287 الفصل الرابع الحديث الشاذ المبحث الأول: تعريف الشاذ لغة واصطلاحاً: المطلب الأول: تعريفه لغة: المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً (حسب الترتيب الزمني): المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها: المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.
عدد الصفحات ٢٨٩288 المبحث الأول: تعريف الشاذ لغة واصطلاحاً المطلب الأول: تعريف الشاذ لغة: الشاذ في اللغة: مأخوذ من شذه يَشِّذ ويَشُذ (بكسر الشين أو ضمّها) شذوذاً : أي انفرد، وندر عن الجمهور أو الجماعة أو خالفهم. وشذاذ الناس: مُتَفَرِّّقوهم، الذين يكونون في القوم وليسوا من قبائلهم. فالشذوذ في اللغة يأتي بمعنى الًنفراد، والمفارقة، والتنحِّّي، والإقصاء، والمخالفة. (1) المطلب الثاني: تعريف الشاذ اصطلاحاً (حسب الترتيب الزمني): بتتبّع كتب الحديث وعلومه بحثاً عن تعريف للحديث الشاذ، وبيان حدوده(2)، وجدت أغلب من تكلّم على هذا النوع من علوم الحديث يذكر تعريف الإمام الشافعي - رحمه الله- ثم يذكرون بعضاً من تعريفات من جاء بعده، وفي ذلك إشارة منهم إلى أنه أقدم من عرّف الشاذ من الحديث(3)، وفيما يلي سرد هذه التعريفات حسب ترتيبها الزمني إلى عصر ابن الصلاح: (1) ينظرمادة (ش ذ ذ):الفراهيدي، العين، 6/215، ابن فارس،المقاييس، 3/180، الرازي،المختار، 354، ابن منظور،اللسان، 3/494، الفيروزآبادي،القاموس، 334، المعجم الوسيط، 1/476. (2) "بعض أهل العلم ممن له استقراء لكتب العلل يقول: إنه لم يقف في أحكام المتقدمين على حكم لحديث بلفظ (شاذ)، وهذا حق إلً في النادر، لكن لً شك أن أهل الحديث استعملوا من الأحكام ما يدل على معنى الشذوذ، كقولهم: (خطأ)، وقولهم (لً يُتابع عليه)، وقولهم (غير محفوظ)، وهذا معنى قول ابن الصلاح رحمه الله: "وإطلاق الحكم على التفرد بالرد أو النكارة أو الشذوذ موجود في كلام كثير من أهل الحديث" -ابن الصلاح، علوم الحديث،80- وهذا ما فهمه الحافظ ابن حجر رحمه الله من كلام المتقدمين حيث رأى أن ذلك يُراد به في بعض الأحيان الشاذ." العثمان، المحرر، 227-228. (3) استدراك من فضيلة المناقش كلام الشافعي يدل على أن هناك من عرّف الشاذ في عصره بالتفرّد.
عدد الصفحات ٢٩٠289 تعريف الشافعي ( ت204هـ روى ابن أبي حاتم(1) بإسناده إلى الشافعي قولهليس الشاذ من الحديث، أن يروي الثقة حديثا لم يروه غيره، إنما الشاذ من الحديث: أن يرويَ الثقات حديثا، فيشذ عنهم واحد، فيُ خالِّ فهم"(2)، وبنحوه أخرجه الحاكم في كتابه المعرفة(3) وروى ابن أبي حاتم أيضاً عن الشافعي قوله "إنما الشاذ أن يروي الثقات حديثا على نص، ثم يرويه ثقة خلافا لروايتهم، فهذا الذي يقال: شذ عنهم."(4) تعريف أبو بكر الأثرم(5) ( مختلف في وفاته ما بين261-273هـ قال أبو بكر الأثرم: "الشاذ عندنا: هو الذي يجيء بخلاف ما جاء به غيره، وليس الشاذ الذي يجيء وحده بشيءٍّ لم يجئ أحد بمثله ولم يخالفه غيره".(1) (1) عبدالرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر التميمي الرازي، أبو محمد ابن أبي حاتم. محدث حافظ. من مصنفاته: (الجرح والتعديل) و(علل الحديث)، وغيرها. مات سنة 327هـ. ينظر: الذهبي،السير، 13/263. الصفدي،الوافي بالوفيات، 18/135 (6832)، كحالة، المؤلفين، 2/109 (6961.) (2) أخرجه ابن أبي حاتم في كتابه آداب الشافعي ومناقبه، والخطيب البغدادي في كتابه الكفاية. ينظر: عبدالرحمن بن محمد بن أبي حاتم الرازي، آداب الشافعي ومناقبه، تحقيق: عبدالغني عبدالخالق، ط2 (القاهرة: مكتبة الخانجي،1413هـ1993م233،الخطيب البغدادي، الكفاية، 141. (3) أخرجه البيهقي كذلك من طريق الحاكم في معرفة السنن والآثار، ينظر: الحاكم، علوم الحديث، 119،أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، معرفة السنن والآثار ، تحقيق: عبدالمعطي أمين قلعجي، (القاهرة-المنصورة: دار الوفاء، 1412هـ1991م 1/143 ح169.) (4) ابن أبي حاتم،آداب الشافعي، 234، وأخرجه أيضاً ابن عدي في مقدمة الكامل في الضعفاء مع وجود خطأ مطبعي دمجت فيه كلمة (نصّ) وما بعدها فكتبت (نصرتهم)، ابن عدي، الضعفاء، 1/207. ومن هذه الروايات الثلاث لمعنى الشاذ عند الشافعي نجده –رحمه الله- قيّد الشاذ بقيدين: قيد المخالفة، وقيد الثقة. وما جاء في بعض روايات التعريف بعموم المخالَف وهو قوله: "يروي الثقة حديثا يخالف فيه الناس" خصته الروايات الأخرى بالثقات. يقول الدكتور عبدالجواد حمام أنه بحث عن تعريف الشاذ في كتب الشافعي فلم يجده، والذين نقلوا كلامه في الشاذ لم يعزوه إلى شيء من كتبه، "وإنما رُوي كلام الشافعي عنه مُسنداً، ولعله قاله مشافهة ولم يسطّره في كتاب؛ ولذلك وقع شيء من الًختلاف في النقل عنه". حمام، التفرد، 332. (5) أحمد بن محمد بن هانئ الطائي، ويقال: الكلبي، أبو بكر الأثرم البغدادي، الفقيه الحافظ، روى عن أحمد بن حنبل وتفقه عليه، وروى عنه الناس، قال ابن حبان "وكان من خيار عباد الله من أصحاب أحمد ابن حنبل" اُختلف في تاريخ وفاته، قيل: 261، وقيل ما بعدها، وقيل تأخرت وفاته إلى273هـ. ينظر ابن حبان، الثقات، 8/36، الذهبي،السير، 12 /623 (247)، ابن حجر،التهذيب، 1/78 (133.)
عدد الصفحات ٢٩١290 تعريف صالح جزرة(2) (ت294هـ قال الحافظ صالح بن محمد الأسدي المعروف بجزرة: "الحديث الشاذ: الحديث المنكر الذي لً يُ عرف"(3). تعريفالحاكم النيسابوري (ت 405هـ): ذكر الحاكم تحت النوع الثامن والعشرين تعريف الشاذ فقال: "الشاذ حديث يتفرد به ثقة من الثقات، وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة". (4) = (1) هكذا جاء تعريفه للشاذ مقيّداً بالمخالفة، والناظر للتعريف مجرداً يجده قد أطلق رتبة المخالِّف، والمخالَف ولم يحددهما، لكن بتتبّع السياق الذي ورد فيه التعريف والمثال الذي ذكره يظهر أنه أراد مخالفة الثقة للثقات، وبهذا يكون موافقاً للشافعي في تعريفه للشاذ . ينظر: أحمد بن محمد بن هانئ الأثرم، ناسخ الحديث ومنسوخه، تحقيق: عبد الله بن حمد المنصور، ط1،بلد النشر ]بدون[ :ن ]بدون[ (1419هـ181، ابن رجب،العلل، 1/457. وسيأتي مزيد إيضاح أثناء تحرير التعريفات. (2) صالح بن محمد بن عمرو بن حبيب السدي، يكنى أبا علي، ويلقب جزرة، وكان حافظا عارفا من أئمة الحديث، وممن يرجع إليه في علم الآثار، ومعرفة نقلة الأخبار. مات سنة 293هـ. ينظر: الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، 9/322-328 (4862)، الذهبي،السير، 14/23-33 (12)، (3) الخطيب البغدادي،الكفاية، 141. تعريفه الشاذ بالمنكر الذي لً يُعرف، أي الشاذ في مقابلة المعروف عند الأئمة، يترتب عليه أن الشاذ والمنكر عنده بنفس المعنى، وقال الدكتور أبو سمحة: "قوله (لً يُعرف) إما بتفرّد أو مخالفة الراوي". بينما كان للدكتور عبدالجواد حمام رأي آخر حيث قال شارحاً لتعريف الحافظ صالح جزرة: "يلاحظ في عبارته: ... أن الوصف المؤثر في الشاذ هو كون الحديث منكراً غير معروف، أي عدم معرفة الحفاظ له؛ على سعة اطلاعهم، وإحصائهم للرواة والمرويات، وعدد الروايات المروية بكل سند تقريباً، فكونه خارجاً عن محفوظاتهم، غريباً عليهم، هو الذي أثر في وصفه بالشذوذ. –أنه لم يذكر في الشاذ وصف المخالفة. – أنه إنما يتكلّم عن الشاذ في معرض الذم والقدح." المراجع: أبو سمحة، الحديث المنكر ، 152، حمام،التفرد، 343. (4)وذلك بعد أن قال"معرفة الشاذ من الروايات، وهو غير المعلول، فإن المعلول ما يوقف على علته، أنه دخل حديثٌ في حديث، أو وهم فيه راو أو أرسله واحد، فوصله واهم ". الحاكم، علوم الحديث، 119 . قال ابن الأثير موضحاً ما ذهب إليه الحاكم بقولهوربه حديث شاذ انفرد به الثقة، إلً أنه لً أصل له، ولً يتابع عليه، فيخالف فيه الناس، ولً يعرف له علة يعلل بها، فإن الحديث المعلل: هو ما عُرفت علته، فذكرت،...والشاذ: ما لً يعرف له علة." ابن الأثير، جامع الأصول، 1/177. يقول الدكتور نورالدين عتر في تحقيقه لشرح علل الترمذي: "وثمة تحقيق جديد في مراد الحاكم بالشاذ، هو أنه نوع دقيق من المعلل، قد أُعله بأمر دقيقٍّ من التفرد، هو أعمق من ظاهر معنى التفرد، فهو نوع من المعلل ينقدح في نفس الناقد تعليله، وقد تقصر عبارته عن الإفصاح به، لكون علته ليست من نوع العلل المعروفة، كوصل حديث مرسل، أو وهم راو، أو دخول حديث في حديث. وهذا ما تفيده عبارة الحاكم، وتدل عليه الأمثلة التي ذكرها للشاذ، وهو أن الشاذ نوع من الحديث الفرد، يقع رجاله في السند على نسق فريد لم يُعرف في سياق أسانيد الأحاديث غير سياق الحديث المحكوم عليه =
عدد الصفحات ٢٩٢291 تعريفأبي يعلى الخليلي (ت 446هـ): عرّف الخليلي الحديث الشاذ بعد أن ذكر تعريف الشافعي له، ونسبه كذلك لجماعة من أهل الحجاز(1)، ثم أردفه بقوله "والذي عليه حفه اظ الحديث: الشاذ: ما ليس له إلً إسناد واحد يَ شذ بذلك شيخ(2)، ثقة كان، أو غير ثقة. فما كان عن غير ثقة، فمتروك لً يُ قبل. وما كان عن ثقة يتوقف فيه، ولً يُ حتج به"(3) = بالشذوذ، وكذلك المتن. وذلك يُشعر بوقوع خلل في الحديث وإن كنا لً نستطيع بيان هذا الخلل وتعيينه ما هو؟". ينظر: ابن رجب، شرح العلل، 1/459-460 . "أيأن للحديث الشاذ عند الحاكم شرطين: 1- تفرد ثقة2- ينقدح في نفس الناقد أنه غلط. وبهذا إذا كان هناك حديث فرد ولم ينقدح في نفس الناقد أنه غلط فهو حديث صحيح لً شيء فيه عند الحاكم. الأثري، الأقوال الراجحات في الحديث الشاذ وزيادة الثقات، 41. (1) الخليلي،الإرشاد، 1/176-177. (2) لفظ (شيخ) في المرتبة الثالثة من مراتب التعديل عند ابن أبي حاتم حيث قال: "وإذا قيل شيخ فهو بالمنزلة الثالثة يكتب حديثه وينظر فيه إلً أنه دون الثانية". وأشار ابن الق طان بأن هذه اللفظة قد تُطلق ليس للتعريف بحال الراوي وإنما لبيان كونه مُقلاً من الرواية، حيث قال مُعقباً على إطلاق أبي حاتم هذا اللفظ على راوٍّ: "فأما قول أبي حاتم فيه: (شيخ) فليس بتعريف بشيء من حاله، إلً أنه مقل ليس من أهل العلم، وإنما وقعت له رواية أخذت عنه". وقال الذهبي في الميزان في ترجمة العباس بن الفضل العدني، "سمع منه أبو حاتم، وقال: شيخ، فقوله هو شيخ ليس هو عبارة جرح؛ ولهذا لم أذكر في كتابنا أحدا ممن قال فيه ذلك، ولكنها أيضا ما هي عبارة توثيق، وبالًستقراء يلوح لك إنه ليس بحجة. ومن ذلك قوله: يكتب حديثه، أي ليس هو بحجة" وقال أيضاً في كتابه الموقظة: "وقد اشتهر عند طوائف من المتأخرين إطلاق اسم (الثقة) على: من لم يجرح، مع ارتفاع الجهالة عنه. وهذا يسمى: (مستورا)، ويسمى: (محله الصدق)، ويقال فيه: (شيخ)". المراجع: ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، 2/37، ابن القطان، الوهم والإيهام، 4/627، الذهبي، الميزان، 2/385 (4177)، الذهبي، الموقظة، 78، الليث آبادي، المعجم،77، الغوري، الموسوعة، 285-286. (3) الخليلي، المرجع السابق. حيث ذكر المراد بالشاذ بعد أن ذكر أنواع الأفراد، وميّز بين تفرّد الأئمة الحفاظ، وتفرّد الشيوخ. قال ابن رجب موضحاً مراد الخليلي من تفرد الشيوخ بقوله: "ولكن كلام الخليلي في تفرد الشيوخ، والشيوخ في اصطلاح أهل هذا العلم عبارة عمن دون الأئمة والحفاظ، وقد يكون فيهم الثقة وغيره، فأما ما انفرد به الأئمة والحفاظ فقد سماه الخليلي فرداً، وذكر أن أفراد الحفاظ المشهورين الثقات، أو أفراد إمام من الحفاظ الأئمة صحيح متفق عليه،..." إلى أن قال: "وفرّق الخليلي بين ما ينفرد به شيخ من الشيوخ الثقات، وبين ما ينفرد به إمام أو حافظ. فما انفرد به إمام أو حافظ قبل واحتج به، بخلاف ما تفرد به شيخ من الشيوخ. وحكى ذلك عن حفاظ الحديث والله أعلم" ينظر: ابن رجب، العلل، 1/461-462 باختصار وعلى ذلك فإن "وصف (شيخ) ليس المراد منه هنا الجرح أو التعديل من حيث الضبط والعدالة؛ لأنه ذكر أن هذا الشيخ قد يكون ثقة وقد يكون غير ذلك، وما كان عن غير ثقة فهو متروك، وما كان عن ثقة فهو متوقف فيه، وغير محتج به. فما الفرق إذن بينه وبين الأئمة والحفاظ؟ =
عدد الصفحات ٢٩٣292 تعريف الميانشي(ت 581 هـ): قال الميانشي : "وأما الشاذ : فهو أن يرويه راوٍّ معروف، لكنه لً يُوافقه على روايته المعروفون"(1) . تعريف ابن الصلاح (ت 643هـ): قال ابن الصلاح: " الشاذ المردود(2) قسمان: أحدهما: الحديث الفرد المخالف، والثاني الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابراً لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف."(3) = الظاهر أن الفرق يتعلّق بكمِّّ الرواية، وسعة المرويات، وشهرة هذا الراوي، لً من حيث التوثيق والتجريح، فالإقلا ل من الرواية قد يكون سبباً في عدم شهرة الراوي أو معرفته؛ لذا يوصف بأنه: (مستور) أو (محله الصدق)، أو يوصف بأنه (شيخ) فهو لم يوثق ولم يجرح، لعدم اختبار ضبطه، لكن قد ارتفعت الجهالة عنه." حمام، التفرد، 378-379 . (1) الميانشي،ما لً يسع جهله، 29. قال الزركشي: "وجرى الميانشي على طريق المحدثين." ويُفهم من سياق كلام الزركشي- والنقول التي نقلها- أن المراد بطريق المحدثين في الشاذ: هو تفرّد الثقة سواء خالف غيره أم لم يخالف، وقال محقق الكتاب: وقوله: "ولكن لً يوافقه على روايته المعروفون" أي لً يتابعونه عليها، وليس بمعنى يخالفونه، وإلً لما كان جرياً على طريق المحدثين. ينظر: الزركشي، النكت، 2/139. (2) وتقييده للشاذ بالمردود، لأن هناك من يُفسّر "الشاذ بمفرد الراوي من غير اعتبار مخالفته للثقات كما سبق، ويقولون صحيح شاذ وصحيح غير شاذ، فالشذوذ بهذا المعنى أيضا لً ينافي الصحة كالغرابة" الدهلوي، أصول الحديث، 77 . "وهذا تقسيم لبعضهم الشاذ إلى صحيح وغير صحيح كما فعلوا في العلل، بل قسم بعضهم الشاذ إلى ثلاثة أقسام: صحيح وحسن وضعيف؛ لأن المنفرد إن كان ثقة فصحيح، وإن كان غير ثقة فحسن، وإلً فضعيف." الزركشي، النكت، 140، ينظر كذلك السخاوي، فتح المغيث، 1/31-32. (3) ابن الصلاح،علوم الحديث، 79 . ذكرابن الصلاح التقسيم السابق بعد أن ناقش تعريف كل من الشافعي والحاكم والخليلي، واعترض على الأخيرين بقوله: "فهذا الذي ذكرناه وغيره من مذاهب أئمة الحديث يبين لك أنه ليس الأمر في ذلك على الإطلاق الذي أتى به الخليلي والحاكم، بل الأمر في ذلك على تفصيل نبينه فنقول: " إذا انفرد الراوي بشيء نظر فيه: فإن كان ما انفرد به مخالفا لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك، وأضبط كان ما انفرد به شاذا مردودا، وإن لم تكن فيه مخالفة لما رواه غيره، وإنما هو أمر رواه هو ولم يروه غيره، فينظر في هذا الراوي المنفرد: فإن كان عدلً حافظا موثوقا بإتقانه وضبطه قبل ما انفرد به، ولم يقدح الًنفراد فيه، كما فيما سبق من الأمثلة، وإن لم يكن ممن يوثق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به كان انفراده به خارماً له، مزحزحاً له عن حيز الصحيح. =
عدد الصفحات ٢٩٤293 تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح لقد قسّم ابن الصلاح الشاذ إلى قسمين، تضمهنا – بشيء من التصرّف - ما ذكره السابقون له في تعريفهم للشاذ، أما من جاء بعد ابن الصلاح فلم تخرج تعريفاتهم عمّا ذكره السابقون، فمن مصوِّّبٍّ ومرجّحٍّ لتعريف على آخر، أو مختصر لما ذكره ابن الصلاح. وممن اختصر كلامه دون تعقيب: ابن دقيق العيد (ت702هـ)(1)، و الذهبي (ت748هـ)(2)، و البلقيني (ت805هـ)(3)، و العراقي (ت806هـ)(4)، بينما تعقّبه ابن جماعة (ت733هـ في تقسيمه فقال: "وهذا التفصيل حسن ولكنه مخل لمخالفة الثقة من هو مثله في الضبط وبيان حكمه"(5). وكان ممن رجّح بين التعريفاتابن القيم (ت751هـ حيث رجّ ح تعريف الشافعي للشاذ فقال: "إنما الشذوذ: أن يخالف الثقات فيما رووه فيشذ عنهم بروايته، فأما إذا روى الثقة = ثم هو بعد ذلك دائر بين مراتب متفاوتة بحسب الحال فيه، فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الحافظ الضابط المقبول تفرده استحسنا حديثه ذلك، ولم نحطه إلى قبيل الحديث الضعيف، وإن كان بعيدا من ذلك رددنا ما انفرد به، وكان من قبيل الشاذ المنكر." ابن الصلاح، المرجع السابق. (1) ينظر: ابن دقيق العيد،الًقتراح، 17. (2) ينظر: الذهبي،الموقظة، 42. (3) ينظر: البلقيني،المحاسن، 170. (4) ينظر: العراقي،التقييد، 100، العراقي،التبصرة، 1/246. (5) ابن جماعة،المنهل، 51. قال الطيبي في الخلاصةقوله (أحفظ منه وأضبط) على صيغة التفضيل، يدل على أن المخالف إن كان مثله لً يكون مردوداً" الطيبي، الخلاصة، 77. أضاف محقق المنهل ط غراس: "بل يُعطى له حكم التعارض، ويُدفع ذلك التعارض بأحد وجوه الترجيح المعروفة عند علماء هذا الفن". ينظر: ابن جماعة، المنهل الروي، 136.
عدد الصفحات ٢٩٥294 حديثا منفردا به - لم يرو الثقات خلافه -: فإن ذلك لً يسمى شاذاً، وإن اُ صْ طُ لِّ ح على تسميته شاذا بهذا المعنى لم يكن هذا الًصطلاح موجبا لرده ولً مُ سوّ غا له."(1) وكذلكالنووي (ت676هـ ففي كتابه (التقريب)(2) اختصر ما ذكره ابن الصلاح، ولم يُعقّب عليه، لكن في كتابه (المجموع شرح المهذب) رجّح ما ذهب إليه الشافعي في الشاذ بقوله "ومذهب الشافعي وطائفة من علماء الحجاز أن الشاذ ما يخالف الثقات، أما ما لً يخالفه فليس بشاذ، بل يُ حتج به. وهذا هو الصحيح وقول المحققين "(3)، وممن رجّح تعريف الشافعي أيضاً: ابن كثير(ت774هـ) حيث اختصر كلام ابن الصلاح، وأكّد على تصويب مذهب الشافعي في الشاذ فقال: "الذي قاله الشافعي أولًً هو الصواب؛ أنه إذا روى الثقة شيئاً قد خالفه فيه الناس فهو الشاذ -يعني المردود-؛ وليس من ذلك أن يروي الثقة ما لم يروِّ غيره، بل هو مقبول إذا كان عدلًً ضابطاً حافظاً "(4). وابن الملقن (ت804هـ لخّص كلام ابن الصلاح في كتابه (المقنع)(5) بينما اقتصر في التذكرة على ما يوافق تعريف الشافعي للشاذ، فقال: "الشاذ: وهو ما روى الثقة مخالفا لرواية الثقات"(6) . ومن أبرز التعاريف للحديث الشاذ بعد ابن الصلاح: (1)ابن قيم الجوزية،إغاثة اللهفان، 1/522. (2) النووي،التقريب، 40. (3)النووي،المجموع شرح المهذب 4/143، ينظر: الزركشي،النكت، 2/138. (4) ابن كثير،الًختصار، 50. (5)ابن الملقن،المقنع، 1/165. (6)ابن الملقن،التذكرة، 16.
عدد الصفحات ٢٩٦295 تعريفابن حجر (ت852هـ حيث اعتمد تعريف الشافعي للشاذ غير أنه توسّع في صفة الراوي المخالِّف بأن قيّده بالقبول، بينما الشافعي قيّده بالثقة، فقال في كتابه (نزهة النظر): "الشاذ: م ا رواه المقبول (1) مخالفاً لِّمَنْ هو أَولى منه ."(2)، وأتبعه بقوله وهذا هو المعتمد(3) في تعريف الشاذ، بحسَبِّ الًصطلاح." وقال في كتابه (النكت): "فالأليق في حد "الشاذ" ما عرهف به الشافعي ، والله أعلم".(4) وسار على نهج ابن حجر تلميذه السخاوي (ت 902هـ وتبعه السيوطي (ت911هـ)(5) إلً أن السخاوي زاد قيداَ - في التعريف - وهو: عدم إمكانية الجمع بين الروايات المختلفة(6)، ففي كتابه (فتح المغيث) ذكر ترجيح قول الشافعي في الشاذ، وأشار إلى أنه اختيار شيخه ابن حجر، فقال: "فالأليق في حد الشاذ ما عرفه به الشافعي؛ ولذا اقتصر شيخنا في شرح النخبة عليه".(7) (1) أيثقة أو صدوق. ينظر: ابن حجر، النزهة، 87، السيوطي،التدريب، 1/279 . وعبّر بالمقبول؛ ليشمل كل من يُقبل بذاته، سواء كان منمرتبة الصحيح أو الحسن. ينظر: السليماني، الجواهر، 302. (2) ابن حجر،النزهة، 85. (3) ذكر أن لكل من الشذوذ والنكارة إطلاق آخر عند المحدثين، مثل إطلاقهم الشذوذ على رواية الراوي سيِّّ ىء الحفظ إذا لًزمه سوء الحفظ في جميع حالًته. ينظر: ابن حجر، النزهة، 129. (4) ابن حجر، النكت، 2/671. (5) ينظر: السيوطي،الألفية، 22. (6) قيّد التهانوي المخالفة في تعريفه للشاذ بكونها تستلزم رد ما رواه الأرجح، فقال: "والشاذ: ما رواه الثقة أو الصدوق مخالفاً لمن هو أرجح منه لمزيد ضبط، أو كثرة عدد، أو مرجِّّحٍّ سواهما (مخالفة تستلزم رده ما رواه الأرجح)." وقال الجزائري في توجيه النظر: "والشذوذ مخالفة الثقة في روايته من هو أرجح منه عند تعسر الجمع بين الروايتين." المراجع: التهانوي، قواعد في علوم الحديث، 42، الجزائري،توجيه النظر، 1/180." (7) السخاوي،فتح المغيث، 1/249.
عدد الصفحات ٢٩٧296 ووضّح المراد بالحديث الشاذ بقوله: "الشاذاصطلاحا: (ما يخالف) الراوي (الثقة فيه) بالزيادة أو النقص في السند أو في المتن (الملا) - بالهمز وسهل تخفيفا- أي: الجماعة الثقات من الناس؛ بحيث لً يمكن الجمع بينهما"(1). المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها: ابتدأ ابن الصلاح - في نوع الحديث الشاذ - بتعريف الشافعي للشاذ، وأتبعه بتعريف الخليلي ثم الحاكم، وأعقب ذلك بتصويب ما ذكره الشافعي، واستشكل ما جاء عن غيره بأفراد العدول الضابطين المخرجة في الصحيح، وقال: "فهذا الذي ذكرناه وغيره من مذاهب أئمة الحديث يبين لك أنه ليس الأمر في ذلك على الإطلاق الذي أتى به الخليلي والحاكم، بل الأمر في ذلك على تفصيل نبيِّّ نه، فنقول: إذا انفرد الراوي بشيء نُ ظِّ ر فيه، فإن كان ما انفرد به مخالفا لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك، وأضبط كان ما انفرد به شاذا مردودا(2). وإن لم تكن فيه مخالفة لما رواه غيره، وإنما هو أمر رواه هو ولم يروه غيره، فينظر في هذا الراوي المنفرد، فإن كان عدلً حافظا موثوقا بإتقانه وضبطه قُ بِّ ل ما انفرد به(3)، ولم يقدح الًنفراد فيه، كما فيما (1) السخاوي،المرجع السابق، 1/244. (2) وقد ذكر ابن الملقن في كتابه المقنع مثالًً لكل نوع: فقال "مثال الحديث الفرد المخالف: ما رواه أبيض بن أبان الثقفي عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا: ((من كان مصليا فليصل قبلها أربعا وبعدها أربعا يعني الجمعة)). تفرد بها أبيض". - والحديث أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار 10 /298 ح4108 .) قال محقق كتاب المقنع في الهامش: تفرد أبيض بذكر الأربع قبل الجمعة...حيث رواه الثقات عن سهيل، ومنهم سفيان الثوري، بدون الأربع قبل الج معة،- أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الجمعة 2/600 ح881)- فخالف أبيض بن إبان الثقات في ذلك. ومثله لً يحتمل ذلك، فإنه لين الحديث ليس بالقوي. ينظر: ابن الملقن، المقنع، 1/169 . (3) "ومثال ما تفرد به الحافظ الضابط المقبول: كحديث مالك عن الزهري عن أنس ((أن رسول الله دخل مكة وعلى رأسه المغفر))، فإن مالكا تفرد به عن الزهري." ابن الملقن، المرجع السابق، 1/176. =
عدد الصفحات ٢٩٨297 سبق من الأمثلة، وإن لم يكن ممن يُوثَ ق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به كان انفراده به خارماً له، مُ زحزحاً له عن حيز الصحيح(1). ثم هو بعد ذلك دائر بين مراتب متفاوتة بحسب الحال فيه، فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الحافظ الضابط المقبول تفردُ ه استحسنا حديثه ذلك(2)، ولم نحطههُ إلى قبيل الحديث الضعيف، وإن كان بعيدا من ذلك رددنا ما انفرد به(3)، وكان من قبيل الشاذ المنكر."(4) وقد فصّل وذكر أنواع التفرد الحاصلة من الرواة في روايتهم، وأثر مرتبة الراوي من الضبط والإتقان في قبول روايته أو ردّها، ثم خلص - رحمه الله- إلى أن جعل الشاذ على قسمين، فقال: "الشاذ المردود قسمان: أحدهما: الحديث الفرد المخالف. = والحديث أخرجه البخاري في صحيحه كتاب جزاء الصيد، باب دخول الحرم 3/17 ح1846)، ومسلم في صحيحه كتاب الحج، باب جواز دخول مكة بغير إحرام 2/989 ح1357.) (1) "ومثال ما رواه غير الموثوق بحفظه وإتقانه منفردا به : حديث ابن عباس في التقاء الخضر وإلياس كل عام. قال الدارقطني: "لم يحدث به غير الحسن ابن رزين عن ابن جريج عن عطاء عنه". قلت: وهو صاحب مناكير." ابن الملقن، المرجع السابق، 1/170-171. والقصة أخرجها ابن الجوزي في الموضوعات 1/195- (2) "ومثال المتفرد الذي هو غير بعيد من درجة الحافظ الضابط، وتفرده حسن: حديث واثلة مرفوعا: ((المرأة تحوز ثلاثة مواريث)) رواه ابن ماجة –في سننه كتاب الفرائض، باب تحوز المرأة على ثلاث مواريث 2/916 ح2742)، والترمذي في سننه كتاب الفرائض، باب ما جاء في ما يرث النساء من الولًء 3/500 ح2115)- وقال: "حسن غريب لً نعرفه إلً من حديث محمد بن حرب على هذا الوجه". ابن الملقن، المرجع السابق، 1/176-177. (3) مثال البعد من درجة الحافظ الضابط المقبول: حديث أبي سعيد الخدري في الدعاء بعد الوضوء بـ((سبحانك اللهم وبحمدك))- أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب فضائل القرآن 1/752 ح2072)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه- قال الدارقطني: "تفرد به عيسى بن شعيب". ابن الملقن، المرجع السابق، 1/171-176. (4) ابن الصلاح،علوم الحديث، 78-79 . قال البقاعي ليس في هذا التفصيل من الشاذ إلً ما قاله أولً، وهو الذي عرف به الشافعي، وأما الثاني: فهو صحيح غريب، وأما الثالث: فهو حسن لذاته غريب، وأما الرابع: فإنه ضعيف إذا أتى ما يجبره صار حسنا لغيره، وتسميته له شاذا نظرا إلى محض التفرد، فهو نظر لغوي." البقاعي، النكت، 1/465.
عدد الصفحات ٢٩٩298 والثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابر اً لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف."(1) قيود الشاذ عند ابن الصلاح نجد أن ابن الصلاح حين قسّم الشاذ إلى قسمين، جعل أحدهما موافقاً لتعريف الشافعي للشاذ من حيث اشتراط المخالفة من الراوي لغيره من الثقات؛ إلً أنه أطلق رتبة الراوي المُ خالِّ ف فيشمل بذلك الثقة وغيره، بينما الشافعي قيّد المخالِّف بالثقة. وجعل القسم الثاني خاصاً بتفرّد الرواة الذين هم في الثقة والضبط دون مرتبة رواة الصحيح والحسن لذاته(2). فالقسم الأول من الشاذ عند ابن الصلاح: مطلق المخالفة من الراوي - سواء كان ثقة أو غير ثقة- لمن هو أولى منه. والقسم الثاني من الشاذ عند ابن الصلاح: تفرّد الضعيف(3)، أو بشكل أدق تفرّد من لً (1) ابن الصلاح،المرجع السابق. (2) إذ أنه اشترط في راوي الحسن لذاتهأن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة، غير أنه لم يبلغ درجة رجال الصحيح، لكونه يقصر عنهم في الحفظ والإتقان، وهو مع ذلك يرتفع عن حال من يعد ما ينفرد به من حديثه منكراً". ابن الصلاح،المرجع السابق، 31-32. "وسوف يأتي أنه يشترط في الشاذ هذا الذي أشار إليه: أن لً يكون راويه في مرتبة الثقات الأثبات من رجال الصحيح، ولً في مرتبة من دونهم من رجال الحسن كما سيأتي واضحاً، فهذا يدلك على أن رجال الحسن مرتفعون عن مرتبة المجاهيل والضعفاء بمرة." ابن الوزير، التنقيح، 75 . ويُفهم من ذلك أن رواة الحديث الصحيح، ورواة الحسن لذاته على مراتب من الحفظ والإتقان تجبر لهم تفردهم بالحديث فلا يُستنكر ما لم تكن هناك قرينة تدل على النكارة والشذوذ. (3) حيث قالفإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الحافظ الضابط المقبول تفردُه استحسنا حديثه ذلك، ولم نحطههُ إلى قبيل الحديث الضعيف، وإن كان بعيدا من ذلك رددنا ما انفرد به، وكان من قبيل الشاذ المنكر." ابن الصلاح، المرجع السابق، 79 . وقدتعقّبه البقاعي في تسمية تفرد الضعيف شذوذاً فقال في تفرد الضعيف: "فإنه ضعيف إذا أتى ما يجبره صار حسنا لغيره، وتسميته له شاذا نظرا إلى محض التفرد، فهو نظر لغوي." واستشكل السخاوي تسمية ما تفرّد به الضعيفُ شاذاً فقال: " وتسمية ما انفرد به غير الثقة شاذا كتسمية ما كان في رواته ضعيف أو سيئ الحفظ، أو غير ذلك من الأمور الظاهرة معللا، وذلك فيهما مناف لغموضهما". =
عدد الصفحات ٣٠٠299 يُحتمل تفرّده من الرواة (1) وبتأمل قسميّ الشاذ عند ابن الصلاح فإن أبرز القيود التي تحتاج إلى تحرير في تعريفه للشاذ(2)هما: المخالفة، والتفرّد - مخالفة الراوي لمن هو أولى منه. - تفرّد الضعيف أو (من لً يُحتمل تفرّده). أو (التفرّد غير المحتمل). القيد الأول: المخالفة: المخالفة في اللغة: من الًختلاف ضد الًتفاق، وتخالف الأمران، واختلفا: لم يَتهفقا، وكل مَا لم يَتساو فقد تخَالف واختلف(3). وفيالاصطلاح: اجتهد أحد الباحثين بتعريفها فقال: "هي أن يروي الرواة عن شيخهم حديثاً ما، فيقع بينهم تغاير في سياق إسناده أو متنه"(4). = ومن التعقيبات- بخصوص تسمية تفرّد الضعيف بالشاذ - ما ذكره السليماني في كتابه الجواهر حيث قال: "وقولهم في القسم الثاني: " تفرد الضعيف" قد يُشكل عليه: أن الشاذ ضعفه شديد، لً يصلح في الشواهد والمتابعات، فكيف يُسمّى تفرد الضعيف شاذاً، والضعيف يُستشهد به؟ ويجاب عن هذا الإشكال: بأن المراد بالشاذ الذي لً يُستشهد به: الشاذ الذي هو فرعٌ عن مخالفة الأولى، فهذا خطأ مردود، لً يُستشهد به، أما إذا كان فرعاً عن تفرد ضعيف؛ فإن ضعفه خفيف، وإن سُمِّّي شاذاً على هذا المذهب، فإن وجدنا شاهداً له؛ زال عنه اسم الشذوذ والنكارة، واحتُجه به، والله أعلم." ينظر: البقاعي، النكت، 1/465، السخاوي،فتح المغيث، 1/249، السليماني،الجواهر، 303 . (1)حيث صرّح بذل ك حين مثلّ للحديث المنكر، -المرادف للشاذ عنده- فقال: "ومثال الثاني: وهو الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والإتقان ما يحتمل معه تفرده" ابن الصلاح، علوم الحديث، 82. هذا عدا أن الثقة قد يُخطئ ويُستنكر تفرده؛ لقرائن تحفّ بالرواية، إذ ليس من حد الثقة أنه لً يغلط ولً يخطئ، فمن الذي يسلم من ذلك غير المعصوم الذي لً يقر على خطأ!". الذهبي، الموقظة، 78. (2) وكذلك بالنسبة لقيود الحديث المنكر كما سيأتي في فصل الحديث المنكر بإذن الله، إذ أن الشاذ والمنكر عند ابن الصلاح بمعنى واحد. (3) ينظر: مادة (خ ل ف): ابن سيده،المحكم، 5/201، الفيروزآبادي،القاموس، 808. (4)حيث قاللم أجد لها تعريفاً، وقد اجتهدت في تعريفها حسب ممارستي لكتب الحديث وعلله. كافي، منهج الإمام البخاري، 259.
عدد الصفحات ٣٠١300 ثم أشار إلى بعض أسباب هذا التغاير فقالوسبب هذا التغاير في بعض الأحيان، كثرة طرق هذا الحديث واتساع الشيخ في الرواية، وأحياناً يكون سببه الوهم والغلط. وتكثر المخالفة وتقل حسب كثرة تلاميذ الشيخ وقلتهم، فكلما كثر أصحابه وتلاميذه كثر الًختلاف في حديثه، وكلما قلّ أصحابه وتلاميذه قلّ الًختلاف في حديثه، وهذا راجع إلى اختلاف مراتبهم في الضبط والإتقان وطول الملازمة للشيخ أو قلتها"(1). ومخالفة الثقات في الإسناد والمتن يكون على أنحاء متعددة، من تغيير سياق الإسناد أو زيادة راوِّ فيه، أو تقديم أو تأخير، أو دمج موقوف بمرفوع وما إلى ذلك من أنواع المخالفة.(2) والمخالفة تعتبر مُخِّلّة برواية الراوي، حيث تُعد - والتفرد كذلك - مما يُستعان به على إدراك علل الحديث.(3) وممن سبق ابن الصلاح في تقييد الشذوذ بالمخالفة الإمام الشافعي - رحمه الله- إلً أنه جعل الشذوذ خاصاً بمخالفة الثقة للثقات، بينما أطلق ابن الصلاح الشذوذ على مخالفة الراوي بشكل عام - أي: سواء كان ثقة أو غير ثقة- لمن هو أولى منه. وتبع الأثرمُ الشافعيَ فيما اشترطه - في الحديث الشاذ - من تخصيص المُخالِّف بالثقة، حيث دلّ مثاله الذي مثّل به، وسياق كلامه عليه. أما المثال الذي ذكره أبو بكر الأثرم في كتابه ناسخ الحديث ومنسوخه في باب صيام العشر(1) فهو من حديثموسى بن عُ لي(2) عن أبيه(3) عن عقبة بن عامر(4) (1) المرجع السابق (2) ينظر: ابن حجر،النزهة، 114-119. (3) "مع قرائن تنضم إلى ذلك تنبه العارف بهذا ا لشأن على إرسال في الموصول، أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث، أو وهم واهم بغير ذلك، بحيث يغلب على ظنه ذلك، فيحكم به، أو يتردد فيتوقف فيه. وكل ذلك مانع من الحكم بصحة ما وجد ذلك فيه". ابن الصلاح، علوم الحديث، 90.
عدد الصفحات ٣٠٢301 أن رسول قال: ((يوم عرفة وأيام التشريق أيام أكل وشرب))(5). ثم قال- بعد أن ذكر أحاديث ظاهرها الًختلاف في حكم صوم يوم عرفة-: "وأما حديث عقبة بن عامر فإنه حديث تفرد به موسى بن علي، وروى الناس هذا الحديث من وجوه كثيرة، فلم يدخلوا فيه صوم عرفة، غيره. وقد يكون من الحافظ الوهم أحياناً، فالأحاديث إذا تظاهرت فكثرت كانت أثبت من الواحد الشاذ،..." ثم أعقبه بقوله: "فالشاذ عندنا: هو الذي يجيء بخلاف ما جاء به غيره، وليس الشاذ الذي يجيء وحده بشيءٍّ لم يجئ أحد بمثله ولم يخالفه غيره".(6) = (1) الأترم،ناسخ الحديث، 179. (2) موسى بن عُلي بن رباح اللّخمي، أبو عبد الرحمن المصري، روى عن: الزهري، وأبيه عُلي بن رباح، وغيرهم، وعنه: عبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجراح وغيرهم. ثقة، وثقه ابن سعد، وابن معين، وأحمد، والبخاري، وأبو حاتم، والنسائي وغيرهم، قال الذهبي: "ثبت صالح"، وقال ابن حجر: "صدوق ربما أخطأ "، مع أنّ جمهور النقاد على توثيقه، روى له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، والأربعة، مات سنة 163هـ. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح، 8/153-154 (691)، ابن حبان، الثقات، 7/453، الذهبي، الكاشف، 2/306 (5719)، ابن حجر، التهذيب، 10 /363-364 (641)، ابن حجر، التقريب، 553 (6994.) (3) على بن رباح بن قصير اللخمي المصري، أبو عبد الله ، و يقال: أبو موسى، (والد موسى بن على بن رباح) قال الذهبي: وثقوه، وقال ابن حجر: ثقة. مات سنة 114هـ. ينظر: الذهبي،الكاشف، 2/39 (3908)، ابن حجر،التقريب، 401 (4732.) (4) عقبة بن عامر الجهنى، صحابي جليل، اُختلف في كنيته فقيل أبو حماد وقيل أبو عمرو وقيل أبو عبس وقيل غير ذلك، روى عن النبي كثيراً، وروى عنه جماعة من الصحابة والتابعين، من فقهاء الصحابة، شهد فتوح الشام، وتولّى مصر زمن معاوية ومات بها سنة 58هـ. ينظر: ابن الأثير، أُسد الغابة، 4/51 (3711)، ابن حجر،الإصابة، 7/205 (5626.) (5) أخرجه أبو داود في سننه كتاب الصيام، باب صيام أيام التشريق2/320 ح2419)، والترمذي في سننه كتاب الصوم، باب ما جاء في كراهية الصوم في أيام التشريق 2/135 ح773) وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي في سننه كتاب مناسك الحج، باب النهي عن صوم يوم عرفة 5/252 ح (3004)، وأحمد في مسنده28/605 ح17379)، والدارمي في سننه كتاب الصوم، باب في صيام يوم عرفة 2/1106 ح1805)، وابن خزيمة في صحيحه كتاب الصيام،باب ذكر خبر روي عن النبي في النهي عن صوم يوم عرفة مجمل غير مفسر 3/292ح2100)، وابن حبان في صحيحه كتاب الصوم، باب الصوم المنهي عنه 8 /368 ح3603)، والحاكم في مستدركه كتاب الصوم1/600 ح (1586 )هذا حديث صحيح على شرط مسلم و لم يخرجاه، جميعهم من حديث عقبة بن عامر، ولفظ أبي داود " يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام وهي أيام أكل وشرب". (6) الأثرم،ناسخ الحديث، 180-181.
عدد الصفحات ٣٠٣302 فهذا المثال الذي ذكره الأثرم زاد الراوي لفظة لم تأتِّ من الوجوه الأخرى للحديث، وقد أشار إلى أن الحافظ قد يهم، ويشذ في مقابلة الأكثر. ومن تعريفه للشاذ وتقيي ده بالمخالفة، يظهر اعتباره هذه اللفظة مخالفة لما جاءت به الأحاديث الأخرى في فضل صوم عرفة، وأيّده إلى ما ذهب إليه بخصوص هذا الحديث ابن عبدالبر حيث قال: "هذا حديث انفرد به موسى بن عُ لي عن أبيه، وما انفرد به فليس بالقوي، وذكر يوم عرفة في هذا الحديث غير محفوظ، وإنما المحفوظ عن النبي من وجوه، يوم الفطر ويوم النحر وأيام التشريق أيام أكل وشرب".(1) وقد رجّح كذلك-ما ذهب إليه الشافعي من كون الشذوذ مخالفة الثقة لمن هو أولى منه- كل من: - ابن القيم (2)، والنووي في كتابه المجموع(3)، وصوّب ه كذلك ابن كثير"(4)، واقتصر ابن الملقن على تعريف الشافعي للشاذ في كتابه (التذكرة)(5)، واعتمده ابن حجر - غير أنه توسّع في صفة الراوي المخالِّف ليشمل الثقة والصدوق- ، فقال: "الشاذ: ما (1) ابن عبدالبر،التمهيد، 21/163. وقد ذكره السخاوي في فتح المغيث مثالاً للشذوذ في المتن فقال: "ومثاله في المتن: زيادة يوم عرفة في حديث: أيام التشريق أيام أكل وشرب، فإن الحديث من جميع طرقه بدونها، وإنما جاء بها موسى ابن علي بن رباح، عن أبيه، عن عقبة بن عامر، كما أشار إليه ابن عبد البر. قال الأثرم: والأحاديث إذا كثرت كانت أثبت من الواحد الشاذ، وقد يهم الحافظ أحيانا. على أنه قد صحح حديث موسى هذا ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وقال: إنه على شرط مسلم. وقال الترمذي: إنه حسن صحيح، وكأن ذلك لأنها زيادة ثقة غير منافية لإمكان حملها على حاضري عرفة" السخاوي، فتح المغيث، 1/245-246، وينظر: الجزائري،توجيه النظر، 1/514-515. (2) ابن القيم،إغاثة اللهفان، 1/522. (3) ينظر: النووي،المجموع، 4/143، الزركشي،النكت، 2/138. (4) ابن كثير،الًختصار، 50. (5) ابن الملقن،التذكرة، 16.
عدد الصفحات ٣٠٤