478 هذا فيما يخص قيود الحديث المضطرب عند ابن الصلاح، ومدى اتفاق تعريفات المضطرب معها. أما تعريف الخطيب البغدادي للمضطرب، فقد أثار لديّ تساؤلً عن سبب تخصيصه اضطراب السند بتدليس الراوي لأسماء الرواة الضعفاء، دون غيره من أنواع الًضطراب في الأسانيد؛ علماً بأن الاضطراب في السند يتنوع إلى خمسة أنواع هي: 1- تعارض الوصل والًرسال 2- تعارض الوقف والرفع. 3- تعارض الًتصال والًنقطاع 4- زيادة رجل في أحد الًسنادين 5- الًختلاف في اسم الراوي ونسبه اذا كان مترددا بين ثقة وضعيف.(1) مسألة: العلاقة بين تدليس الراوي لأسماء الرواة واضطراب السند: - إن المتأمل في تعريف الخطيب البغدادي لًضطراب السند قد يستغرب تخصيصه اضطراب السند بتدليس الراوي لأسماء الرواة في السند أو بعضهم، دون أنواع الًضطراب الأخرى التي تقع في السند (كاختلاف الرواة في السند بين الوصل والإرسال، أو الرفع والوقف، ونحو ذلك) وذكر أن الدافع في الغالب لتدليس أسمائهم وتبديلها بما لم يشتهروا به كونهم ضعفاء، ويمكن توجيه ذلك على النحو الآتي: - لعله عمد إلى ذلك؛ لكونه أفرد ذكر التعارض بين الرواة في وصل الحديث وإرساله، وكذلك في رفعه أو وقفه في أبواب أخرى في كتابه الكفاية(1)، هذا من جهة (1) ينظر: ابن حجر،المرجع السابق، 2/778، الفحل،علل الحديث، 199.
عدد الصفحات ٤٨٠479 - ومن جهة أخرى: إذا استثنينا من صور اضطراب السند: (تعارض الرواة في الوصل والإرسال، والوقف والر فع، والمزيد في متصل الأسانيد؛ حيث ألّف فيه الخطيب كتاباً مستقلاً (2)) فسيكون الإبدال في اسم الراوي من الصور البارزة والغالبة فيما حُكم عليه بالًضطراب؛ لذا خصّها بتعريف اضطراب السند، للتمييز بين الأنواع؛ فيكون تخصيصه لذلك من باب الغالب، وليس الحصر، والله أعلم. إذ الناظر والمتأمل في أمثلة الأحاديث الموصوفة بالًضطراب، والمبثوثة في كتاب تاريخ بغداد يجدها لً تكاد تخرج عن الإطار العام لأمثلة الحديث المضطرب في كتب العلل، والغالب عليها اختلاف الرواة في رواية الحديث الواحد واضطرابهم في أسماء رواته أو وفقه أو رفعه أو وصله أو إرساله.(3) = (1) - ما يخص تعارض الوصل مع الإرسال، فقال: "باب القول فيما روي من الأخبار مرسلاً ومتصلاً ، ومتصلاً ، هل يثبت ويجب العمل به أم لً؟"، وقد رجّح فيه الحكم للوصل شريطة أن يكون راوي الزيادة عدلًً ضابطاً للرواية. - وأما ما يخص تعارض الرفع والوقف، فقد قال: تحت "باب في الحديث يرفعه الراوي تارة ويقفه أخرى، ما حكمه؟... والأخذ بالمرفوع أولى، لأنه أزيد كما ذكرنا في الحديث الذي يروى موصولً ومقطوعا، وكما قلنا في الحديث الذي ينفرد راويه بزيادة لفظ يوجب حكما لً يذكره غيره: إن ذلك مقبول والعمل به لًزم، والله أعلم" ينظر: الخطيب البغدادي، الكفاية، 409،417. (2) هو كتاب "(تمييز المزيد في متصل الأسانيد) وقسمه قسمين: أحدهما: ما حكم فيه بصحة ذكر الزيادة في الإسناد، وتركها. والثاني: ما حكم فيه برد الزيادة وعدم قبولها." ابن رجب، شرح العلل، 2/637-638. (3) مثال ذلك في ترجمة: محمد بن أحمد بن يونس بن يزيد، أبو بكر البزهاز، أخرج المصنف حديثاً من طريق سهيل، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي وقد لدغته عقرب، فقال ((أما إنك لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات كلها من شر ما خلق لم يضرك شيء حتى تصبح)). ثم عقّب المصنف بذكر اختلاف الرواة عن سهيل في إسناد الحديث، فقال: "تفرد برواية هذا الحديث عن سفيان الثوري، هكذا مجودا الأشجعي، ورواه غير واحد، عن الثوري، عن سهيل، عن أبيه، عن رجل من أسلم أنه لدغته عقرب من غير ذكر لأبي هريرة، ورواه عمر بن مدرك الرازي، عن عصام بن يوسف، عن الثوري، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رجل من أسلم. وروى هذا الحديث، عن سهيل، كما رواه الأشجعي، عن سفيان، عن مالك بن أنس، وسعيد بن عبد الرحمن الجمحي، ومحمد بن رفاعة بن ثعلبة بن أبي مالك القرظي. ورواه عن سهيل أيضا، عن أبيه، عن رجل من أسلم شعبة بن الحجاج، وسفيان بن عيينة، وخالد بن عبد الله الطحان. ونرى أن سهيلا كان يضطرب فيه ويرويه على الوجهين جميعا، والله أعلم". الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، 2/258 (294). =
عدد الصفحات ٤٨١480 - وجدير بالذكر الإشارة إلى أن ما انتخبه ابن حجر في تعريفه للحديث المضطرب، يتقارب مع ما ذهب إليه الخطيب في تعريفه لًضطراب السند؛ من حيث كون تدليس أسماء الرواة يدخل في معناه إبدال اسم الراوي أو تسميته بما لً يُعرف. وهناك مسألة أخرى تتعلّق أيضاً بتعريف الخطيب البغدادي، وهي: مسألة: العلاقة بين التدليس (خاصة تدليس الشيوخ) والحديث المضطرب، أو وصف الراوي بالاضطراب: - فقد عرهف الخطيب اضطراب السند بقوله: " أن يذكر راويه رجالًً فيُ لبه س أسماءهم وأنسابهم ونعوتهم تدليساً للرواية عنهم "(1)، وهذا التعريف قريب من تعريفه لتدليس الشيوخ، والذي قال فيه: "هو أن يروي المحدث عن شيخ سمع منه حديثاً فغيّر اسمه أو كنيته أو نسبه أو حاله المشهور من أمره لئلا يُ عرَ ف"(2)،والفرق بين التعريفين: = ينظر كذلك الأحاديث التي وصفت بالاضطراب في التراجم الآتية: في ترجمة: محمد بن الفضيل الخراساني 4/276-277 (1473)، وفي ترجمة: سليمان بن حرب بن بجيل، أبو أيوب الأزدي الواشجي البصري، 10/44 (4575)، وفي ترجمة: محمد بن نصر بن سليمان، أبو الأحوص الأثرم، 4/505 (1680)، وفي ترجمة منصور بن صُقير، أبو النضر،15/89 (7005.) (1) الخطيب البغدادي، الكفاية، 435. (2) ذكر الدافع لذلك عند الرواة فقالوالعلة في فعله ذلك كون شيخه غير ثقة في اعتقاده أو في أمانته أو يكون متأخر الوفاة قد شارك الراوي عنه جماعة دونه في السماع منه أو يكون أصغر من الراوي عنه سنا أو تكون أحاديثه التي عنده عنه كثيرة فلا يحب تكرار الرواية عنه فيغير حاله لبعض هذه الأمور." الخطيب البغدادي، الكفاية، 365. ينظر تصريحه بتسمية هذا النوع من التدليس، بتدليس الشيوخالمرجع السابق، 22.
عدد الصفحات ٤٨٢481 - أنه في تدليس الشيوخ خصّ التغيير والتبديل في اسم شيخ الراوي، وذكر لذلك دوافع متعددة، بينما في تعريفه للاضطراب قد يطرأ التغيير على اسم أي راوٍّ من رواة السند، والدافع لتبديل أسمائهم في الغالب لكونهم رواة ضعفاء.(1) ولعل لذلك علاقة بصنيع الحا كم حين ذكر تحت النوع السادس والعشرين من علوم الحديث (نوع معرفة المد لسين) ثم ذكر أجناسهم، وخصّ: الجنس الرابع من المدلسين بأنهم: "قوم دلسوا أحاديث رووها عن المجروحين فغيروا أساميهم وكناهم، كي لً يعرفوا"(2)، ومثّل له بمثال موصوف بالًضطراب(3). (1)ملاحظة يجدر بالذكر أن ابن الصلاح ومن بعده ذكروا اشتهار الخطيب بتدليس الشيوخ في مروياته، فقال ابن الصلاح: " وتسمح بذلك جماعة من الرواة المصنفين، منهم الخطيب أبو بكر، فقد كان لهجا به في تصانيفه، والله أعلم" ابن الصلاح، علوم الحديث، 76 . وقد ذكر أمثلة لذلك فقال"والخطيب الحافظ يروي في كتبه، عن أبي القاسم الأزهري، وعن عبيدالله ابن أبي الفتح الفارسي، وعن عبيدالله بن أحمد بن عثمان الصيرفي، والجميع شخص واحد من مشايخه. وكذلك يروي عن الحسن بن محمد الخلال، وعن الحسن بن أبي طالب، وعن أبي محمد الخلال، والجميع عبارة عن واحد. ويروي أيضا عن أبي القاسم التنوخي، وعن ع لي بن المحسن، وعن القاضي أبي القاسم علي ابن المحسن التنوخي، وعن علي بن أبي علي المعدل، والجميع شخص واحد، وله من ذلك الكثير، والله أعلم." المرجع السابق، 324. قال العراقي في شرح التبصرةوقد يكون الحامل على ذلك إيهام كثرة الشيوخ بأن يروي عن الشيخ الواحد في مواضع، يعرفه في موضع بصفة، وفي موضع آخر بصفة أخرى يوهم أنه غيره. وممن يفعل ذلك كثيرا الخطيب، فقد كان لهجا به في تصانيفه..."، وقد نقل البقاعي في النكت الوفية استدراك ابن حجر على شيخه العراقي فيما ذهب إليه، فقال: "ولم يكن الخطيب يفعله إيهاما للكثرة، فإنه مكثر من الشيوخ والمرويات، والناس بعده عيال عليه، وإنما يفعل ذلك تفننا في العبارة، وربما أدت ضرورة التصنيف إلى تكرار الشيخ الواحد عن قرب، فينوع أوصافه لئلا يصير مبتذلً ينفر السمع منه؛ للتكرار المحض، والله أعلم." قال نور الدين عتر في منهج النقد: "وكثيرا ما يقصد المحدث من ذلك امتحان أذهان الطلاب واختبار المشتغلين بالعلم، ولفت نظرهم إلى حسن التأمل في الرواة وأحوالهم وأنسابهم، وغير ذلك. وذلك فيما يبدو لنا من مقصد الخطيب في تدليسه، فإنه كثير الشيوخ جدا، وتدليسه كان لهذا الغرض، والأمثلة التي أوردناها من كلامه قد أمكن كشف الراوي فيها بالتأمل والنظر. ". ينظر المراجع: العراقي، شرح التبصرة، 1/241، البقاعي، النكت، 1/449، السخاوي، فتح المغيث ، 1/238، السيوطي، التدريب، 1/265، عتر،منهج النقد، 386. (1 /241) (2) الحاكم،علوم الحديث، 103. (3) مثال ذلك "قال علي بن المديني: حدثنا يعلى بن عبيد، عن محمد بن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن علي أن النبي : ((أهدى مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل)). قال ابن المديني: فكنت أرى أن هذا من صحيح حديث ابن إسحاق، فإذا هو قد دلسه حدثنا يعقوب ابن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني من لً أتهم، عن ابن أبي نجيح، عن =
عدد الصفحات ٤٨٣482 فالحاكم في هذا النوع من التدليس صرّح بتدليس أسماء الرواة المجروحين، والخطيب حين عرّ ف اضطراب السند أعقبه بذكر السبب في تغيير وتدليس أسماء الرواة، فقال: "وإنما يفعل ذلك غالباً في الرواية عن الضعفاء."(1) - والناظر في الًقتراح لًبن دقيق العيد يجد نوع المضطرب بعد المُدلهس، وكذلك عند الطيبي في الخلاصة؛ فبالرغم من أنه اختصر كتابه من كتاب ابن الصلاح، والنووي، وابن جماعة، إلً أنه عقّب بقوله: "فهذبته تهذيباً ، ونقحته تنقيحاً ، ورصفته ترصيفاً أنيقاً . فوضعت كل شيء في مصبه ه ومقره "(2)، ونجده قد خالف هم في ترتيب الأنواع ، وذكر المضطرب بعد المُدلَس. - فلعل ابن دقيق العيد والطيّبي بانتهاجهم هذا الترتيب بين الأنواع في كتبهم رأوا شبهاّ بين التدليس، وبين الًضطراب في الإسناد مما حذا ببعض المعاصرين إلى أن أشاروا لتلك العلاقة سواء من قريب أو من بعيد، فذهب أحدهم إلى أن: "التدليس - بشكل عام-: هو أحد الأسباب الرئيسة التي تُ دخِّ ل الًختلاف في المتون والأسانيد؛ لأن التدليس يكشف عن سقوط راو أحياناً فيكون لهذا الساقط دور في اختلاف الأسانيد والمتون"(3)، وصرّح الآخر بأن: التدليس سبب من أسباب اضطراب الرواة؛ فمن كثرة ما يُ دلِّّ س، تضطرب عليه الرواية، فلا يحفظ على هذا الوجه سماعه، أو على الآخر.(4) = مجاهد، عن ابن عباس، فإذا الحديث مضطرب ." المرجع السابق ، 107، ينظر: الدارقطني، العلل، 3/271 ح400.) (1) الخطيب البغدادي،الكفاية، 435. (2) الطيبي،الخلاصة، 26. (3) الفحل،اختلاف الأسانيد، 31. (4) ينظر: بازمول،المقترب، 198.
عدد الصفحات ٤٨٤483 ومثّل لذلك بما قيل في الراوي الحجاج بن أرطأة، حيث "قال عنه إسماعيل القاضي(1) : "مضطرب الحديث؛ لكثرة تدليسه، وقال محمد بن نصر(2): الغالب على حديثه الإرسال والتدليس وتغيير الألفاظ."(3) حكم الحديث المضطرب(4) قال ابن الصلاح في بيان حكم الحديث المضطرب: "الًضطراب موجب ضعف الحديث؛ لإشعاره بأنه لم يضبط"(5)، إذ الضبط شرط من شروط صحة الحديث، فإذا اختل ضبط الراوي أصبح حديثه ضعيفاً لفقده شرطاً من شروط الصحة، هذا في الغالب، لكن لً يمنع ذلك أن يجتمع الًضطراب والصحة في بعض الحالًت، حيث قال ابن حجر: " إن الًختلاف في الإسناد إذا كان بين ثقات متساوين، وتعذر الترجيح، فهو في الحقيقة لً يضر في قبول الحديث والحكم بصحته، لأنه عن ثقة في الجملة، ولكن يضر ذلك في الأصحيّ ة عند التعارض - مثلا -. (1) إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل، القاضي أبو إسحاق الأزدي، مولًهم، البصري، المالكي، العلاّمة الحافظ قاضي بغداد، وصاحب التصانيف، منها: (أحكام القرآن)، و(معاني القرآن). مات سنة 282هـ ينظر: الذهبي: السير، 13/340، وتاريخ الإسلام، 6/717. (2) محمد بن نصر المروزى الفقيه، أبو عبد الحافظ، قال ابن حجر: "ثقة حافظ إمام جبل". مات سنة: 294هـ. ينظر: الذهبي،السير،14/33، ابن حجر،التقريب، 510 (6345.) (3) ابن حجر،التهذيب، 2/196،مثال ما اضطرب فيه: قوله: روي أنه قال((الختان سنة في الرجال، مكرمة في النساء)) - أحمد في مسنده 34/319 ح20719)، والبيهقي-في السنن الكبرى، كتاب الأشربة، باب السلطان يكره على الًختتان، 8/563 ح17567)- من حديث الحجاج بن أرطاة، عن أبي المليح بن أسامة، عن أبيه به، والحجاج مدلس وقد اضطرب فيه، فتارة رواه كذا، وتارة رواه بزيادة شداد بن أوس بعد والد أبي المليح... ينظر: ابن حجر، تلخيص الحبير، 4/153. (4) ينظرالقاسمي، قواعد التحديث،132، الفحل،اختلاف الأسانيد، 228-229،بازمول،المقترب، 42. (5) ابن الصلاح،علوم الحديث، 94.
عدد الصفحات ٤٨٥484 فحديثٌ لم يختلف فيه على روايةٍّ - أصلاً - أصح من حديث اختلف فيه في الجملة، وإن كان ذلك الًختلاف في نفسه يرجع إلى أمر لً يستلزم القدح- والله أعلم –"(1). وقد شرح السيوطي كلام الحافظ ابن حجر فقال "وقع في كلام شيخ الإسلام السابق أن الًضطراب قد يجامع الصحة، وذلك بأن يقع الًختلاف في اسم رجل واحد وأبيه، ونسبته، ونحو ذلك، ويكون ثقة ، فيحكم للحديث بالصحة، ولً يضر الًختلاف فيما ذكر مع تسميته مضطرباً ، وفي الصحيحين أحاديث كثيرة بهذه المثابة، وكذا جزم الزركشي بذلك في مختصره، فقال: وقد يدخل القلب والشذوذ والًضطراب في قسم الصحيح والحسن."(2) المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف - الًضطراب في اللغة يأتي بمعنى: الًختلاف، والًختلال، وعدم الً ستقرار، والمضطرِّب بكسر الراء هو الشائع، ويجوز فيه فتحها. - ومعناه في الًصطلاح له ارتباط وثيق بمعناه اللغوي، فوصف الحديث بالًضطراب يوحي باختلال في ضبط الرواة، ويُعد الوصف بالًضطراب نوعاً من العلة. - معنى الًضطراب قبل ابن الصلاح: (1) ابن حجر،النكت، 2/810. (2) السيوطي،التدريب، 1/314.
عدد الصفحات ٤٨٦485 أقدم من وجدته عرّف المضطرب هو الخطيب البغدادي ، حيث صرّح بالمراد من اضطراب السند، وأشار إلى معنى الًضطراب في المتن بالمقابلة بين الحديث السالم من الًضطراب والحديث المضطرب متنه. ويثير تعريفه لمضطرب السند إشكالًً، حين قصره على نوع من أنواع الًضطراب في السند - بتدليس الراوي لأسماء الرواة الضعفاء - دون بقية الأنواع ولعل إجابة هذا الإشكال، تكون على النحو الآتي: - بالنسبة للأنواع الأربعة الأخرى فقد أفردها بالذكر إما في أبواب من كتابه الكفاية، أو في كتاب مستقل كنوع المزيد في متصل الأسانيد. - بعد استثناء الأنواع السابقة يكون الإبدال في اسم الراوي من الصور البارزة والغالبة فيما حُكم عليه بالًضطراب، فيكون تخصيصه لذلك من باب الغالب، وليس الحصر، والله أعلم، حيث يُلاحظ أن: أمثلة الأحاديث الموصوفة بالًضطراب، والمبثوثة في كتاب تاريخ بغداد لً تخرج عن الإطار العام لأمثلة الحديث المضطرب في كتب العلل، والغالب عليها اختلاف الرواة في رواية الحديث الواحد واضطرابهم في أسماء رواته أو في رفع الحديث أو وقفه أو وصله أو إرساله، وليست مقصورة على نوع واحد فقط. - ويلاحظ: أن ما انتخبه ابن حجر في تعريفه للحديث المضطرب، يتقارب مع ما ذهب إليه الخطيب في تعريفه لًضطراب السند؛ من حيث كون تدليس أسماء الرواة يدخل في معناه إبدال اسم الراوي أو تسميته بما لً يُعرف. - مسألة أخرى أثارها تعريف الخطيب البغدادي، وهي: العلاقة بين التدليس (خاصة تدليس الشيوخ) والحديث المضطرب، أو وصف الراوي بالاضطراب: - ففي تدليس الشيوخ خصّ التغيير والتبديل في اسم شيخ الراوي، والدوافع لهذا التبديل متعددة، بينما في تعريفه للاضطراب فالتغيير قد يطرأ على اسم أي راوٍّ من رواة السند؛ وذلك لكونهم في الغالب رواة ضعفاء.
عدد الصفحات ٤٨٧486 - كذلك نجد أن الحاكم حين ذكر أجناس المدلسين، ذكر منهم: "قوم دلسوا أحاديث رووها عن المجروحين فغيروا أساميهم وكناهم، كي لً يعرفوا "(1)، ومثّل له بمثال موصوف بالًضطراب. وقد أشار بعض الباحثين إلى العلاقة بين التدليس والًضطراب: فذهب أحدهم إلى أن: "التدليس - بشكل عام -: هو أحد الأسباب الرئيسة التي تُ دخِّ ل الًختلاف في المتون والأسانيد؛ لأن التدليس يكشف عن سقوط راو أحيانا فيكون لهذا الساقط دور في اختلاف الأسانيد والمتون"(2)، وصرّح الآخر بأن التدليس سبب من أسباب اضطراب الرواة؛ فمن كثرة ما يُ دلِّّ س، تضطرب عليه الرواية، فلا يحفظ على هذا الوجه سماعه، أو على الآخر.(3) - ونجد كذلك ابن دقيق العيد في الًقتراح، ومن بعده الطيبي في الخلاصة، يورد نوع المضطرب بعد المدلس، وهو ترتيب مخالف لمن سبقهم، ولعلهم وجدوا شبهاً بين النوعين فذكروهما متتاليين، والله أعلم. - لابن القطان الفاسي مذهب خاص في التعليل بالًضطراب، حيث ذهب إلى أن: الًضطراب في المتن يُعل الحديث، بينما اضطراب السند ليس بعلة، وذلك في حال كان الراوي الذي وقع منه الًضطراب ثقةً، بينما إذا كان الراوي غير ثقة فحديثه ضعيف، واضطرابه يزيد الحديث وهناً. - أما ما يخص أبرز قيود الحديث المضطرب عند ابن الصلاح، فهي على النحو التالي: (1) الحاكم،علوم الحديث، 103، (2) الفحل،اختلاف الأسانيد، 31. (3) مثّل لذلك بما قيل في الراوي الحجاج بن أرطأة، حيث "قال عنه إسماعيل القاضي: "مضطرب الحديث؛ لكثرة تدليسه ، وقال محمد بن نصر : الغالب على حدي ثه الإرسال والتدليس وتغيير الألفاظ. " ينظر: بازمول، المقترب، 198.
عدد الصفحات ٤٨٨487 القيد الأول: الاختلاف في روايات الحديث الواحد: - تضمنت تعريفات من سبق ابن الصلاح ومن بعده الإشارة إلى هذا القيد ضمن تعريفها للاضطراب، سواء كان ذلك بمنطوق العبارة أو بمفهومها. - إن اختلاف الرواية مع اتحاد مخرجها دليل على الًضطراب، وتعليلهم أحياناً الحديثين المختلفين سنداً بالًضطراب إنما مرادهم الًضطراب لغة لً اصطلاحاً ، أو تكون تلك الأحاديث كلها مضطربة. - أما إذا وقع الًختلاف في المتن مع اختلاف المخرج: فهذا يُ عرف بمختلف الحديث: وهو الحديث المقبول المعارض في الظاهر بمثله. - كثرة وقوع الًضطراب من الراوي والًختلاف في الرواية ينبئ بقلة ضبطه، ما لم يكن هذا من الحفاظ المكثرين المعروفين بجمع طرق الحديث. - القيد الثاني: التساوي بين وجوه الاختلاف: - صرّحت بعض تعريفات المضطرب باشتراط ذلك بمعاني مرادفة للتساوي كالتقارب، والتعادل. - ويرى ابن الصلاح بأن التساوي شرط لتسمية الًختلاف بين روايات الحديث اضطراباً، بينما ذهب الزركشي إلى أن مجرد الًختلاف من الرواة في رواية الحديث كافٍّ لتسمية الحديث بالمضطرب، وإنما يؤثر تساوي هذه الوجوه في القوة في جعل هذا الًضطراب قادحاً في صحة الحديث. - ويُلحق بشرط التساوي عدم إمكانية الجمع أو الترجيح بين الروايات بأحد طرق الترجيح المعتمدة: قال ابن حجر: "ف الًختلاف على الحفاظ في الحديث لً يوجب أن يكون مضطربا إلً بشرطين:
عدد الصفحات ٤٨٩488 أحدهما: استواء وجوه الًختلاف فمتى رجح أحد الأقوال قُ دِّّ م ولً يُ عَ ل الصحيح بالمرجوح. ثانيهما: مع الًستواء أن يتعذر الجمع على قواعد المحدثين ويغلب على الظن أن ذلك الحافظ لم يضبط ذلك الحديث بعينه فحينئذ يحكم على تلك الرواية وحدها بالًضطراب ويتوقف عن الحكم بصحة ذلك الحديث."(1) - تجدر الإشارة إلى أن أمثلة الحديث الموصوف بالًضطراب في كتب ن قّاد الحديث، تحوي عدداً ليس بالقليل مما وُصف بالًضطراب مع وجود ترجيح لأحد رواياته أو بعضها،(2) ويُعدّ هذا إشكالًً في ظل اشتراط عدم إمكانية الجمع أو الترجيح بين الروايات، وتحتمل الإجابة عن هذا الإشكال عدداً من الأجوبة، وهي كما يلي: 1- أن هناك من يصف الحديث بالًضطراب لمجرد الًختلاف بين الروايات، سواء تكافأت الروايات أو تفاوتت. 2- أنهموصفوا الحديث بالًضطراب بالنسبة إلى طريق أو راوٍّ . 3- أنه ترجيح افتراضي لً أثر له بل تظل معه الروايات مضطربة وإنما قال بترجيحه؛ لأنه أحسنها في الظاهر. 4- أنهقد يخفى وجه الترجيح على بعض أهل العلم فيحكم بالًضطراب، ثم يلوح لآخر فينفي عنه الًضطراب. (1) ابن حجر،هدي الساري، 348-349. (2) "قلت: وقعفي عبارات بعض الأئمة من المتقدمين ما يدل على أنهم قد يُطلقون وصف الًضطراب على المعنى اللغوي: بمعنى الًختلاف في الروايات والطرق، ويرجحون طريقا على أخرى. ولكن هذا لً يمنع من أن المضطرب بمعناه الًصطلاحي كان متداولًً بينهم، فكم من حديثٍّ وصفوا طرقه بالًختلاف والتعارض، ولم يرجحوا فيه وجها على وجه، وقد يقع الًضطراب في السند ، كما قد يقع في المتن، والأكثر شيوعا الأول، وقد يقع الًضطراب من الثقة وقد يقع من الضعيف المتكلّم فيه، والأكثر شيوعا وقوعه من الضعيف لقلة ضبطه. " سليم، ما لً يسع جهله ، 116-117، ينظر كذلك العوني، شرح الموقظة، 138.
عدد الصفحات ٤٩٠489 هذا، وتظل النسبة الغالبة من أمثلة الحديث المضطرب لم يتم الترجيح بين رواياتها المختلفة.(1) - أما ما يخصحكم الحديث المضطرب، ففي الغالب يكون إطلاق وصف الًضطراب على الحديث يوجب ضعف الحديث؛ إلً أنه في حالًت قد يجتمع وصف الًضطراب مع الصحة؛ كأن يقع الًختلاف في اسم رجل واحد وأبيه، ونسبته، ونحو ذلك، ويكون ثقة، فيحكم للحديث بالصحة، ولً يضر الًختلاف فيما ذُ كِّ ر مع تسميته مضطربا. الفرق بين الشاذ والمضطرب: "قد تقرر: - أن الثقة إذا خالفه من هو أرجح منه سمي حديثه شاذاً ، والشاذ من المردود. - وأن الحديث إذا وقع الخلاف فيه بالإبدال في متنه أو سنده ولً مرجح سمي حديثه مضطربا، والمضطرب من المردود."(2) الفرق بين مختلف الحديث والمضطرب مختلف الحديث: هو أن يأتي حديثان متضادان أو متعارضان في المعنى ظاهراً ، فيوفق بينهما، أو يرجح أحدهما على الآخر.(3) فالفرق بينهما(1) (1) ينظر أمثلة الحديث المضطرب في هذين البحثين: الهليل، الحديث المضطرب ، 166، بازمول، الحديث المضطرب، 312-843. (2) الجزائري،توجيه النظر، 1/540. (3) ينظر: النووي، التقريب، 90، ابن جماعة، المنهل، 60، ابن الملقن، التذكرة، 19، ابن حجر، النزهة، 91.
عدد الصفحات ٤٩١490 - أن التعارض في مختلف الحديث هو تعارض ظاهري بين معاني متون الأحاديث (مع اختلاف مخرجها)، مع إمكان الجمع بينها أو الترجيح. - أما المضطرب، تعارض بين روايات الحديث الواحد (مع اتحاد مخرجها)، ويقع غالباً في السند، وقد يقع بقلة في المتن، ويتعذر الجمع أو الترجيح. الفرق بين الاضطراب وزيادة الثقة: - الاضطراب اختلاف يكون بين راوٍّ أو مجموعة من الرواة يرويه بعضهم على وجه والآخرون على وجه مخالف لً يمكن الجمع ولً الترجيح بينهما. - بينما زيادة الثقة، فإن الراوي يروي الحديث ذاته الذي يرويه الآخرون إلً أنه يزيد عليه سواء في السند أو المتن. - كلاهما يشترط اتحاد المخرج، وقد تتداخل الزيادة مع الًضطراب في حال روى الراوي الحديث الواحد مرة بالزيادة ومرة بالنقصان (كتعارض الوصل والإرسال - وتعارض الرفع والوقف...). - من حيث درجة الراوي: راوي الزيادة يكون ثقة، بينما يقل الًضطراب في روايات الثقات، ويكثر في روايات الضعفاء. وقد فصّل ابن سيد الناس في بيان (الفرق بين زيادات الثقات في المتون واضطراب الرواة في المتن)، وملخّص ما ذكر في ذلك: أن الحديث الواحد المتحد المخرج، إن اختلفت ألفاظ رواته، وترتب على ذلك اختلاف المعنى: = (1) ينظر: بازمول،المقترب، 162، ينظر كذلك مسألة التعارض بين المتون محمد الراوندي ، أبو الفتح اليعمري حياته وآثارُه وتحقيق أجوب ته، 2/112-113. وخلاصة الجواب: أن الًختلاف في المتن بين احتمال: - تعدد المخرج لتعدد الحادثة. أو اتحاد المخرج: فالجمع أو الترجيح، أو الحكم بالًضطراب.
عدد الصفحات ٤٩٢491 - فإما أن يكون المخالف أتى بأمر زائد على ما أتى به غيره،فلا تنافي، وهذه زيادة تقبل من الثقات. - وإن أتى الًختلاف بلفظ مباين لغيره من الرواة من غير زيادة، فإما أن تستوي أحوال الرواة عند هذا الًختلاف أو تتفاوت، فإن تفاوتت فالترجيح، وإن تساوت وتعذر الترجيح فالحديث حينئذٍّ مضطرب لً يقوم له حجة(1)، والله أعلم وبعد ذكر الفرق بين الحديث المضطرب وأنواع أخرى من أنواع علوم الحديث، ننهي هذا الفصل؛ لننتقل إلى تحرير نوع آخر من أنواع علوم الحديث وعلله، وهو الإدراج في الحديث، فإلى الفصل العاشر وتحرير مصطلح الحديث المدرج. (1) ينظر: ابن سيد الناس،النفح الشذي، 3/118-119 باختصار. ط الصميعي
عدد الصفحات ٤٩٣492 الفصل العاشر الحديث المدرج المبحث الأول: تعريف المدرج لغة واصطلاحاً: المطلب الأول: تعريفه لغة: المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً (حسب الترتيب الزمني): المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها: المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.
عدد الصفحات ٤٩٤493 المبحث الأول: تعريف المدرج لغة واصطلاحاً المطلب الأول: تعريف المدرج لغة: المُدْرَج : بضم الميم وفتح الراء اسم مفعول من (أدرج). والإدراج: لَف الشيء في الشيء ، ودَرَج الشيء في الشيء يدرُجُهُ دَرْجاً ، وأدرجه: طواه وأدخله. ومنه: أدرج الميت في الكفن والقبر: أدخله. وأدرج الكتاب في الكتاب: أدخله، ودَرْجُ الكتاب: طيه وداخله. (1) فمعنى الإدراج في اللغة يدور حول: الطيّ، واللّفِّّ، وإدخال الشيء في الشيء المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً (حسب الترتيب الزمني): أشار السخاوي إلى المناسبة من ذكر الحديث المدرج بعد كلٍّ من المعلل والمضطرب بقوله: "لما انتهى من المُ علّ الذي شرطه ترجيح جانب العلة، ناسب إردافه بما لم يظهر فيه ترجيح"(2) وهو المضطرب، ولما كان مما يُ عل به كذلك إدخال متن ونحوه في متن، ناسب إردافه بالمدرج.(3) (1) ينظر مادة (درج): الأزهري،تهذيب اللغة، 10/339، ابن سيده، المحكم، 7/320، الزبيدي،تاج العروس، 5/555. (2) السخاوي،فتح المغيث، 1/290. (3) ينظر المرجع السابق ، 1/297. بينما ذهب الزركشي إلى أن الأولى ذكر المدرج ضمن أنواع التدليس، فقال: "وأما تدليس المتون فهو الذي يسميه المحدثون المدرج وهو أن يدرج في كلام النبي كلام غيره فيظن السامع أن الجميع من كلام النبي وقد ذكره المصنف في النوع العشرين وكان ذكره هنا أنسب." الزركشي، النكت، 1/56،2/113، ينظر: السخاوي،فتح المغيث، 1/243.
عدد الصفحات ٤٩٥