المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

المصطلحات الحديثية بين الاتفاق والافتراق دراسة تحليلية موضوعية

راوية بنت عبد الله علي جابر

صفحة ١٧ من ٤٠

255 الأول طعن الراوي ووصفه بالكذب: وذلك: إذا روى عن النبي  مالم يقله، متعمداً الكذب، ويثبت كذبه في الحديث النبوي إما بإقرار الواضع ، أو بغير ذلك من القرائن ، ويُسمّى حديث المطعون بالكذب موضوعاً.(1) الثاني: اتهام الراوي بالكذب "بأن لً يروى ذلك الحديث إلً من جهته، ويكون مخالفا للقواعد المعلومة، وكذا من عرف بالكذب في كلامه، وإن لم يظهر منه وقوع ذلك في الحديث النبوي."(2)، ويُسمّى حديث المتهم بالكذب متروكاً.(3) وقد سبق معنا قريباً قول الإمام مالك: "لً يؤخذ العلم من أربعة، ... ذكر منهم: ولً من رجل يكذب في أحاديث الناس، وإن كنت لً تتهمه أن يكذب في حديث رسول الله ..."(4) الثالث: طعن الراوي ووصفه بالفسق: و"أصل الفسوق: الخروج عن الًستقامة، والجَ وْ ر، وبه سُ مّ ي العاصي فاسقا."(5) وقيلالفسق ارتكاب كبيرة، أو إصرار على صغيرة.(1) (1) سيأتي- بإذن الله-الكلام عن الموضوع بشكل موسّع في الفصل الخاص به. ومثال الرواة الموصوفين بالكذب: معلى بن هلال الطحان كوفي، قال عنه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وسفيان بن عيينة: كذاب، وقال النسائي: معلى بن هلال ممن يضع الحديث. ينظر: ابن عدي، الضعفاء، 8/99-101 (1854.) (2) ابن حجر،النزهة، 106. (3) مثال الرواة المتهمين بالكذب "إسماعيل بن يحيى الشيباني ويقال له الشعيري متهم بالكذب" ابن حجر، التقريب، 110 (494)،حمزة بن أبي حمزة الجعفي الجزري النصيبي، واسم أبيه ميمون وقيل عمرو متروك متهم بالوضع" ابن حجر،المرجع السابق179. (4) الخطيب البغدادي،الكفاية، 160. (5)ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث، 3/446.

عدد الصفحات ٢٥٧

256 والمراد بالفسق هنا: الفسق العملي أي بالقول أو الفعل، أما الفسق بالمعتقد فهو داخل في الًبتداع، وأكثر ما تُستعمل البدعة في الًعتقاد. والكذب وإن كان داخلا في الفسق العملي لكنهم عدوه أصلا على حدة، وأفردوه بالذكر في أولى مراتب الطعن في عدالة الراوي؛ لكون الطعن به أشد وأغلظ.(2) وخبر الفاسق بارتكاب الكبائر والخروج عن طاعة الله تعالى لً يُقبل، وإن لم يظهر عليه الكذب، لأنه لً يؤمن أن يقع فيه حيث إنه مستهتر بمقام ربه، قد هتك الستر بينه وبينه والعياذ بالله، ولأن النصوص قد نهت عن قبول خبره بمجرد الفسق. إلً إذا أقلع عن ذنبه وتاب توبة نصوحا تبدل ما كان من حاله، إلى حال التقى فإنه يقبل خبره وتعود عدالته؛ لقوله تعالى:  إلَّا مَنْ تََبَ وَآمَنَ وَعَم لَ عَمَلًا صَالِ اا فَأُولَئ كَ ي ُبَد لُ اللَّاُ سَي ئَاتِ مْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّاُ غَفُوراا رَح يماا (3). أما من لم يقع في الكبيرة، ولً عرفبالإصرار والًستهتار في الصغائر، فإنه يقبل حديثه، ويغتفر له ما قد يبدو منه من الهفوات، ويوهب نقصه لفضله.(4) الرابع: طعن الراوي ووصفه بالجهالة = (1) العراقي،شرح التبصرة، 1/327، السخاوي،فتح المغيث، 2/5. (2) ينظر: ابن حجر،النزهة، 107، الدهلوي،أصول الحديث، 65. مثال الرواة الموصوفين بالفسق قال الذهبي في الميزان: "محمد بن عمر، أبو بكر الجعابى الحافظ من أئمة هذا الشأن ببغداد، على رأس الخمسين وثلثمائة، إلً أنه فاسق رقيق الدين". الذهبي، الميزان، 3/670 (8006.) (3) سورة الفرقان، الآية70 (4) ينظر: عتر،منهج النقد، 81-82. بتصرف يسير

عدد الصفحات ٢٥٨

257 والمراد بجهالة الراوي: بأن لً يُ عرف فيه تعديل ولً تجريح معين. (1) وسبب الطعن بالجهالة؛ لأنه لما لم يُ عرف اسمه وذاته لم يُ عرف حاله وأنه ثقة أو غير ثقة.(2) وقال الخطيب البغدادي: "المجهول عند أصحاب الحديث: هو كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه، ولً عرفه العلماء به، ومن لم يعرف حديثه إلً من جهة راو واحد"(3). وقد جعل ابن الصلاح المجهول على ثلاثة أقسام : مجهول العين، ومجهول العدالة الظاهرة والباطنة، ومجهول العدالة في الباطن دون الظاهر، وهو المستور. وجعلهم ابن حجر على قسمين: مجهول العين: وهو من لم يروِّ عنه غير واحد ولم يُوثّق. ومجهول الحال وهو المستور: من روى عنه اثنان فصاعداً ولم يُوثّق.(4) وتزول جهالة عين الراوي برواية اثنان فصاعداً عنه قال الخطيب البغدادي: "وأقل ما ترتفع به الجهالة أن يروي عن الرجل اثنان فصاعدا من المشهورين بالعلم كذلك... إلً أنه لً يثبت له حكم العدالة بروايتهما عنه"(5). "وإنما يصبح من طبقة (مجهول الحال) وهو من لم تعرف عدالته الظاهرة ولً الباطنة أو (المستور) وهو من عرفت عدالته الظاهرة أي لم يوقف منه على مفسق، لكن لم تثبت عدالته الباطنة، وهي التي ينص عليها علماء الجرح والتعديل ولو واحد منهم"(6). (1) ابن حجر،النزهة، 107. (2) ينظر: الدهلوي،أصول الحديث، 65-66. (3) الخطيب البغدادي،الكفاية، 88. (4) ينظرابن الصلاح، علوم الحديث، 111-112،ابن حجر، النزهة، 126. (5) الخطيب البغدادي، الكفاية، 88-89. (6) عتر،منهج النقد، 90

عدد الصفحات ٢٥٩

258 "الأصل في المجهول التوقف في حديثه حتى تستبين عدالته، وهو ملحق بالحديث الضعيف حكماً لفقدانه أحد شروط الصحة؛ إلً إن وجد مؤيد ومقوٍّّ له من متابعة أو شاهد، فإنها قد تجبره وترتقي به"(1). الخامس: طعن الراوي ووصفه بالابتداع(2): البدعةفي اللغة: ابتداء الشيء لً عن مثال سابق، يُقال: أبدعت الشيء قولً أو فعلا: إذا ابتدأته أو اخترعته لً عن سابق مثال.(3) (1) عبدالجواد حمام،جهالة الرواة 2/1137. وقد لخّصأثر الجهالة في الحكم على الرواية في النقاط التالية: 1- جماهير المحدثين على رد حديث مجهول العين وعدم الًحتجاج به؛ لفقدان شرط العدالة والضبط في راويه. 2- العدالة والضبط لً يثبتان عند جمهور المحدثين إلً بمُثبتٍّ، والراجح أن الأصل في الراوي التوقف حتى تثبت عدالته وضبطه، ولً يقال: الأصل فيه الفسق. 3- جمهور المحدثين لً يحتجون بحديث مجهول الحال ما لم ترتفع جهالته من طريق معتبر. 4- نص كثير من محققي المحدثين على قبول حديث المستور؛ لوجود مرجح لكفهة العدالة على كفهة الجرح، وهو العلم بسلامة الظاهر، ولً ينبغي العدول عن هذا الظن الغالب إلً بدليل. 5- على القول بقبول حديث المستور فإنه لً يُعامل معاملة الراوي الثقة المعروف، ولً يُع ارض بحديثه الأحاديث الصحيحة نظيفة الإسناد مشهورة الرجال. 6- يحكم المحدثون على حديث الراوي المجهول بالقبول إذا كان موافقا للثقات، ويحكمون عليه بالرد والبطلان إذا خالف الثقات أو تفرّد بما يُنكر عليه. 7- محل الخلاف في حديث المجهول هو حالة تفرّده بما لً يظهر فيه مخالفة للثقات، ولم يتضمن المروي ما ينكر عليه سنداً ومتناً، وكان محتملاً. 8-حديث مجهول العين ليس بشديد الضعف، وهو صالح للاعتبار والتقوية إذا وجد له ما يقويه 9-الأصل في الجهالة ألً تصنف في العلل لكونها من أسباب الضعف الظاهرة في الحديث، لكن المحدثين ربما توسعوا فأطلقوا العلة على كل سبب قادح ومنها الجهالة" حمام، المرجع السابق، 2/883- 884. (2) يرى الدكتور خلدون الأحدب أن الجرح بالتبديع يلي في شدته الجرح بالكذب في حديث رسول ؛ لًتصاله بعقيدة المرء، وأن التهمة به تستلزم التمحيص والتثبت إلً أن ترتيب ابن حجر لمسببات الطعن في الراوي حسب الأشد جعل الفسق العملي (بالقول أو الفعل) في مرتبة أشد، ورواية الفاسق جعلها ضمن المنكر المردود بلا خلاف، حيث قال الإمام مسلم في مقدمة صحيحه: "خبر الفاسق غير مقبول عند أهل العلم كما أن شهادته مردودة عند جميعهم". بينما جعل الفسق الًعتقادي (البدعة) أخف في التجريح من الفسق العملي، وذكر اختلاف النقاد في رواية المبتدع بين القبول والرد. المراجع: الأحدب، أسباب اختلاف المحدثين 2/487. ينظر: مسلم، صحيح مسلم، 1/8، ابن حجر،النزهة، 106- 128، الخضير،الضعيف، 155-156 . (3) ينظر: ابن فارس، المقاييس، 1/209، ابن منظور،اللسان، 8/6.

عدد الصفحات ٢٦٠

259 وفيالاصطلاح: قال ابن حجر: "هي اعتقاد ما أحدث على خلاف المعروف عن النبي ، لً بمعاندة، بل بنوع شبهة."(1) والبدعةإما أن تكون بمكفر: 1- كأن يعتقد ما يستلزم الكفر 2- أو بمفسق فالأول: لً يقبل صاحبها الجمهور، وقيل: يقبل مطلقا، وقيل: إن كان لً يعتقد حل الكذب لنصرة مقالته قبل.(2) والتحقيق أنه لً يرد كل مكفر ببدعة؛ لأن كل طائفة تدعي أن مخالفيها مبتدعة، وقد تبالغ فتكفر مخالفها، فلو أخذ ذلك على الإطلاق لًستلزم تكفير جميع الطوائف. فالمعتمد أن الذي ترد روايته م ن أنكر أمرا متواترا من الشرع معلوما من الدين بالضرورة، وكذا من اعتقد عكسه، فأما من لم يكن بهذه الصفة وانضم إلى ذلك ضبطه لما يرويه، مع ورعه وتقواه، فلا مانع من قبوله.(3) والثاني: وهو من لً تقتضي بدعته التكفير أصلا، وقد اختلف، أيضا، في قبوله ورده فقيل: يرد مطلقا. وهو بعيد، وأكثر ما علل به أن في الرواية عنه ترويجا لأمره وتنويها بذكره، وعلى هذا فينبغي أن لً يروى عن مبتدع شيء يشاركه فيه غير مبتدع. وقيل: يقبل مطلقا، إلً إن اعتقد حل الكذب، كما تقدم. (1) ابن حجر،النزهة، 107. (2) قال الخطيب البغدادي في الكفايةوذهبت طائفة من أهل العلم إلى قبول أخبار أهل الأهواء، الذين لً يُ عرف منهم استحلال الكذب والشهادة لمن وافقهم بما ليس عندهم فيه شهادة، وممن قال بهذا القول من الفقهاء أبو عبدالله محمد بن إدريس الشافعي فإنه قال: وتقبل شهادة أهل الأهواء إلً الخطابية من الرافضة، لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم، وحكى أن هذا مذهب ابن أبي ليلى وسفيان الثوري، وروي مثله عن أبي يوسف القاضي " قال ابن تيمية: "والبدع متنوعة، فالخوارج مع أنهم مارقون يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية... ليسوا ممن يتعمد الكذب، بل هم معروفون بالصدق حتى يقال: إن حديثهم من أصح الحديث لكنهم جهلوا، وضلوا في بدعتهم، ولم تكن بدعتهم عن زندقة، وإلحاد، بل عن جهل، وضلال في معرفة معاني الكتاب". المراجع: الخطيب البغدادي، الكفاية، 120، ابن تيمية، منهاج السنة النبوية، 1/67. (3)وقد رجّح الدكتور الخضير ما حققه ابن حجر. ينظر: الخضير، الحديث الضعيف، 166. ذكر الحاكم في كتابه المدخل إلى الإكليل –ضمن أقسام الصحيح المختلف فيه -: " روايات المبتدعة وأصحاب الأهواء فإن رواياتهم عند أكثر أهل الحديث مقبولة إذا كانوا فيها صادقين." وقال ابن دقيق العيد: "الذي تقرر عندنا: أنه لً تعتبر المذاهب في الرواية؛ إذ لً نكفر أحدا من أهل القبلة، إلً بإنكار متواتر من الشريعة. فإذا اعتقدنا ذلك، وانضم إليه التقوى والورع والضبط والخوف من الله تعالى، فقد حصل معتمد الرواية وهذا مذهب الشافعي رضي الله عنه فيما حُ كي عنه". المراجع: الحاكم، الإكليل، 49، ابن دقيق العيد، الًقتراح، 58.

عدد الصفحات ٢٦١

260 وقيل: يقبل من لم يكن داعية إلى بدعته(1)؛ لأن تزيين بدعته قد يحمله على تحريف الروايات وتسويتها على ما يقتضيه مذهبه، وهذا في الأصح "(2) "وبالجملة الأئمة مختلفون في أخذ الحديث من أهل البدع والأهواء".(3) وما وقع في صحيح البخاري ومسلم أو أحدهما من وقوع الرواية عن بعض المبتدعة، فقد اعتذر الحافظ ابن حجر رحمه الله عن ذلك بأ نه: "لم يكن داعية ، أو كان وتاب ، أو اعتضدت روايته بمتابع".(4) ثم إن عدد هؤلًء الرواة- ممن فيهم بدعة – تسعة وستون،(1) وهو عدد يسير جداً مقارنة بعدد رواة البخاري وهم بضعة آلًف، وهذا يُظهر جلياً أن الرواية في الصحيح عن المبتدعة معدول بها عن الأصل.(2) (1) قال عبدالرحمنبن مهدي: "ثلاثة لً يؤخذ عنهم: المتهم بالكذب، وصاحب بدعة يدعو إلى بدعته، والرجل الغالب عليه الوهم والغلط"، وقال أيضاً: "من رأى رأيا ولم يدع إليه احتمل، ومن رأى رأيا ودعا إليه فقد استحق الترك"، وسئل الإمام أحمد بن حنبل: "أيكتب عن المرجئ والقدري؟ قال: "نعم يكتب عنه إ ذ لم يكن داعيا". ينظر: الخطيب البغدادي، الكفاية، 126-128، ابن رجب،شرح العلل، 1/399. (2) ثمقال: "وأغرب ابن حبان؛ فادعى الًتفاق على قبول غير الداعية، من غير تفصيل. نعم، الأكثر على قبول غير الداعية، إلً أن يروي ما يقوي بدعته فيرد، على المذهب المختار، وبه صرح الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، شيخ أبي داود والنسائي، في كتابه "معرفة الرجال"، فقال في وصف الرواة: ومنهم زائغ عن الحق -أي عن السنة- صادق اللهجة؛ فليس فيه حيلة إلً أن يؤخذ من حديثه ما لً يكون منكرا، إذا لم يقو به بدعته انتهى. وما قاله متجه؛ لأن العلة التي لها رد حديث الداعية واردة فيما إذا كان ظاهر المروي يوافق مذهب المبتدع، ولو لم يكن داعية، والله أعلم ". ابن حجر، النزهة، 126-128. ينظر: الدهلوي، أصول الحديث، 66-67. (3) الدهلوي، المرجع السابق، 67. قال الذهبي مُلخّصاً لهذه المذاهب فإن كان كلامهم فيه من جهة معتقده، فهو على مراتب: فمنهم: من بدعته غليظة. ومنهم: من بدعته دون ذلك. ... ومنهم: الداعي إلى بدعته. ومنهم: الكاف ، وما بين ذلك. فمتى جمع الغلظ والدعوة، تجنب الأخذ عنه. ومتى جمع الخفة والكف، أخذوا عنه وقبلوه. فالغلظ كـغلاة الخوارج، والجهمية، والرافضة. والخفة كـالتشيع، والإرجاء. وأما من استحل الكذب نصرا لرأيه كالخطابية، فبالأولى رد حديثه." الذهبي، الموقظة، 85، ينظر: ابن رجب،شرح العلل، 1/357-358. (4) ابن حجر،هدي الساري، 459.

عدد الصفحات ٢٦٢

261 نخلص مما سبق: الطعن في عدالة الرواة يتنوع بين وصفهم بالكذب أو التهمة به، أو بالفسق أو البدعة أو الجهالة بنوعيها جهالة عين أو جهالة حال، وتتراوح مراتب الرواة في الجرح وتختلف حسب شدة أوصاف الطعن وخفتها، ودلًلة معانيها عند علماء الجرح والتعديل، وتتأثر شدتها كذلك حسب تشدد الناقد أو تساهله ، وغالب دلًلًت هذه الألفاظ مرتبط بجانبي العدالة والضبط عند الراوي (3)، والتي تؤثر في درجة ضعف الحديث بين الضعف المحتمل والشديد، ولأن العدالة هي الركن الأكبر في الرواية كان الطعن فيها أشد. = (1) تقسيم الرواة حسب ثبوت البدعة وتوفر شروط القبول 1- الرواة الذين لم تثبت لهم بدعة أو تابوا عددهم واحد وثلاثون 2- الرواة الذين ثبتت لهم بدعة وتوافرت فيهم شروط القبول عددهم أربعة وثلاثون. 3- الرواة الذين ثبتت لهم بدعة ولم تتوافر فيهم شروط القبول، وقُبلت روايتهم لًعتبارات أخرى هو راوٍّ واحدٍّ فقط. 4- الرواة الذين ثبتت لهم بدعة ولم تتوافر فيهم شروط القبول عددهم ثلاثة. ينظر: إندونيسيا خالد حسون، منهج الإمام البخاري في الرواية عمن رمي بالبدعة، 2/984. (2) ينظرالعثمان، المحرر في مصطلح الحديث، 404- 405 بتصرف ملاحظة: "ها هنا أمر ينبغي التفطن له، وهو أن رجال الجرح والتعديل عدوا في مصنفاتهم كثيرًا ممن رُمِّيَ ببدعة، وسَ نَدُ هم في ذلك ما كان يقال عن أحد من أولئك أنه شيعي أو خارجي، أو ناصبي أو غير ذلك، مع أن القول عنهم بما ذُ كر قد يكون تقو لً، وافتراء، ومما يدل عليه أن كثيرًا ممن رمي بالتشيع من رواة الصحيحين لا تعرفهم الشيعة أصلا. وقد راجعت من كتب رجال الشيعة كتاب: (الكشي) و(النجاشي)، فما رأيت ممن رماهم السيوطي نقلاً عمن سلفه بالتشيع في كتابه التقريب، ممن خره ج لهم الشيخان وعده هم خمسة وعشرين إلً راويين وهما: أبان بن تغلب وعبدالملك بن أعين، ولم أر للبقية في ذينك الكتابين ذكرا. وقد استفدنا بذلك علما مهما، وفائدة جديدة، وهي أنه ينبغي الرجوع في المرميّ ببدعه إلى مصنفات رجالها، فبها يظهر الأصيل من الدخيل، والمعروف من المنكور. ونظير هذا ما كنت أدل عليه، وهو الرجوع في أقوال الفِّ رَ قِّ إلى مصنفاتها المتداولة حتى ينثلج بها الصدر، وإلً فكم من قول افتُ رِّ يَ على مذهب، أو نقل مقلوبًا، أو فاقد شرط، كما يعلمه من حقق ورجع إلى الأصول. بل رأيت من الش راح من يضبط لفظه لغوية ويعزوها، وبمراجعة المَ عزوِّّ إليه يظهر اشتباه في المادة، فتنبيه لهذه الفائدة واحرص عليها." القاسمي، قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث، 195. (3) وذلك مبسوط في كتب الجرح والتعديل. ومن ذلك ما ذكره ابن أبي حاتم في مراتب جرح الرواة: منهم الصدوق الورع المغفل الغالب عليه الوهم والخطأ والغلط والسهو، فهذا يكتب من حديثه الترغيب والترهيب والزهد والآداب، ولً يحتج بحديثه في الحلال والحرام. ومنهم من ألصق نفسه بهم ودلسها بينهم ممن ليس من أهل الصدق والأمانة، ومن قد ظهر للنقاد العلماء بالرجال أولى المعرفة منهم الكذب - فهذا يترك حديثه ويطرح روايته. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، 1/10بتصرف يسير، ينظر كذلك ابن الصلاح، علوم الحديث، 121-127، مقدمة ابن حجر في كتابه تقريب التهذيب، ابن حجر، التقريب، 74-76.

عدد الصفحات ٢٦٣

262 السبب الثالث: الطعن(1) في ضبط الرواة أو أحدهم: سبق الحديث عن المراد بالضبط وأنواعه ضمن قيد الضبط في فصل الحديث الصحيح، والضبط نوعان وضّحهما ابن حجر - رحمه الله- بقوله: "والضبط: ضبط صدر: وهو أن يثبت ما سمعه بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء. وضبط كتاب: وهو صيانته لديه منذ سمع فيه وصححه إلى أن يؤدي منه."(2) والمراد بالطعن في ضبط الرواة أو أحدهم هو وصفه بصفات تنفى عنه تمام الضبط (المشترط في راوي الصحيح) وكذلك نفي خفة الضبط (التي يجب ألً ينزل عنها راوي الحسن لذاته)، فيوصف الراوي بصفات تنفي عنه تمام الضبط وخفته (3) مثل وصفه بسوء الحفظ، أو فحش الغلط، أو كثرة الغفلة، أو الوهم والخطأ، ولً ريب أن هذه الصفات تتفاوت بين الجرح الخفيف والشديد، أشار إلى ذلك ابن حجر بقوله: " ثم الطعن يكون بعشرة أشياء بعضها أشد في القدح من بعض: خمسة منها تتعلق بالعدالة، وخمسة تتعلق بالضبط. ولم يحصل الًعتناء بتمييز أحد القسمين من الآخر؛ لمصلحة اقتضت ذلك، وهي ترتيبها على الأشد فالأشد في موجب الرد"(4)، فلم يحرص رحمه الله على التمييز بين (1) المراد بالطعن: جرح الراوي باللسان، والتكلم فيه من ناحية ضبطه وحفظه وتيقظه. ينظر الخضير، الحديث الضعيف، 116. (2) ابن حجر،النزهة، 69. ينظر: البقاعي،النكت، 1/168، السخاوي،فتح المغيث، 1/28، الدهلوي، أصول الحديث، 62. (3) بعد أن ذكر الدكتور نور الدين عتر تعريف الحديث الضعيف،وسرد شروط الحديث المقبول أضاف قيداً لشرط الضبط بقوله (ولو لم يكن تاماً)، ثم علل لهذه الإضافة، فقال مستدركاً على من سبقه: "كذا عدها البقاعي والسيوطي وغيرهما: لكن عبروا بقولهم: "الضبط" بدون زيادة "ولو لم يكن تاما". وهذا مشكل لأنه إذا فقد تمام الضبط بأن خف ضبط الراوي، فإنه يصير عندئذ حسنا، ولً يكون ضعيفا، لذلك كان الصواب في التعبير عن هذا الشرط ما قلناه: "الضبط ولو لم يكن تاما". عتر، منهج النقد، 286. (4) ابن حجر،النزهة، 106.

عدد الصفحات ٢٦٤

263 وجوه الطعن المتعلقة بالعدالة وبين وجوه الطعن المتعلقة بالضبط إنما سردها حسب شدة الطعن من الأشد وهو الوصف بالكذب إلى الأخف وهو الوصف بسوء الحفظ. "أما وجوه الطعن المتعلقة بالضبط فهي أيضا خمسة: 1 - فرط الغفلة. 2- كثرة الغلط. 3- مخالفة الثقات. 4-الوهم. 5- سوء الحفظ."(1) وهي على التفصيل كما يلي الأول: وصف الراوي بفحش الغلط: الغلط في اللغة: خلاف الإصابة، وأن تعيا بالشيء فلا تعرف وجه الصواب فيه.(2) والمراد بفحش الغلط: أي: كثرته، وفحش الغلط في رواية الراوي أي: غلبة غلطه على صوابه.(3) قال سفيان الثوريليس يكاد يفلت من الغلط أحد، إذا كان الغالب على الرجل الحفظ فهو حافظ وإن غلط، وإذا كان الغالب عليه الغلط ترك"(4). الثاني: وصف الراوي بكثرة الغفلة المغفل في اللغة: من لً فطنة له(5)، والغفلة: عدم الفطنة لتمييز الصواب من الخطأ (1) الدهلوي، أصول الحديث، 69. (2) ينظر: ابن فارس،المقاييس، 4/390، ابن منظور،اللسان، 7/363. (3) ينظر: ابن حجر،النزهة، 107، الغوري،الموسوعة، 2/567. (4) الخطيب البغدادي،الكفاية، 144 . مثال الراوي الذي تُرك حديثه لكثرة غلطه أيوب ابن خوط أبو أمية البصري، قال عمرو بن علي: "كان أيوب أميا لً يكتب وهو متروك الحديث ولم يكن من أهل الكذب كان كثير الغلط كثير الوهم". ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح، 2/246 (876)، ابن عدي،الضعفاء، 2/7 (181.) (5) الفراهيدي،العين، 4/419، ابن منظور،اللسان، 11/492.

عدد الصفحات ٢٦٥

264 والمراد بكثرة غفلة الراوي في الرواية: غلبة غفلته على تيقّظه فلا يتقنها(1) وفرط الغفلة وكثرة الغلط متقاربان ، فالغفلة في السماع وتحمل الحديث ، والغلط في الإسماع والأداء"(2)، وقد أطلق ابن حجر وصف النكارة على حديث فاحش الغلط أو كثير الغفلة فقال: "فمن فحش غلطه، أو كثرت غفلته، أو ظهر فسقه، فحديثه منكر"(3). وقد أشار الحميدي إلى بعض أنواع الطعون التي يُردّ بها الحديث، وذكر منها: فحش الغلط، وأوضح المراد بالغفلة التي يُردّ بها حديث الراوي فقال: "فإن قال قائل: فما الشيءُ الذي إذا ظهر لك في الحديث أو من حدث عنه لم يكن مقبولً؟ قلنا: أن يكون في إسناده رجل غيرُ رِّ ضا، بأمرٍّ يَ صِّ ح ذلك عليه: بكذب، أو جَ رْ حَ ةٍّ في نفسه تُ رد بمثلها الشهادة، أو غلطا فاحشا لً يَ شْ بَ هُ مثله، وما أشبه ذلك. فإن قال: فما الغفلة التي تَ رُ د بها حديث الرجل الرِّّ ضا الذي لً يُ عرَ فُ بكذب؟ قلت: هو أن يكون في كتابه غلط، فيُ قال له في ذلك، فيترُ ك ما في كتابه ويُ حدِّّ ث بما قالوا، أو يُ غيِّّ ره في كتابه بقولهم، لً يَ عقِّ ل فرق ما بين ذلك، أو يُ صحِّّ ف تصحيفا فاحشا، فيقلب المعنى لً يَ عقِّ لُ ذلك، فيُ كَ ف عنه"(4) الثالث: وصف الراوي بالوهم (1) ينظر: ابن حجر،النزهة، 107، الغوري،الموسوعة، 2 /715 . (2) الدهلوي،أصول الحديث، 69. (3) ابن حجر،النزهة، 113،وزاد السيوطي إطلاق وصف الترك على أحاديثهم، فقال: "الحديث الذي لً مخالفة فيه، وراويه متهم بالكذب، بأن لً يروى إلً من جهته، وهو مخالف للقواعد المعلومة، أو عرف به في غير الحديث النبوي، أو كثير ا لغلط أو الفسق أو الغفلة يسمى المتروك " السيوطي، التدريب، 1/280، ينظر: السيوطي،الألفية، 23. (4) ابن أبي حاتم،الجرح، 2/33-34 . مثال الراوي كثير الغفلة المسيب بن شريك التميمي كنيته أبو سعيد، أصله من بخارى سكن الكوفة ...مات سنة 186هـ، قال عنه ابن حبان: "وكان شيخا صالحا كثير الغفلة، لم تكن صناعة الحديث من شأنه، يروي فيخطأ ويحدث فيَهِّم من حيث لً يعلم، فظهر من حديثه المعضلات التي يرويها عن الأثبات، لً يجوز الًحتجاج به ولً الرواية عنه إلً على سبيل التعجب." ابن حبان، المجروحين، 3/24.

عدد الصفحات ٢٦٦

265 الوَهِّم - بكسر الهاء - في اللغة: الغلط والسهو.(1) والمراد بوهِّم الراوي في الرواية: أي أخطأ وسها ورواها على سبيل التوهم. والطعن على الراوي إنما يكون من جهة الوهم والنسيان وخطئه في الرواية، وكثيراً ما تُعل الأحاديث ب سبب الوهم وهذا أغمض علوم الحديث وأدقها، ولً يقوم به إلً من رزق فهما وحفظا واسعا ومعرفة تامة بمراتب الرواة، وأحوال الأسانيد والمتون.(2) قال عبدالرحمن بن مهدي(3) :"الناس ثلاثة ، رجل حافظ متقن فهذا لً يختلف فيه ، وآخر يهم والغالب على حديثه الصحة ، فهذا لً يترك حديثه ، وآخر يهم والغالب على حديثه الوهم ، فهذا يترك حديثه"(4). الرابع: وصف الراوي بمخالفة الثقات المخالفة في اللغة: من الًختلاف ضد الًتفاق، وتخالف الأمران، واختلفا: لم يَتهفقا، وكل مَا لم يَتساو فقد تخَالف واختلف(5). (1) ينظر: ابن فارس،المقاييس، 6/149، ابن منظور،اللسان، 12/644. (2) الدهلوي،أصول الحديث، 70. ينظر: ابن حجر،النزهة، 107، الغوري،الموسوعة، 2 /716 . ومثال الراوي كثير الخطأ والوهم: أشعث بن سوار الكندي النجار الكوفي، مات سنة 136هـ، ضعفه ابن معين، وقال عنه ابن حبان: " فاحش الخطأ كثير الوهم". ينظر: ابن حبان، المجروحين، 1/171. (3) عبدالرحمن بن مهدى بن حسان العنبر ي، أبو سعيد البصر ي قال عنه الذهبي: "الحافظ، الإمام العالم، كان أفقه من يحيى القطان، قال على ابن المديني: أعلم الناس بالحديث عبدالرحمن"، وقال ابن حجر: "ثقة ثبت حافظ عارف بالرجال و ال حديث"، مات سنة: 198هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، 1/645 (3323)، ابن حجر،التقريب، 351 (4018.) (4) ابن عدي،الضعفاء ، 1/264، ابن أبي حاتم،الجرح، 2/38، الخطيب البغدادي، الكفاية، 143. (5) ينظر: ابن سيده،المحكم، 5/201، الفيروزآبادي،القاموس، 808 مادة (خلف

عدد الصفحات ٢٦٧

266 وفي الاصطلاح: اجتهد أحد الباحثين بتعريفها فقال: "هي أن يروي الرواة عن شيخهم حديثاً ما، فيقع بينهم تغاير في سياق إسناده أو متنه"(1). والمراد بها مخالفة الراوي - سواء كان ثقة أو ضعيف- لمن هو أرجح منه، فإن كان المُخالِّف ثقة سُمِّّي حديثه في اصطلاح المتأخرين شاذاً ، وإن كان المُخالِّف ضعيفاً سُمِّّي حديثه منكراً.(2) قال ابن حجروأما المخالفة وينشأ عنها الشذوذ والنكارة، فإذا روى الضابط والصدوق شيئا، فرواه من هو أحفظ منه أو أكثر عددا بخلاف ما روى بحيث يتعذر الجمع على قواعد المحدثين فهذا شاذ، وقد تشتد المخالفة أو يضعف الحفظ فيحكم على ما يخالف فيه بكونه منكرا."(3) ومخالفة الثقات في الإسناد والمتن يكون على أنحاء متعددة، من تغيير سياق الإسناد أو زيادة راوِّ فيه، أو تقديم أو تأخير، أو دمج موقوف بمرفوع وما إلى ذلك من أنواع المخالفة.(4) (1) "سبب هذا التغاير في بعض الأحيان، كثرة طرق هذا الحديث واتساع الشيخ في الرواية، وأحياناً يكون سببه الوهم والغلط. وتكثر المخالفة وتقل حسب كثرة تلاميذ الشيخ وقلتهم، فكلما كثر أصحابه وتلاميذه كثر الًختلاف في حديثه، وكلما قلّ أصحابه وتلاميذه قلّ الًختلاف في حديث ه، وهذا راجع إلى اختلاف مراتبهم في الضبط والإتقان وطول الملازمة للشيخ أو قلتها ". أبو بكر كافي، منهج الإمام البخاري في تصحيح الأحاديث وتعليلها، 259. (2) ينظر: ابن حجر،النزهة، 87، الخيرآبادي،المعجم، 134. هذا هو اختيار ابن حجر؛ وإلً فإن ابن الصلاح، ومن وافقه، عندهم الشاذ والمنكر بمعنى واحد، وقد سبقت الإشارة في الفصول السابقة لمعنى الشذوذ والنكارة، وسيأتي تفصيل كل مصطلح في الفصل الخاص به بإذن الله. مثال الراوي الموصوف بالمخالفة: " أشعث بن براز الهجيمي، كنيته أبو عبد الله، من أهل البصرة، يروي عن : قتادة وعلي ب ن زيد ، روى عنه : زيد بن حباب ، ومسلم بن إبراهيم ، يخالف الثقات في الأخبار، ويروي المنكر في الآثار حتى خرج عن حد الًحتجاج به." ابن حبان، المجروحين، 1/173. (3) ابن حجر،هدي الساري، 384. (4) ينظر: ابن حجر،النزهة، 114-119.

عدد الصفحات ٢٦٨

267 وجعل المخالفة "من وجوه الطعن المتعلقة بالضبط، من جهة أن الباعث على مخالفة الثقات إنما هو عدم الضبط والحفظ، وعدم الصيانة عن التغير والتبديل".(1) الخامس: وصف الراوي بسوء الحفظ ذكر ابن حجر المراد بسوء الحفظ بقوله: " من لم يرجح جانب إصابته على جانب خطئه"(2)،وعرفه كذلك بأنه "عبارة عمن يكون غلطه أقل من إصابته"(3)، وفرّق بين كثير الغلط وسيِّّ ىء الحفظ فقال: (1) الدهلوي،أصول الحديث، 70. (2) ابن حجر، النزهة، 129. (3) ابن حجر،المرجع السابق، 107 .ملاحظة اختلفت طبعات تحقيق كتاب النزهة-حسب اطلاعي- في بيان معنى سوء الحفظ، وترجيح أي العبارتين أصوب: 1- (عمن يكون غلطه أقل) هكذا في طبعة سفير الأولى بتحقيق الرحيلي حيث قال معلقاً في هامشها: "هذا هو الصواب، كما في الأصل، وفي بعض النسخ التي اطلعت عليها: عن أن لً يكون غلطه أقل.... وهذا غلط واضح وعكس للمقصود من العبارة!."، وهي موافقة لطبعة الصباح بتحقيق نور الدين عتر. 2- وشاء الله ان أطّلع على الطبعة الثانية لتحقيق الدكتور الرحيلي، فوجدته قد غيّر اختياره السابق، فوضع عبارة (عن أن لا يكون غلطه أقل) في المتن، وقال في حاشيته: "في الأصل (عمن يكون) وهو لً يستقيم مع ما سيذكره المصنف أن سوء الحفظ المراد به: من لم يرجح جانب إصابته على جانب خطئه، والمثبت من عدة نسخ. وقد نبّه على هذا الخطأ كثير من شراح النزهة." ووافقته طبعة دار الآثار، وكذلك ما ذهب إليه الدهلوي في أصول الحديث حيث قال: "وأما سوء الحفظ فقالوا: إن المراد به: أن لً يكون إصابته أغلب على خطئه، وحفظه وإتقانه أكثر من سهوه ونسيانه. يعني إن كان خطأه ونسيانه أغلب أو مساويا لصوابه وإتقانه كان داخلا في سوء الحفظ ، فالمعتمد عليه صوابه وإتقانه وكثرتهما" وما ذهب إليه الرحيلي في طبعته الثانية، وما ذكره الدهلوي يشير إلى ترجيحهم أن معنى سوء الحفظ ألً يكون غلطه أقل من إصابته، وهذا قد يوقع في إشكال بيان الفرق بين الراوي كثير الغلط أو فاحشه وبين الراوي سيِّ ىء الحفظ. ولعل ما حرره الجديع في هذه المسألة بذكر درجات الراوي سيِّ ىء الحفظ يفيد في حلّ هذا الإشكال حيث قال: " سوء الحفظ باعتبار أثره على حديث الراوي درجات متفاوتة، مح صورة في الجملة في قسمين: القسم الأول: اختلال الضبط بما لً يسقط به الراوي، وتحته أربعة أصناف من الرواة: الصنف الأول: من غلب ضبطه، واعتراه الوهم والخطأ في اليسير من حديثه. فليس من شرط الثقة أنه لً يخطئ، وأن الخطأ لً تعصم منه نفس بشر، وإنما العبرة بغلبة الحفظ، وندرة الخطأ أو قلته. الصنف الثاني: من كان ضابطاً لكتابه، غير ضابط إذا حدث من حفظه. فإذا كان الراوي المعروف بسوء الحفظ رجع إلى كتاب صحيح، فكان يحدث من كتابه، فحديثه من الكتاب صحيح، ويرد من حديثه ما كان حدث به من حفظه. الصنف الثالث: من تميز ضبطه في حال، وسوء حفظه ولينه في حال. =

عدد الصفحات ٢٦٩

268 "وأما الغلط فتارة يكثر من الراوي، وتارة يقل ، فحيث يوصف بكونه كثير الغلط ينظر فيما أخرج له إن وجد مرويا عنده أو عند غيره من رواية غير هذا الموصوف بالغلط علم أن المعتمد أصل الحديث لً خصوص هذه الطريق، وأن لم يوجد إلً من طريقه فهذا قادح يوجب التوقف عن الحكم بصحة ما هذا سبيله، وليس في الصحيح بحمد الله من ذلك شيء. وحيث يوصف بقلة الغلط كما يقال: سيِّّ ىء الحفظ، أو لَ هُ أوهام، أو لَ هُ مناكير وغير ذلك من العبارات ، فالحكم فيه ، كالحكم في الذي قبل ه إلً أن الرو اية عن هؤلًء في المتابعات أكثر منها عند المصنف من الرواية عن أولئك"(1) أي: إن أُخرِّج في الصحيحين أو أحدهما من رواية سيِّّ ىء الحفظ أو كثير الغلط فالًعتماد على أصل الحديث لً على هذه الطريق، وإنما هي من باب المتابعات والشواهد، ونسبة رواية كثير الغلط –في المتابعات- أقل من سيِّّ ىء الحفظ. فوصف سيِّّ ىء الحفظ – عند ابن حجر- في أدنى مراتب التجريح وأسهلها(1)، وفي أدنى مراتب طعن الراوي في ضبطه كما سبق معنا عند ترتيبه لوجوه الطعن في الراوي من الأشد إلى الأخف؛ لذا كانت روايته قابلة للانجبار إذا وُجد لها متابع فقال: = وهذا جرح نسبي، لً يسقط بالراوي جملة، وإنما حيث تميز ما يتقنه من غيره، قبل المحفوظ، وطرح ما سواه، وهنا يجب أن تتنبه إلى أن بعض النقاد ربما أطلق وصف الضعف على من هذا نعته، فظن من لً خبرة له أنه ضعيف مطلقاً، وليس كذلك. الصنف الرابع: من غلب عليه سوء الحفظ، فغلب في حديثه احتمال خطئه ووهمه، مع بقاء وصف الصدق له في الجملة. وهذا كثير في الرواة المجروحين، ممن يعتبر بحديثهم، ولم يسقطوا. القسم الثاني: فساد الضبط إلى حد أن يكون الراوي متروك الحديث: وهذا يقع بغلبة المناكير على حديث الراوي، فيوصف بكونه: "منكر الحديث"، أو "متروك الحديث". فأما أن يكون "متروك الحديث" فلا يدخل هذا الوصف اشتباه، إذ هو الراوي غلب عليه الوهم والخطأ حتى فحش، وغلبت المنكرات على حديثه، حتى ربما أورده الشبهة عليه بالكذب، فاتهم به بناء على ذلك." المراجع: ابن حجر، النزهة، 107 الطبعة الأولى، 105 الطبعة الثانية، ابن حجر ، نزهة النظر ، تحقيق: نور الدين عتر، 89. ابن حجر، نزهة النظر، ط دار الآثار، 33، الدهلوي،أصول الحديث، 71-72، ينظر: الجديع،التحرير، 1 /436-456 باختصار (1) ابن حجر،هدي الساري، 384.

عدد الصفحات ٢٧٠

269 "ومتى توبع السيِّّ ىء الحفظ بمعتبر: كأن يكون فوقه، أو مثله، لً دونه،... صار حديثهم حسنا، لً لذاته، بل وصفه بذلك باعتبار المجموع"(2) بالإضافة إلى ما سبق، فإنه جعل سوء الحفظ على قسمين: "1- إن كان لًزما للراوي في جميع حالًته فهو الشاذ، على رأي بعض أهل الحديث 2- أوإن كان سوء الحفظ طارئا على الراوي؛ إما لكبره، أو لذهاب بصره، أو لًحتراق كتبه أو عدمها، بأن كان يعتمدها فرجع إلى حفظه فساء فهذا هو المختلط."(3) فنجده وصف روايةسيِّّ ىء الحفظ - إن كان لًزماً للراوي- بالشذوذ، بينما أطلق وصف المنكر على رواية فاحش الغلط، والمنكر –عند ابن حجر- أشد ضعفاً من الشاذ.(4) نخلص مما سبق المراد بالطعن في ضبط الرواة أو أحدهم هو وصفه بصفات تنفى عنه تمام الضبط (المشترط في راوي الصحيح) وكذلك نفي خفة الضبط (التي يجب ألً ينزل عنها راوي الحسن لذاته)، فيوصف الراوي بصفات تنفي عنه تمام الضبط وخفته مثل وصفه: بسوء الحفظ، أو فحش الغلط، أو كثرة الغفلة، أو الوهم والخطأ، ويتفاوت الطعن بين الجرح = (1) وهو كذلك عند الذهبي- في مقدمة كتابه ميزان الًعتدال- حين ذكر مراتب جرح الرواة جعل سيِّّ ىء الحفظ في أدناها وعلى كذلك العراقي في شرح التبصرة، وهي مرتبة من يُكتب حديثه، ويُنظر فيه للاعتبار. وقال ابن حجر في مقدمة كتابه التقريب: "وأسهلها-أي: الألفاظ الدالة على الجرح- قولهم: فلان لين، أو سيِّّ ىء الحفظ، أو: فيه أدنى مقال." بل نجده قد أطلق هذا الوصف في كتابه التقريب على ما يقرب من اثنين وعشرين راوياً قرن سوء الحفظ بالصدق فقال: "صدوق سيِّّ ىء الحفظ" في واحد وعشرين منهم أرقام تراجمهم في التقريب كما يلي: 440- 1450- 1718- 1895- 2054- 2178- 2237- 2687- 2792- 3095- 4011- 5870- 6081- 6933- 6988- 7010- 7029- 7154- 7408- 7563- 8019 .المراجع ينظر: الذهبي، الميزان، 1/4، العراقي،شرح التبصرة، 1/378، ابن حجر، التقريب، ابن حجر، النزهة، 175. (2) ابن حجر،النزهة، 129. (3) ابن حجر،المرجع السابق 129. (4) "لأن المنكر على قسميه عند من يخرج الشاذ هو أشد ضعفا من الشاذ" ابن حجر، النكت، 1/237.

عدد الصفحات ٢٧١

270 الخفيف والشديد، فالوصف بسوء الحفظ أو لينه أخفّ في الجرح من الوصف بفحش الغلط أو كثرة الغفلة، وخفة الطعن في رواة الحديث أو شدته، تعدّ من العوامل المؤثرة على ضعف الحديث خفة أو شدة، وبالتالي قابليته للانجبار أو عدمه. السبب الرابع: انتفاء العاضد(1) في الضعيف القابل للانجبار: إن من الحديث ما يكون ضعفه يسيراً قابلا للانجبار في حال وجود ما يعضده ويقويه، وسبق معنا في الحديث الحسن بيان المراد من قيد المعاضدة والمتابعة، حيث خصّ هذا القيد - من أنواع الحديث المقبول- الحديث الحسن لغيره، إذ كان فيه ضعف خفيف انجبر بالمُعاضِّد من المتابع أو الشاهد، وأصبح في عداد المقبول، أما إن انعدم المُعاضِّد بقي الحديث على حاله من الضعف. فهذا السبب أو المسلك من مسالك الضعف إنما يخص أنواعاً من الضعيف وهو القابل للانجبار، أما غير القابل للانجبار فيظل على حاله سواء وُجد له متابع أم لم يوجد. قال ابن الصلاح: "ليس كل ضعفٍّ في الحديث يزول بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت: فمنه ضعف يزيله ذلك بأن يكون ضعفه ناشئا من ضعف حفظ راويه، مع كونه من أهل الصدق والديانة. فإذا رأينا ما رواه قد جاء من وجه آخر عرفنا أنه مما قد حفظه، ولم يختل فيه ضبطه له. وكذلك إذا كان ضعفه من حيث الإرسال زال بنحو ذلك، كما في المرسل الذي يرسله إمام حافظ، إذ فيه ضعف قليل، يزول بروايته من وجه آخر. ومن ذلك ضعف لً يزول بنحو ذلك ؛ لقوة الضعف وتقاع د هذا الجابر عن جبره ومقاومته. وذلك كالضعف الذي ينشأ من كون الراوي متهما بالكذب، أو كون الحديث شاذا. (1) سبق بيان معنى المعاضدة والمصطلحات الدالة عليها والغرض منها في قيد المتابعة والمعاضدة في الحديث الحسن.

عدد الصفحات ٢٧٢