415 زيادات الأسانيد في كتابه (الكفاية) مع صنيعه في كتابه (تمييز المزيد في متصل الأسانيد(1)، فقال "وقد صنف في ذلك الحافظ أبو بكر الخطيب مصنفاً حسناً سماه "تمييز المزيد في متصل الأسانيد" وقسمه قسمين: أحدهما: ما حُ كِّ م فيه بصحة ذكر الزيادة في الإسناد، وتركها. والثاني: ما حُ كِّ م فيه برد الزيادة وعدم قبولها. ثم إن الخطيب تناقض، فذكر في كتاب الكفاية للناس مذاهب في اختلاف الرواة في إرسال الحديث ووصله، كلها لً تعرف عن أحد من متقدمي الحفاظ إنما هي مأخوذة من كتب المتكلمين، ثم إنه اختار أن الزيادة من الثقة تقبل مطلقاً، كما نصره المتكلمون وكثير من الفقهاء. وهذا يخالف تصرفه في كتاب (تمييز المزيد)"(2). - وأماابن الأثير فقد عنى بالزيادة: زيادة المتون، حيث صرّح بذلك حين عرّفها بكونها زيادة تُرفع إلى النبي وتُجعل من قوله(3)، ثمّ فرّق بينها وبين المُدرج (4). (1) ونوع المزيد في متصل الأسانيد: هو أن يُزاد في الإسناد رجلاً فأكثر غلطاً. شريطة أن يكون ظاهر الإسناد الًتصال، وكان الذي لم يزد أتقن ممن زاد، وصرح في موضع الزيادة بالسماع. ينظر: ابن كثير، الًختصار، 99، ابن الملقن،التذكرة، 20، ابن حجر،النزهة، 117. (2) ابن رجب،شرح العلل، 2/637-638. (3) ينظر: ابن الأثير،جامع الأصول، 1 /105. (4) قال الحاكم: " معرفة المدرج في حديث رسول الله من كلام الصحابة، وتلخيص كلام غيره من كلامه "، وذكر ابن الصلاح أقسام الحديث المدرج، ومنها1- ما أدرج في حديث رسول من كلام بعض رواته، بأن يذكر الصحابي أو من بعده عقيب ما يرويه من الحديث كلاما من عند نفسه، فيرويه من بعده موصولً بالحديث غير فاصل بينهما. 2- أن يكون متن الحديث عند الراوي له بإسناد إ طرفا منه، فإنه عنده بإسناد ثان، فيدرجه من رواه عنه على الإسناد الأول، ويحذف الإسناد الثاني، ويروي جميعه بالإسناد الأول. 3- أن يدرج في متن حديث بعض متن حديث آخر، مخالف لول في الإسناد. 4- أن يروي الراوي حديثا عن جماعة، بينهم اختلاف في إسناده، فلا يذكر الًختلاف، بل يدرج روايتهم على الًتفاق. ينظر: الحاكم، علوم الحديث، 39، ابن الصلاح،علوم الحديث، 95-98.
عدد الصفحات ٤١٧416 وحكم بقبولها عند الأكثر، فقالإذا انفرد الثقة بزيادة في الحديث عن جماعة النهقلة، فإنه تُقبَلُ منه زيادته عند الأكثر، سواء كانت الزيادة من حيث اللفظ، أو من حيث المعنى"(1) - أماابن الصلاح فقد بدأ بذكر الزيادة في المتن ضمن ما ينفرد به الثقة عموماً، وعمد إلى تقسيمها إلى أقسام حسب موافقتها أو مخالفتها لما رواه سائر الثقات (2)،ثم أشار إلى الزيادة في الأسانيد، وحكمها(3)، وفرّق بين حكم الزيادة في المتن، والزيادة في الإسناد، فالزيادة في المتن يختلف حكمها حسب نوع الزيادة من حيث المخالفة والمنافاة لما رواه سائر الثقات، في حين أن ابن الصلاح يقبل الزيادة الواقعة في السند مطلقاً (4)، حيث قال: "فالحكم على الأصح في كل ذلك لما زاده الثقة من الوصل والرفع؛ لأنه مثبت وغيره ساكت، ولو كان نافيا فالمثبت مقدم عليه؛ لأنه علم ما خفي عليه."(5) بينما هناك من يعد تعارض الوصل والإرسال أو الوقف والرفع من أجناس العلل التي تُعلهل بها الروايات - كما سبق عند الحاكم - فيعدّ الإرسال أو الوقف قادحاً في الوصل والرفع، بينما الزيادة في المتن لً تُعدّ كذلك، قال الزركشي: "الإرسال علة في السند فكان وجودها - أي الزيادة في الإسناد- قادحا في الوصل وليست الزيادة في المتن كذلك..."(6) (1) ابن الأثير،جامع الأصول، 1 /103 (2) ينظرابن الصلاح، علوم الحديث، 85-86. (3) ينظرالمرجع السابق،88. (4) المطيري،زيادة الثقة، 290. (5) المرجع السابق، 72. (6) الزركشي،النكت، 2/188.
عدد الصفحات ٤١٨417 قال عمرو عبدالمنعم- في كتابه زيادة الثقة-: "فرق كبير بين ما يزيده الثقة في الإسناد وما يزيده في المتن، بخلاف من أطلق قبول (زيادة الثقة) فلم يُفرِّّق بين الأسانيد والمتون،..."(1). وقال في موضع آخر "فالًختلاف على راوٍّ في السند بزيادة أو نقصان بخلاف الًختلاف عليه في المتن في زيادة لفظة أو جملة، من جهة: أن الثقة إذا انفرد برواية حديث لم يأت به غيره، فهو صحيح محتج به إذا استوفى شروط الصحة لً سيما انتفاء الشذوذ والعلة، فقبول ما تفرّد به من الزيادة في الحديث أولى إن كانت هذه الزيادة مما يُحتمل من مثله، ولً تستنكر عليه، بخلاف أن يروي الحديث بسند زائد أو ناقص فيخالف فيه من هو أولى منه بقبول روايته، فحينئذ تُرد روايته ويُحكم عليها بالشذوذ..."(2) فالزيادة في المتن تُعلهل في حال ثبت شذوذها،قال الحافظ ابن حجر: "ما تفرد بعض الرواة بزيادة فيه دون من هو أكثر عددا أو أضبط ممن لم يذكرها، فهذا لً يؤثر التعليل به، إلً إن كانت الزيادة منافية بحيث يتعذر الجمع. أما إن كانت الزيادة لً منافاة فيها بحيث تكون كالحديث المستقل فلا، اللهم إلً إن وضح بالدلًئل القوية أن تلك الزيادة مدرجة في المتن من كلام بعض رواته، فما كان من هذا القسم فهو مؤثر"(3) - ولقد ذهب ابن حبان في تفريقه بين زيادة الثقة في الإسناد أو المتن مذهباً خاصاً ، ففرّق بين الفقيه والمُ حدّ ث، فإن كانت الزيادة من مُ حدّ ث في الإسناد قُ بلت، وإن كانت في (1) سليم،زيادة الثقة، 32. (2)المرجع السابق، 79. (3) ابن حجر،هدي الساري، 347.
عدد الصفحات ٤١٩418 المتن فلا، لأن اعتناءه بالإسناد أكثر، وإن كانت الزيادة من فقيه في المتن قُ بلت وإن كانت في الإسناد فلا، لأن اعتناءه بالمتن أكبر.(1) "وهذا الشرط الزائد الذي اشترطه ابن حبان هو شرط نظري لم يلتزمه في كتابه، و شك أن توثيق الأئمة للراوي يتناول ضبطه للأسانيد وللمتون جميعاً، فإذا عُلِّم منه أنه يروي ما يخالف فيه من هو أوثق منه سواءً بالمعنى الذي يُخلَ، أو باللفظ الذي يحيل على معانٍّ أخرى سوى ما روت الأثبات فحينئذ لً يدخرون جهداً في تليينه أو الكلام فيه، وإن كان ممن يُنسب إلى الحفظ والتثبت."(2) - بينما رجّحابن رجب - بعد أن استعرض الأقوال في حكم زيادة الثقة- وخَلُص إلى: أنه لً فرق في الزيادة بين الإسناد والمتن، وأن خلاصة كلام الأئمة كأحمد وغيره يدور على اعتبار قول الأوثق في ذلك والأحفظ أيضاً (3)، وهو ما رجّحه كذلك ابن حجر نقلاً عن أئمة الحديث المتقدمين(4) من أنهم يعتبرون الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها، ولً يُ عرف عن أحد منهم إطلاق قَ بول الزيادة. (1) فقد قال ابن حبان في مقمة صحيحهوأما زيادة الألفاظ في الروايات، فإنا لً نقبل شيئا منها؛ إلً عن من كان الغالب عليه الفقه حتى يعلم أنه كان يروي الشيء ويَ علمُ ه، حتى لً يشك فيه أنه أزاله عن سَ ننهِّ أو غيه ره عن معناه أم لً؟ لأن أصحاب الحديث الغالب عليهم حفظ الأسامي والأسانيد دون المتون، والفقهاء الغالب عليهم حفظ المتون وأحكامها وأداؤها بالمعنى، دون حفظ الأسانيد وأسماء المحدثين، فإذا رفع مُ حدِّّ ث خبرا، وكان الغالب عليه الفقه: لم أقبل رفعه إلً من كتابه؛ لأنه لً يعلم المسند من المرسل، ولً الموقوف من المنقطع، وإنما همته إحكام المتن فقط. وكذلك لً أقبل عن صاحب حديث حافظ متق ن أتى بزيادة لفظة في الخبر ؛ لأن الغالب عليه إحكام الإسناد، وحفظ الأسامي، والإغضاء عن المتون وما فيها من الألفاظ؛ إلً من كتابه، هذا هو الًحتياط في قبول الزيادات في الألفاظ." صحيح ابن حبان، 1/119، ينظر: ابن حجر،النكت، 2/701-702. (2) سليم،زيادة الثقة، 88. (3) ينظر: ابن رجب،شرح العلل، 2/637. (4) "كعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى القطان، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، والبخاري، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والنسائي، والدارقطني، وغيرهم " ابن حجر، النزهة، 82-83، ينظر: السخاوي، فتح المغيث، 266.
عدد الصفحات ٤٢٠419 المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف - ضوابط زيادة الثقة (قيود زيادة الثقة المستنبطة من تعريفاتها): - إن من القيود ما اتفقت عليه التعريفات، وإن لم يتم التصريح به في بعضها، إلً أن سياق الكلام يدل عليه، أو جاءت الإشارة إليه ضمن شرحهم لقيود التعريف أو التمثيل له، من ذلك: 1) أن يكون المنفرد بالزيادة ثقة، فغير الثقة لً تُقبل زيادته، وزاد بعضهم اشتراط كونه أحفظ وأتقن ممن لم يرو الزيادة. 2) أن يكون المنفرد بالزيادة من التابعين فمن بعدهم، أما زيادات الصحابة فهي أحاديث مستقلّة، تقبل مُطلقاً ولً تدخل في باب زيادة الثقة. - أما تقييد عدد رواة الزيادة بواحد أو أكثر، فقد اختلفت التعريفات في التنصيص على عدد رواة الزيادة، وكان المختار في تعريف زيادة الثقة: عدم التقييد بكون راوي الزيادة واحداً، ليفيد بأنه قد يروي الزيادة جماعة من الرواة كما أنه يرويها راوٍّ واحد. - وفيما يخص محلّ ورود الزيادة، وأثر ذلك في الحكم عليها من حيث القبول أو الرد، وتفريق بعضهم بين الزيادة في المتن والزيادة في الإسناد، فهو على النحو الآتي: - الحاكم أفرد زيادات المتون بنوع مستقل، وعنى بالزيادة (الألفاظ الفقهية)، وحكم بقَبولها من الثقة، وكذلك فيما يخص الزيادة في الأسانيد، فعلى الرغم من أنه في كتابه (المدخل إلى الإكليل) أشار إلى الفرق بين منهج الفقهاء والمحدثين تجاه زيادات الثقات في الأسانيد، وما ذكره كذلك في نوع العلل وأجناسها في (علوم الحديث) مما يدلّل على أنه يُرجّح منهج المحدثين في الأخذ بالقرائن في زيادات الأسانيد، إلً أنه بنى كتابه المستدرك على قبول الزيادة إذا كانت من الثقة سواء كان ذلك في المتن أو الإسناد.
عدد الصفحات ٤٢١420 - الخطيب البغدادي أطلق الحكم بقبول الزيادة من العدل سواء كانت الزيادة في المتن أو الإسناد، وقد أشار ابن رجب إلى تناقض ما ذكره الخطيب فيما يخصّ زيادات الأسانيد في كتابه (الكفاية) مع صنيعه في كتابه (تمييز المزيد في متصل الأسانيد). - ابن الصلاح فرّق بين حكم الزيادة في المتن، والزيادة في الإسناد، فالزيادة في المتن يختلف حكمها حسب نوع الزيادة من حيث المخالفة والمنافاة لما رواه سائر الثقات، في حين أن ابن الصلاح يقبل الزيادة الواقعة في السند مطلقاً. - ابن حبان ذهب في تفريقه بين زيادة الثقة في الإسناد أو المتن مذهباً خاصاً ، ففرّق في الزيادة بين الفقيه والمُ حدّ ث، فإن كانت الزيادة من مُ حدّ ث في الإسناد قُ بلت، وإن كانت في المتن فلا، لأن اعتناء المحدِّّث بالإسناد أكثر، وإن كانت الزيادة من فقيه في المتن قُ بلت وإن كانت في الإسناد فلا، لأن اعتناءه بالمتن أكبر. - بينما رجّح كل من :ابن رجب، وابن حجر أنه لً فرق في الزيادة بين الإسناد والمتن، وأن خلاصة كلام الأئمة المتقدمين فيما يتعلق بزيادة الثقة سواء في المتن أو الإسناد، أنهم يعتبرون الترجيح ولً يُ عرف عن أحد منهم إطلاق قَ بول الزيادة. - اعتنت أكثر كتب علوم الحديث ببيان حكم زيادة الثقة في المتن؛ لما لذلك من أهمية في استنباط الأحكام الفقهية، بينما زيادات الإسناد تفرّق الحديث عنها في أبواب (تعارض الوصل مع الإرسال، وتعارض الرفع مع الوقف، والعلل) ونحوها. وهناك تداخل بين بعض المصطلحات مع زيادة الثقة، يمكن الإشارة إليها على النحو الآتي: - الفرق بين الأفراد وزيادة الثقة: "إن الفرق بين تفرد الراوي بالحديث من أصله وبين تفرده بالزيادة ظاهر، لأن تفرده بالحديث لً يلزم منه تطرق السهو والغفلة إلى غيره من الثقات إذ لً مخالفة في روايته لهم
عدد الصفحات ٤٢٢421 - بخلاف تفرده بالزيادة إذا لم يروها من هو أتقن منه حفظاً وأكثر عدداً ، فالظن غالب بترجيح روايتهم على روايته. ومبنى هذا الأمر على غلبة الظن."(1) -الفرق بين الإدراج وزيادة الثقة في زيادة الثقة: الزيادة تكون ألفاظ تُستنبط منها أحكام فقهي ة، لً ما زاده الفقهاء دون المحدثين في الأحاديث فإن تلك تدل على المدرج.(2) ويضاف إلى ذلك أن- زيادة الثقة لً تكون إلً من ثقة، بينما الإدراج يحصل من الثقة ومن الضعيف... - يكون المخرج متحدّا في زيادة الثقة، بينما لً يُشترط في المدرج ذلك، فربما أدرج الراوي كلاماً للنبي ثبت بإسناد آخر مع اختلاف المتن، أو أدرج كلاماً للصحابي فما دونه."(3) - الفرق بين علم الزوائد وزيادة الثقة علم الزوائد: "علم يتناول إفراد الأحاديث الزائدة في مُصنّف رويت فيه الأحاديث بأسانيد مؤلِّّفه، على أحاديث كتب الأصول الستة أو بعضها، من حديث بتمامه لً يوجد في الكتب المزيد عليها، أو هو فيها عن صحابي آخر، أو من حديث شارك فيه أصحاب الكتب المزيد عليها أو بعضهم، وفيه زيادة مؤثرة عنده" .(4) فالصلة بين علم الزوائد، وزيادة الثقة، أن كتب الزوائد تضم بين دفّتيها أحاديث فيها زيادات للرواة، فإذا كان راوي الزيادة (1) ابن حجر،النكت، 2/691. (2) ينظر: الزركشي،النكت،2/174-175،البلقيني،المحاسن، 250، ابن حجر،النكت، 2/686 . (3) عفيف سميح مصاروة،زيادة الثقة عند الإمام البخاري دراسة نظرية تطبيقية، 55. (4) خلدون الأحدب،علم زوائد الحديث، 12.
عدد الصفحات ٤٢٣422 ثقة، فهي عين زيادة الثقة، (1) وعليه فإن زيادات الثقات إنما هي نوع من الأحاديث المخرّجة في كتب الزوائد. - الفرق بين مختلف الحديث وزيادة الثقة: فرّق أحد الباحثين بين زيادة الثقة ومختلف الحديث فقال: "إن الزيادة إذا جاءت من ثقة واحد عن الشيخ نفسه و انفرد بها عن أقرانه –رواة الحديث- فهذا الذي يُسمّى زيادة الثقة. أما إذا وجدنا متابعة لهذا الثقة فإنه يخرج من دائرة الزيادة والتفرد إلى دائرة الًختلاف (مختلف الحديث)... أي إن: زيادة الثقة إنما تكون من واحد أمام جماعة، أما إذا تكافأ العدد كأن يكون واحد أمام واحد أو أكثر فهذه لً تسمّى زيادة ثقة بل تُسمّى (مختلف الحديث)."(2) وقد عُدّ ما ذهب إليه حصر لمفهوم زيادة الثقة في نطاق ضيق، فزيادة الثقة قد تأتي من ثقة انفرد بتلك الزيادة دون غيره، أو قد يتابعه عليها ثقات آخرين، فتكون الصلة بين نوع (مختلف الحديث) وبين نوع (زيادة الثقة) على النحو الآتي: إن الزيادات التي تخالف المزيد عليه، أي أصل الحديث؛ فيمكن الجمع أو الترجيح بينهما -أي: بين الزيادة وبين المزيد عليه- فهي تندرج أيضاً تحت نوع (مختلف الحديث). أما الزيادات التي لً تخالف المزيد عليه فلا تدخل في هذا النوع(3)، و أعلم. وبهذا نختم فصل زيادة الثقة، وننتقل إلى الفصل الث امن، وتحرير مصطلح الحديث المعلل، والذي له تعلّق بالمصطلحات السابقة، حيث انتفاء العلة قيدٌ بارزٌ في فصليّ (1) ينظر: بيكر،زيادة الثقة، 1/90. (2) ينظرالمحمدي، الشاذ والمنكر، 5-6باختصار (3) ينظر: بيكر،زيادة الثقة، 1/94 بتصرف
عدد الصفحات ٤٢٤423 الصحيح والحسن ، والتفرّد مظنة العلة، ولً يكتمل تحرير تلك المصطلحات إلً ببيان المراد بالعلة والحديث المعلل.
عدد الصفحات ٤٢٥424 الفصل الثامن الحديث المعلل المبحث الأول: تعريف المعلل لغة واصطلاحاً: المطلب الأول: تعريفه لغة: المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً (حسب الترتيب الزمني): المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها: المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.
عدد الصفحات ٤٢٦425 المبحث الأول: تعريف المعلل لغة واصطلاحاً المطلب الأول: تعريف المعلل لغة: المعلل: اسم مفعول من علهل. وقد ذكر ابن فارس(1) أن الفعلعله ) يأتي على أصولٌ ثلاثة صحيحة: الأول: تكر رٌ أو تكرير، ومنه: العَ لَ لُ ، وهي الشربة الثانية. والثاني: عائق يعوق صاحبه، والعلة حدث يشغل صاحبه عن وجهه. والثالث: ضَ عفٌ في الشيء، فالعلة مرض، وصاحبها معتل.(2) وعليه فإن من معاني العلة في اللغة: التكرير، والمرض، والعائق يعوق صاحبه.(3) قال السخاويأعله الله فهو مُ علّ ، ولً يقال: معلل، فإنهم إنما يستعملونه من علله بمعنى ألهاه بالشيء وشغله به، ومنه تعليل الصبي بالطعام، وما يقع من استعمال أهل الحديث له؛ (1) أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد بن حبيب الرازي اللغوي، أبو الحسين القزويني، كان إماماً في علوم شتى، وخصوصاً اللغة فإنه أتقنها، وألف كتابه (المجمل) في اللغة، وهو على اختصاره جمع شيئاً كثيراً . مات سنة 395هـ. ينظر: ابن خلكان،الوفيات، 1/118، الذهبي،السير، 17/103. (2) ينظر: ابن فارس،مقاييس اللغة، 4/13-14. وقد أوضح الدكتور همام سعيد العلاقة بين هذه المعاني اللغوية للعلة، وبين المعنى الًصطلاحي فقال- في مقدمة تحقيقه لشرح علل الترمذي-: "ولما كان من معاني (علّ ) في أصل اللغة الشربة الثانية، كما ذكر ابن فارس في معنى هذه المادة، فيكون هذا الًستعمال لً غبار عليه، لً في اللغة ولً في الًصطلاح، وتكون العلاقة بين المعنى اللغوي والًصطلاحي أن العلة ناشئة عن إعادة النظر في الحديث مرة بعد مرة. وكما يقال (معلول) بهذا المعنى فإنه يقال (معلّ ) لما دخل على الحديث من العلة بمعنى المرض. وأما استعمال (معلل) فلا تمنعه القواعد إذا كان مشتقاً من (علله) بمعنى ألهاه به وشغله، ويكون معنى (الحديث المعلل): هو الحديث الذي عاقته العلة وشغلته فلم يعد صالحا للعمل به." همام عبدالرحيم سعيد، "مقدمة في العلة وميدانها" من تحقيقه لشرح علل الترمذي لًبن رجب، 1/21. (3) يُنظر: الفراهيدي،العين، 1/88. الرازي،مختار الصحاح، 216.
عدد الصفحات ٤٢٧426 حيث يقولون: علله فلان، فعلى طريق الًستعارة "(1) "فكأن وجه الشبه الشغل، فإن المُ حدِّّ ث يشتغل بما فيه من العلل."(2) وتعقّب ابن الصلاح تس ميّة الحديث المُعلّ بالمعلول، فقال: "ويسميه أهل الحديث (المعلول)، وذلك منهم ومن الفقهاء في قولهم في باب القياس: (العلة والمعلول) مرذول عند أهل العربية واللغة"(3) . وتبعه النووي في ذلك فقال: هو لحن(4)، أي: تسميته بالمعلول، بينما جوّد العراقي تسميته بالمُعلّ ، وأشار إلى أن لفظ معلول قد وقع في عبارات النقّاد من المحدثين(5)، مما حدا بابن حجر إلى ترجيح هذه التسمية على غيرها؛ نقل ذلك عنه البقاعي في النكت، فقال: "قال شيخنا: والأولى عندي أن يقال: معلول؛ لأنها وقعت في عبارات أهل الفن..."(6). (1) السخاوي،فتح المغيث، 1/274. (2) القاري،شرح النخبة، 459. (3) ابن الصلاح،علوم الحديث، 89. (4) النووي، التقريب، 43، ينظر السيوطي، التدريب، 1/294. (5) ينظر: العراقي،التقييد، 117-118. (6) وأتبع ذلك بقوله وهي لغة، كما في كلام أبي إسحاق، وعلى ما خرجه سيبويه، وقد فر ابن الصلاح من استعمال لغة، هي على زعمه رديئة، فوقع بقوله: (معلل) في أشد من ذلك باستعمال ما ليس من هذا الباب أصلا، بل من باب التعلل، الذي هو التشاغل والتلهي". البقاعي، النكت، 1/499. وفي بحث قواعد العلل قال مؤلفه: "وأقدم من وجدته استعمل كلمة معلول بمعنى مريض –ممن يُحتجّ بكلامه في اللغة مع العل م والإمامة في الدين: الإمام الشافعي،...في كتاب الرههن من كتابه (الأمّ)..." وذكر في الهامش أقدم من ذكر هذه اللفظة: البخاري فيما نقله عنه الترمذي في العلل الكبير، ونقله عنه الخليلي في الإرشاد. وأبو داود في وسالته لأهل مكة، والترمذي في سننه." ويقول الدكتور علي الصياح: "فمما تقدم من عدم اتفاق أهل اللغة على تخطئة استعمال هذه الكلمة، واستعمال كثير من الأئمة المحدثين لها نستفيد أنّها كلمة صحيحة لغوياً، وإنْ كان الأفصح استعمال كلمة مُعَلّ ". المراجع: ينظر: الشافعي، الأم، 4/325، أبو داود، رسالة أبي داود إلى أهل مكة، 33، الترمذي،العلل الكبير،206ح(365)،الترمذي،السنن،1/158ح97)- 2/419 ح1119)،الخليلي، الإرشاد، 3/961، الزرقي، قواعد العلل وقرائن الترجيح، 8-9. الصياح،جهود المحدثين في بيان علل الحديث، 14 .
عدد الصفحات ٤٢٨427 المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً (حسب الترتيب الزمني): ورد لفظ العلة - وكذلك وصف الحديث بكونه مُعلاً أو معلولًً - في كتب نقاد الحديث، إلً أن تفسير معنى العلة أو الحديث المعلول، وحدِّّه بما يُميِّّزه إنما ورد في بعض الكتب التي صُنِّّفت في علوم الحديث، وكان "أول تقعيد نظري لتحديد مفهوم علة الحديث- وهو أقرب إلى الوصف منه إلى التعريف-"(1) ما ذكره الحاكم في كتابه معرفة علوم الحديث تعريف الحاكم النيسابوري (ت 405هـ): قال الحاكم في كتابه "معرفة علوم الحديث" - تحت النوع السابع والعشرين من علوم الحديث-: " معرفة علل الحديث، وهو علم برأسه غير الص حيح، والسقيم، والجرح والتعديل...". ثم أتبعه بقوله: " وإنما يُ عله ل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واه، وعلة الحديث، يكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علة، فيخفى عليهم علمه، فيصير الحديث معلولً، والحجة فيه عندنا الحفظ، والفهم، والمعرفة لً غير."(2) تعريف ابن الأثير(ت 606 هـ): أما ابن الأثير فقد ذكر صفة الحديث المعلل في مقابلة الحديث الشاذ(3)، فقال في مقدمة كتابه جامع الأصول: "وربه حديث شاذ انفرد به الثقة، إلً أنه لً أصل له، ولً يتابع عليه، (1) محمد عبدالرحمن طوالبة،مفهوم العلة عند المحدثين، 428-429. (2) الحاكم،علوم الحديث، 112-113 . (3) ما ذكره ابن الأثير استفاده من علوم الحديث للحاكم، كما سبق بيانه في فصل الحديث الشاذ
عدد الصفحات ٤٢٩428 فيخالف فيه الناس، ولً يعرف له علةيعلل بها، فإن الحديث المعلل: هو ما عُرفت علته، فذُ كِّ رت، فزال الخلل منه(1). والشاذ: ما لً يعرف له علة"(2) تعريف ابن الصلاح(ت 643هـ): ذكر ابن الصلاح - في كتابه علوم الحديث تحت ( النوع الثامن عشر: معرفة الحديث المعلل)- معنى علل الحديث، فقال: "عبارة عن أسباب خفية غامضة قادحة فيه، فالحديث المعلل هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن ظاهره السلامة منها. ويتطرق ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقات، الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر."(3) تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح أما من جاء بعد ابن الصلاح فالأغلب اختصر كلامه كالنووي(ت676هـ)(4)، (1) عبارة (زال الخلل منه) أجدها مُبهَمة، إذ كيف يزول الخلل مع ظهور علته، ولعل المقصود منها ظهور وجه الخلل بها، فزال خفاؤه. فقد ذهب الحاكم –في بيان الفرق بين الشاذ والمعلول- إلى أن المعلول ما يوقف على علته بعد البحث وجمع الطرق، بينما الشاذ يتفرّد الراوي به ولً متابع له، وينقدح في نفس الناقد بأن له علة لم يقف عليها، حيث قال: "فإن المعلول ما يوقف على علته، أنه دخل حديثا في حديث، أو وهم فيه راو أو أرسله واحد، فوصله واهم، فأما الشاذ فإنه حديث يتفرد به ثقة من الثقات، وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة ". الحاكم، علوم الحديث، 119. وقدددد راجعدددت مخطوطدددة لجدددامع الأصدددول وجددددتها علدددى موقدددع الألوكدددة، للتأكدددد مدددن عددددم وجدددود تصددحيف أو سددقط فددي المطبددوع، فوجدددت العبددارة بنصددها. ينظددر: المبددارك بددن محمددد بددن محمددد ابددن الأثيدددر، جدددامع الأصدددول فدددي أحاديدددث الرسدددول ، مكتبدددة الغدددازي خسدددروبك، مصدددوّرة، اللدددوح 19، السطر 27 .0/76159http://www.alukah.net/library//. (2) ابن الأثير،جامع الأصول، 1/177. (3) ابن الصلاح، علوم الحديث ، 90. قال ابن حجر قلت: وهذا تحرير لكلام الحاكم في (علوم الحديث)". ابن حجر، النكت، 2/710. (4) ينظر: النووي،التقريب، 43-44.
عدد الصفحات ٤٣٠429 وابن جماعة(ت733هـ)(1)،والطيبي(ت743هـ(2)، والبلقيني(ت805هـ)(3)،والعراقي (ت806 هـ) في شرح التبصرة (4)،وابن الملقن(ت 804هـ نقل عبارة ابن الصلاح بتصرّف يسير في المقنع (5)،واختصرها في التذكرة، فقال: "والمعلل: وهو ما اطلع فيه على علة قادحة في صحته، مع السلامة عنها ظاهرا."(6) ولعل من أبرز تعريفات الحديث المعلل بعد ابن الصلاح(7) : تعريفابن حجر(ت852هـ) حيث قال في النزهة: "المعلل لغة: ما فيه علة، واصطلاحا: ما فيه علة خفية قادحة"(8). ثم أوضح مراده بهذه العلة- في موضع آخر- فقال: "ثم الوهم ...إن اُ طّ لِّ ع عليه بالقرائن الدالة على وهم راويه -من وصل مرسل أو منقطع أو إدخال حديث في حديث، أو نحو ذلك من الأشياء القادحة، وتحصل معرفة ذلك بكثرة التتبع وجمع الطرق- فهذا هو المعلل."(9) فالمعلل- وفق ما ذكر- ناتج عن وهم الرواة.(1) (1) ينظر: ابن جماعة،المنهل، 52. (2) ينظر: الطيبي،الخلاصة، 78. (3) ينظر: البلقيني،المحاسن، 259. (4) ينظر: العراقي،شرح التبصرة، 1/274. (5) ينظر: ابن الملقن،المقنع، 1/212. (6) ابن الملقن،التذكرة ، 17-18. (7) ملاحظة لم أُشر إلى ما جاء في النسخة المطبوعة من كتاب الموقظة في الجمع بين مصطلحي (المضطرب والمعلل)؛ لأن إدراج لفظ المعلل من صنيع المحقق -رحمه الله- وقد أدرجه لوجوده في إحدى النسخ، على الرغم من أن شيخ الذهبي (ابن دقيق العيد) لم يورده في كتابه (الًقتراح). ينظر: الذهبي، الموقظة، 51، سليم،شرح الموقظة، 120، العوني،شرح الموقظة، 137. (8) ابن حجر،النزهة، 70. (9) المرجع السابق، 113 .
عدد الصفحات ٤٣١430 وقد صاغالسخاوي (ت 902هـ) تعريف الحديث المعلل بقوله: "فالمعلل أو المعلول: خبر ظاهره السلامة اُ ط لِّ ع فيه بعد التفتيش على قادح."(2) المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها حرّر ابن الصلاح كلام الحاكم في نوع الحديث المعلل - كما ذكر ابن حجر(3)- ثم عمد إلى إلى تعريف الحديث المعلل بقوله: "هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن ظاهره السلامة منها"، وذلك بعد أن ذكر تعريف علل الحديث بكونها: "عبارة عن أسباب خفية غامضة قادحة فيه"، وذكر أن العلل عادةً تتطرق "إلى الإسناد الذي رجاله ثقات، الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر."(4) ويمكن الإشارة إلى أن أبرز قيود العلة الواردة في تعريف ابن الصلاح هما قيّدي الغموض، والقدح في الصحة، وفيما يلي تفصيل ذلك: قيود الحديث المعلل عند ابن الصلاح: = (1) "كثير من أجناس العلل راجع إلى تخلّف صفة الضبط في الراوي، وذلك هو الوهم، والأوهام تتنوع بحيث لً يُمكن حصرها أو تسمية كل منها باسم اصطلاحي خاص". الحسني، مدار الإسناد، 1/199. (2) السخاوي،فتح المغيث، 1/276. (3) قال ابن حجر في النكت على ابن الصلاح: "وهذا تحرير لكلام الحاكم في (علوم الحديث)". ابن حجر، النكت، 2/710. (4) ينظر: ابن الصلاح،علوم الحديث، 90.
عدد الصفحات ٤٣٢