المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

المصطلحات الحديثية بين الاتفاق والافتراق دراسة تحليلية موضوعية

راوية بنت عبد الله علي جابر

صفحة ٢٣ من ٤٠

351 علو مرتبته في الحفظ- مالم تكن هناك قرينة تدل على خطئه- فقال: "الثقة الحافظ إذا انفرد بأحاديث كان أرفع له، وأكمل لرُ تْ بَ ته، وأدل على اعتنائه بعلم الأثر، وضَ بْ طه دون أقرانه لأشياء ما عرفوها، اللهم إلً أن يتبيّ ن غلَ طُ ه ووهمُ هيء فيُ عرف ذلك".(1) ويُفهم من كلامه أن التفرّد مقبول من الثقات الحفاظ - ما لم يتبيّن خطؤه- فيُميّز النقاد ذلك، وإنما يُستنكر التفرد عادةً ممن هو دون الثقة المُتقِّن، أي: في روايات الصدوق ومن دونه من الضعفاء، وإن كان الوصف بالنكارة أقل في تفردات الصدوق كما يُشير قوله: "وقد يُ عد مُ فرَ د الصدوق منكرا."(2) وكذلك نجد ابن الملقن قد اقتصر في تعريفه للمنكر - في كتابه (التذكرة) - على تفرّد الضعيف، فقال: "هو ما تفرد به واحد غير متقن ولً مشهور بالحفظ."(3) واقتصاره هذا يوحي بتفريقه بين الشذوذ والنكارة، حيث خصّ معنى الشذوذ بمخالفة الثقة لغيره من الثقات(4)، والنكارة بتفرّد الضعيف (1) = فتابعيهم، إذا انفرد بالمتن خرج حديثه ذلك في (الصحاح). وقد يتوقف كثير من النقاد في إطلاق (الغرابة) مع (الصحة) في حديث أتباع الثقات. وقد يوجد بعض ذلك في (الصحاح) دون بعض. وقد يُ سمّ ي جماعة من الحفاظ الحديث الذي ينفرد به مثل هُ شيم، وحفص بن غياث: منكرا. فإن كان المنفرد من طبقة مشيخة الأئمة، أطلقوا النكارة على ما انفرد به مثل عثمان بن أبي شيبة، وأبي سلمة التبوذكي، وقالوا: (هذا منكر)...".ينظر: الذهبي، الموقظة، 77-78 . "والذي يظهر من كلامه رحمه الله أنه بناه على الًستقراء، وقد أشار في عبارته السابقة إلى مجموعة من القرائن التي تؤثر على التفرد فتكسبه صفة القبول، أو الرد. وجملة القرائن التي أشار إليها: (قوة الحفظ والوثاقة- الفقه والمعرفة- كثرة الطلب والملازمة- علو الطبقة). ولب قوله رحمه الله أن التفرد يُقبل من الثقات إذا ما احتفت قرائن تؤكد أن الثقة ضبط روايته هذه، ولم يدخلها الوهم والخطأ...وإذا غلهبت القرائن جانب وهم الثقة أو خطئه كان حديثه منكراً...". السلمي، المنكر، 1/52. (1) الذهبي،الميزان، 3/140. (2) الذهبي،الموقظة، 42. "قوله (وقد): يفيد التقليل أو التردد. أي: إن تفرّد الصدوق في بعض الأحيان قد يكون منكراً." العوني، شرح الموقظة، 93. (3) ابن الملقن،التذكرة، 17. (4) ينظر المرجع السابق، 16.

عدد الصفحات ٣٥٣

352 نخلص مما سبق أغلب تعريفات المنكر التي قيّدته بالتفرّد إنما خصته بتفرّد الضعيف على وجه الإطلاق، بينما فرّق ابن حجر بين مراتب الضعفاء ودرجاتهم في الضعف، وأطلق النكارة على تفرّد الشديد الضعف غير القابل للانجبار . وأشار الذهبي إلى إطلاق النكارة على بعض تفردات الصدوق. وأما تعريف البرديجي فقد أطلق التفرّد ولم يحدد مرتبة راويه، وإنما قيّده السياق والمثال بالتفرّد المُوهِّم بالعلة والخطأ؛ وذلك لتفرّد الراوي عن شيخ مشهور بما لً يعرفه بقية تلامذة الشيخ الحريصين على جمع حديثه، وضبطه، ويُضاف إليه عدم معرفة المتن من طريق آخر، والله أعلم. القيد الثاني: المخالفة:(2) والمخالفة في اللغة: من الًختلاف ضد الًتفاق، وكل مَا لم يَتساو فقد تخَالف واختلف(3). وفيالاصطلاح: "أن يروي الرواة عن شيخهم حديثاً ما، فيقع بينهم تغاير في سياق إسناده أو متنه"(4). = (1) ولعل تلميذه ابن حجر (ت852هـتبعه في ذلك حين صرّح بالتفريق بين الشاذ والمنكر. ينظر: ابن حجر، النزهة، 87، ابن حجر،النكت، 2/675، السخاوي،فتح المغيث، 1/250 . (2) سبق تعريف المخالفة في فصل الحديث الشاذ، ويُعاد تعريفها هنا بشيء من الًختصار (3) ينظر مادة (خ ل ف): ابن سيده،المحكم، 5/201، الفيروزآبادي،القاموس، 808. (4) كافي،منهج الإمام البخاري، 259. حيث قال مؤلف الكتابلم أجد لها تعريفاً، وقد اجتهدت في تعريفها حسب ممارستي لكتب الحديث وعلله"، ثم أشار إلى بعض أسباب مخالفة الرواة لبعضهم في الرواية، فقال: "وسبب هذا التغاير في بعض الأحيان، كثرة طرق هذا الحديث واتساع الشيخ في الرواية، وأحياناً يكون سببه الوهم والغلط. =

عدد الصفحات ٣٥٤

353 والمخالفة تعتبر مُخِّلّة برواية الراوي، حيث تُعد - والتفرد كذلك - مما يُستعان به على إدراك علل الحديث. وإن كانت المخالفة تدخل ضمن التفرّد إلً أنها نوع خاص منه، وقد مثّل ابن الصلاح للفرد المخالف بقوله: "مثال الأول - وهو المنفرد المخالف لما رواه الثقات -: رواية مالك عن الزهري عن علي بن حسين(1) عن عُمر بن عثمان(2) عن أسامة بن زيد(3)، عن رسول قال ((لً يرث المسلم الكافر ولً الكافر المسلم))(4) فخالف مالك غيره من الثقات في قوله عُ مر ابن عثمان - بضم العين-. وذكر مسلم صاحب الصحيح في كتاب (التمييز)(5)، أن كل من رواه من أصحاب الزهري قال فيه: عَ مْ رو بن عثمان، يعني: بفتح العين، وذكر أن مالكاً كان يشير بيده إلى دار عمر بن عثما ن، كأنه عَ لِّ م أنهم يخالفونه. وعَ مْ رو = وتكثر المخالفة وتقل حسب كثرة تلاميذ الشيخ وقلتهم، فكلما كثر أصحابه وتلاميذه كثر الًختلاف في حديثه، وكلما قلّ أصحابه وتلاميذه قلّ الًختلاف في حديثه، وهذا راجع إلى اختلاف مراتبهم في الضبط والإتقان وطول الملازمة للشيخ أو قلتها". المرجع السابق. (1) علي بن الحسين بن علي بن أبى طالب القرشي الهاشمي، زين العابدين، قال الذهبي: قال الزهري: "ما رأيت قريشا أفضل منه"، وقال ابن حجر: ثقة ثبت عابد فقيه فاضل مشهور" مات سنة 93، وقيل 94هـ. ينظرالذهبي، الكاشف، 2/37 (3900)، ابن حجر،التقريب، 400 (4715.) (2) قال ابن حجر في التقريبعمر بن عثمان بن عفان في حديث أسامة صوابه عمرو تفرد مالك بقوله عمر " و عمرو بن عثمان بن عفان بن أبي العاص الأموي ، أبو عثمان ، ثقة. ينظر: الذهبي، الكاشف،2/83 (4196)، ابن حجر، التهذيب،7/481، ابن حجر،التقريب، 415،424 (5077.) (3) أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبى، أبو محمد و يقال أبو زيد، صحابي جليل، الحِّب وابن الحِّبِّّ، ولد في الإسلام، ومات سنة: 54هـ. ينظر: ابن عبدالبر، الًستيعاب، 46 (12)، ابن الأثير،أُسد الغابة، 1/194 (84)، ابن حجر،الإصابة، 1/102 (89.) (4) أخرجه مالك في الموطأ من حديث أسامة بن زيد كتاب الفرائض، باب ميراث أهل الملل2/519 ) ح10). مقتصراً على الشق الأول منه ((لً يرث المسلم الكافر))، والحديث كاملاً متفقٌ عليه، أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الفرائض، باب لً يرث المسلم الكافر ولً الكافر المسلم، 8/156 ح (6764)، ومسلم في صحيحه كتاب الفرائض،3/1233 ح1614.) (5) لم أجد هذا النص في الجزء المطبوع من كتاب التمييز، ولعله في الجزء المفقود منه، والله أعلم ينظر: ابن عبدالبر، التمهيد، 9/160-161 .

عدد الصفحات ٣٥٥

354 وعُمر جميعا: ولدا عثمان، غير أن هذا الحديث إنما هو عن عَ مرو بفتح العين، وحكم مسلم وغيرُ ه على مالك بالوهم فيه، والله أعلم".(1) وقد تُعقِّّب في هذا المثال، فمن وافقه في كون المنكر والشاذ بمعنى واحد، تعقّبه بأنه "لً يلزم من تفرد مالك بقوله في الإسناد عمر أن يكون المتن منكراً ، فالمتن على كل حال صحيح؛ لأن عمر وعمرا كلاهما ثقة"(2) فالحديث ليس بمنكر، ولم يُ طلق عليه أحد اسم النكارة... والمتن ليس بمنكر، وغايته أن يكون السند منكرا، أو شاذا لمخالفة الثقات لمالك في ذلك(3). وأما ابن حجر- ومن سار على نهجه(4) من التفريق بين الشاذ والمنكر، وترجيح إطلاق الشذوذ على مخالفة الثقة لغيره من الثقات، وإطلاق النكارة على مخالفة الضعيف- فقد استدرك على ابن الصلاح تمثيله للمنكر بمخالفة الإمام مالك لغيره، فقال: "وإذا تقرر كون هذا - أيضا - لً يصلح مثالً للمنكر فلنذكر مثالً للمنكر غيره. وقد ذكر الحافظ العلائي في هذا المقام حديث هشام بن سعد(5) عن الزهري، عن أبي سلمة عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "جاء رجل إلى النبي  أفطر في رمضان (1) ابن الصلاح،علوم الحديث، 82. (2) العراقي،التقييد، 106 . (3) ينظر: العراقي،شرح التبصرة، 1/254 بتصرف يسير (4) ينظر:البقاعي،النكت الوفية،1/470،السخاوي،فتح المغيث،1/255،الأنصاري،فتح الباقي،1/244. (5) هشام بن سعد المدني، أبو عباد، و يقال: أبو سعيد القرشي، قال أبو حاتم: لً يحتج به، وقال أحمد: لم يكن بالحافظ، قال الذهبي: حسن الحديث. وقال ابن حجر: صدوق له أوهام،و رُ مِّ ي بالتشيع. مات سنة: 160هـ وقيل: قبلهاينظر: الذهبي، الكاشف، 2/336 (5964)، ابن حجر،التقريب، 572 (7294.)

عدد الصفحات ٣٥٦

355 "...(1) فذكر حديث المواقع أهله في رمضان، وذكر فيه الكفار ة وقوله: "على أفقر مني" وزاد في آخر المتن "وصم يوما مكانه واستغفر الله". قال العلائي: "تفرد به هكذا هشام بن سعد - وهو متكلم فيه سيِّّ ىء الحفظ، وخالف فيه عامة أصحاب الزهري الكبار الحفاظ فمن دونهم، فإنه عندهم عنه عن حميد ابن عبدالرحمن، عن أبي هريرة لً عن أبي سلمة وليست عندهم هذه الزيادة". قلت: وذكر أبو عوانة(2) في صحيحه(3) حديث هشام بن سعد هذا وقال: غلط هشام ابن سعد، وأورده ابن عدي(4) في مناكير هشام بن سعد.."(5) ويُلاحظ من تأمل تعريفات المنكر أن أيّاً منها لم يقتصر على معنى المخالفة دون التفرد إلً ما اُشتهِّر عن ابن حجر - رحمه الله- من تضييق معنى المنكر، وحصره في مخالفة الضعيف لمن هو أولى منه (6)- وذلك فيما انتخبه من معاني المصطلحات الحديثية في (1) أصل حديث أبي هريرة من طريق حميد بن عبدالرحمن مخرّج في الصحيحين، أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الصوم، باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء، 3/32 ح1936)، ومسلم في صحيحه كتاب الصيام، باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان، 2/782 ح1111 .) (2) يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بن يزيد أبو عوانة ، الحافظ النّيسابوري ثمّ الإ سفرايينّ ي صاحب (المسند الصحيح المخرج على كتاب مسلم ) مات سنة: 316هـ. ينظر: ابن عساكر، تاريخ دمشق ، 74/145 (10121)، الذهبي،تاريخ الإسلام، 7/315. (3) أبو عوانة، المسند، 2/204 (2857 .) (4) ابن عدي،الضعفاء، 8/411 (2025.) (5) ابن حجر،النكت، 2/678-679. (6) قال الدكتور نور الدين عتر: "اختلفت عبارات علماء المصطلح في تعريف المنكر، حتى يكاد يشتبه أمره لدى الناظر، والتحقيق الذي يتبين بالبحث أن ذلك الًختلاف يرجع إلى اختلاف مقصد كل طائفة منهم من استعمال هذا الًصطلاح. وقد وجدنا بالبحث في ذلك مسلكين للعلماء نفصلهما فيما يلي: المسلك الأول: إطلاق المنكر على نوع خاص من المخالفة وهو: ما رواه الضعيف مخالفا للثقة. وهذا القسم يقع في مقابلة المعروف... وعلى هذا كثير من المحدثين، وهو الذي استقر عليه هذا الًصطلاح عند المتأخرين، وعليه جرى الحافظ ابن حجر في النخبة وشرحها. المسلك الثاني: التوسع في إطلاق المنكر وأنه: ما تفرد به راويه، خالف أو لم يخالف ولو كان ثقة. وهذا يشمل صورا متعددة، أطلق المحدثون على كل منها "منكر" وهو مسلك كثير من المتقدمين" عتر، منهج النقد، 430 . وقال الدكتورأبو سمحة: "إطلاق المنكر على المخالفة من الضعيف. وهذا ما استقر عليه رأي ابن حجر العسقلاني، واعتمده في (النزهة)...ونجد هنا: أن ابن حجر تفرّد بالسبق إلى هذا التقييد؛ بجعله =

عدد الصفحات ٣٥٧

356 كتابه النخبة وشرحه النزهة حيث قال- بعد أن عرّف الشاذ بمخالفة المقبول (ثقةً كان أو صدوقاً) لمن هو أولى منه -: " وإن وقعت المخالفة مع الضعف؛ فالراجح يقال له: (المعروف)، ومقابله يقال له: )المنكر)"(1)، وذكر أنه المعتمد على رأي الأكثرين وذلك في تنكيته على كتاب ابن الصلاح.(2) ومثّل له في النزهةبمثال خالف فيه الضعيف غيره من الثقات فقال: "ومثاله: ما رواه ابن أبي حاتم من طريق حُ بَ يِّّ ب بن حُ بَ يِّّ ب(3) -وهو أخو حمزةابن حُ بَ يِّّ ب الزيات المقرئ(4)- عن أبي إسحاق(5) عن العَيْ زار بن حُ رَ يث(6) عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي  قال ((من أقام الصلاة، وآتى الزكاة، وحج، وصام، وقرى الضيف، دخل الجنة))(7). = صورة المنكر مقتصرةً على هذه الصورة دون غيرها مما عُرف من صوره السابقة..." أبو سمحة، المنكر، 57 باختصار، ينظر كذلك: حمام،التفرد، 438. (1) ابن حجر،النزهة، 86. (2) ابن حجر،النكت، 2/675. (3) حُبيّب بن حبيب، أخو حمزة الزيات، قال الذهبي: وهاه أبو زرعة، وتركه ابن المبارك. وقال ابن معين: لً أعرفه، وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة: ثقة، وقال ابن عدي: حدث بأحاديث عن الثقات لً يرويها غيره. ينظر: الذهبي، الميزان، 1/457 (1722)، ابن حجر،اللسان، 2/174،782 . (4) حمزة بن حبيب بن عمارة الزيات القارئ، أبو عمارة الكوفي التيمي مولًهم، قال الذهبي: وثقه ابن معين، قال ابن حجر: صدوق زاهد ربما وهم، مات سنة: 156 وقيل: 158هـ. ينظر: الذهبي،الكاشف، 1/351 (1233)، ابن حجر،التقريب، 179 (1518.) (5) عمرو بن عبدالله بن عبيد، أبو إسحاق السبيعي الكوفي، قال الذهبي: أحد الأعلام، وهو كالزهري في الكثرة، قال ابن حجر: ثقة مكثر عابد، اختلط بأخرة، مات سنة 127 وقيل129هـينظر: الذهبي، الكاشف، 2/82 (4185)، ابن حجر،التقريب، 423 (5065.) (6) العيزار بن حريث العبدى الكوفي ، قال الذهبي: وثقوه، وقال ابن حجر: ثقة، مات سنة 110هـ ينظر: الذهبي، الكاشف، 2/108 (4363)، ابن حجر، التقريب، 438 (5283 .) (7) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير،12/136 ح12692)، وابن عدي في الكامل في الضعفاء، 3/330 (532) في ترجمة حبيب بن أبي حبيب وقال –بعد أن أخرجه مع حديث آخر له -: " وهذان الحديثان الذي ذكرتهما لً يرويهما، عن أبي إسحاق غيره وهما أنكر ما رأيت له من الرواية".

عدد الصفحات ٣٥٨

357 قال أبو حاتم (1): هو منكر؛ لأن غيره من الثقات رواه عن أبي إسحاق موقوفا وهو المعروف".(2) وممنقال بالمخالفة في معنى الحديث المنكر: الإمام مسلم حيث أشار إلى أن من علامة المنكر في حديث الراوي كثرت مخالفته للثقات، أو تفرده بما لً يوافقونه عليه، فقال - رحمه الله-: "وعلامة المنكر في حديث المحدث، إذا ما عُ رِّ ضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا، خالفت روايته روايتهم، أو لم تكد توافقها"(3). ذكر ذلك في مقدمة صحيحه في سياق بيانه لصفات الرواة الذين تجنّب إخراج أحاديثهم في صحيحه ممن اُتهِّم بوضع الحديث، ثم أتبعهم بذكر من غلب على حديثه المنكر والغلط، فقال: "وكذلك، من الغالب على حديثه المنكر، أو الغلط أمسكنا أيضا عن حديثهم"، ومثّ ل لهم بقوله: "فمن هذا الضرب من المحدثين: عبدالله بن محرر(4)، ويحيى ابن أبي أنيسة(5)، والجراح بن المنهال أبو العطوف(1)، وعباد بن كثير (2)، وحسين ابن عبدالله بن ضميرة(3)، (1) ينظر: ابن أبي حاتم،العلل، 5/359 ح2043)، والقول لأبي زرعة كما جاء في كتاب العلل (2) ابن حجر،النزهة، 86 (3) مسلم،صحيح مسلم، 1/7. "المنكر عند الإمام مسلم- رحمه الله-: راجع إلى المخالفة، وللمخالفة مراتب، ويُحكم على الراوي بقدر مخالفته." السليماني، الجواهر، 364. (4) عبد الله بن محرر العامري الجزري، قاضي الجزيرة، قال الذهبي: قال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن حجر: متروك. مات في خلافة أبي جعفر. ينظر: الذهبي، الكاشف، 1/592 (2944)، ابن حجر، التقريب، 320 (3573.) (5) يحيى بن أبى أنيسة، أ بو زيد الجزر ي، قال الذهبي: تالف، وقال ابن حجر: ضعيف، مات سنة 146هـ. ينظر: الذهبي،الكاشف، 2/316 (6134)، ابن حجر،التقريب، 588 (7508.)

عدد الصفحات ٣٥٩

358 وعمر بن صهبان(4)، ومن نحا نحوهم في رواية المنكر من الحديث"(5). وجميع من ذكر من الرواة الضعفاء والمتروكين. قال ابن حجر - مُعقِّّبا على كلام مسلم -: "فالرواة الموصوفون بهذا هم المتروكون، فعلى هذا رواية المتروك عند مسلم تسمى منكرة. وهذا هو المختار - والله أعلم -"(6). ويؤيد ما ذهب إليه ابن حجر من إطلاق وصف الترك على هؤلًء الرواة قول الذهبي "وإن إكثار الراوي من الأحاديث التي لً يوافق عليها لفظا أو إسنادا يصيره متروك الحديث."(1) = (1) الجراح بن منهال، أبو العطوف الجزري قال أحمد: كان صاحب غفلة، وقال ابن المديني: لً يكتب حديثه. وقال البخاري ومسلم: منكر الحديث، وقال النسائي والدارقطني: متروك. مات سنة 167، وقيل 168هـ. ينظر: الذهبي،الميزان، 1/390 (1453)، ابن حجر،اللسان، 2/99 (404.) (2) عباد بن كثير الثقفي البصري العابد، قال الذهبي: قال البخاري: تركوه، وقال ابن حجر: متروك، قال أحمد: روى أحاديث كذب . مات س نة: 140هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، 1/531 (2572)، ابن حجر، التقريب، 290 (3139.) (3) الحسين بن عبد الله بن ضميرة الحميرى المدني. قال العقيلي: منكر الحديث، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: ترك الناس حديث الحسين بن ضميرة، وهو عندي متروك الحديث كذاب. سُ ئل أبو زرعة عن الحسين بن عبد الله بن ضميرة فقال: ليس بشئ ضعيف الحديث، اضرب على حديثه. ينظر: العقيلي، الضعفاء، 1/246(294)، ابن أبي حاتم،الجرح،3/58، ابن عدي،الضعفاء، 3/225 (488.) (4) عمر بن صهبان اسلمي، أبو جعفر المدني، قال الذهبي: قال الدارقطني: متروك، وقال ابن حجر: ضعيف،مات سنة 157هـ. ينظر: الذهبي،الكاشف،2/63(4075)، ابن حجر،التقريب،414 (4923.) (5) مسلم،المرجع السابق، ثم قال: "فلسنا نعرج على حديثهم، ولً نتشاغل به، لأن حكم أهل العلم، والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدث من الحديث أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وجد كذلك، ثم زاد بعد ذلك شيئا ليس عند أصحابه قبلت زيادته". (6) ابن حجر،النكت، 2 /675. قال الدكتور أبو سمحة: "فإن أراد ابن حجر قصر المنكر عند مسلم على هذه الصورة، فواقع المنكر عنده يخالف ذلك، وإن أراد بيان صورة من صوره، فالأمر كما قال." فهو يرى أن دلًلة المنكر عند الإمام مسلم أوسع من قصرها على مخالفة الضعيف فقط، فقال: "فالإمام مسلم يُعدّ ممن وسّع دلًلة المنكر لتشمل المخالفة والتفرد ممن لً يُحتمل منه ذلك، وهذا بصريح قوله في مقدمته..." ثم قال: "أن ما ذكره في (التمييز) من أخبار منتقدة هي مناكير عنده. وفيها من المخالفات والأفراد المردودة ما يشمل الثقات والضعفاء الذين لً يتحمل منهم ذلك على حد سواء، بما يكشف لنا دلًلة المنكر عنده." ينظر: أبو سمحة، المنكر، 42-44 باختصار

عدد الصفحات ٣٦٠

359 ويُمثّل لمخالفة الضعيف غيره من الثقات: ما ذكره مسلم في كتابه التمييز، حيث أخرج خبراً في إسناده عمر بن عبدالله ابن أبي خثعم(2)، ووصف هذا الخبر بكونه غير محفوظ الإسناد عن أبي هريرة،(3) ثم قالوإن من أسند ذلك عنه عن النبي  واهي الرواية، أخطأ فيه إما سهواً أو تعمداً . فبجمع هذه الروايات ومقابلة بعضها ببعض، تتميز صحيحها من سقيمها، وتتبين رواة ضعاف الأخبار من أضدادهم من الحفاظ. ولذلك أضعف أهل المعرفة بالحديث عمر ابن عبدالله بن أبي خثعم وأشباهم من نقلة الأخبار، لروايتهم الأحاديث المستنكرة التي تخالف روايات الثقات المعروفين من الحفاظ"(4)،فسمّى مخالفة الضعيف للثقات منكراً . قال الزركشي: "ومن تأمل كلام الأقدمين من أهل الحديث وجدهم إنما يطلقون النكارة على الحديث الذي يخالف رواية الحفاظ المتقنين "(5) ثم استشهد بكلام مسلم في مقدمة صحيحه في علامة الحديث المنكر. = (1) الذهبي،الميزان، 3/141. وقال أيضاً الكثير الخطأ مع القلة - أي: قلة روايته - هو المتروك . ينظر: الذهبي، السير، 9/429. (2) عمر بن عبدالله بن أبي خثعم اليمامي، قال الذهبي: قال البخاري: ذاهب الحديث، قال ابن حجر: ضعيف. ينظر: الذهبي، الكاشف، 2/64 (4078)، ابن حجر،التقريب، 414 (4928.) (3) حيث قال مسلم رحمهحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا زيد بن حباب ثنا عمر بن عبدالله ابن أبي خثعم حدثني يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة، أن رجلا قال: يا رسول الله ما الطهور بالخفين؟ قال: ((للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن)). هذه الرواية في المسح عن أبي هريرة ليست بمحفوظة. وذلك أن أبا هريرة لم يحفظ المسح عن النبي  لثبوت الرواية عنه بإنكاره المسح على الخفين." مسلم، التمييز، 208-209، ح88.) (4) مسلم،التمييز، 209. (5) الزركشي،النكت، 2/156. وقال أيضاًكتاب الحافظ أبي أحمد بن عدي أصل نافع في معرفة المنكرات من الأحاديث" يقصد به الكامل في ضعفاء الرجال لًبن عدي. قال الكتاني: " وكتابه هذا هو المعروف: بالكامل ذكر فيه كل من تكلم فيه ولو كان من رجال الصحيحين وذكر في ترجمة كل واحد حديثا فأكثر من غرائبه ومناكيره". الكتاني، المستطرفة، 145.

عدد الصفحات ٣٦١

360 ويتلخّص من عبارة الإمام مسلم- رحمه الله- أنه يتجنب ذكر المناكير في صحيحه، ويترك الرواية عمن عُرف بروايتها واشتهر بها، وأن الحديث المنكر ضعيف مردود، ويُستدل عليه بمخالفة الثقات، أو بتفرّد من لً يُحتمل منه هذا التفرّد. (1) وأشار البقاعي إلى أنهذا التفرّد ينقدح في النفس أن له علة قد لا يُقدر على التعبير عنها، فقال ناقلاً لما ذكره الإمام مسلم - بتصرّف -: "إن المنكر أن يعمد الرجل إلى مثل الزهري في كثرة الأصحاب، فينفرد من بينهم عنه برواية حرف لً يوجد عند أحد منهم، فمثل هذا يقوم في النفس فيه ريبة لمجرد التفرد، وقد لً يقدر على التعبير عنها"(2). فقد أوضح البقاعي نوع التفردات التي يستنكرها الإمام مسلم، ويُفهم من ذلك - ومما جاء عن مسلم في مقدمة صحيحه - أنه يجمع في إطلاق وصف النكارة بين رواية الضعيف المُخالف للثقات، والمتفرّد تفرداً لً يُحتمل. نخلص مما سبق: لقد سبق الإمام مسلم ابن الصلاح في الجمع بين قيدي المخالفة والتفرد في بيانه لعلامة الأحاديث المنكرة، فاتفقا في أن التفرّد غير المحتمل من الراوي يُعد منكراً، بينما خصّ مسلم المخالفة برواية الضعيف المُخالِّف لغيره من الثقات، وأطلق ابن الصلاح المخالفة من الراوي (ثقة كان أو غير ثقة) لمن هو أولى منه. ومن أبرز التعريفات التي جمعت بين المخالفة والتفرّد ضمن قيود المنكر: تعريف ابن حجر الذي نقله عنه بعض تلامذته كالبقاعي والأنصاري، وأطلق النكارة على مخالفة الضعيف القابل للانجبار، بينما عدّ مجرد التفرّد من الشديد الضعف منكراً. (1) ينظر: السلمي،المنكر، 1/41، حمام،التفرّد ، 422. بتصرف (2) البقاعي،النكت، 1/467. نقل كلامه بتصّرف، وهو يدل على ما فهمه من قيام ريبة في حديث المتفرد دعت إلى استنكار حديثه، وليس فقط مجرد التفرّد.

عدد الصفحات ٣٦٢

361 ويُلاحظ من تأمل تعريفات المنكر أن أيّاً منها لم يقتصر على معنى المخالفة دون التفرد إلً ما اُشتهِّر عن ابن حجر- رحمه الله- فيما انتخبه من معاني المصطلحات الحديثية في كتابه النخبة وشرحه النزهة، واعتمده على رأي الأكثرين في ت نكيته على كتاب ابن الصلاح. المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريفات. - المنكر عند ابن الصلاح بمعنى الشاذ، وهو عنده على قسمين مُحصِّّلَتهما : أ) استنكار حديث المُخالِّف - سواء كان ثقة أو غير ثقة- لمن هو أولى منه. ب) واستنكار رواية الفرد الذي ليس لديه من الثقة والإتقان ما يُحتمل معه هذا التفرد سواء خالف أو لم يخالف غيره من الثقات. - وسبقه الإمام مسلم - رحمه الله - في الجمع بين المخالفة والتفرد في بيانه لعلامة الأحاديث المنكرة، فاتفقا في التفرّد غير المحتمل بينما خصّ مسلم المخالفة برواية الضعيف المُخالِّف لغيره من الثقات. - وقريباً مما ذهب إليه الإمام مسلم صاغ ابن حجر تعريفه للمنكر جامعاً بين قيديّ التفرد والمخالفة - وذلك فيما نقله عنه تلميذيه البقاعي والأنصاري- فأطلق النكارة على مخالفة الضعيف القابل للانجبار، واستنكر مجرد التفرّد من الشديد الضعف. وقد اُشتهر عنه رحمه الله اقتصاره على معنى المخالفة دون التفرد فيما انتخبه من معاني المصطلحات الحديثية في كتابه النخبة وشرحه النزهة، واعتمده على رأي الأكثرين في تنكيته على كتاب ابن الصلاح، ومجموع ما ذكره من أقوال في معنى المنكر- حسب ما وجدته أثناء البحث- خمسة أقوال:

عدد الصفحات ٣٦٣

362 - مخالفة الصدوق الذي لا يُحتمل تفرّده لتدنّي ضبطه عن الرواة المقبولين في حدّ الصحيح والحسن، حيث قال: "وربما سماه بعضهم منكرا". - تفرد الضعيف ضعفاً قابلا للانجبار كالمستور أو الموصوف بسوء الحفظ أو المضعف في بعض مشايخه، وعبّر بقوله: "فهذا أحد قسمي المنكر، وهو الذي يوجد في إطلاق كثير من أهل الحديث". - مخالفة الضعيف ضعفاً قابلا للانجبار لمن هو أولى منه وأضبط، حيث قال: "وإن خولف في ذلك، فهو القسم الثاني وهو المعتمد على رأي الأكثرين". - تفرّد الضعيف ضعفاً شديداً كفاحش الغلط، وكثير الغفلة، وظاهر الفسق، وهذا ما أشار إليه بأنه: "المنكر على رأي من لً يشترط في المنكر قيد المخالفة". - رواية المتروك تُعدّ من الأحاديث المنكرة، حيث قال: "فعلى هذا رواية المتروك عند مسلم تسمى منكرة. وهذا هو المختار، والله أعلم". واُشتهر عنه كذلك تصريحه بالتفريق بين الشاذ والمنكر، وابن حجر ليس أول من فرّق بين الشاذ والمنكر، بل سبقه إلى ذلك شيخه ابن الملقن، ولعل لهما سلف في ذلك، مثل قول ابن معين: "إنما ذلك الرجل يشتبه له الحديث الشاذ والشيء فيرجع عنه، فأما الأحاديث المنكرة التي لً تشتبه لأحد فلا"(1). - أما غالب تعريفات المنكر فقد دارت حول تفرد الضعيف أو التفرّد غير المحتمل (2)، وأضاف الذهبي - رحمه الله- تفردات الصدوق وألمح إلى قلة نسبتها إلى ما سبق. (1) الخطيب البغدادي،الكفاية، 118. (2) عرّف الدكتور عبدالكريم الخضير الحديث المنكر بقوله "هو الحديث الذي في سنده راو فحش غلطه، أو كثرت غفلته، أو ظهر فسقه، وانفرد به بحيث لً يعرف متنه من غير روايته، لً من الوجه الذي رواه منه، ولً من وجه آخر، وإن لم يخالف غيره من الثقات" الخضير، الضعيف، 187-188 . =

عدد الصفحات ٣٦٤

363 - ويدخل ضمن المنكر كذلك تفردات الثقات الناشئة من الخطأ أو الوهم أو غلبة الظن بذلك كما يُفهم من تعريف البرديجي - رحمه الله- وأمثلته. - وفي الإحصائية التي أجراها الد كتور عبدالجواد حمام حول ما جمعه من الأحاديث الموصوفة بالنكارة وجد أن ثلثي هذه الأحاديث تفردات للضعفاء أو مخالفتهم، والثلث في تفرد الثقة أو الصدوق أو مخالفتهم (1). وبشأن التفريق بين الشاذ والمنكر فلعل الداعي إلى القول بالفرق بينهما: أن أكثر(2) تعريفات الشاذ- كما سبق في الفصل الخاص بالحديث الشاذ - : عن مخالفة الثقات أو تفردهم، بينما تعريفات المنكر يدور غالبها حول تفرّد الضعيف ومن باب أولى مخالفته لأنها أشد. فالناس في المنكر فريقان: فريق يقول إنه هو والشاذ سيان، ...، وفريق يقول إن المنكر أسوأ حالً من الشاذ.(1) = "خلاصة القول من خلال الًستقراء لمنهج الأئمة المتقدمين يظهر بجلاء أن الأحاديث المنكرة هي الأحاديث التي يخطئ في ها الراوي؛ في إسنادها أو متنها، سواء أكان هذا الراوي ثقة أم صدوقاً، أم ضعيفاً، أم متروكاً ؛ وأنّ النكارة تطلق على تفرد الضعيف، أو على ما يرويه المتروك مطلقاً." المحمدي، الشاذ، 80-81.ينظر مبحث تفسير مصطلح (المنكر) في كلام المتقدمين . الجديع، التحرير، 1035- 1038. (1) "مجموع كل المواضع التي درستهاوعددها اثنان وسبعون حديثاً، نجد أن ثمانية وأربعين راوياً منهم ضعفاء، وأربعة وعشرون منهم ما بين ثقة وصدوق، أي مقبول، وهذه نسبة تساوي الثلث تقريباً. إذاً فماهية المنكر عند الحفاظ ليست محض التفرد، ولً محض المخالفة، ولً مجرد رواية الضعيف، بل المنكر عندهم فيما ظهر لي: (الفرد الذي ترجّح فيه خطأ راويه). وكثيراً ما تكون أمارة الخطأ المخالفة، أو ضعف الراوي لكن ليست هي العلة المؤثرة، إنما ما ثبت عند الحفاظ أنه خطأ في الرواية المتفرّدة يسمونه منكراً؛ خالف أو لم يخالف، ثقة كان المتفرد أو ضعيفاً." حمام، التفرد، 500. (2) "الشاذ عند أهل الحديث ثلاثة أنواع 1- مخالفة الثقة لأرجح منه. 2- تفرّد الراوي الثقة 3- تفرّد الشيخ سواء كان ثقة أو ضعيفاً، والشيخ في اصطلاحهم من دون الأئمة الحفاظ؛ وهو يشمل الثقة والضعيف.... والمنكر ثلاثة أنواع: 1- ما انفرد به ظاهر الفسق، أو المستور، أوسيِّّ ىء الحفظ، أو المضعّف في بعض مشايخه. 2- ما رواه الضعيف مخالفاً للثقة أو الصدوق. 3- ما تفرد به الثقة وينقدح في نفس الناقد أنه غلط، ولم يُقم على ذلك دليلاً". أحمد أشرف عمر لبي، الحديث الشاذ تسهيل وتأصيل، 166-167.

عدد الصفحات ٣٦٥

364 "قال الحسين بن حبان(2): قلت ليحيى بن معين: ما تقول في رجل حدث بأحاديث منكرة، فردها عليه أصحاب الحديث، إن هو رجع عنها، وقال: ظننتها، فأما إذ أنكرتموها ورددتموها علي فقد رجعت عنها؟ فقال: " لً يكون صدوقاً أبداً، إنما ذلك الرجل يشتبه له الحديث الشاذ والشيء فيرجع عنه، فأما الأحاديث المنكرة التي لً تشتبه لأحد فلا"(3)، ولعل سبب اشتباه الحديث الشاذ كونه من رواية الثقات، والخطأ في روايات الثقات أشد غموضاً ولً يميّزه في الغالب إلً النقّاد (4)، أما كون المنكر لً يشتبه لأحد فهذا دليل وضوحه وعدم اشتباهه لكونه في الغالب متعلّقا برواية الضعفاء والمتهمين والمتروكين، والله أعلم. ولأن التفرّد كان قيداً بارزاً في تعريف كل من مصطلح الشاذ والمنكر؛ رأيت من المناسب أن أُلحِّق فصل الأفراد بهما. = (1) ينظر، الجزائري، التوجيه، 1/213 باختصار (2) الحسين بن حبان بن عمار بن الحكم، أبو علي صاحب يحيى بن معين كان من أهل الفضل، والتقدم في العلم، وله عن ابن معين كتاب (سؤالًت) غزير الفائدة مات سنة 232هـ قبل ابن معين بسنة. ينظر الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، 8/564 (4040)، الذهبي،تاريخ الإسلام، 5/812. (3) الخطيب البغدادي،الكفاية، 118. (4) "منالملاحظ: أن الخطأ في رواية الثقة أشد غموضا من الخطأ في رواية الضعيف، لأن الأصل في رواية الثقة الصواب والخطأ طارئ - فالقلب من حيث الأساس -مطمئن إلى رواية الثقة. وليس كذلك رواية الضعيف، فالقلب غير مطمئن أساسا إليها فالأصل الحكم عليها بالخطأ والصواب طارئ: ومع ذلك فإن معرفة الخطأ في رواية الضعيف ليس بالأمر السهل وذلك لأن الحكم عليه بالضعف أساساً يحتاج إلى متابعة روايته ومقارنتها برواية الثقات، فإن كثرت مخالفته لهم حكم بضعفه. وأيضا فإن الضعف درجات؛ والضعف في الراوي إذا لم يكن شديداً فإن بالإمكان الًستفادة من بعض أحاديثه، وذلك لأن خطأ الضعيف غير مقطوع به، وإنما قد يصيب وقد يخطئ؛ كذلك من الضروري أن نعرف: بأن معنى قولهم فلان ضعيف أنه إذا تفرد بشيء عن شيخه لا يحتج به لغلبة احتمال الخطأ عليه وعدم اطمئنان القلب إليه وليس معنى هذا أن كل ما يرويه ضعيف وأنه مخطئ في كل ما يرويه؛ لذلك فإن من أحاديثه ما يصح وما يضعف ويعرف الخطأ والصواب بالبحث والموازنة." الفحل، علل الحديث، 18- 19.

عدد الصفحات ٣٦٦

365 الفصل السادس الأفراد المبحث الأول: تعريف الأفراد لغة واصطلاحاً: المطلب الأول: تعريفه لغة: المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً (حسب الترتيب الزمني): المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها: المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.

عدد الصفحات ٣٦٧

366 المبحث الأول: تعريف الأفراد لغة واصطلاحاً المطلب الأول: تعريف الأفراد لغة: الأفراد جمع فرد، وهو أصل يدل على الوحدة، من ذلك الفرد وهو الوتر، أو الذي لً نظير له.(1) المطلب الثاني: تعريف الأفراد اصطلاحاً (حسب الترتيب الزمني): قال ابن الصلاح - تحت النوع السابع عشر (معرفة الأفراد)-: "وقد سبق بيان المهم من هذا النوع في الأنواع التي تليه قبله، لكن أفردته بترجمة كما أفرده (الحاكم أبو عبدالله)، ولما بقي منه"(2)، فالأفراد متعلّق بأنواع عدة من علوم الحديث(3)، والحاكم هو أقدم من أفرده بالذكر مستقلاً عن الأنواع الأخرى من أنواع علوم الحديث، والله أعلم. تعريف الحاكم النيسابوري (ت 405هـ): ذكر الحاكم تحت النوع الخامس والعشرين : "معرفة الأفراد من الأحاديث ، وهو على ثلاثة أنواع: فالنوع الأول منه معرفة سنن رسول الله  يتفرد بها أهل مدينة واحدة عن الصحابي(4)،... والنوع الثاني من الأفراد أحاديث يتفرد بروايتها رجل واحد عن إمام من (1) ينظر مادة (ف رد): الفراهيدي،العين، 8/24، ابن فارس،المقاييس، 4/500، ابن سيده،المحكم، 9/306، الرازي،مختار الصحاح، 236. (2) ابن الصلاح،علوم الحديث، 88. (3) خاصة: نوعي الشاذ، والمنكر- وقد سبق تفصيلهما في الفصل الرابع والخامس من هذا البحث،- وكذلك تعلّقه بنوع زيادة الثقة، والمعلل وسيأتي بيانهما في الفصول اللاحقة بإذن الله. (4) مثّل لهذا النوع بسبعة أمثلة. ينظر: الحاكم، علوم الحديث، 96-99.

عدد الصفحات ٣٦٨