالح وأكثر من ذلك فقيل له من هو قال خالد بن معدان فقيل له: في أي سنة لقيته؟، قال: سنة ثمان ومائة في غزاة أرمينية. فقيل له: اتق الله يا شيخ، ولً تكذب. مات خالد سنة أربع ومائة ولم يغز أرمينية قط". ينظر: الخطيب البغدادي، الكفاية، 119. (3) قال ابن حجر: هذا الثاني هو الغالب، وأما الأول –أي قرينة حال الراوي- فنادر. ينظر: ابن حجر، النكت، 2/843. (4) ينظر: ابن الملقن،المقنع، 1/235. (5) ابن حجر،المرجع السابق. (6) الذهبي،الموقظة، 36.

عدد الصفحات ٥٦٧

566 قد يصدق الكذوب، لكن، لأهل العلم بالحديث ملكة قوية يميزون بها ذلك، وإنما يقوم بذلك منهم من يكون اطلاعه تاماً ، وذهنه ثاقباً ، وفهمه قوياً ، ومعرفته بالقرائن الدالة على ذلك متمكنة."(1) ومن القرائن في المروي، ركاكة ألفاظه ومعانيه، والمراد بالرِّّكّة أي: "الضعف عن قوة فصاحته  في اللفظ والمعنى معاً، مثل ما يُ روى في وفاة النبي . (2) وكذا في أحدهما، لكنه في اللفظ وحده مقيد بما إذا صره ح بأنه لفظ الشه ارع، ولم يحصل التصر ف بالمعنى في نقله؛ لً سيما إن كان لً وجه له في الإعراب."(3) قال ابن دقيق العيدوأهل الحديث كثيراً ما يحكمون بذلك باعتبار أمور ترجع إلى المروي وألفاظ الحديث. وحاصلُ ه يرجع إلى أنه حصلت لهم لكثرة محاولة ألفاظ الرسول هبة(4) نفسانية أو ملكة يعرفون بها ما يجوز أن يكون من ألفاظ النبي ، وما لً يجوز أن يكون من ألفاظه. كما سئل بعضهم: كيف تعرف أن الشيخ كذاب؟ فقال: إذا روى لً تأكلوا القرعة حتى تذبحوها، علمت أنه كذاب".(5) وسُئِّ ل ابن القيم: هل يمكن معرفة الحديث الموضوع بضابط من غير أن يُ نظَ ر في سنده؟ فقال: "هذا سؤال عظيم القدر، وإنما يَ علمُ ذلك من تضلع في معرفة السنن الصحيحة، واختلطت بلحمه ودمه، وصار له فيها ملكة، وصار له اختصاص شديد بمعرفة السنن والآثار، ومعرفة سيرة رسول الله  وهديه، فيما يأمر به وينهى عنه ، ويخبر عنه (1) ابن حجر، النزهة، 107-108. (2) أي: بعضاً مما يُروى في ذلك، وأخرج ابن الجوزي شيئاً منها في كتابه الموضوعات، ينظر: ابن الجوزي، الموضوعات، 1/295-301. (3) السخاوي،فتح المغيث، 1/331، ينظر: ابن حجر،النكت، 2/844، السيوطي،التدريب، 1/325، (4)وفي طبعة دار العلوم أخرى: (هيئة نفسانية)، ينظر:ابن دقيق العيد،الًقتراح، تحقيق:الدوري، 312. (5) ابن دقيق العيد،الًقتراح، 25.

عدد الصفحات ٥٦٨

567 ويدعو إليه ويحبه ويكرهه، ويشرعه للأمة بحيث كأنه مخالط للرسول  كواحد من أصحابه."(1) ثم ذكر- رحمه الله- أموراً كلّية يُعرف بها كون الحديث موضوعاً، منها(2): 1- اشتماله على مجازفات لً يقول مثلها رسول. 2- تكذيب الحس له 3- سماجة الحديث، وكونه مما يُسخرمنه. 4- مناقضته لما جاءت به السنة مناقضة بيِّّنة 5- ركاكة ألفاظه، وكونه لً يشبه كلام الأنبياء، فضلا عن كلام رسول الذي هو وحي يُوحى. أسباب الوضع في الحديث: (3) تعددت الأسباب التي أدّت إلى الوضع في الحديث بحسب غرض أصحابها، ومرادهم من ذلك، ومن تلك الأسباب: 1- الجهل بالدين مع الرغبة في الخير واحتساب الأجر فمن أكثر أصناف الوضّاع ضرراً: طائفة تبيح الكذب في الحديث لمصلحة الدين، وربما احتسب بعضهم الأجر في ذلك، وتعلقوا بشبه باطلة (4)،وهو صنيع كثير من الزهّاد والعُبّاد ممن يتدينون بذلك؛ لترغيب الناس في أفعال الخير بزعمهم، وضررهم عظيم؛ (1)ابن قيم الجوزية، المنار المنيف في الصحيح والضعيف، 43-44. (2) ينظرالمرجع السابق، 43-81، العثمان،المحرر، 455. (3) ينظر: السباعي، السنة ومكانتها، 78-89، عمر حسن فلاته،الوضع في الحديث، 218- 284، الجديع، التحرير، 2/1043-1047. (4) ينظر تفصيل الشبه، والجواب عليها: ابن حجر،النكت، 2/852.

عدد الصفحات ٥٦٩

568 لأنهم يحتسبون بذلك، ويرونه قربة، والناس يثقون بهم، ويركنون إليهم لما نسبوا له من الزهد، والصلاح، فينقلونها عنهم. قال ابن الصلاح: "وأعظمهم ضرراً قوم من المنسوبين إلى الزهد، وضعوا الحديث احتساباً فيما زعموا، فتقبل الناس موضوعاتهم ثقة منهم بهم وركونا إليهم."(1) "ولما أنكر العلماء عليهم ذلك وذكروهم بقوله (( :من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)) قالوا: نحن نكذب له  لً عليه، وهذا كله من الجهل بالدين وغلبة الهوى والغفلة، ومن أمثلة ما وضعوه في هذا السبيل. حديث فضائل القرآن سورة سورة، فقد اعترف بوضعه نوح بن أبي مريم، واعتذر لذلك بأنه رأى الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحاق."(2) 2- الزندقة والإلحاد في الدين والزنادقة: هم المبطنون للكفر المظهرون للإسلام، أو الذين لً يتدينون بدين.(3) فضربٌ من الزنادقة يضعون الأحاديث، وذلك؛ استخفافاً بالدين، واضلالًً للناس.(4) 3- نصرة المذاهب والأهواء: (سواء كان مذهباً سياسياً أو عقدياً، أو فقهياً (1) ابن الصلاح،علوم الحديث، 99. (2) السباعي،السنة ومكانتها، 87. من أمثلة ذلك أيضاً: أخرج ابن الجوزي إلى محمد بن عيسى الطباع قوله: "سمعت ابن مهدى يقول لميسرة بن عبد ربه من أين جئت بهذه الأحاديث: (من قرأ كذا فله كذا) قال: وضعتها أرغب الناس فيها." ابن الجوزي، الموضوعات، 1/40. (3) ينظر: السخاوي،فتح المغيث، 1/316. (4) "كمحمد بن سعيد المصلوب، وا لحارث الكذاب الذي ادعى النبوة، والمغيرة بن سعيد الكوفي وغيرهم." ابن حجر، النكت، 2/851. ومثاله: قول الحاكم "فمما رواه محمد بن سعيد المصلوب، عن حميد، عن أنس، أن النبي  قال ((أنا خاتم النبيين، لً نبي بعدي، إلً أن يشاء الله)). فوضع هذا الًستثناء لما كان يدعوا إليه من الإلحاد والزندقة..." الحاكم، الإكليل، 51-52.

عدد الصفحات ٥٧٠

569 "فقد نزع الجهال والفسقة من أتباع المذاهب الفقهية والكلامية إلى تأييد مذهبهم بأحاديث مكذوبة."(1)، وضربٌ منهم يلجؤون إلى إقامة دليل على ما أفتوا به بآرائهم، فيضعون الأحاديث في ذلك. (2) "ومنهم من يضع للمذهب الفقهي، كمن وضع في فضل أبي حنيفة وذم الشافعي، ومنه الحكايات الكثيرة المتضمنة للمبالغات في الفضائل، والتي تنسب إلى الأئمة الفقهاء؛ وذلك بغرض تنفيق مذاهبهم عن طريق نسبة تلك الفضائل لهم."(3) 4- تحقيق أغراض ومصالح دنيوية حيث ذكر ابن حجر من أصناف الوضاعين: "أصحاب الأغراض الدنيوية: كالقصاص، والسؤّ ال في الطرقات ، وأصحاب الأمراء ..."(4)، وهؤلًء أمرهم أظهر؛ لأنهم في الغالب ليسوا من أهل الحديث."(1) (1) السباعي،السنة ومكانتها، 87. من أمثلة هؤلاء عمرو بن عبدالغفار الفقيمي الكوفي، قال ابن عدي: "كان السلف يتهمونه بأنه يضع الحديث في فضائل أهل البيت، وفي مثالب غيرهم" ابن عدي، الضعفاء، 6/253 (1311.) قال ابن حجرومن خفي ذلك ما حكاه ابن عدي أن محمد بن شجاع الثلجي كان يضع الأحاديث التي ظاهرها التجسيم وينسبها إلى أهل الحديث بقصد الشناعة عليهم لما بينه وبينهم من العداوة المذهبية.". ابن حجر، النكت، 2/852، ينظر: ابن عدي، المرجع السابق، 7/550 (1776.) (2) العراقي،شرح التبصرة، 1/309. من أمثلة ذلك: "قيل لمحمد بن عكاشة الكرماني: إن قوما عندنا يرفعون أيديهم في الركوع وبعد رفع الرأس من الركوع فقال حدثنا المسيب بن واضح قال حدثنا عبد الله بن المبارك عن يونس بن يزيد عن الزهري عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((من رفع يده في الركوع فلا صلاة له))". الحاكم، الإكليل، 57. (3) الجديع،التحرير، 2/1045. من أمثلة ذلك: "قيل لمأمون بن أحمد الهروي: ألً ترى إلى الشافعي وإلى من نبغ له بخراسان!! فقال حدثنا أحمد ابن عبيدالله قال حدثنا عبيدالله بن معدان الأزدي عن أنس قال: قال رسول الله  ((يكون في أمتي رجل يقال له محمد بن إدريس، أضر على أمتي من إبليس، ويكون في أمتي رجل يقال له أبو حنيفة هو سراج أمتى)). الحاكم، المرجع السابق،56 (4) ابن حجر،النكت، 2/856.

عدد الصفحات ٥٧١

570 فمنهم قوم من السؤّ ال يقفون في الأسواق والمساجد والمحافل فيضعون الأحاديث على رسول الله  بأسانيد صحيحة قد حفظوها، فيذكرون الموضوعات بتلك الأسانيد.(2) وضرب يتقربون لبعض الخلفاء والأمراء بوضع ما يوافق فعلهموأهوائهم.(3) ومنهم من يضع الحديث لمصلحة شخصية أو قصد الًنتقام من شخص أو فئة مُعيّنة.(4) وضرب يتكسبون بوضع الحديث، ويرتزقون به في قصصهم، وهم قوم شقّ عليهم الحفظ أو رأوا أن الحفظ معروف، فأتوا بما يغرب رغبة في استمالة السامعين، وصرف وجوه الناس إليه.(5) 5- حب الظهور ذكر ابن حجر من أصناف الوضّاع: "من حمله الشره ومحبة الظهور على الوضع ممن رق دي نه من المحدثين فيجعل بعضهم للحديث الضعيف إسنادا صحيحا مشهورا كمن يدعي سماع من لم يسمع. وهذا داخل في قسم المقلوب."(1) = (1) المرجع السابق، 2/858. (2) الحاكم، الإكليل، 57. (3) مثال ذلك غياث بن إبراهيم، حيث وضع للمهدي في حديث: ((لً سبق إلً في نصل، أو خف، أو حافر)) . فزاد فيه: أو جناح. وكان المهدي إذ ذاك يلعب بالحمام فتركها بعد ذلك وأمر بذبحها، وقال أنا حملته على ذلك. والقصة أخرجها الحاكم في المدخل إلى الإكليل، 55. (4) مثال ذلك: ما ذكره ابن الجوزي في الموضوعات: "ومنهم من كان يضعه في ذم من يريد أن يذمه كما روينه عن سعد بن طريف أنه رأى ابنه يبكى، فقال: مالك، فقال: ضربني المعلم، فقال: أنا والله لأخزينهم، حدثني عكرمة عن ابن عباس عن رسول الله  قال((معلمو صبيانكم شراركم))". ابن الجوزي، الموضوعات، 1/42. (5) مثال ذلك ما ذكره ابن عدي في الضعفاء عن: جعفر بن أحمد بن علي الغافقي المصري المعروف بابن أبي العلاء، وكان قد أدركه، وكتب عنه، لكنه اتهمه بوضع الحديث وذلك أنه كان مغرماً بأبواب اعتنى بوضع الحديث فيها عن المصريين وغيرهم، وضع في فضل النخلة والتمر، وفي الفراعنة، والسرقة، وأكل الطين، أحاديث بألفاظ ركيكة واضحة في الوضع. ينظر: ابن عدي، الضعفاء، 2/400 (348)، الجديع،التحرير، 2/1047.

عدد الصفحات ٥٧٢

571 6- الغفلة والتلقين وهم صنف من المحدثين: "امتحنوا بأولًد لهم أو ورّ اقين(2)، فوضعوا لهم أحاديث ودسوها عليهم، فحدثوا بها من غير أن يشعروا".(3) 7- الخطأ والوهم وقد يقع الوضع في الحديث خطأً أو وهماً، كمن يغلط فيضيف إلى النبي  كلام بعض الصحابة رضي الله عنهم أو غيرهم، من غير تعمّد لذلك.(4) قال ابن حجر: "وأخفى الأصناف القسم الأخير الذين لم يتعمدوا مع وصفهم بالصدق، فإن الضرر بهم شديد لدقة استخراج ذلك إلً من الأئمة النقاد - والله الموفق –"(5). حكم الموضوع، وروايته: (6) قال ابن الصلاحاعلم أن الحديث الموضوع شر الأحاديث الضعيفة، ولً تحل روايته لأحد علم حاله في أي معنى كان إلً مقروناً ببيان وضعه."(1) = (1) ابن حجر،النكت، 2/852. (2) الورّاق: " مُورق الْ كتب الهذِّي يورق وَيكْتب ". المعجم الوسيط، 2/1026. (3) من أمثلة ذلك "كعبد الله بن محمد بن ربيعة القدامي، وكحماد بن سلمة ؛ ابتلي بربيبه ابن أبي العوجاء، فكان يدس في كتبه، وكمعمر كان له ابن أخ رافضي، فدس في كتبه حديثا، عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله، عن ابن عباس، قال: ((نظر النبي  إلى علي، فقال: أنت سيد في الدنيا، سيد في الآخرة، ومن أحبك فقد أحبني، وحبيبي حبيب الله، وعدوك عدوي، وعدوي عدو الله، والويل لمن أبغضك بعدي )) . فحدث به عبدالرزاق، عن معمر، وهو باطل موضوع، كما قاله ابن معين. " السيوطي، التدريب، 1/337، ينظر: العراقي،شرح التبصرة، 1/309. (4) كما في قصة ثابت بن قيس في حديث: ((من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار)) ، المذكورة في شبه الوضع، وفي أقسام المدرج. (5) ابن حجر،المرجع السابق، 2/858. (6) ينظر كذلك: الذهبي،الموقظة، 67، العراقي،شرح التبصرة، 307، السيوطي، التدريب، 1/323.

عدد الصفحات ٥٧٣

572 ونقل ابن حجر الًتفاق على ذلك، فقال في النزهة (2)" :واتفقوا على تحريم رواية الموضوع إلً مقروناً ببيانه؛ لقوله  :((من حدث عني بحديث يُرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين(3)))(4)"،و"كفى بهذه الجملة وعيداً شديداً في حق من روى الحديث فيَ ظن أنه كذب، فضلا عن أن يتحقق ذلك ولً يُ بينه؛ لأنه  جعل المُحدِّّ ث بذلك مشاركاً لكاذبه في وضعه."(5) قال السيوطيأطبق على ذلك علماء الحديث فجزموا بأنه لً تَ حِّ ل رواية الموضوع في أي معنىً كان؛ إلً مقروناً ببيان وضعه"(6)، أي: "نقلاً متصلاً ببيان كونه موضوعا."(7) - وذكر السخاوي المراد ببيان الوضع بقوله: "كأن يقول: هذا كذب أو باطل، أو نحوهما من الصريح في ذلك، وفي الًقتصار على التعريف بكونه موضوعا نظر، فرب من لً يعرف موضوعه..."(8) ،وذكر حكاية عن بعض العجم أنه أنكر على العراقي قوله في حديث سُ ئل عنه: إنه كذب، محتجاً بأنه في كتاب من كتب الحديث ، ثم جاء به من = (1) ابن الصلاح،علوم الحديث، 98-99. (2) ابن حجر،النزهة، 112. (3) "يُرى - مضبوطة بضم الياء – بمعنى يظن. وفي "الكاذبين" روايتان: إحداهما: بفتح الباء على إرادة التثنية. والأخرى: بكسرها على صيغة الجمع. " ابن حجر، النكت، 2/839، ينظر: السخاوي، فتح المغيث، 1/311. (4) أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه،1/8، والترمذي في سننه كتاب العلم،باب ما جاء فيمن روى حديثا وهو يرى أنه كذب، 4/333 ح2662)، وقال: هذا حديث حسن صحيح (5) ابن حجر،المرجع السابق. (6)السيوطي، تحذير الخواص من أكاذيب القُ صه اص، 73-74. (7) القاري،شرح النخبة، 453. (8) السخاوي،فتح المغيث، 1/311-312.

عدد الصفحات ٥٧٤

573 الموضوعات لًبن الجوزي، فتعجبوا من كونه لً يعرف موضوع الموضوع(1)، إلً أن ما ذكره - رحمه الله- من التباس لفظ الموضوع، والمراد به في الحكم على الحديث عند بعضهم، قد يكون بعيداً ونادراً (2) . - وذكر ابن حجر من طرق بيان المتقدمين للحديث الموضوع، الًك تفاء بإسناده دون التصريح بكونه موضوعاً، فقال: " والًكتفاء بالحوالة على النظر في الإسناد طريقة معروفة لكثير من المحدثين، وعليها يُ حمل ما صدر من كثير منهم من إيراد الأحاديث الساقطة معرضين عن بيانها صريحا، وقد وقع هذا لجماعة من كبار الأئمة، وكان ذكر الإسناد عندهم من جملة البيان- والله أعلم –"(3). - وأشار تلميذه السخاوي - رحمه الله - إلى الفرق بين المتقدمين في روايتهم للحديث الموضوع بإسناده، ومن جاء بعدهم، فإن كان ذلك سائغاً في عصر الرواية، فهو غير سائغ لمن بعدهم، فقال: "لً يبرأ من العُ هدةِّ في هذه الأعصار بالًقتصار على إيراد إسناده بذلك؛ لعدم الأمن من المحذور به(4)، وإن صنعه أكثر المحدثين في الأعصار الماضية في سنة مائتين، وهلم جرا،..."(1). (1) ينظرالمرجع السابق، 1/310، الأثيوبي،شرح ألفية السيوطي، 1/287. (2) ينظر: فلاته،الوضع في الحديث، 326. (3) ابن حجر،النكت، 2/863. (4) مثال ذلك تخطئة ابن الصلاح لما قام به بعض المفسرين من إخراج حديث موضوع في فضائل سور القرآن في تفاسيرهم، فقال: "وهكذا حال الحديث الطويل الذي يروى عن أبي بن كعب، عن النبي  في فضل القرآن سورة فسورة. بحث باحث عن مخرجه حتى انتهى إلى من اعترف بأنه وجماعة وضعوه، وإن أثر الوضع لبين عليه، ولقد أخطأ الواحدي المفسر، ومن ذكره من المفسرين في إيداعه تفاسيرهم، والله أعلم." وإن اعتذر العراقي لمن أخرجه من المفسرين بإسناده إلً أنه لم ينفِّ عنه خطأه في ذلك، فقال في شرح التبصرة: "وكل من أودع حديث أبي - المذكور - تفسيره، كالواحدي، والثعلبي والزمخشري مخطئ في ذلك؛ لكن من أبرز إسناده منهم، كالثعلبي، والواحدي فهو أبسط لعذره، إذ أحال ناظره على الكشف عن =

عدد الصفحات ٥٧٥