المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

المصطلحات الحديثية بين الاتفاق والافتراق دراسة تحليلية موضوعية

راوية بنت عبد الله علي جابر

صفحة ٣٢ من ٤٠

494 فالمدرج نوع من أنواع المعلول، ولً يُعدّ الكشف عن علة الإدراج في الحديث مما يتهيأ بيسر، بل هو صورة من الصور الخفية لعلل الحديث، ولً يُعرف إلً بالجمع والمقارنة والحفظ والمعرفة إضافة إلى رصيد معتبر من الخلفيات الحديثية.(1). وإطلاق وصف الإدراج على بعض الأحاديث موجود في كلام الأئمة النقاد(2)، ولعل أقدم من ذكر حدّاً للمدرج هو الإمام الحاكم في معرفة علوم الحديث. تعريف الحاكم النيسابوري (ت 405هـ): قال الحاكم في كتابه "معرفة علوم الحديث" تحت النوع الثالث عشر: "معرفة المدرج في حديث رسول الله  من كلام الصحابة، وتلخيص كلام غيره من كلامه."(3) تعريف الخطيب البغدادي (ت463هـ : لقد صنهف الخطيب البغدادي كتاباً في الأحاديث المدرجة، واسمه (الفصل للوصل المدرج في النقل) ذكر فيه أنواعاً وأقساماً للحديث المدرج(4)، فقال هذا كتاب ذكرت فيه أحاديث يشكل شأنها على جماعة من أصحاب الحديث والأثر،... فمنها: أحاديث وصلت متونها بقول رواتها وسيق الجميع سياقة واحدة، فصار الكل مرفوعًا إلى النبي . (1) ينظر: الجديع،التحرير، 2/1016، حمزة عبدالله مليباري،الحديث المعلول قواعد وضوابط، 81. (2) لعل أول من استعمل مصطلح المدرج هو ابن المديني. ينظر: شرف محمود القضاة، حميد يوسف قوفي، المدرج وعلاقته بمباحث المصطلح الأخرى، 2-10. ينظرابن المديني، العلل، 77 ح116)، الترمذي، العلل، 209 ح374)،378 ح704)، ابن أبي حاتم، العلل، 5/232 ح1941)، الدارقطني، العلل، 2/95 ح137)،3/57 ح283)،5/128 ح766 .) (3) الحاكم،علوم الحديث ، 39،ليس المدرج خاصاً بما يُدرج في الحديث من كلام الصحابي كما يظهر، ...وإنما يريد التنويه بنوع منه، وهو ما كان من كلام الصحابة؛ ليدل على أن المدرج من كلام غيرهم له الحكم نفسه،....ولعل في بقية كلامه (وتخليص كلام غيره من كلامه) ما يدل على هذا،... والأمثلة التي ساقها تؤكد هذا، فقد ذكر مثالين: الأول: ما كان مدرجا من قول الصحابي وهو حديث ابن مسعود في التشهد. والثاني: ما كان مدرجا من قول من بعد الصحابي وهو حديث قتادة في الًستسعاء. ينظر: القضاة، قوفي، المدرج، 4-5 باختصار (4) الزهراني، من مقدمة تحقيقه لكتاب الخطيب البغدادي،الفصل للوصل المدرج في النقل، 1/25.

عدد الصفحات ٤٩٦

495 ومنها: ما كان متن الحديث عند راويه بإسناد غيرُ لفظةٍّ منه أو ألفاظ فإنها عنده بإسناد آخر فلم يبين ذلك بل أدرج الحديث، وجعل جميعه بإسناد واحد. ومنها: ما ألحق بمتنه لفظة أو ألفاظ ليست منه وإنما هي من متن آخر. ومنها: ما كان بعض الصحابة يروي متنه عن صحابي آخر عن رسول الله  فوصل بمتن يرويه الصحابي الأول عن رسول الله . ومنها: ما كان يرويه المحدث عن جماعة اشتركوا في روايته فاتفقوا غير واحد منهم خالفهم في إسناده فأدرج الإسناد وحمل على الًتفاق.(1) تعريف ابن الأثير(ت 606 هـ): ذكر ابن الأثير الأقوال في حكم زيادة الثقة، ثمّ عرّج إلى تعريفها وتوضيحها -للتفريق بينها وبين الإدراج في الحديث(2)- ثم أتبعها بذكر تعريف المدرج، وأشار إلى الفرق بين النوعين، فقال: النوع الخامس: في الإضافة إلى الحديث ما ليس منه...، وهذا النوع: (هو أن يذكر الراوي في الحديث زيادة، ويضيف إليه شيئًا من قوله، إلً أنه لً يبيِّّن تلك الزيادة أنها من قول النبي ،أو من قوله نفسه، فتبقى مجهولة). وأهل الحديث يُسم ون هذا النوع (المُدرَج ) يعنون أنه أدرج الراوي كلامه مع كلام النبي  ولم يُميِّّز بينهما، فَيُظَن أن جميعه لفظ النبي .(3) تعريف ابن القطان الفاسي (ت 628هـ أشار ابن القطان إلى المراد من الإدراج، والموقف من الحديث المدرج بقوله: "كل كلام مسوق في السياق لً ينبغي أن يقبل ممن يقول: إنه مدرج إلً أن يجيء بحجة"(4). (1) الخطيب البغدادي، الفصل للوصل المدرج في النقل، تحقيق: الزهراني، 1/100-101 باختصار. (2) حيث قال في تعريفهاهو أن ينفرد الراوي بزيادة في الحديث، يرفعها إلى النبي  ويجعلها من قوله." ابن الأثير، جامع الأصول، 1 /105. (3) ينظرالمرجع السابق، 1/105-106 باختصار (4) ثم أردف بقولهوهذا الباب معروف عند المحدثين، وقد وضعت فيه كتب." بيان الوهم، 5/387.

عدد الصفحات ٤٩٧

496 تعريف ابن الصلاح(ت 643هـ): لقد ذكر ابن الصلاح أقسام المدرج، فقال:(1) معرفة المدرج في الحديث،وهو أقسام: منها: ما أدرج في حديث رسول الله  من كلام بعض رواته بأن يذكر الصحابي - أو: من بعده - عقيب(2) ما يرويه من الحديث كلاماً من عند نفسه فيرويه من بعده موصولًً بالحديث غير فاصل بينهما بذكر قائله فيلتبس الأمر فيه على من لً يعلم حقيقة الحال ويتوهم أن الجميع عن رسول الله .(3) - ومن أقسام المدرج أن يكون متن الحديث عند الراوي له بإسناد إلً طرفاً منه فإنه عنده بإسناد ثان فيدرجه من رواه عنه على الإسناد الأول ويحذف الإسناد الثاني ويروي جميعه بالإسناد الأول.(4) ومنها أن يدرج في متن حديث بعض متن حديث آخر مخالف للأول في الإسناد.(5) ومنها: أن يروي الراوي حديثاً عن جماعة بينهم اختلاف في إسناده فلا يذكر الًختلاف بل تدرج روايتهم على الًتفاق(6). (1) ينظر علوم الحديث، 95-98. (2) استدرك على ابن الصلاح وقوع الإدراج في أول المتن ووسطه كل من الزركشي، الأبناسي، وابن الملقن، والعراقي، واستشهدوا بما ذكره الخطيب البغدادي وبعض الأمثلة على ذلك. ينظر: الزركشي، النكت، 2/241، الأبناسي، الشذا الفياح، 1/216، ابن الملقن،المقنع، 1/228، العراقي، التقييد، 128. (3) مثّل له بحديث ابن مسعود في التشهد الأخير في الصلاة. ينظر: ابن الصلاح،المرجع السابق،96. والحديث أخرجه أحمد في مسنده7/108 ح4006)، والدارقطني في سننه،2/165 ح1333 .) (4) ومثّل له بحديث وائل بن حجر في صفة صلاة رسول الله  . ينظرابن الصلاح، المرجع السابق، 97. الحديث أخرجه أبو داود في سننه كتاب الصلاة، باب افتتاح الصلاة،1/194 ح729)، وأحمد في مسنده، 31/140-141 ح18847.) (5) مثّل له بحديث أنس في النهي عن التباغض والتحاسد. ينظر: ابن الصلاح، المرجع السابق. والحديث أخرجه الخطيب في الفصل للوصل، 2/739 ح81)، وابن عبد البر في التمهيد 6 /116. (6) مثّل له بحديث ابن مسعود ((قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم..)). ينظر: المرجع السابق، 98. =

عدد الصفحات ٤٩٨

497 تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح لقد تعددت مسالك من جاء بعد ابن الصلاح في تعريف المدرج وبيان أقسامه: - فمنهم من نقل تعريف ابن الصلاح لأقسام المدرج بتصرّف يسير كابن الملقن(ت804هـ في كتابه المقنع(1)،وابن الوزير (ت840هـ في التنقيح(2)، إلً أن ابن الملقن عاد واختصر هذا التعريف بشكل مجمل وموجز في التذكرة، فقال: المدرج: "وهو زيادة تقع في المتن ونحوه."(3) - ومنهم من اختصر كلام ابن الصلاح- ودمج بين القسم الثاني والثالث من أقسام المدرج عنده- كالنووي(ت676هـ)(4)،وابن جماعة (ت733هـ)(5)، والطيبي (ت 743هـفي الخلاصة(6). ولعل من أبرز تعريفات الحديث المدرج بعد ابن الصلاح،ما يلي: = والحديث أخرجه أحمد في مسنده 7/200 ح4131)، والترمذي في سننه كتاب التفسير، باب: ومن سورة الفرقان، 5/190 ح (3183)، وقال: "حديث سفيان، عن منصور، والأعمش، أصح من حديث شعبة، عن واصل، لأنه زاد في إسناده رجلا. حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن واصل، عن أبي وائل، عن عبدالله، عن النبي  نحوه هكذا روى شعبة، عن واصل، عن أبي وائل، عن عبدالله، ولم يذكر فيه عمرو بن شرحبيل." الخطيب في الفصل للوصل، 2/819 ح93.) (1) ينظر 1/227-231. وقد تعقّب ابن الصلاح فيما يخص موضع الإدراج، فقالوقد يدرج في أول الحديث وفي وسطه كما نبه عليه الخطيب، وإن قيده الشيخ بالعقب". المرجع السابق، 1 /228. (2) 167- 171. (3) 18. قال السخاوي فيالتوضيح الأبهر (الأسرّ) : "(والمدرج: وهو زيادة تقع في المتن) من صلةٍّ بآخره، أو غيرها من أوله وأثنائه دون فصلٍّ لها عنه، (ونحوه) كأن يسوق سندًا ثم يَ عرضُ عارضٌ فيقول كلامًا من قِّ بلِّ نفسه فيظن بعض من سمعه أن ذاك الكلام هو متن ذلك الإسناد فيرويه عنه كذلك". 56. (4) ينظر: النووي،التقريب، 46. (5) ينظر: ابن جماعة،المنهل، 53. (6) ينظر 53-54.

عدد الصفحات ٤٩٩

498 تعريف ابن دقيق العيد (ت702هـ، حيث قال: "وهي ألفاظ تقع مع بعض الرواة متصلة بلفظ الرسول ،ويكون ظاهرها أنها من لفظه فيدل دليل على أنه من لفظ الراوي"(1) ونجده قد خصّ مدرج المتن بالتعريف دون مدرج الإسناد، وتبعه الذهبي (ت748هـ في الموقظة(2)، وابن كثير (ت774هـ) في الًختصار فقال: "وهو: أن تزاد لفظة في متن الحديث من كلام الراوي، فحسبها من يسمعها مرفوعة في الحديث، فيرويها كذلك. "(3)،ثم أشار إلى وقوع الإدراج في الإ سناد فقال: " وقد يقع الإدراج في الإسناد، ولذلك أمثلة كثيرة."(4) ثم جاء ابن حجر (ت 852هـ) فأفرد كلاً من مدرج الإسناد، ومدرج المتن بتعريف خاص، فقال في النزهة(5) : "ثم المخالفة، إن كانت واقعة بسبب تغير السياق، أي: سياق الإسناد، فالواقع فيه ذلك التغيير هو مدرج الإسناد." وأتبع ذلك بذكر أقسام الإدراج في السند، ثم عرّف مدرج المتن بقوله: "وأما مدرج المتن: فهو أن يقع في المتن كلام ليس منه. فتارةً يكون في أوّ له، وتارة في أثنائه، وتارة في آخره، وهو الأكثر؛ لأنه يقع بعطف جملة على جملة، أو بدمج موقوف (1) ابن دقيق العيد،الًقتراح، 23. (2) ينظر53-54،تعريفه مختصر بشيء بسيط من تعريف شيخه ابن دقيق العيد، حيث قال: "هي ألفاظ تقع من بعض الرواة متصلة بالمتن، لً يبين للسامع إلً أنها من صلب الحديث. ويدل دليل على أنها من لفظ راو، بأن يأتي الحديث من بعض الطرق بعبارة تفصل هذا من هذا." (3) 56، ثم أتبعه بقوله "قد وقع من ذلك كثير في الصحاح والحِّسان والمسانيد وغيرها ." وهو يشير بذلك إلى أن حكم الإدراج يتراوح بين الصحة والحسن والضعف. (4) المرجع السابق (5) ابن حجر،النزهة، 114-115.

عدد الصفحات ٥٠٠

499 من كلام الصحابة، أو من بعدهم، بمرفوع من كلام النبي ، من غير فصل، فهذا هو مدرج المتن."(1) المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها إن المتأمل لتعريفات الحديث المدرج يجد أن أغلبها ركّز على ذكر حدّ المدرج في المتن، وإن لم يُصرّح بذلك، فبدءًا من الحاكم ومن تبعه كابن الأث ير، وابن دقيق العيد، وتلميذه الذهبي؛ نجدهم اقتصروا في تعريفهم على ما يخُصّ إدراج المتن، وقد أشار بعضهم كابن كثير وابن الملقن إلى أقسام الإدراج الأخرى بإشارة مجملة. أما الخطيب البغدادي فقد عمد في تصنيفه لكتاب (الفصل للوصل) إلى بيان أنواع الإدراج في الحديث وأقسامه(2)، والتمثيل لكل قسم، وقد حذا حذوه ابن الصلاح في ذكر أقسام (1) ينظر: ابن حجر، النزهة، 115. (2) الإدراج في الحديث على نوعين رئيسيين إدراج في المتن، وإدراج في السند، ولكل منهما أقسام، حيث يتفق الباحثون والكتاب في مجال علوم الحديث على جعل المدرج على أنواع. لكن تقسيمهم لهذه الأنواع يختلف زيادة ونقصا، كما يختلف باعتبار الحيثيات التي ينبني عليها ذلك التقسيم. وتأسيسا على ما مضى يمكن تقسيم الإدراج من حيث مكان وقوعه إلى نوعين: النوع الأول: الإدراج في المتن، النوع الثاني: الإدراج في السند. ويمكن تقسيم مدرج المتن إلى ثلاثة أقسام، وهذه الأقسام الثلاثة لإدراج المتن منهم من قسّمها باعتبار مكان وقوع الإدراج من المتن، وهي مراتب الإدراج في المتن عند ابن حجر: (إدراج في أول المتن، وإدراج في وسطه، وإدراج في آخره)، بينما ذكر آخر أن أقسام مدرج المتن الثلاثة هي: 1- ما كان من قول الصحابي ووصل بحديث رسول الله . 2- ما كان من قول التابعي ووصل بحديث رسول . 3- ما كان من قول من بعد التابعين ووصل بحديث رسول. - وبالنسبة لأقسام الإدراج في السند اختلف عددها عند علماء الحديث، يقول محمد مطر الزهراني في مقدمة تحقيقه لكتاب الخطيب: "اختلف المؤلفون في علوم الحديث في عدد أقسام هذا النوع، فالخطيب البغدادي - رحمه الله - أول من حرر مسائل المدرج - بل أبواب المصطلح كلها - جعل هذا النوع أربعة أقسام، ووافقه ابن الصلاح ثم الحافظ ابن حجر على ثلاثة أقسام، وتفرد الخطيب بالقسم الرابع كما أضاف الحافظ ابن حجر على الخطيب وابن صلاح قسمين". =

عدد الصفحات ٥٠١

500 المدرج إلً أنه اقتصر على ذكر أربعة منها، حيث قال ابن حجرلم يذكر المصنف من أقسام المدرج إلً أربعة: قسم في المتن وثلاثة في الإسناد، وقد قسمه الخطيب الذي صنف فيه إلى سبعة أقسام."(1) وهناك من تبع ابن الصلاح في ذكر أقسام المدرج والتمثيل لها، ومنهم من عرّف المدرج بشكل مجمل دون أن يصرّح بتخصيص نوع منه، بينما ذهب ابن حجر إلى تعريف كُلٍّّ من مدرج المتن ومدرج الإسناد على حدة. وبتأمل ما سبق من تعريفات لمصطلح الحديث المدرج نجدها تضم قيدين أساسيين هما: - أن يُدخَل في الخبر(2) ما ليس منه - ألً يُفصَل بين أصل الخبر وما أُدخل فيه بفاصل يميّزه، فيتوهم أنه منه. وفيما يلي بيان ذلك: قيود الحديث المدرج: = ينظر: ابن حجر، النكت،2/811، ابن حجر، النزهة، 115، البقاعي، النكت، 1/535-536، السخاوي، فتح المغيث، 1/304-308، السيوطي، التدريب، 1/317-321، الفحل،اختلاف الأسانيد، 416-429، عبدالسميع محمد الأنيس، "الإدراج عند المحدثين" من مقدمة تحقيقه لكتاب الخطيب البغدادي، الفصل للوصل المدرج في النقل ، 68-73، محمد مطر الزهراني، "المدرج وأنواعه" من مقدمة تحقيقه لكتاب الخطيب البغدادي، الفصل للوصل المدرج في النقل، 22- 28. (1) ابن حجر،النكت، 2/811. (2) التعبير هنا بلفظ الخبر لأنه أعم وأشمل حيث يشمل المرفوع، والموقوف، والمقطوع، وقد ذكر ابن حجر في النزهة الفرق بين الخبر والحديث على ثلاثة أقوال: "1- الخبر: عند علماء هذا الفن مرادف للحديث. 2- وقيل: الحديث: ما جاء عن النبي، والخبر: ما جاء عن غيره، ومن ثمة قيل لمن يشتغل بالتواريخ وما شاكلها: (الإخباري)، ولمن يشتغل بالسنة النبوية: (المُ حدِّّ ث). 3- وقيل: بينهما عموم وخصوص مطلق: فكل حديث خبر، من غير عكس، وعبر هنا بـ(الخبر) ليكون أشمل." ابن حجر، النزهة، 35- 36، ينظر: السيوطي،التدريب، 1/29، القاري،شرح النخبة، 153.

عدد الصفحات ٥٠٢

501 القيد الأول أن يُدخَل في الخبر ما ليس منه. لقد تضمنت أقسام المدرج التي ذكرها ابن الصلاح تقييد الإدراج بكونه زيادة في الخبر ليست منه، يظهر ذلك في قوله: ( ما أُ درِّ ج في حديث رسول الله  من كلام بعض رواته... كلاما من عند نفسه ...) وقوله: ( أن يدرج في متن حديث بعض متن حديث آخر...)، وقوله: (أن يروي الراوي حديثا عن جماعة بينهم اختلاف في إسناده... تدرج روايتهم على الاتفاق)، وقد تبع ابن الصلاح من جاء بعده ممن لخّص كلامه. وقد سبقه في بيان هذه الأقسام الخطيب البغدادي، والتي تضمّنت عباراته التنصيص على هذا القيد كقوله في أحدها: "ما ألحق بمتنه لفظة أو ألفاظ ليست منه وإنما هي من متن آخر". - وأيضاً جاءت الإشارة لهذا القيد في تعريف الحاكم حيث قال: "معرفة المدرج في حديث رسول الله  من كلام الصحابة، وتلخيص كلام غيره من كلامه ."(1) - وأما ابن الأثير فقد صرّح بذكر هذا القيد؛ للتفريق بين الإدراج وزيادة الثقة، فعرّف الأخيرة بقوله: "هو أن ينفرد الراوي بزيادة في الحديث، يرفعها إلى النبي  ويجعلها من قوله" ثم أتبعها بذكر المراد بالإدراج، فقال في بيانه: "الإضافة إلى الحديث ما ليس منه..."، فقوله: (ما ليس منه) احتراز من زيادة الثقة(2)، إذالإدراج وزيادة الثقة يتفقان في كون كل منهما زيادة في الظاهر في السند أو في المتن، ويفترقان في أن زيادة الثقة هي جزء من الحديث رُ وِّ ي من بعض الطرق ولم يُ روَ من بعضها الآخر؛ بينما الزيادة في المدرج ما أُضيف للحديث وليس منه. (1) الحاكم،علوم الحديث، 39. (2) ينظر فصل زيادة الثقة، وهو الفصل السابع من هذا البحث

عدد الصفحات ٥٠٣

502 - ويظهر أيضاً اشتراط هذا القيد- في الحديث المدرج- في قول ابن دقيق العيد: "وهي ألفاظ تقع مع بعض الرواة متصلة بلفظ الرسول ،..."، وتبعه الذهبي، وابن كثير كذلك بقوله: "وهو: أن تزاد لفظة في متن الحديث من كلام الراوي"، وكذلك ابن حجر بقوله: "أن يقع في المتن كلام ليس منه..."، فقد نصّ على كون الزيادة في الإدراج ليست من متن الحديث، وذكر أيضاً بأن مدرج الإسناد ناتج عن مخالفة الراوي بتغيير سياق الإسناد، وهذا التغيير كذلك إدخالٌ في الإسناد ما ليس منه، وللإدراج صور متعددة حسب موقعه في الإسناد أو المتن، وصور ذلك على النحو الآتي: صور الإدراج في السند: قسه م الخطيب الإدراج في الإسناد إلى أربعة أقسام، ووافقه ابن الصلاح على ثلاثة منها، وقسمه الحافظ إلى خمسة أقسام، وملخصها ما يلي(1): 1- أن يكون المتن مختلف الإسناد بالنسبة إلى أفراد رواته، فيرويه را وٍّ واحد عنهم، فَيَ حمِّ ل بعض رواياتهم على بعض، ولً يميز بينها.(2) (1) ينظر: الخطيب البغدادي،الفصل للوصل، 1/100-101،ابن الصلاح، علوم الحديث، 95-98، ابن حجر، النزهة، 115، ابن حجر، النكت، 2/832-835 باختصار (2) "مثاله: ما رواه عبد الرحمن بن مهدي ومحمد بن كثير العبدي، عن سفيان الثوري، عن منصور والأعمش وواصل الأحدب، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، عن ابن مسعود، قلت: ((يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ ... الحديث)) وواصل إنما رواه، عن أبي وائل، عن عبد الله، من غير ذكر عمرو ابن شرحبيل بينهما، والله أعلم." ابن الصلاح، علوم الحديث، 98. والحديث أخرجه أحمد في مسنده 7/200 ح4131)، والترمذي في سننه كتاب التفسير، باب: ومن سورة الفرقان، 5/190 ح (3183)، وقال: "حديث سفيان، عن منصور، والأعمش، أصح من حديث شعبة، عن واصل، لأنه زاد في إسناده رجلا. حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن واصل، عن أبي وائل، عن عبدالله، عن النبي  نحوه هكذا روى شعبة، عن واصل، عن أبي وائل، عن عبدالله، ولم يذكر فيه عمرو بن شرحبيل. "، والخطيب في الفصل للوصل، 2/819 ح93.)

عدد الصفحات ٥٠٤

503 2- أن يكون المتن عند الراوي له بالإسناد إلً طرفًا منه فإنه عنده بإسناد آخر، فيرويه بعضهم عنه تامًا بالإسناد الأول، ولً يذكر الإسناد الثاني.(1) 3- أن يكون المتن عند الراوي إلً طرفًا منه، فإنه لم يسمعه من شيخه فيه، وإنما سمعه من واسطة بينه وبين شيخه،(2) فيدرجه بعض الرواة عنه بلا تفصيل،(3) قال ابن حجر: "وهذا مما يشترك فيه الإدراج والتدليس"(4). 4- أنيكون متنان مختلفي الإسناد،(5) فيدرج بعض الرواة شيئا من أحدهما في الآخر، ولً يكون ذلك الشيء من رواية ذلك الراوي.(6) (1) مثاله حديث ابن عيينة وزائدة بن قدامة، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر في صفة صلاة رسول الله ، وفي آخره((أنه جاء في الشتاء، فرآهم يرفعون أيديهم من تحت الثياب)).- والحديث أخرجه أبو داود في سننه كتاب الصلاة، باب افتتاح الصلاة، 1/194 ح729)، وأحمد في مسنده، 31/140-141 ح18847)- والصواب رواية من روى عن عاصم بن كليب بهذا الإسناد صفة الصلاة خاصة، وفصل ذكر رفع الأيدي عنه، فرواه عن عاصم، عن عبدالجبار بن وائل، عن بعض أهله، عن وائل بن حجر. ينظر: ابن الصلاح،المرجع السابق97. (2) "الفرق بينه وبين النوع الثاني أن الطرف المدرج في النوع الثاني هو عن شيخ مغاير لشيخه في بقية المتن، وهنا فإن شيخه في كليهما واحد." الفحل، اختلاف الأسانيد، 435 (الحاشية (3) "مثال ذلك: حديث إسماعيل بن جعفر، عن حميد عن أنس  في قصة العرنيين وأن النبي قال لهم: ((لو خرجتم إلى إبلنا فشربتم من ألبانها وأبوالها)) ولفظة: (وأبوالها) إنما سمعها حميد من قتادة عن أنس ،بيّنه يزيد بن هارون ومحمد بن أبي عدي ومروان بن معاوية وآخرون. كلهم يقول فيه: "فشربتم من ألبانها" قال حميد: قال قتادة عن أنس  (وأبوالها)، فرواية إسماعيل على هذا فيها إدراج وتسوية، والله أعلم." ابن حجر، النكت، 2/834، السخاوي،فتح المغيث، 1/305. والحديث أخرجه النسائي في سننه كتاب تحريم الدم، بابذكر اختلاف الناقلين لخبر حميد عن أنس ابن مالك فيه، 7/96 ح4030)، وأحمد في مسنده19/97 ح12042.) (4) ابن حجر،المرجع السابق. "الفرق بينهما أن في التدليس يكون الإيهام مقصودً ا بخلاف الإدراج." السليماني، الجواهر، 346. (5) يفترق عن القسم الثاني والثالث أن القسمين السابقين، الذي تم إدراجه هو طرف المتن فقط، وهو حديث واحد من رواية نفس الراوي بإسنادين مختلفين، وهنا أُدرج فيه متن آخر ليس من رواية الراوي، وهما حديثان مختلفان. ينظر: السليماني، الجواهر، 347. (6) مثاله "رواية سعيد بن أبي مريم، عن مالك، عن الزهري، عن أنس أن رسول الله  قال((لً تباغضوا، ولً تحاسدوا، ولً تدابروا، ولً تنافسوا. .)) الحديث. فقوله: (لً تنافسوا) أدرجه ابن أبي مريم من متن حديث آخر، رواه مالك عن أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة فيه: ((لً تجسسوا، ولً تحسسوا، ولً تنافسوا، ولً تحاسدوا)). والله أعلم." ابن الصلاح، علوم الحديث، 97. =

عدد الصفحات ٥٠٥

504 5- أيَ ذكُ ر المحدث متن الحديث، بل يسوق إسناده فقط، ثم يَقطَعُه قاطع، فيذكر كلامًا، فيظن بعض من سمعه أن ذلك الكلام هو متن ذلك الإسناد.(1) هذا فيما يخص صور الإدراج في السند. أما الإدراج في المتن فقد ذكر ابن حجر أنه على مراتب ثلاث(2)هي: 1 - أن يقع الإدراج في أول المتن(3) 2 - أن يقع الإدراج في وسط المتن(4) = والحديث أخرجه الخطيب في الفصل للوصل،2/739 ح81)، وابن عبد البر في التمهيد6 /116. "فحديث مالك مختلف الإسناد، رواه سعيد بن أبي مريم عنه مدرجاً بعضه في بعض دون أن يميّز بينها." مليباري، المعلول، 86. (1) "وقع لشيخ زاهد ثقة بالكوفة، يقال له ثابت بن موسى، دخل على شريك بن عبد الله القاضي، فكان يقرأ عليه حديث عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن النبي ، فلما بصر به ورأى عليه أثر الخشوع، قال: من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار. فظن ثابت، أن ما تكلم به شريك من قبل نفسه، هو حديث عن النبي بهذا الإسناد، فرواه عن شريك بعده، وسمع منه الكبار، وسرقه جماعة من الضعفاء، فرووه عن شريك" الخليلي، الإرشاد، 1/170-171. (2) ينظر: ابن حجر،النكت، 2/812. (3) مثال ما وقع الإدراج في أول المتن: حديث أبي هريرة  عن رسول: ((أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار)). فقوله(أسبغوا الوضوء)، مدرج من قول أبي هريرة، كما بين في رواية البخاري، عن آدم، عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، قال: ((أسبغوا الوضوء، فإن أبا القاسم  قال: ويل للأعقاب من النار)) كتاب الوضوء، باب غسل الأعقاب، 1/44 ح (165.) ينظر: الزركشي،النكت، 2/241، الأبناسي،الشذا الفياح، 1/219، العراقي،التقييد، 1/128، ابن حجر، النكت، 2/824، السيوطي،التدريب، 1/317 (4) مثال ما وقع الإدراج في وسطه: ما رواه الدارقطني في سننه – كتاب الطهارة، باب ما روي في لمس القبل والدبر والذكر والحكم في ذلك، 1/269 ح536)- من طريق عبدالحميد بن جعفر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن بسرة بنت صفوان، قالت: سمعت رسول الله  يقول: ((من مس ذكره، أو أنثييه أو رفغه فليتوضأ)). قال الدارقطني كذا رواه عبدالحميد عن هشام، ووهم في ذكر الأنثيين والرفغ وإدراجه ذلك في حديث بسرة قال: والمحفوظ أن ذلك من قول عروة غير مرفوع، وكذلك رواه الثقات عن هشام منهم أيوب السختياني وحماد بن زيد وغيرهما. ثم رواه من طريق أيوب بلفظ: ((من مس ذكره فليتوضأ)). قال وكان عروة يقول: ((إذا مس رفغيه أو أنثييه أو ذكره فليتوضأ)). وقال الخطيب: عبدالحميد تفرد بذكر الأنثيين والرفغين وليس من كلام رسول الله  وإنما هو قول عروة بن الزبير فأدرجه الراوي في متن الحديث وقد بين ذلك حماد وأيوب. مع أن عبد الحميد لم ينفرد به فقد رواه الطبراني في الكبير- 24/200 ح510)- من رواية أبي كامل الجحدري ولفظه: ((إذا مس أحدكم ذكره أو أنثييه أو رفغه فليتوضأ)). ورواه الدارقطني أيضا - في سننه =

عدد الصفحات ٥٠٦

505 3 - أن يقع الإدراج في آخر المتن(1) ثم قد يكون المدرج من قول الصحابي(2) أو التابعي(3) أو من بعده(4). = كتاب الطهارة، باب ما روي في لمس القبل والدبر والذكر والحكم في ذل ك،1/270 ح539)- من رواية ابن جريج عن هشام عن أبيه ولم يذكر فيه الرفغ. ينظر: الخطيب البغدادي، الفصل للوصل ، 1/344 ح22)، الزركشي، المرجع السابق ،2/242، الأبناسي،المرجع السابق 1/220، العراقي، المرجع السابق 1/130، ابن حجر، المرجع السابق 2/830، السيوطي،المرجع السابق1/318. (1) قال ابن الصلاحومن أمثلته المشهورة: ما رويناه في التشهد عن أبي خيثمة زهير بن معاوية، عن الحسن بن الحر، عن القاسم بن مخيمرة، عن علقمة، عن عبدالله بن مسعود أن رسول الله  علمه التشهد في الصلاة فقال: ((قل: التحيات لله فذكر التشهد،.. وفي آخره: أشهد أن لً إله إلً الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، فإذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد))، هكذا رواه أبو خيثمة عن الحسن بن الحر، فأدرج في الحديث قوله: فإذا قلت هذا إلى آخره، وإنما هذا من كلام ابن مسعود، لً من كلام رسول الله . ومن الدليل عليه أن الثقة الزاهد عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان رواه عن رواية الحسن بن الحر كذلك، واتفق حسين الجعفي وابن عجلان وغيرهما في روايتهم عن الحسن بن الحر على ترك ذكر هذا الكلام في آخر الحديث، مع اتفاق كل من روى التشهد عن علقمة وعن غيره، عن ابن مسعود على ذلك، ورواه شبابة عن أبي خيثمة ففصله أيضا." ابن الصلاح، علوم الحديث، 96. والحديث أخرجه أحمد في مسنده7/108 ح4006)، والدارقطني في سننه كتاب الصلاة، باب صفة التشهد ووجوبه واختلاف الروايات فيه 2/165 ح1333). ينظر: الأبناسي،المرجع السابق1/216، السيوطي،المرجع السابق1/315. (2) مثال "ما وقع في المتن من كلام الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - مدرجا في كلام النبي : حديث ابن مبارك، عن يونس، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله  :((للعبد المملوك أجران، والذي نفسي بيده لولً الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك)). رواه البخاري – في صحيحه كتاب العتق، باب العبد إذا أحسن عبادة ربه ونصح سيده، 3 /149 ح2548)- عن بشر بن محمد عن ابن المبارك فهذا الفضل الذي في آخر الحديث لً يجوز أن يكون من قول النبي  إذ يمتنع عليه أنيتمنى أن يصير مملوكا - وأيضا فلم يكن له أم يبرها، بل هذا من قول أبي هريرة  أدرج في المتن وقد بينه حيان بن موسى عن ابن المبارك، فساق الحديث إلى قوله "أجران" فقال فيه: "والذي نفس أبي هريرة بيده.." إلى آخره". ابن حجر، النكت، 2/812-813. والحديث أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الأيمان، باب ثواب العبد وأجره إذا نصح لسيده، 3/1284 ح (1665) مبيّناً الجزء المدرج من كلام أبي هريرة (3) مثالما وقع من كلام التابعين، فمن بعدهم: حديث عد الأسماء الحسنى فيما رواه الترمذي - في سننه، كتاب الدعوات 5/411 ح3507)- واستغربه من طريق الوليد بن مسلم، عن أبي الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة  فإن الحديث الصحيح من طريق شعبة عن أبي الزناد دون ذكر الأسماء." ابن حجر، المرجع السابق، 2/820 . (4) مثال "ما أدرج من كلام بعض التابعين أو من بعدهم في كلام الصحابة ،حديث سعد بن أبي وقاص  في قصة مرضه بمكة واستئذان النبي في الوصية، وفيه لكن البائس سعد بن خولة - يرثي له رسول الله  إن مات بمكة فإن قوله: "يرثي له.." إلى آخره من كلام الزهري أدرج في الخبر إذ رواه عن عامر بن سعد، عن أبيه." المرجع السابق، 2 /821. =

عدد الصفحات ٥٠٧

506 - وتتفاوت أمثلة هذه المراتب بين القلة والكثرة حيث ذكر ابن حجر أن وقوع الإدراج في آخر المتن هو الأكثر، بينما وقوعه في الوسط قليل، ويندر وقوعه في أول الحديث(1)، بل إنه ذهب إلى أنه لم يجد للتمثيل على الإدراج في أول السند غيرَ مثالين (2)، ووافقه من = والحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب رثاء النبي  سعد بن خولة،2/81 ح (1295)، ومسلم في صحيحه كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث،3/1250 ح1628.) (1) ابن حجر،النكت، 2/812. (2) قال ابن حجر في النكتوفتشت ما جمعه الخطيب في المدرج، ومقدار ما زدت عليه منه، فلم أجد له مثالً آخر إلً ما جاء في بعض طرق حديث بسرة الآتي من رواية محمد بن دينار، عن هشام بن حسان..." المرجع السابق، 2/824 . ولعله يقصد ما صح إدراجه عنده، وإلً فإن أمثلة مدرج المتن في كتاب الخطيب والتي عددها47 حديثاً (كما ذكر محقق الكتاب مطر الزهراني) منها سبعة أحاديث من المدرج في أ ول المتن وأرقامها:(5،6،8،14،15،36،74)، وثامن مختلف في موقع الإدراج منه بين أوّله وآخره، ورقمه: (18)، ولم يذكر سوى مثالين من المدرج في وسط المتن32،73). ينظر: الخطيب،الفصل للوصل، ط دار الهجرة. ويُشكل قول ابن حجر بأنه فتّش ما جمعه الخطيب في المدرج، وما زاده هو عليه من الأمثلة، ولم يجد سوى مثالين من المدرج في أول المتن!، مع أن المذكور في الكتاب أكثر من ذلك، ولعل أقواله المنثورة في كتابه فتح الباري والتي تشير إلى وقوع الًختلاف بين العلماء في القول بالإدراج في الحديث أو نفيه، تجيب عن هذا الإشكال من جهة أن الحكم بوجود الإدراج في الحديث قد لً يتفق عليه العلماء، فمن أقواله في ذلك: "أن الأصل عدم الإدراج حتى يثبت التفصيل فمهما كان مضموما إلى الحديث فهو منه ولً سيما إذا روي من وجهين"، وقوله: "الإدراج لً يثبت بالًحتمال"، وقوله: "الأصل أن كل ما ذكر في الحديث فهو منه حتى يثبت الإدراج بدليل". ينظر: ابن حجر، فتح الباري، 2/196،3/96،4 /437. فلعل مقصود ابن حجر بأنه فتّش ولم يجد سوى مثالين،أي: مما صح عنده، ويعضد هذا قول الذهبي: في الموقظة عن كتاب الخطيب البغدادي الفصل للوصل-: "وقد صنف فيه الخطيب تصنيفا، وكثير منه غير مُ سلَّ م له إدراجه." وقال الباحث محمد الرعود: "وأرى أن الحق ما قاله الحافظ ابن حجر، إذ أنني بحثت في البخاري وغير البخاري فوجدت الإدراج أول المتن قليلاً جداً ووسطه أكثر..." ثم ذكر مثالين للمدرج في أول المتن: - الأول: حديث عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري أن أبا سعيد الخدري، قال له إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك، أو باديتك، فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء، فإنه: ((لً يسمع مدى صوت المؤذن، جن ولً إنس ولً شيء، إلً شهد له يوم القيامة))، قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله . أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الأذان، باب رفع الصوت بالنداء، 1/125 ح609.) - الثاني حديث عبدالله بن مسعود قال: قال النبي :((بئس ما لأحدهم أن يقول نَسِّ يت آية كيت وكيت، بل نُ سِّّ ي واستذكروا القرآن، فإنه أشد تفصِّّ يا من صدور الرجال من النه عَ مِّ ))- أخرجه البخاري في صحيحه كتاب فضائل القرآن، باب استذكار القرآن وتعاهده، 6/193 ح5032)- وذكر أن الخطيب قال: "ورفع جميع هذا الحديث عن الأعمش خطأ، وإيقاف جميعه أيضا عنه خطأ..."، وأن الحافظ ابن حجر رجّح رفعه جميعه. وعقّب الباحث -بعد ذكره للأمثلة- بقوله: "هذا ما استطعت أن أجده من مدرج الحديث في أول النص في صحيح البخاري، ولعل هناك أمثلة في غير البخاري". المراجع: ينظر: الخطيب البغدادي، الفصل =

عدد الصفحات ٥٠٨

507 تلامذته فيما ذهب إليه: البقاعي(1)، والسخاوي(2)، وزكريا الأنصاري(3)الذي اعتبر ذلك كافياً لإسقاط القول بأن المدرج في الأول أكثر منه في الأثناء، ولعله يقصد بذلك قرينه السيوطي كما جاء في كتابه التدريب حيث قال: "والغالب وقوع الإدراج آخر الخبر، ووقوعه أوله أكثر من وسطه؛ لأن الراوي يقول كلاما يريد أن يستدل عليه بالحديث، فيأتي به بلا فصل، فيتوهم أن الكل حديث."(4) وما ذهب إليه السيوطيقد يُشكل من جهتين: - الأولى: من جهة معارضته لما ذهب إليه شيخه من كون أمثلة الإدراج في أول المتن نادرة؛ بينما ذهب السيوطي لكونها أكثر من الأمثلة في وسط المتن. - الثانية: من جهة تعارضه مع ما أورده هو بعد ذلك القول؛ حيث نجده قد ذكر مثالً واحدا للمدرج في أول السند، وثلاثة أمثلة للمدرج في الوسط، وعقّب بكون الأمثلة عليه كثيرة(5). ويمكن الإجابة على هذا الإشكال على النحو الآتي: - من جهة معارضته إلى ما ذهب إليه شيخه، فيمكن توجيه ما ذهب إليه السيوطي -من كون أمثلة الإدراج في أول المتن أكثر من وسطه- بالنظر إلى عدد الأمثلة الواردة في = للوصل، 1/216 ح15)، الذهبي،الموقظة، 54، ابن حجر،فتح الباري، 9/82،محمّد عبدالرزاق الرعود، المدرج في الحديث النبوي الشريف، 162-166. (1) ينظر: البقاعي،النكت، 1/540-541. (2) حيث قالفهو مثال لما الإدراج في أوله وهو نادر جدا، حتى قال شيخنا: إنه لم يجد غيره إلً ما وقع في بعض طرق حديث بسرة الآتي." . السخاوي، فتح المغيث، 1/300 (3) الأنصاري،فتح الباقي، 1/278. (4) السيوطي،التدريب، 1/317. (5) المرجع السابق، 1/319.

عدد الصفحات ٥٠٩

508 كتاب الخطيب؛ حيث نجد أن المجموع الكلي لمدرج المتن سبعة وأربعون حديثاً (1)، يمثّل المدرج في أول المتن سبعة أحاديث، وواحد مختلف بين كون الإدراج في أوله أو آخره،(2) أي بنسبة17%، ويقابلها مثالين للمدرج في الوسط،(3) أي بنسبة4.% وكذلك في الجزء الذي لخّصه السيوطي من مدرج المتن من كتاب ابن حجر- والذي هو في الأساس تهذيب وترتيب لكتاب الخطيب(4)- فعدة الأحاديث التي اقتصر عليها السيوطي من تلخيصه لكتاب ابن حجر واحد وأربعون حديثاً، عدد الأحاديث المدرجة في أولها أربعة أحاديث (5)، أي: بنسبة 10% تقريباً، وعدد مدرج الوسط ثلاثة أحاديث (6)، أي بنسبة 7% تقريباً، وهذه النسب تؤيّد ما ذهب إليه السيوطي بداية من كون المدرج في أوله أكثر من المدرج في وسطه. - ومن جهة تعارض ما ذهب إليه السيوطي بداية مع ما أورده هو بعد ذلك: فإن السيوطي بعد أن ألّف كتابه (المَدْرَج إلى المُدرَج) قام بإلحاق زياداته على مدرج المتن؛ بحيث أصبح مجموع أحاديث الكتاب سبعين حد يثاً، وعدد ما أضافه من مدرج (1) كما ذكر محقق الكتاب مطر الزهراني. ينظر: الخطيب، الفصل للوصل، ط دار الهجرة. (2) أرقام الأحاديث السبعة من المدرج في أول المتن هي5،6،8،14،15،36،74.) والثامن المختلف في موقع الإدراج منه بين أوّله وآخره، رقمه: ( 18). ينظرالمرجع السابق. (3) أرقام المثالين من المدرج في وسط المتن هما: (32،73). ينظر المرجع السابق. (4) كتاب ابن حجر المسمّى تقريب المنهج بترتيب المدرج، قال السيوطي في مقدمة كتابه المدرج إلى المدرج: "هذا جزء لطيف سميته المدرج إلى المدرج لخصته من تقريب المنهج بترتيب المدرج لشيخ الإسلام والحفاظ أبي الفضل ابن حجر إلً أني أقتصرت فيه على مدرج المتن دون مدرج الإسناد " السيوطي، المدرج إلى المدرج، 17. وكتاب ابن حجر مفقود كما أشار بذلك محققا كتاب الفصل للوصل للخطيب البغدادي. ينظر1/44 طبعة دار الهجرة تحقيق: محمد الزهراني،1/32 طبعة دار ابن الجوزي تحقيق: الأنيس (5) أرقام هذه الأحاديث3،32،36،41). ينظر: السيوطي،المدرج. (6) أرقام هذه الأحاديث2،25،29). ينظرالمرجع السابق.

عدد الصفحات ٥١٠

509 الوسط تسعة أحاديث– علماً أن سبعة منها استفادها من فتح الباري لًبن حجر(1)- ليصبح مجموع الأحاديث المدرجة في الوسط اثنا عشر حديثاً (2) أي بنسبة17%؛ بينما لم يضف في زياداته أي مثال على المدرج في أوله، فانخفضت نسبته إلى 6% من المجموع الكلي لأحاديث الكتاب البالغ عددها سبعون حديثاً. ولعل السيوطي ذكر ذلك، أي: قوله: "والغالب وقوع الإدراج آخر الخبر، ووقوعه أوله أكثر من وسطه ؛..."(3) قبل أن يؤلّف كتابه (المَدْرَج إلى المُدرَج)؛ لأنه لم يُشر إليه في التدريب، بل ذكر مُصنهف الخطيب، وتلخيص ابن حجر له فقط. - وعلى كل حال فهم متفقون على أن النسبة الغالبة للإدراج في المتون من نصيب المدرج في آخره،(4) ولعل اختلافهم في نسبة الإدراج في أوله ووسطه اختلاف بين نِّسَبٍّ متقاربة يحسمه ما ذكره ابن الوزير في كتابه التنقيح، حيث بدأ بذكر المدرج في الآخر ثم الأول ثم الوسط، ثم عقّب بقوله: "وهي متقاربة، وأكثرها وقوعاً الأول"(5)،وأوضح مقصوده الصنعاني بقوله: "وهو الإدراج في آخره."(6) (1) أرقام هذه الأحاديث في كتاب المدرج إلى المدرج للسيوطي، هي43،44،46،49،50،52، 56.) (2) أرقامها2،25،29،43،44،46،49،50،52،55،56،64.) (3) السيوطي،التدريب، 1/317. (4) قال العراقي معللاً اقتصار ابن الصلاح في نوع مدرج المتن على المدرج في آخره بقولهواعلم أن ابن الصلاح قيد هذا القسم من المدرج بكونه أدرج عقب الحديث. وقد ذكر الخطيب في المدرج ما أدخل في أول الحديث، أو في وسطه...؛ لأن الغالب في المدرجات ذكرها عقب الحديث." العراقي، شرح التبصرة، 1/297. (5) ابن الوزير،التنقيح، 168. (6) الصنعاني،التوضيح، 2/471. ينظرالعوني، شرح الموقظة، 148.

عدد الصفحات ٥١١