335 تعريف الحافظ البرديجيت 301هـ قال ابن الصلاح: "بلغنا عن أبي بكر أحمد بن هارون البرديجي الحافظ : أنه الحديث الذي ينفرد به الرجل ولً يُ عرَ ف متنه من غير روايته، لً من الوجه الذي رواه منه، ولً من وجهٍّ آخر."(1) بينما نقل ابن رجب عن البرديجي قوله في بيان الحديث المنكرأن المنكر هو الذي يُ حدِّّ ث به الرجل عن الصحابة، أو عن التابعين، عن الصحابة، لً يُ عرَ ف ذلك الحديث، وهو متن الحديث، إلً من طريق الذي رواه، فيكون منكراً."(2) تعريف ابن أبي حاتم(ت 327هـ): أشار ابن أبي حاتم لعلامة تُميّز صحيح الحديث من منكره بقوله: "ويقاس صحة الحديث بعدالة ناقليه، وأن يكون كلاما يصلح أن يكون من كلام النبوة، ويعلم سقمه وإنكاره بتفرد من لم تصح عدالته بروايته، والله أعلم"(3) تعريف ابن الصلاح(ت 643هـ): بعد أن نقل ابن الصلاح تعريف البرديجي صوّب أن المنكر على قسمين، وأنه بمعنى الشاذ، فيكون المنكر عنده قسمان: "أحدهما: الحديث الفرد المخالف، والثاني: الفرد الذي (1) ثم علّق عليه قائفأطلق البرديجي ذلك ولم يفصِّّ ل. وإطلاق الحكم على التفرد بالرد أو النكارة أو الشذوذ، موجود في كلام كثير من أهل الحديث. والصواب فيه التفصيل الذي بيناه آنفا في شرح الشاذ." ابن الصلاح، علوم الحديث، 80. (2) ثم وضّح ابن رجب السياق الذي ورد فيه التعريف، وذكر أمثلة على ذلك يأتي ذكرها- بإذن الله- أثناء تحرير التعريف. ينظر: ابن رجب، العلل، 1/450-453. (3) ابن أبي حاتم،الجرح، 1/351.
عدد الصفحات ٣٣٧336 ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابر اً لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف."(1) تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح لقد جعل ابن الصلاح الحديث المنكر مرادفاً للشاذ وبمعناه(2)، وتابعه على هذا جُل من جاء بعده، ولخّص كتابه: كالنووي(ت676هـ(3)،وابن دقيق العيد (ت702هـ(4)،وابن كثير (ت774هـ) حيث قال: "المنكر: وهو كالشاذ، إن خالف راويه الثقات فمنكر مردود، وكذا إن لم يكن عدلًً ضابطاً - وإن لم يخالف- فمنكر مردود. وأما إن كان الذي تفرد به عدلًً ضابطاً حافظاً (5)قُبِّل شرعاً، ولً يقال له منكر، وإن قيل له ذلك لغةً "(6) . (1) ابن الصلاح، علوم الحديث ، 79-80، ثم أتبعه بذكر أمثلة لكل قسم، ويستنتج من تعريف ابن الصلاح أنه يَعد مخالفة الراوي لمن هو أولى منه (سواء كان ثقة أو ضعيف) منكر اً وشاذاً، أما بخصوص تفرد الراوي، فقد جعل النكارة والشذوذ خاصة بتفرّد الضعيف الذي هو دون رواة الصحيح والحسن في الضبط والإتقان، حيث أن المنكر عند ابن الصلاح نوعان، "وقوله في تعريف الحسن لذاته: (يرتفع عن حال من يُعد ما ينفرد به من حديثه منكراً) احتراز من الضعيف، الذي تفرّده يُعد منكراً، ثم اشترط بعد ذلك السلامة من الشذوذ والنكارة، وهو احتراز من النوع الثاني من الشاذ والمنكر، والناتج عن المخالفة". السليماني، الجواهر، 82. (2) سبقه في التصريح بذلك- كما جاء في فصل الحديث الشاذ- الحافظ صالح جزرة حيث قال: "الحديث الشاذ: الحديث المنكر الذي لً يُعرف". الخطيب البغدادي، الكفاية، 141. (3) ينظر النووي، التقريب، 41،وفي شرحه لصحيح مسلم ذكر من أنواع الحديث الفرد أربعة منهما اثنان وصفهما بالشذوذ والنكارة، وهما: "فرد مخالف للأحفظ وفرد ليس في رواية من الحفظ والإتقان ما يجبر تفرده والله أعلم". النووي، شرح مسلم، 1/154. (4) حيث قال: "المنكر، وهو كالشاذ". ابن دقيق العيد،الًقتراح، 17. (5) هكذا في ط: غراس،51، وط: دار المعارف، 183. وعقّب محققها في الحاشية: "في طبعة الشيخ شاكر: (عدلٌ ضابطٌ حافظٌ ) مُخالفاً النسختين وقواعد اللغة". (6) ابن كثير،الًختصار، 51، فابن كثير يرى أن تفرد الضابط الحافظ مقبول، وليس بمنكر، وإن أُطلق عليه وصف النكارة فهو إطلاق لُغوي وليس اصطلاحي.
عدد الصفحات ٣٣٨337 وممن اختصر تعريف ابن الصلاح كذلك البلقيني (ت805هـ(1)،والعراقي (ت806هـ(2). واقتصر بعضهم على شق من التعريف كابن جماعة (ت733هـ حيث اقتصر على الشق الخاص بتفرّد الضعيف، فقال: " قيل: هو ما تفرد به من ليس ثقة ولً ضابطا، فهو الشاذ على هذا، كما تقدم، وقال البرديجي: هو الفرد الذي لً يعرف متنه عن غير راويه، والصواب ما تقدم."(3) . ولعلمن أبرز التعريفات بعد ابن الصلاح: ما ذكره الذهبي (ت748هـ، فبالرغم من أنه وافق ابن الصلاح في تعريفه للشاذ إلً أنه حين عرّف المنكر اقتصر على الشِّقِّّ الخاص بتفرد الضعيف، وأضاف إليه بعض تفردات الصدوق فقال: "المنكر: وهو ما انفرد الراوي الضعيف به. وقد يُ عد مفرد الصدوق(4) منكرا."(5) (1) ينظر: البلقيني،المحاسن، 179. (2) ينظر: العراقي،التقييد، 105، العراقي،التبصرة، 1/251. (3)ابن جماعة، المنهل، 136. "وكأن ابن جماعة يحصر المنكر بأحد صورتيه عند ابن الصلاح، وهو تفرّد الضعيف غير المحتمل" حمام، التفرد، 437. (4) الراوي الصدوق عند ابن أبي حاتم وابن الصلاح في المرتبة الثانية من مراتب التعديل، وهو الذي قال عنه ابن أبي حاتم: "ممن يُكتب حديثه ويُنظر فيه". وقال ابن الصلاح: هذه العبارات لً تُشعر بشريطة الضبط، فينظر في حديثه ويُختبر حتى يُعرف ضبطه". وذكره الذهبي ومن بعده العراقي في المرتبة الثالثة من مراتب التعديل، وهو ممن يُ كتب حديثه، وينظر فيه. بينما ذكره ابن حجر في المرتبة الرابعة والتي تقصر عنده قليلاً عن المرتبة الثالثة وهي: من أُفرِّد بصفة مثل: ثقة أو متقن. المراجع: ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح، 2/37، ابن الصلاح،علوم الحديث ، 122-123، الذهبي، الميزان، 1/4، العراقي،شرح التبصرة، 1/371، ابن حجر،التقريب، 74 ."والصدوق: هو العدل الذي خفّ ضبطه، والأصل في حديثه أن يكون حسناً". العوني، شرح الموقظة، 93. (5) الذهبي،الموقظة، 42 .
عدد الصفحات ٣٣٩338 أماابن الملقن (ت804هـ فإنه لخّص كلام ابن الصلاح في كتابه (المقنع)(1) بينما اقتصر في كتابه (التذكرة) على تفرّد الضعيف، فقال: " هو ما تفرد به واحد غير متقن ولً مشهور بالحفظ."(2)،واقتصاره هذا يوحي بتفريقه بين الشذوذ والنكارة، حيث خصّ معنى الشذوذ بمخالفة الثقة لغيره من الثقات(3)، والنكارة بتفرّد الضعيف. ولعل تلميذه ابن حجر (ت 852هـ تبعه في ذلك حين صرّح بالتفريق بين الشاذ والمنكر.(4) فنجد أن ابن حجر حين عرّف المنكر قال في تنكيته على ابن الصلاح وأما ما انفرد المستور أو الموصوف بسوء الحفظ أو المضعف في بعض مشايخه دون بعض بشيء لً متابع له ولً شاهد فهذا أحد قسمي المنكر، وهو الذي يوجد في إطلاق كثير من أ هل الحديث. وإن خولف في ذلك، فهو القسم الثاني وهو المعتمد على رأي الأكثرين."(5) فذكر من أقسام المنكر تفرد الراوي الضعيف ضعفاً قابلا للانجبار، فهذا منكر عند كثير من أهل الحديث، فإن خالف - من هذه حاله- من هو أولى منه، فهذا ما يُطلق عليه المنكر عند الأكثرين، وهو ما اعتمده ورجّحه. (1) ينظرابن الملقن، المقنع ، 1/179-180. (2) ابن الملقن،التذكرة، 17. (3) إذ أن المقنع اختصار لعلوم الحديث لًبن الصلاح، والتذكرة اختصار للمقنع. ينظر تعريفه للشاذ: المرجع السابق، 16. (4) حيث جمع بين الشاذ والمنكر في اشتراط المخالفة والتفرّد، وفرّق بينهما في مرتبة راوٍّ كلٍّّ منهما، فخصّ الشذوذ برواية الثقة ، والمنكر برواية الضعيف . ينظر: ابن حجر، النزهة،87، ابن حجر، النكت، 2/675، السخاوي،فتح المغيث، 1/250 . (5) ابن حجر،النكت، 2/675.
عدد الصفحات ٣٤٠339 وقد صاغ البقاعي عبارة شيخه ابن حجر في تعريف المنكر بقولهوالمنكر: اسم لما خالف فيه الضعيف، أي الذي ينجبر إذا توبع، أو تفرد به الأضعف، أي: الذي لً ينجبر وهيه بمتابعة مثله"(1) فتفرّد الضعيف ضعفاً لً ينجبر بالرواية - دون مُتابِّع- كافٍّ لإطلاق النكارة على حديثه، وإن لم يُخالَف، وهذا ما أشار إليه ابن حجر في النزهة بأنه: "المنكر - على رأي من لً يشترط في المنكر قيد المخالفة -... " ومثّل له بـمن "فحش غلطه، أو كثرت غفلته، أو ظهر فسقه، فحديثه منكر"(2)، ونجده كذلك استشهد بما ذكره الإمام مسلم- رحمه الله- في بيانه لعلامة الحديث المنكر، ثم أتبعه بقوله: "فالرواة الموصوفون بهذا هم المتروكون. فعلى هذا رواية المتروك عند مسلم تسمى منكرة. وهذا هو المختار - والله أعلم –".(3) وقد أشار رحمه الله إلى إطلاق بعضهم النكارة على مخالفة الصدوق الذي لً يُحتمل تفرّده فقال: "فالصدوق إذا تفرد بشيء لً متابع له ولً شاهد ولم يكن عنده من الضبط ما يشترط في حد الصحيح والحسن(4)، فهذا أحد قسمي الشاذ، فإن خولف من هذه صفته مع ذلك كان أشد في شذوذه، وربما سماه بعضهم منكرا".(1) (1) البقاعي،النكت، 1/467، وكذلك الأنصاري في كتابه فتح الباقي حيث قالوالمنكر: ما خالف فيه المستور، أو الضعيف الذي ينجبر بمتابعة مثله، أو تفرد به الضعيف الذي لً ينجبر بذلك." الأنصاري، فتح الباقي بشرح ألفية العراقي، 1/238. (2) ابن حجر،النزهة، 112-113 باختصار. قال أبو شهبة "ويقرب من هذا ما ذكره ابن الصلاح في النوع الثاني للشاذ والمنكر، أي ما انفرد به راويه الذي ليس بعدل ولً ضابط، ومثله لً يقبل تفرده." أبو شهبة، الوسيط، 304. (3) ابن حجر،النكت، 2/675. (4) حيث اشت رط ابن الصلاح في راوي الحسن لذاته " أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة، غير أنه لم يبلغ درجة رجال الصحيح، لكونه يقصر عنهم في الحفظ والإتقان، وهو مع ذلك يرتفع عن حال من يعد ما ينفرد به من حديثه منكراً". ابن الصلاح، علوم الحديث، 31-32، فراوي الحديث الحسن وإن خفّ ضبطه إلً أنه يرتفع عن حال من يُستنكر حديثه عند الًنفراد. ينظر: السخاوي، فتح المغيث، 1/249-250.
عدد الصفحات ٣٤١340 "فحاصل كلام ابن حجر - رحمه الله - أنه يرى تفرد من هو في آخر مراتب الحسن وقريب جداً من مراتب الضعيف، بل في أول مراتب الضعيف يُعتبر شاذاً، ومع المخالفة يكون منكراً"(2) فنجد أن ابن حجر- رحمه الله- ذكر أقساماً وأنواعاً للمنكر منها: - مخالفة الصدوق الذي لا يُحتمل تفرّده لتدنّي ضبطه عن الرواة المقبولين في حدّ الصحيح والحسن، حيث قال: "وربما سماه بعضهم منكرا".(3) - وكذلكتفرد الضعيف ضعفاً قابلا للانجبار كالمستور أو الموصوف بسوء الحفظ أو المضعف في بعض مشايخه، وعبّر بقوله: "فهذا أحد قسمي المنكر، وهو الذي يوجد في إطلاق كثير من أهل الحديث".(4) - ومنها كذلك مخالفة الضعيف ضعف اً قابلا للانجبار لمن هو أولى منه وأضبط، حيث قال: " وإن خولف في ذلك، فهو القسم الثاني وهو المعتمد على رأي الأكثرين".(5) - وأيضاًتفرّد الضعيف ضعفاً شديداً كفاحش الغلط، وكثير الغفلة، وظاهر الفسق، وهذا ما أشار إليه بأنه: " المنكر على رأي من لً يشترط في المنكر قي د المخالفة".(1) = (1) ابن حجر،النكت، 2/674 . (2) العثمان،المحرر، 229. (3) ابن حجر،النكت، 2/674. (4) المرجع السابق، 2/675. (5) المرجع السابق.
عدد الصفحات ٣٤٢341 - وكذلكرواية المتروك(2) تُعدّ من الأحاديث المنكرة، حيث قال "فعلى هذا رواية المتروك عند مسلم تسمى منكرة. وهذا هو المختار، والله أعلم".(3) وقد اُشتهر عن ابن حجر- رحمه الله- ترجيحه لأحد هذه الأقسام، وهو: مخالفة الضعيف لمن هو أولى منه، وذلك في كتابيه (نخبة الفِّكَر) وشرحه (النزهة)(4)، حيث قال- بعد أن عرّف الشاذ بمخالفة المقبول (ثقةً كان أو صدوقاً) لمن هو أولى منه -: " وإن وقعت المخالفة مع الضعف؛ فالراجح يقال له: (المعروف)، ومقابله يقال له: )المنكر)"(5). وقد سار على نهج ابن حجر في التفريق بين ال شاذ والمنكر تلامذته: البقاعي (ت885هـ(6)،والسخاوي(ت902هـ(7)، وزكريا الأنصاري (8)(ت926هـ(9)، وتبعهم السيوطي(ت911هـ(10). = (1) ابن حجر،النزهة، 112. وقد عرّف الدكتور عبدالكريم الخضير الحديث المنكر بقوله "هو الحديث الذي في سنده راو فحش غلطه، أو كثرت غفلته، أو ظهر فسقه، وانفرد به بحيث لً يعرف متنه من غير روايته، لً من الوجه الذي رواه منه، ولً من وجه آخر، وإن لم يخالف غيره من الثقات" الخضير، الضعيف، 187-188. (2) "ما يكون بسبب تهمة الراوي بالكذب- هو المتروك." ابن حجر، النزهة، 112. (3) ابن حجر،النكت، 2/675. (4) قال السيوطي: "المنكر الذي روى غير الثقة ... مخالفا، في نخبة قد حققه". الألفية، 23. (5) ابن حجر،النزهة، 86. (6) ينظر: البقاعي،النكت، 1/467. (7) ينظر: السخاوي،فتح المغيث، 1/249-250. (8) زكريا بن محمد بن أحمدالأنصاري المصري الشافعيّ، أبو يحيى، قاض فقيه، مفسر، من حفاظ الحديث. له تصانيف كثيرة، منها: (تحفة الباري على صحيح البخاري) و(شرح صحيح مسلم) وغيرها. ينظر: ابن العماد، الشذرات،10/186، الزركلي، الأعلام، 3/46. كحالة، المؤلفين، 1/733 (5480.) (9) ينظرالأنصاري، فتح الباقي،1/238.حيث قال"والمعتمد أنهما متميزان، كما جرى عليه شيخنا". (10) ينظر: السيوطي،الألفية، 23، السيوطي،التدريب، 1/279-280.
عدد الصفحات ٣٤٣342 المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها قسّم ابن الصلاح المنكر - تبعاً لتقسيمه الشاذ؛ فهما عنده بمعنى واح د- إلى قسمين، ومُحصِّّلَتهما: استنكار حديث المُخالِّف - سواء كان ثقة أو غير ثقة- لمن هو أولى منه، بينما يُستنكر التفرّد - الخالي من المخالفة- إذا كان المُتفرِّّد بالرواية ليس لديه من الثقة والإتقان ما يُحتمل معه هذا التفرد. قيود المنكر عند ابن الصلاح: هي قيود الحديث الشاذ، وقد سبق بيانها في الفصل السابق ضمن حدود تعريفات الحديث الشاذ، ويُعاد ذكرها في هذا الفصل لبيان علاقتها بتعريفات الحديث المنكر، وهما قيدان: - مخالفة الراوي لمن هو أولى منه. - وتفرّد الضعيف أو (من لً يُحتمل تفرّده). القيد الأول: التفرد: أبدأ بقيد التفرد لكونه الأشمل؛ ولتعلّق أغلب تعريفات المنكر به.(1) ومعنى التفرد فياللغة: هو: ما كان وحده، وكذلك يُطلق على الذي لً نظير له.(2) واصطلاحا"هو أن يأتي الراوي برواية لً يشاركه فيها أحد سنداً أو متناً"(3). (1) فالتفرّد أعم حيث يشمل انفراد الراوي بالرواية دون متابعة وكذلك تدخل المخالفة إذ هي نوع تفرد (انفراد برواية مخالفة). قال الدكتور عبدالجواد حمام: "وجود المخالفة في التفرّد أو عدم وجودها: هذا جانب مهم في قضية التفرد، وهو من أدق مباحثه وأعسرها؛ لكثرة الآراء، واختلاف وجهات النظر، ... وسبب الإشكال هو تحديد حقيقة المخالفة وماهيتها وزاوية النظر إليها..." حمام، التفرد، 121 باختصار (2) سبق بيانه في فصل الحديث الشاذ ، ويُعاد هنا بشيء من الًختصار. ينظر: الفراهيدي، العين، 8/24، ابن فارس،المقاييس، 4/500، ابن سيده،المحكم، 9/306، الرازي،مختار الصحاح، 236. (3) زهار،المرجع السابق، 124، وينظر كذلك: حمام،المرجع السابق، 90.
عدد الصفحات ٣٤٤343 ويُستنكر التفرد في بعض الروايات؛ لكونه قد يكون مؤشراً لوجود علة فيها(1)،وألمح ابن الوزير كذلك إلى سبب استنكار بعض تفرّدات الرواة فقال: "قلت: أما من تفرد عن العالم الحريص على نشر ما عنده م ن الحديث وتدوينه ، ولذلك العالم كتب معروفة وقد قُ يه د حديثه فيها، وتلاميذه حُ فه اظ حِّ راص على ضبط حديثه وكتبه حفظا وكتابة، فكلام المحدثين معقول؛ لأن في شذوذه(2) ريبة توجب زوال الظن(3) على حسب القرائن، وهو موضع اجتهاد، وأمّا من شذه بحديث عمن ليس كذلك فلا يلزم رد ه"(4) . وقدمثّل ابن الصلاح لقيد التفرّد بقوله: "ومثال الثاني - وهو الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والإتقا ن ما يحتمل معه تفرده-: ما رويناه من حديث أبي زكير يحيى بن محمد بن قيس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله قال((كلوا البلح بالتمر؛ فإن الشيطان إذا رأى ذلك غاظه، ويقول: عاش ابن آدم حتى أكل الجديد بالخَ لِّ ق(5))) تفرد به أبو زكير وهو شيخ صالح أخرج عنه مسلم في كتابه(6)، غير أنه لم يبلغ مبلغ من يحتمل تفرده. والله أعلم"(7) . (1) سبق الإشارة إلى هذا في فصل الحديث الشاذ (2) أي: انفراده (3) ("توجب زوال الظن) بحفظه (على حسب القرائن وهو موضع اجتهاد) رداً وقبولًً ". الصنعاني، توضيح الأفكار، 1/384. (4) ابن الوزير،التنقيح، 152-153. (5) الخَلِّق: البالي والقديم. ينظر مادة (خ ل ق): ابن الأثير، النهاية، 2/71، ابن منظور، اللسان، 10/88 . (6) قال ابن الملقنإنما أخرج له مسلم في المتابعات لً في الأصول" ابن الملقن، المقنع، 1/186، ينظر: العراقي، التقييد، 109، السخاوي،فتح المغيث، 1/252. (7) ابن الصلاح،علوم الحديث، 82.
عدد الصفحات ٣٤٥344 قال ابن حجر وأما حديث أبي زكير في أكل البلح بالتمر، فقد أورده الحاكم في (المستدرك)(1) لكنه لم يحكم له بالصحة ولً غيرها وأما ابن الجوزي أ بو الفرج، فذكرهفي (الموضوعات)(2). والصواب فيه ما قال النسائي- وتبعه ابن الصلاح-: "إنه منكر" باعتبار تفرد الضعيف به على إحدى الروايتين. وقد جزم ابن عدي(3) بأنه تفرد به(4). وقول الخليلي: إنه شيخ صالح (5) أراد به في دينه لً في حديثه؛ لأن من عادتهم إذا أرادوا وصف الراوي بالصلاحية في الحديث قيدوا ذلك، فقالوا: صالح الحديث. فإذا أطلقوا الصلاح، فإنما يريدون به في الديانة. - والله أعلم"(6). وفي تعليقه على حديث أبي زكير قال البقاعي "فيه من النكارة وجهان: الأول: تفرد أبي زكير، وهو غير ضابط، فإنه صدوق يخطئ كثيرا، وهو وإن كان في عداد من ينجبر، لكنه لما أتى بهذا المتن الركيك الألفاظ، البعيد من القواعد، كان كأنه خالف من هو أقوى منه... الوجه الثاني من نكارته: ركاكة معناه، وعدم انطباقه على محاسن الشريعة؛ لأن الشيطان لً يغضب من مطلق حياة ابن آدم، بل من حياته مسلما مطيعا... "(7) (1) كتاب الأطعمة4/135 ح7138.) (2) ابن الجوزي،الموضوعات، 3/26. (3) عبدالله بن عدي بن عبدالله بن محمد بن المبارك، أبو حمد الجرجاني، الحافظ، ويُعرف بابن القطان، واُشتهر بين علماء الحديث بابن عديّ، أحد أئمة أصحاب الحديث والمكثرين له والجامعين له والرحالين فيه، ومن أشهر كتبه (الكامل في ضعفاء الرجال). مات سنة: 365هـ. ينظر: ابن عساكر،تاريخ دمشق، 31/5 (3403)، الذهبي،تاريخ الإسلام، 8/240. (4) ينظر: ابن عدي،الضعفاء، 9/105 (2141.) (5) ينظر: الخليلي،الإرشاد، 1/172. (6) ابن حجر،النكت، 2/680. (7) "بل ولً يغضب من حياته كذلك لطمعه في إغوائه، بل ولً نظر له في غضبه إلى الحياة أصلا، إنما نظره إلى بقائه على الطاعة، ولو مات عليها لأغضبه ذلك، ولو كان الأمر إليه في حياته لسره أن يمد في عمره رجاء استدراجه أيضا، وأيضا فإنه علل غضبه بجمع الجديد والعتيق، ومجرد دخول زمان هذا =
عدد الصفحات ٣٤٦345 يشير البقاعي بذلك إلى قسميّ المنكر عند ابن حجر حيث قال: "والمنكر: اسم لما خالف فيه الضعيف، أي الذي ينجبر إذا توبع، أو تفرد به الأضعف، أي: الذي لً ينجبر وهيه بمتابعة مثله"(1)، ويظهر من هذا الفرق بين رواية الضعيف القابل للانجبار، والضعيف شديد الضعف عند ابن حجر، فليس كل تفرد من الضعيف يُعدّ عنده منكراً، بل بحسب مرتبته من الضعف، فإن كان ضعفه قابلاً للانجبار لً يُعدّ تفرده منكراً إلً إذا خالف من هو أولى منه، بينما يُستنكر مجرد التفرد من الضعيف الشديد الضعف(2) . وممن قال بالتفرد في الحديث المنكر - الحافظ البرديجي كما نُقل عنه (3). قال ابن الصلاح: "أطلق البرديجي ذلك ولم يُفصّل، وإطلاق الحكم على التفرد بالرد أو النكارة أو الشذوذ، موجود في كلام كثير من أهل الحديث"(4). = على الآخر كاف من غير احتياج إلى أكله له، أو رؤيته، والله أعلم" البقاعي، النكت، 1/468-470 ينظر كذلكالسخاوي، فتح المغيث، 1/251-252. الأنصاري،فتح الباقي، 1/239. (1) البقاعي،النكت، 1/467، ينظر كذلك الأنصاري، فتح الباقي، 1/238. (2) ونظراً لأن الشذوذ والنكارة يُعدّان من الضعف الشديد غير القابل للانجبار،فقد استشكل بعضهم إطلاق الوصف بالشذوذ والنكارة على تفرّد الضعيف بشكل عام؛ لأن الضعف مراتب: فيها المنجبر وفيها غير المنجبر - ، فقال البقاعي - متعقّباً تسمية تفرد الضعيف شذوذاً -: "فإنه ضعيف إذا أتى ما يجبره صار حسنا لغيره، وتسميته له شاذا نظرا إلى محض التفرد، فهو نظر لغوي." واستشكل السخاوي تسمية ما تفرّد به الضعيفُ شاذاً فقال: " وتسمية ما انفرد به غير الثقة شاذا كتسمية ما كان في رواته ضعيف أو سيئ الحفظ، أو غير ذلك من الأمور الظاهرة معللا، وذلك فيهما مناف لغموضهما". وقال السليماني: "وقولهم في القسم الثاني: "تفرد الضعيف" قد يُشكل عليه: أن الشاذ ضعفه شديد، لً يصلح في الشواهد والمتابعات، فكيف يُسمّى تفرد الضعيف شاذاً، والضعيف يُستشهد به؟ ويجاب عن هذا الإشكال: بأن المراد بالشاذ الذي لً يُستشهد به: الشاذ الذي هو فرعٌ عن مخالفة الأولى، فهذا خطأ مردود، لً يُستشهد به، أما إذا كان فرعاً عن تفرد ضعيف؛ فإن ضعفه خفيف، وإن سُمِّّي شاذاً على هذا المذهب، فإن وجدنا شاهداً له؛ زال عنه اسم الشذوذ والنكارة، واحتُجه به، والله أعلم." المراجع: البقاعي، النكت، 1/465، السخاوي، فتح المغيث، 1/249، السليماني،الجواهر، 303. (3) ينظر ابن الصلاح، علوم الحديث، 80، ابن رجب، العلل، 1/450. (4) ثم قالوالصواب فيه التفصيل الذي بينّ اه آنفاً في شرح الشاذ." ابن الصلاح، المرجع السابق.
عدد الصفحات ٣٤٧346 قال ابن حجرمذهب البرديجي أن المنكر هو الفرد سواء تفرد به ثقة أو غير ثقة"(1)، وقد استدرك موضّحاً ذلك - في تنكيته على ابن الصلاح- بقوله: "وهذا ينبغي التيقظ له، فقد أطلق الإمام أحمد والنسائي وغير واحد من النقاد لفظ المنكر على مجرد التفرد، لكن حيث لا يكون المتفرد في وزن من يحكم لحديثه بالصحة بغير عاضد يعضده"(2). وبعبارة مشابهة نقل البقاعي عن شيخه ابن حجر قوله: "ما أطلقه البرديجي موجود في كلام أحمد، فإنه يصف بعض ما تفرد به بعض الثقات بالمنكر، ويحكم على بعض رجال الصحيحين أن لهم مناكير، لكن يعلم من استقراء كلامه أنه لًبد مع التفرد من أن ينقدح في النفس أن له علة،(3) ولً يقوم عليها دليل على نحو ما تقدم عن الحاكم في الشاذ(4)، ويؤيده قول مسلم(5): إن المنكر أن يعمد الرجل إلى مثل الزهري في كثرة الأصحاب، فينفرد من بينهم عنه برواية حرف لً يوجد عند أحد منهم، فمثل هذا يقوم في النفس فيه ريبة لمجرد التفرد، وقد لً يقدر على التعبير عنها"(6) (1) ابن حجر،هدي الساري، 455. (2) ابن حجر،النكت، 2/674، ينظر: البقاعي،النكت، 1/467 . "فتأمل قول ابن حجر رحمه حيث قال: "حيث لً يكون المتفرد في وزن من يُحكم لحديثه بالصحة"؛ ولذلك لً يلتفت حذاق المحدثين إلى زيادات وأفراد من ليس في وزن من يُحكم بصحة حديثه" العثمان، المحرر، 234. (3) "هناك من يُطلق القول بأن المتقدمين يطلقون النكارة على مجرد التفرد فقط، كاللكنوي، والتهانوي، وغيرهما، وهناك من الأئمة من قد يُفهم من كلامه أن القطان، وأحمد، والنسائي، والبرديجي، يريدون بإطلاق النكارة التفرد. والواقع أن من نظر في كلام هؤلًء وغيرهم من المتقدمين وجدهم يطلقون ذلك على الجرح الشديد، وعلى الخطأ والوهم، ويطلقون ذلك أيضاً على التفرد، والأصل في إطلاق الأئمة هؤلًء وغيرهم النكارة على الجرح لً مجرد التفرد، فلابد من التأني في الأمر، والله أعلم." السليماني، الجواهر، 368-369. (4) ينظر ما سبق ذكره من مذهب الحاكم في معنى الحديث الشاذ، وذلك في الفصل السابق (5) ينظر: مسلم،الصحيح، 1/7. وقد نقل البقاعي ما ذكره مسلم بتصرّف (6) البقاعي،النكت، 1/467.
عدد الصفحات ٣٤٨347 أما ابن رجب فبعد نقله لتعريف البرديجي أوضح السياق الذي ورد فيه التعريف، وذكر أمثلة على ذلك فقال: ذكر هذا الكلام في سياق ما إذا انفرد شعبة (1) أو سعيد بن أبي عروبة (2) أو هشام الدستوائي(3) بحديث عن قتادة(4)، عن أنس، عن النبي، وهذا كالتصريح بأن كل ما ينفرد به ثقة عن ثقة ولً يعرف المتن من غير ذلك الطريق فهو منكر... قال البرديجي بعد ذلك: فأما أحاديث قتادة التي يرويها الشيوخ مثل حماد بن سلمة، وهمام (5)، وأبان(6)، والأوزاعي(7)،يُ نظر في الحديث، فإن كان الحديث يُ حفظ من غير طريقهم عن النبي ،أو عن أنس بن مالك من وجه آخر لم يُ دفع، وإن كان لً يُ عرف عن أحد عن النبي ولً من طريق عن أنس إلً من رواية هذا الذي ذكرت لك، كان منكراً (1) شعبة بن الحجاج بن الورد العتك ي مولًهم، أبو بس طام الواسط ي ثم البصر ي، قال عنه الذهبي: "أمير المؤمنين في الحديث، ثبت حجة و يخطئ في الأسماء قليلا"، وقال ابن حجر: ثقة حافظ متقن، وهو أول من فتش بالعراق عن الرجال وذب عن السنة وكان عابدا". مات سنة 160هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، 1/485 (2278)، ابن حجر،التقريب، 266 (2790.) (2) سعيد بن أبى عروبة مهران العدو ي، أبو النضر اليشكري مولًهم، البصر ي، قال عنه الذهبي: "أحد الأعلام، قال أحمد: كان يحفظ لم يكن له كتاب، و قال ابن معين: هو من أثبتهم في قتادة، و قال أبو حاتم: هو قبل أن يختلط ثقة" وقال ابن حجر: "ثقة حافظ، له تصانيف، كثير التدليس و اختلط، و كان من أثبت الناس ف ي قتادة"، مات سنة : 156 هـ و قيل 157 هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، 1/441 (1933)، ابن حجر،التقريب، 239 (2365.) (3) هشام بن أبى عبدالله سنبر الدستوائي، أبو بكر البصري ، قال الذهبي: "الحافظ، و كان يطلب العلم لله، قال الطيالسي: هشام أمير المؤمنين في الحديث"، وقال ابن حجر: "ثقة ثبت، و قد رُ مِّ ي بالقدر"، مات سنة: 154هـينظر: الذهبي، الكاشف، 2/337 (5969)، ابن حجر،التقريب، 573 (7299.) (4) قتادة بن دعامة السدوسي، أبو الخطاب البصري، الحافظ المفسّر، قال عنه ابن حجر: ثقة ثبت، مات سنة 117هـ، وقيل 118هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، 2/134 (4551)، ابن حجر، التقريب، 453 (5518) (5) همام بن يحيى بن دينار العوذي المحلمي مولًهم، أبو عبدالله، ويقال أبو بكر البصري، قال الذهبي: "الحافظ، قال أحمد: هو ثبت في كل المشايخ"، وقال ان حجر: "ثقة ربما وهم"، مات سنة: 163، وقيل 164 أو165هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، 2/339 (5986)، ابن حجر،التقريب، 574 (7319.) (6) أبان بن يزيد العطار البصري، أبو يزيد، قال الذهبي: "قال أحمد: ثبت في كل المشايخ"، وقال ابن حجر: ثقة له أفراد ، مات سنة : 160هـ تقريبا . ينظر: الذهبي، الكاشف،1/207 (111)، ابن حجر، التقريب، 87 (143.) (7) عبدالرحمن بن عمرو، الفقيه أبو عمرو الأوزاعي، شيخ الإسلام، ثقة حافظ فقيه زاهد، مات سنة 157هـ. ينظر: الذهبي،الكاشف، 1/638 (3278)، ابن حجر،التقريب، 347 (3967.)
عدد الصفحات ٣٤٩348 وقال أيضاً: إذا روى الثقة من طريق صحيح عن رجل من أصحاب النبي حديثاً يُ صاب إلً عند الرجل الواحد لم يضره أن لً يرويه غيره إذا كان متن الحديث معروفاً، ولً يكون منكراً ولً معلولًً. وقال في حديث رواه عمرو بن عاصم(1) عن همام عن إسحاق بن أبي طلحة(2) عن أنس أن رجلاً قال للنبي ((إني أصبت حداً فأقمه عليه ...))(3) الحديث: هذا عندي حديث منكر، وهو عندي وهم من عمرو بن عاصم. ونقل ابن أبي حاتم عن أبيه أنه قال: هذا حديث باطل بهذا الإسناد.(4) وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من هذا الوجه وخرج مسلم (5) معناه أيضاً من حديث أبي أمامة(6) عن النبي فهذا شاهد لحديث أنس(7) (1) عمرو بن عاصم بن عبيدالله بن الوازع الكبي القيسي، أبو عثمان البصري، الحافظ، قال: كتبت عن حماد بن سلمة بضعة عشر ألفاً ، وقال ابن حجر: "صدوق في حفظه شيء"، مات سنة: 213هـ ينظر: الذهبي، الكاشف، 2/80 (4177)، ابن حجر،التقريب، 423 (5055.) (2) إسحاق بن عبدالله بن أبى طلحة الأنصاري النجاري، أبو يحيى المدني، قال عنه الذهبي: حُجّة، وقال ابن حجر: ثقة حُجّة، مات سنة: 132هـ و قيل: 134هـ. ينظر: الذهبي،الكاشف، 1/237 (307)، ابن حجر، التقريب، 101 (367.) (3) أخرجه البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك كتاب الحدود،باب إذا أقر بالحد ولم يبين هل للإمام أن يستر عليه، 8/166 ح6823)، وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب التوبة، باب قوله تعالى (إن الحسنات يذهبن السيئات)، 4/2117 ح2764 .) (4) ابن أبي حاتم،العلل، 4/201-202 ح1364.) "فكلام أبي حاتم يدل على أن وهم عمرو بن عاصم كان بسبب مخالفة من روى الحديث بغير هذا الإسناد، والله أعلم." السليماني، الجواهر، 364. (5) وأخرجه مسلم من حديث أبي أمامة في صحيحه كتاب التوبة، باب قوله تعالى: (إن الحسنات يذهبن السيئات)، 4/2117 ح2765.) (6)صُديّ بن عجلان بن وهب، أبو أمامة الباهل ي، صحابي جليل مشهور بكنيته، مات سنة 86هـ ينظر: ابن عبدالبر، الًستيعاب،348 (1227)، ابن الأثير، أُسد الغابة ، 3/15 (2497)، ابن حجر، الإصابة، 5/241 (4081.) (7) ولأن الحديث مخرّج في الصحيحين، وله شاهد كذلك من حديث أبي أمامة الذي أخرجه مسلم في صحيحه، استدرك ابن حجر على البرديجي وصفه الحديث بالمنكر فقال: "لم يبين وجه الوهم، وأما إطلاقه كونه منكرا فعلى طريقته في تسمية ما ينفرد به الراوي منكرا إذا لم يكن له متابع؛ لكن يجاب بأنه وإن لم يوجد لهمام ولً لعمرو بن عاصم فيه متابع فشاهده حديث أبي أمامة الذي أشرت إليه ومن ثم أخرجه مسلم عقبه، والله أعلم". ابن حجر، الفتح، 12/134. من استدراكات فضيلة المناقش: بل الحديث مخرّج في الصحيحين من حديث ابن مسعود وهو الأصل، ولذلك صدّر به مسلم هذا الباب، ثم أتبعه بحديث أنس الذي تفرّد به عمرو بن عاصم، وهو أقوى من حديث أبي أمامة الذي هو آخر هذه الأحاديث.
عدد الصفحات ٣٥٠349 ولعل أبا حاتم والبرديجي إنما أنكرا الحديث؛ لأن عمرو بن عاصم ليس هو عندهما في محل من يحتمل تفرده بمثل هذا الإسناد، والله أعلم.(1) إن ما نُقِّل عن البرديجي في تعريفه المنكر ليس فيه تقييد الراوي المتفرّد بكونه ثقة أو غير ثقة؛ إلً أن السياق الذي ذكر ابن رجب ورود التعريف ضمنه، وهو سياق تفرّد الراوي عن شيخٍّ - مشهور يكثر تلاميذه ويُجمع حديثه- فيتفرّد هذا الر اوي برواية حديث عن هذا الشيخ دون بقية التلاميذ، ولً يتابعه أحد في روايته، ولً يكون هذا المتن معروفاً من غير ذلك الطريق، مما يُشير إلى وهم الراوي أو خطئه، فتفرد الثقة بحديث - متن- لً يضره إلً إذا كان فيه أمر لً يعرفه من لً يفوتهم معرفته أو جاء بأمر يُ ستنكر... يدل على ذلك حديث عمرو بن عاصم السابق ذكره، والذي قال عنه: "هذا عندي حديث منكر، وهو عندي وهم من عمرو بن عاصم"...، ولما كان هذا الحديث عنده معلولًً كان لً بد أن يكون له علة، وقد أعله بأخف رواة السند ضبطاً "عمرو بن عاصم الكلابي"، فقال: وهو عندي وهم من عمرو بن عاصم.(2) "إذن فالمنكر عند البرديجي لً يعني مجرد التفرد بل الخطأ الذي يقع في الحديث".(3) وممن قيّد وصف المنكر بالتفرّد كذلك ـ ابن أبي حاتم، حيث تُعرف نكارة الحديث عنده بتفرّد من لم تصح عدالته بالرواية (1)، (1) ينظر: ابن رجب،المرجع السابق، 1/450-453 باختصار. (2) ينظرالمحمدي، الشاذ والمنكر وزيادة الثقة، 51-52. باختصار (3) المرجع السابق، 52. لخّص الدكتور عبدالجواد حماممعنى المنكر عند البرديجي فقال: خلاصة هذا: 1- استعمل البرديجي وصف المنكر على ما تفرد به راوٍّ عن إم ام حافظ لً يُتصوهر التفرد عن مثله؛ لكثرة أصحابه الثقات الذين ضبطوا حديثه، ولم يَفُتْهُم منه شيء. 2- استعمل مصطلح المنكر لوصف التفرد بمتن لً يُعرف عن النبي من وجه آخر، مع التفرد بالسند على الصورة السابقة. 3-المنكر عنده من الحديث المردود المرادف للمعلل. ينظر: حمام، التفرد، 429 باختصار
عدد الصفحات ٣٥١350 وكذلكابن جماعة اقتصر في تعريفه للمنكر على الش ق الخاص بتفرّد الضعيف (2)، والذهبي اقتصر في تعريفه للمنكر على الشِّقِّّ الخاص بتفرد الضعيف، وأضاف إليه بعض تفردات الصدوق، فقال: "المنكر: وهو ما انفرد الراوي الضعيف به. وقد يُ عد مُ فرَ د الصدوق منكرا"(3)، بينما كان تعريفه للشاذ بأنه: "هو ما خالف راويه الثقات، أو ما انفرد به من لً يحتمل حاله قبول تفرده". وما ذهب إليه الذهبي يُلمح إلى نوع تداخل بين الشاذ والمنكر، وأن أحدهما قد يغلب عليه جانب دون آخر مع وجود حيّز كبير يشتركان فيه، فنجدهما يجتمعان - حسب تعريفه- في تفرد من لً يُحتمل تفرّده، بينما يغل ب إطلاق المنكر على تفرّد الضعيف، وقليل من تفردات الصدوق، وينفرد الشاذ بمخالفة الثقة لمن هو أولى منه، وأما ما يخص تفرد الثقة، فهو صحيحٌ عنده حيث قال: " وإن تفرد الثقة المتقن يعد صحيحا غريبا، وإن تفرد الصدوق ومن دونه يعد منكراً "(4)، بل نجده يُصرّح بأن التفرّد من الثقة الحاف ظ دليل = (1) حيث قال- في مقدمة كتابه الجرح والتعديل- في بيان ما يميّز صحيح الحديث من سقيمه ومنكره: "ويقاس صحة الحديث بعدالة ناقليه، وأن يكون كلاما يصلح أن يكون من كلام النبوة، ويعلم سقمه وإنكاره بتفرد من لم تصح عدالته بروايته، والله أعلم." ابن أبي حاتم، الجرح، 1/351. (2) ابن جماعة، المنهل، 136. "وكأن ابن جماعة يحصر المنكر بأحد صورتيه عند ابن الصلاح، وهو تفرّد الضعيف غير المحتمل" حمام، التفرد، 437. (3) الذهبي،الموقظة، 42 . "فكلامه عام يشمل كل ما ينفرد به الضعيف، سواء كان تفرداً نسبياً مخالفاً لغيره، أو كان تفرداً مطلقاً ممن لً يحتمله حاله؛ بل حتى بعض روايات الصدوق الأفراد تدخل في المنكر بحسب كلام الذهبي". حمام، التفرد، 438. (4) الذهبي،الميزان، 3/140-141. وقد بيّن في كتابه الموقظةأقسام الرواة من حيث تفرّدهم فقال: "فهؤلًء الحفاظ الثقات، إذا انفرد الرجل منهم من التابعين، فحديثه صحيح. وإن كان من الأتباع، قيل: صحيح غريب. وإن كان من أصحاب الأتباع قيل: غريب فرد. ويندر تفردهم، فتجد الإمام منهم عنده مئتا ألف حديث، لً يكاد ينفرد بحديثين ثلاثة. ومن كان بعدهم: فأين ما ينفرد به؟، ما علمتُ ه، وقد يوجد. ثم اليقظ، الثقة، المتوسط المعرفة والطلب، فهو الذي يُ طلق عليه أنه: ثقة، وهم جمهور رجال "الصحيحين" =
عدد الصفحات ٣٥٢