المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

المصطلحات الحديثية بين الاتفاق والافتراق دراسة تحليلية موضوعية

راوية بنت عبد الله علي جابر

صفحة ١٦ من ٤٠

239 ألفيته بوصف الض عيف بأنه: "ما لم يبلغ مرتبة الحسن "(1)، وعبّر عن ذلك السيوطي (ت911هـبقوله: " هو الذي عن صفة الحسن خلا"(2) . أماابن الملقن (ت 804هـ فقد لخّص تعريف ابن الصلاح، فقال في المقنع: " هو كل حديث لم تجتمع فيه صفات الصحيح ولً الحسن"(3)، ثم أكّد ذلك في كتابه التذكرة بقوله "والضعيف ما ليس واحداً منهما" (4)، أي: لم تتوفر فيه شروط الصحيح، ولً شروط الحسن. بينما عرّف ابن حجر (ت 852هـ الضعيف بقوله: "كل حديث لم تجتمع فيه صفات القبول"(5). المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها دارت أغل ب تعريفات الحديث الضعيف لبيان حده على نفي صفات الصحيح والحسن وشروطهما أو ما يُطلق عليها بشروط القَبول، وعددها ستة(1) ذكرها العراقي في شرح ألفيته حيث قال: "وشروط القبول هي شروط الصحيح والحسن، وهي ستة: (1) العراقي،شرح التبصرة، 1/176. (2) السيوطي،الألفية، 12. (3) ابن الملقن،المقنع، 1 /103. (4) ابن الملقن،التذكرة، 14. (5) ابن حجر،النكت، 1/492، واُعتبِّر هذا التعريف للحديث الضعيف أسلم من الًعتراض، وأخصر من تعريف ابن الصلاح، حيث قال الدكتور عبدالكريم الخضير: "فإنه أسلم من الًعتراضات الواردة على تعريف ابن الصلاح في جمعه بين صفتي الحسن والصحة. كما أنه أخصر؛ إذ جمع اللفظين في لفظ واحد، وأسلم من تعريف العراقي ومن تبعه في اقتصاره على صفة الحسن، إذ قد يكون الحديث صحيحاً وليس بحسن كما ذكر ذلك جماعة". الخضير، الحديث الضعيف ، 60.

عدد الصفحات ٢٤١

240 - اتصال السند. - وعدالة الرجال. - والسلامة من كثرة الخطأ والغفلة.(2) - ومجيء الحديث من وجه آخر حيث كان في الإسناد مستور لم تعرف أهليته، وليس متهما كثير الغلط- أو ما عبّر عنه بعض من جاء بقولهم : "العاضد عند الًحتياج"-.(3) - والسلامة من الشذوذ. - والسلامة من العلة القادحة."(4) فإذا انتفت صفة أو أكثر من صفات القَبول، صار الحديث ضعيفاً مردوداً، فالضعيف إنما هو نتاج انتفاء صفة أو أكثر من صفات القبول، أو بمعنى أدق: ما لم تجتمع فيه شروط = (1) أضاف ابن حجر لها شرطاً آخر فقالمن جملة صفات القبول التي لم يتعرض لها شيخنا أن يتفق العلماء على العمل بمدلول حديث، فإنه يقبل حتى يجب العمل به . وقد صرح بذلك جماعة من أئمة الأصول." ابن حجر، النكت، 1/494. وينبغي التفريق بين الحكم بصحة الحديث وبين قبوله والعمل به؛ وذلك أن التصحيح على مقتضى الصناعة الحديثية شيء وقبول الحديث شيء آخر، فإذا وجد حديث مثل هذا فهو مقبول يعمل به لكنه لً يسمى صحيحا، ورحم الله الحافظ ابن حجر حيث قال : "لأن اتفاقهم على تلقي خبر غير ما في الصحيحين بالقبول ولو كان سنده ضعيفا يوجب العمل بمدلوله" - المرجع السابق، 1/372- فقد أشار رحمه الله إلى العمل ولم يتكلم عن الصحة الًصطلاحية" فحل، علل الحديث، 42-43. (2) قال ابن حجر"والتعبير باشتراط الضبط أولى". ابن حجر، المرجع السابق، 1/493. (3) أضاف ابن حجروكذا إذا كان فيه ضعيف بسبب سوء الحفظ، أو كان في الإسناد انقطاع خفيف أو خفي، أو كان مرسلا. كما قررنا ذلك في الكلام على الحسن المجبور." ولخّص ذلك كلٌ من البقاعي والسخاوي بقولهم: ووجود العاضد عند الًحتياج إليه. المراجع: ينظر: ابن حجر، المرجع السابق ، 1/493، البقاعي،النكت، 1/307، السخاوي،فتح المغيث، 1/126. (4) ينظر: العراقي،شرح التبصرة، 1/176-177 باختصار.

عدد الصفحات ٢٤٢

241 القَبول(1)، وبالنظر إلى هذه الشروط يمكن صياغة مسببات الضعف أو مسالك الضعف إلى الحديث(2) على النحو الآتي - السقط في السند أو نفي اتصاله. - الطعن في عدالة الرواة أو أحدهم. - الطعن في ضبط الرواة أو أحدهم. - انتفاء العاضد في الضعيف القابل للانجبار. - الشذوذ المردود.(3) (تفرّد الراوي بما لً يُحتمل منه، أو مخالفته لمن هو أولى منه)(4) (1) "تبعاً لتخلف أي صفة من صفات القبول يتنوع الضعيف، فهو أنواع كثيرة، أوصله ابن حبان إلى خمسين قسماً إلً واحداً، والعراقي إلى اثنين وأربعين قسماً، كما أوصلها بعضهم إلى ثلاثة وستين قسما، وأوصلها آخر إلى مائة وتسعة وعشرين قسماً باعتبار العقل، وإلى واحد وثمانين باعتبار إمكان الوجود؛ وإن لم يتحقق وجودها. وبلغت في إحصاء بعضهم إلى خمسمائة وإحدى عشرة صورة". الخضير، الحديث الضعيف ، 60-61. ينظر: العراقي، شرح التبصرة ، 1/179، البقاعي، النكت، 1/310، السيوطي، التدريب، 1/196، أبو شهبة،الوسيط، 276. "السبب في الحكم على الحديث بالضعف لفقد أحد شروط القبول فباجتماع هذه الشروط ينهض الدليل الذي يثبت أن الحديث قد أداه رواته كما هو، فإذا اختل واحد منها فقد الدليل على ذلك. وهنا يتضح لنا احتياط المحدثين الشديد في شروطهم لقبول الحديث، حيث جعلوا مجرد فقد الدليل كافيا لرد الحديث والحكم عليه بالضعف، مع أن فقد الدليل ليس دليلا محتما على الخطأ أو الكذب في رواية الحديث، مثل ضعف الحديث بسبب سوء حفظ الراوي وغلطه مع صدقه وأمانته، فإنه لً يعني أنه قد أخطأ فيه حتما، بل يحتمل أن يكون قد أصاب، لكن لما طرأ هذا التخوف القوي من وقوع الخطأ فيه حكمنا عليه بالرد. كذلك ضعف الحديث بسبب فقد الًتصال فإنه يضعف للجهالة بحال الواسطة المفقودة، فيحتمل أن يكون من الثقات وأن يكون من الضعفاء، وعلى فرض أنه ضعيف فإنه يحتمل أن يكون أخطأ فيه أو حرفه ... فأخذ المحدثون بعين الًعتبار احتمال الًحتمال، وجعلوا ذلك قادحا ف ي قبول الحديث، وذلك غاية ما تكون الحيطة المنهجية في النقد العلمي." عتر، منهج النقد، 286-287. (2) سمّاها الدكتور عبدالكريم الخضير "مسالك الضعف إلى الحديث" وبعد أن عددها قال: "هكذا عدد بعض العلماء أسباب الضعف، لكن الحافظ ابن حجر -رحمه الله - حصر أسباب الضعف في سببين رئيسيين، هما: 1- السقط في السند،2- الطعن في الراوي. ولً فرق بين هاتين الوجهتين؛ إذ إن الشذوذ داخل في مخالفة الثقات التي هي من أوجه الطعن في الراوي، والعلة داخلة في وهم الراوي، وهو كذلك" الخضير، الحديث الضعيف، 63. (3) تقييد وصف الشذوذ بكونه مردوداً؛ وذلك للاختلاف في تعريف الشذوذ، وما يترتب على ذلك من أثر في قبول الحديث أو رده، وقد سبق الإشارة إلى ذلك في قيد نفي الشذوذ في الحديث الصحيح وفي الحديث الحسن، ويأتي تفصيله – بإذن الله- في الفصل الخاص بالحديث الشاذ. (4) زاد بعضهم قيد (وتعذّر الجمع بينهما). السخاوي، فتح المغيث، 1/244.

عدد الصفحات ٢٤٣

242 - وجود العلة القادحة(1) في القبول وكل سبب من هذه الأسباب سيأتي بي انه وتفصيله، وتجدر الإشارة -قبل الخوض في تفاصيلها- إلى تفاوت مراتب رواة الضعيف، وتفاوت الضعف من حيث خفته وشدته، وقد أشار الذهبي في كتابه الموقظة إلى ذلك فقال: " فآخر مراتب الحسن هي أول مراتب الضعيف، أعني الضعيف الذي في "السنن" وفي كتب الفقهاء، ورواته ليسوا بالمتروكين: كابن لَ هِّ يعَ ة(2)، وعبدالرحمن بن زيد بن أسلم(3)، وأبي بكر بن أبي مريم الحمصي(4)، وفرج بن فضالة(1)، ورشْ دين(2)، وخلق كثير."(3) (1) تقييد العلة بالقادحة؛ لإخراج ما قد يعتبره بعضهم علة لكنها ليست قادحة في صحة الحديث وقبوله، كالنسخ حيث اعتبره الترمذي علة في الحديث إلً أن النسخ ليس دليل ضعف في الحديث، وذلك لوجود أحاديث صحيحة لكنها منسوخة، قال العراقي: "أي فإن أراد الترمذي أنه علة في العمل بالحديث، فهو كلام صحيح فاجنح له، أي مل إلى كلامه وإن يرد أنه علة في صحة نقله، فلا؛ لأن في الصحيح أحاديث كثيرة منسوخة،" ومن باب التأكيد بأن المراد في هذا الفصل ما يقدح في صحة الحديث وقبوله، ورده لضعفه. المراجع: يُنظر: ابن الصلاح، علوم الحديث،93، العراقي،شرح التبصرة، 1/290، ابن حجر، النكت، 2/771، السيوطي،التدريب،1/302. (2) عبدالله بن لهيعة بن عقبة الحضرم ي، أبو عبدالرحمن المصر ي الفقيه القاض ي، نقل الذهبي في الكاشف تضعيفه، وقال: "العمل على تضعيف حديثه"، قال ابن حجر : "صدوق، خلط بعد احتراق كتبه ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرهما ، وله في مسلم بعض شيء مقرون " قال ابن حبان: "أما رواية المتأخرين عنه بعد احتراق كتبه ففيها مناكير كثيرة وذاك أنه كان لً يبالي ما دُ فِّ ع إليه قراءةً سواء كان ذلك من حديثه أو غير حديثه، فوجب التنكّ ب عن رواية المتقدمين عنه قبل احتراق كتبه لما فيها من الأخبار المُ دلسة عن الضعفاء والمتروكين، ووجب ترك الًحتجاج برواية المتأخرين عنه بعد احتراق كتبه لما فيه مما ليس من حديثه" قال ابن عدي: "حديثه حسن كأنه يستبان عمن روى عنه، وهو ممن يكتب حديثه ". مات سنة 174هـ. ينظر: ابن حبان، المجروحين، 2/13، ابن عدي، الضعفاء، 5/253 (977)، الذهبي،الكاشف، 1/590 (2929)، ابن حجر،التقريب، 319 (3563 .)ابن الكيال، الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقات،481 (25.) (3) عبدالرحمن بن زيد بن أسلم القرش ي العدوي مولًهم، المد ني، قال ابن حبان: " كان ممن يقلب الأخبار وهو لً يعلم حتى كثر ذلك في روايته من رفع المراسيل وإسناد الموقوف فاستحق الترك"، وقال الذهبي: "ضعفوه"، وقال ابن حجر: "ضعيف" مات سنة 182هـ. ينظر: ابن حبان، المجروحين، 2/57، ابن عدي، الضعفاء، 5/441 (1105)، الذهبي، الكاشف، 1/628 (3196)، ابن حجر، التقريب، 340 (3865.) (4) أبو بكر بن عبدالله بن أبي مريم الغساني، قيل اسمه: بكير وقيل: عبدالسلام، قال ابن حبان: "من خير أهل الشام، ولكنه كان رديء الحفظ يحدث بالشيء ويهم فيه، لم يفحش ذلك منه حتى استحق الترك، ولً سلك سنن الثقات حتى صار يحتج به فهو عندي ساقط الًحتجاج به إذا انفرد "، وقال ابن عدي: "الغالب على حديثه الغرائب، وقل ما يوافقه عليه الثقات وأحاديثه صالحة، وهو ممن لً يحتج بحديثه ولكن يكتب حديثه." قال الذهبي: "ضعفوه، له علم وديانة"، وقال ابن حجر: " ضعيف وكان قد سرق =

عدد الصفحات ٢٤٤

243 ثم أتبع الضعيف بنوع المطروح، وعرهفه بأنه ما انحط عن رتبة الضعيف "(4)، فالضعيف الذي عناه بدايةً هو الذي يلي الحسن في المرتبة حيث عرّفه بأنه: " ما نقص عن درجة الحسن قليلا "(5) بينما هناك الضعف الشديد، والذي هو أدنى من الضعف الخفيف، وأعلى من الموضوع، وسمّاه المطروح(6) ثم أتبعه بنوع الموضوع، وهو أشدّها ضعفاً.(7) = بيته فاختلط". مات سنة 156هـ. ينظر: ابن حبان،المجروحين، 3/146، ابن عدي،الضعفاء، 2/213 (277)، الذهبي،الكاشف،2/411 (6526)، ابن حجر،التقريب، 623 (7974 .) (1) فرج بن فضالة بن النعمان التنوخي، أبو فضالة الشامي الحمصي، قال ابن حبان: "كان ممن يقلب الأسانيد، ويلزق المتون الواهية بالأسانيد الصحيحة لً يحل الًحتجاج به"، وقال ابن عدي: " وهو مع ضعفه يكتب حديثه"، وقال الذهبي: ضعفه الدارقطني وغيره، وقواه أحمد"، وقال ابن حجر: ضعيف. مات سنة 176هـ، وقيل177هـ. ينظر: ابن حبان،المجروحين، 2/206، ابن عدي،الضعفاء، 7/141 (1574)، الذهبي،الكاشف،2/120 (4446)، ابن حجر،التقريب، 444 (5383.) (2) "رشْ دين اثنان: أحدهما: رشدين بن كريب، مولى ابن عباس. والثاني: رشدين بن سعد المصري. وكلاهما ضعيف فهذه الترجمة من الأسماء ليس فيها ثقة، فيما نعلم." ابن رجب، شرح العلل، 2/874، وقد رجّح الدكتور أبو غدّة في تحقيقه للموقظة بأن المراد هو الثاني. رِّ شْ دين بن سعد بن مفلح بن هلال المهري، أبو الحجاج المصري، و هو رشدين بن أبى رشدين، قال ابن حبان: "كان ممن يجيب في كل ما يسأل ويقرأ كل ما يدفع إليه سواء كان ذلك من حديثه أو من غير حديثه" وقال ابن عدي: " وهو مع ضعفه يكتب حديثه"، قال الذهبي: " قال أبو زرعة ضعيف ، كان صالحا عابدا محدثا سيِّّ ىء الحفظ" قال ابن حجر: "ضعيف، رجح أبو حاتم عليه ابن لهيعة، وقال ابن يونس: كان صالحا في دينه فأدركته غفلة الصالحين فخلط في الحديث" مات سنة 188هـ. ينظر: ابن حبان، المجروحين، 1/303، ابن عدي،الضعفاء، 4/85 (669)، الذهبي،الكاشف، 1/397 (1575)، ابن حجر، التقريب، 209 (1942 .) (3) الذهبي،الموقظة، 33-34. (4) الذهبي،المرجع السابق، 34. (5) الذهبي،المرجع السابق، 33. (6) وعدَّد أمثلة على رواته منهم عمرو بن شمر، وصدقة الدقيقي، وحفص بن عمرو العدني، ثم قال: "وأشباه ذلك من المتروكين والهلكى، وبعضهم أفضل من بعض." الذهبي، المرجع السابق، 35. ينظر العوني، شرح موقظة الذهبي، 56-58، عمرو عبدالمنعم سليم،شرح الموقظة، 43-44. (7) قال ابن الصلاحوهو المختلق المصنوع. اعلم أن الحديث الموضوع شر الأحاديث الضعيفة، ولً تحل روايته لأحد علم حاله في أي معنى كان إلً مقرونا ببيان وضعه" ابن الصلاح، علوم الحديث، 98 . وسيأتي بإذن الله مزيد بيان للموضوع في الفصل الخاص به

عدد الصفحات ٢٤٥

244 وينبغي التنبه إلى أن مسببات الضعف في الحديث–الآتي ذكرها- تتراوح في تأثيرها على ضعف الحديث خفّةً وشدّةً، ويُضاف إلى العوامل المؤثرة في خفة الضعف وشدته: تفرّد سبب الضعف أو تعدد الأسباب في الحديث الواحد مما يؤثر بالتالي على قابلية هذا الضعف للانجبار والتقوّي بالمعاضدة أو عدم قابليته، وسيأتي الإشارة إلى ذلك أثناء بيان كل سبب من هذه الأسباب. أسباب ضعف الحديث: السبب الأول: السقط في السند أو نفي اتصاله: إن اتصال السند شرط من شروط صحة الحديث، وقد سبق ذكره وتفصيله ضمن قيود الحديث الصحيح، والحسن، وتتنوع مسميات الحديث حسب موقع السقط في سنده، "فالسقط إما أن يكون في أوله أو في آخره أو في أثنائه، ويدخل تحت ذلك المرسل والمعلق والمدلس والمنقطع والمعضل"(1)، ويتنوع كذلك من حيث وضوح السقط وخفائه، قال ابن حجر: "ثم إن السقط من الإسناد قد: 1- يكون واضحا(2) يحصل الًشتراك في معرفته، ككون الراوي، مثلا، لم يعاصر من روى عنه. (1) ابن حجر،النكت، 1/493-494. (2) السقط الظاهر وهو ما يعرفه الأئمة الحُذّاق وغير الحذّاق، ويُعرف هذا السقط من عدم حصول اللقاء بين الراوي ومن روى عنه؛ لأنه لم يُدرِّك عصره، أو أدرك ولكنه لم يجتمع به، وليست له منه إجازة، ولً وِّجادة. تفرعت عنه أربعة أنواع من الحديث الضعيف، وهي: المعلّق، والمرسل، والمعضل، والمنقطع. الخيرآبادي، معجم مصطلحات الحديث 72، ينظر: الخضير، الحديث الضعيف، 66.

عدد الصفحات ٢٤٦

245 2- أويكون خفيا(1) فلا يدركه إلً الأئمة الحذاق المطلعون على طرق الحديث، وعلل الأسانيد. فالأول: وهو الواضح، يدرك بعدم التلاقي بين الراوي وشيخه، بكونه لم يدرك عصره، أو أدركه لكن، لم يجتمعا، وليست له منه إجازة(2)، ولً وجادة(3). ومن ثم، احتيج إلى التاريخ؛ لتضمنه تحرير مواليد الرواة ووفياتهم، وأوقات طلبهم وارتحالهم، وقد افتضح أقوام ادعوا الرواية عن شيوخ ظهر بالتاريخ كذب دعواهم. والقسم الثاني: وهو الخفي: المدله س -بفتح اللام- سمي بذلك لكون الراوي لم يُ سمِّّ من حدثه، وأوهم سماعه للحديث ممن لم يحدثه به. واشتقاقه من الدَ لَ س بالتحريك، وهو اختلاط الظلام، سمي بذلك لًشتراكهما في الخفاء"(4). فالسقط في الإسناد نوعان - كما ذكر ابن حجر-: سقط ظاهر، وسقط خفي، وهناك من عده وجود راوٍّ مبهم في السند نوع انقطاع(5)؛ والتعبير بنفي الًتصال يشمل ذلك كله سواء (1) السقط الخفي وهو ما لً يعرفه إلً الحذّاق المطلعون على طرق الحديث وعلل الأسانيد. تفرّع عنه نوعان من الحديث الضعيف، وهما: المدلهس، والمرسَل الخفي. الخيرآبادي، المرجع السابق، 72. ينظر الخضير،المرجع السابق98. (2) الإجازة عند المحدثين تُعدّ قسم من أقسام نقل الحديث وتحمّله عن الشيوخ: وهي الإذن بالرواية أو التحديث لفظاً أو كتابة، ولها أنواع متعددة، واختلف النقاد في قَبول بعضها. للاستزادة ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث ، 153، ابن الملقن، المقنع، 1/314، السخاوي، فتح المغيث ، 2/219، الأعظمي، المعجم، 8. (3) الوِّجادة: وهي أيضاً من أقسام تحمّل الحديث ونقله، ومثالها كما ذكره ابن الصلاح: "أن يقف على كتاب شخص فيه أحاديث يرويها بخطه، ولم يلقه، أو لقيه، ولكن لم يسمع منه ذلك الذي وجده بخطه، ولً له منه إجازة، ولً نحوها. فله أن يقول (وجدت بخط فلان، أو قرأت بخط فلان، أو في كتاب فلان بخطه أخبرنا فلان بن فلان) ويذكر شيخه، ويسوق سائر الإسناد، والمتن. أو يقول: (وجدت، أو قرأت بخط فلان عن فلان)، ويذكر الذي حدثه ومن فوقه". ابن الصلاح، علوم الحديث، 178، للاستزادة ينظر: ابن الملقن، المقنع، 1/334، ابن حجر،النزهة، 160، الأعظمي،المعجم، 522. (4) ابن حجر،النزهة، 103. (5) ذكر الحاكم في كتابه معرفة علوم الحديث تحت نوع المنقطع أنه على أنواع منها: " قد يروى الحديث، وفي إسناده رجل غير مسمى، وليس بمنقطع ". الحاكم، علوم الحديث ، 28، ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، 57 . قال العلائي: "والتحقيق أن قول الراوي عن رجل ونحوه متصل ولكن حكمه حكم المنقطع لعدم الًحتجاج به" العلائي، جامع التحصيل، 96.

عدد الصفحات ٢٤٧

246 كان الساقط واحداً أو متعدداً، أو اختلف موضع السقط من الإسناد سواء كان في أوّله أو وسطه أو آخره. وأنواع السقط الظاهر أربعة: المرسل، والمعلّق، والمنقطع، والمعضل، فإذا كان السقط في أول الإسناد فهو المُعلَّق، ومعناه في اللغة: "أن يناط الشيء بالشيء العالي"(1) وفي الاصطلاح: ما حُذف من مبتدأ إسناده واحد أو أكثر(2). وتتفاوت شدة ضعف الإسناد كلما ازداد عدد الرواة الساقطون منه، وجُهلت عدالتهم وضبطهم، "وقد يُ حكَ م بصحته إن عُ رِّ ف، بأن يجيءَ مُ سمّ ىً من وجه آخر... لكن، قال ابن الصلاح هنا: إن وقع الحذف في كتاب اُ لتزِّ مت صحته، كالبخاري، فما أَ تى فيه بالجزم دل على أنه ثبت إسناده عنده، وإنما حُ ذِّ ف لغرض من الأغراض، وما أتى فيه بغير الجزم ففيه مقال، وقد أوضحت أمثلة ذلك في النكت على ابن الصلاح"(3). أماالمرسل(4)، فمعناه فياللغة: من الإرسال بمعنى الإطلاق(5)، واصطلاحا: اُختلف في تعريفه، وأشهرها: هو ما رفعه التابعي إلى النبي  سواء كان التابعي صغيراً أم كبيراً، (1) ابن فارس،المقاييس، 4/125. (2) قال ابن الصلاحثم إن لفظ التعليق وجدته مستعملا فيما حذف من مبتدأ إسناده واحد فأكثر، حتى إن بعضهم استعمله في حذف كل الإسناد. مثال ذلك: قوله " قال رسول الله  كذا وكذا، قال ابن عباس كذا وكذا. روى أبو هريرة كذا وكذا. قال سعيد بن المسيب عن أبي هريرة كذا وكذا، قال الزهري عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي  كذا وكذا". وهكذا إلى شيوخ شيوخه." ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، 24،69، ابن حجر،النزهة، 98. (3) ابن حجر،النزهة، 99-100. وقد أفرد ابن حجر فصلاً كاملاً في مقدمة شرحه لصحيح البخاري في بيان السبب في إيراده للأحاديث المعلقة مرفوعة وموقوفة وشرح أحكام ذلك. ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، 24-26، ابن حجر، النكت، 1/323-324، ابن حجر،هدي الساري، 17-19. (4) ينظر: ابن الصلاح،علوم الحديث، 51، ابن حجر،النزهة، 100، السيوطي،التدريب، 1/219، عتر، منهج النقد، 370، الغوري،الموسوعة، 3/246-247. (5) ينظر: الفيروزأبادي،القاموس، 1006.

عدد الصفحات ٢٤٨

247 ومنهم من جعل المرسل مختص بما أرسله كبار التابعين دون صغارهم، ويجعل ما يرفعه صغار التابعين من المنقطع.(1) وقد ذكر ابن حجر العلة من إدراج الحديث المُرسل ضمن أنواع الحديث الضعيف فقال "وإنما ذكر في قسم المردود للجهل بحال المحذوف؛ لأنه يحتمل أن يكون صحابيا، ويحتمل أن يكون تابعيا، وعلى الثاني يحتمل أن يكون ضعيفا، ويحتمل أن يكون ثقة"(2)، قال ابن الصلاح مستثنياً لما يُطلق عليه مرسل الصحابي (3)" :ثم إنا لم نعد في أنواع المرسل ونحوه ما يسمى في أصول الفقه (4) مرسل الصحابي ، مثلما يرويه ابن عبا س وغيره من أحداث الصحابة عن رسول الله  ولم يسمعوه منه؛ لأن ذلك في حكم (1) ينظر: ما ذكره ابن حجر من تفصيل لهذه التعريفات وتعقيبه عليها. ابن حجر،النكت، 2/542- 546. (2) ابن حجر،النزهة، 101. ومثال الحديث المرسل ما أخرجه أبو داود في كتابه المراسيل، كتاب الطهارة، حيث قال: "حدثنا محمد بن الصباح بن سفيان، أخبرنا هشيم، عن محمد بن خالد القرشي، عن عطاء بن أبي رباح قال: قال رسول الله  :((إذا شربتم فاشربوا مصا، وإذا استكتم فاستاكوا عرضا)). وعطاء بن أبي رباح من التابعين، وهو في هنا قد رفع الحديث إلى النبي  دون أن يذكر الواسطة التي بينه وبين النبي  فهو مرسل ينظر: أبو داود، المراسيل، ، 74 ح5.) (3) مرسل الصحابي: هو الخبر الذي أرسله الصحابي الصغير عن النبي ؛ كابن عباس، وابن الزبير، ونحوهما ممن لم يحفظ عن النبي  إلً اليسير، وكذا الصحابي الكبير فيما ثبت عنه أنه لم يسمعه إلً بواسطة. السخاوي، فتح المغيث، 1/192. (4) قال العراقي اعترض على المصنف في قوله ما يسمى في أصول الفقه بأن المحدثين أيضا يذكرون مراسيل الصحابة فما وجه تخصيصه بأصول الفقه والجواب: أن المحدثين وإن ذكروا مراسيل الصحابة فإنهم لم يختلفوا في الًحتجاج بها، وأما الأصوليون فقد اختلفوا فيها فذهب الأستاذ أبو إسحاق الًسفرايني إلى أنه لً يحتج بها، وخالفه عامة أهل الأصول فجزموا بالًحتجاج بها..." العراقي، التقييد، 79-80.

عدد الصفحات ٢٤٩

248 الموصول المسند، لأن روايتهم عن الصحابة (1)، والجهالة بالصحابي غير قادحة، لأن الصحابة كلهم عدول، والله أعلم."(2) والنوع الثالث من السقط الظاهر في السند هوالمنقطع، وتعريفه في اللغة: القطع ضد الوصل(3)، واصطلاحا: عرّفه ابن عبدالبر فقال: "المنقطع عندي كل ما لً يتصل سواء كان يُ عزى إلى النبي  أو إلى غيره"(4)، وتعريفه يمثّل مذهب المتقدمين من حيث شمول لفظ المنقطع عندهم لكل أنواع السقط في الإسناد سواء من أوله أو وسطه أو آخره. وقد أشار إلى ذلك ابن الصلاح في مقدمته حين اختصر أقوال من سبقه في بيان معاني المنقطع فقال: "أن المنقطع: منه الإسناد فيه قبل الوصول إلى (التابعي)(5) راو لم يسمع من الذي فوقه، والساقط بينهما غير مذكور، لً مُ عينا ولً مُ بهما، ومنه الإسناد الذي ذُ كِّ ر (1) تعقّب العراقي ابن الصلاح فقالقوله (لأن روايتهم عن الصحابة) ليس بجيد، بل الصواب أن يقال: لأن أكثر رواياتهم عن الصحابة، إذ قد سمع جماعة من الصحابة من بعض التابعين." وقد استدرك ابن حجر على ما ذكره العراقي فقال: " قلت: وهو تعقب صحيح، لكن ألزم بعض الحنفية من يَ رد المرسل بأنه يلزم على أصلهم عدم قبول مراسيل الصحابة  وتقرير ذلك أنه إذا لم يُ علَ م أنه سمعه من النبي  احتمل أن يكون سمعه منه، أو من صحابي آخر، أو من تابعي ثقة، أو من تابعي ضعيف، فكيف يجعل حجة والًحتمال قائم؟ والًنفصال عن ذلك أن يقال: قول الصحابي: قال رسول الله ؛ظاهر في أنه سمعه منه أو من صحابي آخر، فالًحتمال أن يكون سمعه من تابعي ضعيف نادرا جدا لً يؤثر في الظاهر، بل حيث رووا عن من هذا سبيله بينوه وأوضحوه. وقد تتبعت روايات الصحابة  عن التابعين وليس فيها من رواية صحابي عن تابعي ضعيف في الأحكام شيء يثبت ، فهذا يدل على ندور أخذهم عن من يضعف من التابعين ، والله أعلم ". ينظر: العراقي، التقييد، 75،ابن حجر،النكت، 2/570. (2) ابن الصلاح،علوم الحديث، 56. (3) ابن سيده،المحكم، 1/162، ابن منظور،اللسان، 8/279. (4) ابن عبدالبر،التمهيد، 1/21. (5) قال المحقق نور الدين عتر في هامش تحقيقه: "الصواب (الصحابي) ...لكن السهو وقع من الحاكم، وسرى إلى ابن الصلاح"، وهو ما ذهب إليه كذلك محقق المعرفة - ط دار ابن حزم- فقد استدرك على الحاكم قصره التعريف على المروي عن التابعي، وصوّب أن يُعمم التعريف في كل ما أُسند إلى قائل. ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، 57، الحاكم،علوم الحديث، 173 ط دار ابنحزم بتحقيق السلوم.

عدد الصفحات ٢٥٠

249 فيه بعض رواته بلفظ مبهم نحو رجل، أو شيخ، أو غيرهما(1)....ومنها: ما حكاه الخطيب أبو بكر عن بعض أهل العلم بالحديث أن (المنقطع ما روي عن التابعي أو من دونه موقوفا عليه، من قوله أو فعله)(2). وهذا غريب بعيد، والله أعلم"(3). بينما خصّ المتأخرين تعريف المنقطع بأنه ما سقط في أثناء سنده واحد فأكثر بشرط عدم التوالي(4) . أما النوع الرابع من السقط الظاهر في الإسناد ف هو المعضل، ومعناه في اللغة: من "(عَ ضل) العين والضاد واللام أصل واحد صحيح يدل على شدّ ة والتواء في الأمر. والأمر المعضل: وهو الشديد الذي يُ عيي إصلاحه وتداركه."(5) واصطلاحاً: ما سقط من إسناده اثنان فأكثر على التوالي(6). (1) هذه الأنواع نقلها ابن الصلاح عن الحاكم قال العلائي: "والتحقيق أن قول الراوي (عن رجل) ونحوه: متصل، ولكن حكمه حكم المنقطع لعدم الًحتجاج به". ينظر: الحاكم، علوم الحديث، 27-28، العلائي، جامع التحصيل، 96 . (2) هذا النوع يُطلق عليه المتأخرون المقطوع، قال ابن حجر: "المقطوع، وهو ما انتهى إلى التابعي. ومن دون التابعي من أتباع التابعين، فمن بعدهم، فيه، أي: في التسمية مثله، أي: مثل ما ينتهي إلى التابعي في تسمية جميع ذلك مقطوعا، وإن شئت قلت: موقوف على فلان. فحصلت التفرقة في الاصطلاح بين المقطوع والمنقطع؛ فالمنقطع من مباحث الإسناد -كما تقدم - والمقطوع من مباحث المتن، كما ترى، وقد أطلق بعضهم هذا في موضع هذا، وبالعكس، تجوزا عن الًصطلاح. ويقال للأخيرين، أي الموقوف والمقطوع: الأثر" ابن حجر، النزهة، 145 ."تنبيهتيقظ إلى أنك ربما وجدت في عبارة متقدم إطلاق لقب (المنقطع) يعني به (المقطوع) الذي هو الخبر عن التابعي لً يجاوزه، ...كما وجد في كلام بعضهم إطلاق (المقطوع) على (المنقطع)، وتبي نُ ه بالقرينة." الجديع، التحرير، 2/912. (3) ينظر: ابن الصلاح،علوم الحديث، 57-59 باختصار (4) ينظر:ابن حجر، النزهة،102،السخاوي، فتح المغيث ،1/195-197،السيوطي،التدريب، 1/235- 236. (5) ابن فارس،مقاييس اللغة، 4/345. باختصار (6) ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث ، 59، الذهبي، الموقظة، 40، ابن حجر، النزهة، 102، الأعظمي، المعجم، 433. =

عدد الصفحات ٢٥١

250 "سمي بذلك لأن الحديث بسقوط واحد يصير مردودا، فإذا سقط منه اثنان أو أكثر كان أمره أشد، فكأن المحدث بهذا الإسقاط أعضله، أي أعياه فلم ينتفع به من يرويه عنه"(1) قال ابن الصلاحوهو لقب لنوع خاص من المنقطع، فكل معضل منقطع، وليس كل منقطع معضلا"(2). تلك الأنواع الأربعة السابقة تندرج تحت السقط الظاهر، أما السقط الخفي فيندرج تحته نوعان هما: المُدلّس، والمرسل الخفي(3). والتدليسفي اللغة من الدّلَس، وهو الظلمة. (4) قال ابن حجر واشتقاقه من الده لَ س بالتحريك، وهو اختلاط الظلام بالنور، سُ مِّّ ي بذلك لًشتراكهما في الخفاء".(5) = نبّه ابن حجر إلى وجود معنى آخر للمعضل فقال: "قد وجدت التعبير بالمعضل في كلام الجماعة من أئمة الحديث فيما لم يسقط منه شيء البتة..." ثم ذكر أمثلة لذلك وأتبعها بقوله: " فإذا تقرر هذا فإما أن يكونوا يطلقون المعضل لمعنيين، أو يكون المعضَ ل الذي عرهف به المصنف وهو المتعلق بالإسناد بفتح الضاد، وهذا الذي نقلناه من كلام هؤلًء الأئمة بكسر الضاد ويعنون به المستغلقَ الشديد. وفي الجملة فالتنبيه على ذلك كان متعينا. فإن قيل: فمن سلف المصنف - في نقله - أن هذا النوع يختص بما سقط من إسناده اثنان فصاعدا؟ قلنا: سلفه في ذلك علي بن المديني ومن تبعه. وقد حكاه الحاكم في علوم الحديث عنهم." ابن حجر، النكت، 2/575-579. (1) عتر،منهج النقد، 379. (2) ابن الصلاح،علوم الحديث، 59. ومثال المعضل من الحديث،- والذي سقط من إسناده راويان أو أكثر على التتالي- بلاغات الإمام مالك –رحمه الله- ومنها ما جاء في الموطأ عن مالك أنه بلغه أن رسول الله  قال((استقيموا ولن تحصوا. واعملوا، وخير أعمالكم الصلاة. ولً يحافظ على الوضوء إلً مؤمن)) أخرجه مالك في الموطأ كتاب الطهارة، باب جامع الوضوء. "فقد سقط رجال السند بين مالك وبين النبي ، وهم رجلان على الأقل التابعي والصحابي، فهو معضل، كما أنه يصلح أن يسمى معلقا لأن السقط وقع في أول السند." عتر، منهج النقد، 379. مالك بن أنس بن مالك الأصبحي،الموطأ، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1406 هـ1985م 1/34 ح36.) (3) وسبق الإشارة إليهما في قيد نفي التدليس في فصل الحديث الصحيح. (4) ينظر: الجوهري،الصحاح، 3/930. الفيروزآبادي، القاموس، 546. (5) ابن حجر،النزهة، 103. وقال في النكتوكأنه أظلم أمره على الناظر؛ لتغطية وجه الصواب فيه." ابن حجر، النكت، 2/614.

عدد الصفحات ٢٥٢

251 والتدليس من أنواع السقط الخفيّ في الإسناد. ومعناه في الاصطلاح: أشار إليه الشافعي بقوله :"يحدث عن من لقي ما لم يسمع منه"(1) وعرّفه ابن الصلاح بقوله وهو أن يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه، موهما أنه سمعه منه، أو عمن عاصره ولم يلقه، موهما أنه قد لقيه وسمعه منه. ثم قد يكون بينهما واحد وقد يكون أكثر."(2)، وتعريفه عام يشمل التدليس والإرسال الخفي؛لذا تعقّبه ابن حجر وفرّق بينهما فقال: " وقوله: عمن عاصره ليس من التدليس في شيء، وإنما هو المرسل الخفي."(3)، وأشار إلى وجه الًختلاف بينهما بقولهوالفرق بين المُ ده لس والمرسل الخفي دقيق،... وهو أن التدليس يختص بمن روى عمن عُ رِّ ف لقاؤه إياه، فأما إن عاصره، ولم يُ عرَ ف أنه لقيه، فهو المُ رَ سل الخفي. ومن أدخل في تعريف التدليس المعاصرة ولو بغير لُ قِّ يّ ، لزمه دخول المرسل الخفي في تعريفه، والصواب التفرقة بينهما."(4) وللتدليس أنواع ذكر ابن الصلاح منها نوعين هما : تدليس الإسناد - السابق تعريفه - وتدليس الشيوخ: "وهو: أن يروي عن شيخ حديثا سمعه منه، فيسميه أو يُ كنِّّ يه، أو ينسبه، أو يصفه بما لً يعرف به، كي لً يعرف."(5) وقد استدرك عليه العراقي نوعاً ثالثاً فقال "ترك المصنف رحمه الله قسما ثالثا من أنواع التدليس ، وهو شر الأقسام، وهو الذى (1) الشافعي،الرسالة، 371 . (2) ابن الصلاح،علوم الحديث، 73. (3) ابن حجر،النكت، 2/614. (4) ابن حجر،النزهة، 31، ينظر: القريوتي،الإرسال والتدليس، . (5) ابن الصلاح،علوم الحديث، 74.

عدد الصفحات ٢٥٣

252 يسمونه تدليس التسوية"(1) وهذا النوع هو الذي أشار إليه الخطيب بقولهوربما لم يسقط المدلس اسم شيخه الذي حدثه لكنه يسقط ممن بعده في الإسناد رجلا يكون ضعيفا في الرواية أو صغير السن ويُ حسّ ن الحديث بذلك "(2)، إلً أن ابن حجر تعقّب العراقي في ذلك، فقال: "عندي أن ما فعله ابن الصلاح هو اللائق، والتحقيق أنه ليس لنا إلً قسمان: الأول: تدليس الإسناد، والثاني: تدليس الشيوخ. ويتفرع على الأول تدليس العطف، وتدليس الحذف. وأما تدليس التسوية، فيدخل في القسمين، فتارة يصف شيوخ السند بما لً يعرفون به من غير إسقاط، فيكون تسوية الشيوخ، وتارة يسقط الضعفاء، فيكون تسوية السند، وهذا يسميه القدماء: تجويدا، فيقولون: جوده فلان، يريدون ذكر من فيه من الأجواد، وحذف الأدنياء"(3) وأوضح المراد بتدليس القطع والعطف بقوله ويلتحق بتدليس الإ سناد تدليس القطع : وهو أن يحذف الصيغة، ويقتصر على قوله مثلا الزهري(4) عن أنس(5) .وتدليس العطف: (1) العراقي،التقييد، 95. ينظر: الزركشي، النكت، 2/105، ابن رجب، شرح العلل ، 2/825، السيوطي، التدريب، 1/257. (2) الخطيب،الكفاية، 364. (3) البقاعي،النكت، 1/451. (4) محمد بن مسلم بن عبيدالله بن عبدالله بن شهاب القرشي الزهري، أبو بكر المدني، قال عنه الذهبي: "أحد الأعلام"، وقال ابن حجر: "الفقيه الحافظ متفق على جلالته و إتقانه" مات سنة 124هـ، وقيل 125هـ. ينظر: الذهبي،الكاشف، 2/219 (5152)، ابن حجر،التقريب، 506 (6296.) (5) قال ابن حجر"تدليس القطع مثاله ما رويناه في "الكامل" لأبي أحمد ابن عدي وغيره. عن عمر بن عبيد الطنافسي أنه كان يقول: حدثنا ثم يسكت ينوي القطع، ثم يقول: هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها". النكت، 2/ 617.

عدد الصفحات ٢٥٤

253 وهو أن يصرح بالتحديث في شيخ له ويعطف عليه شيخا آخر له ولً يكون سمع ذلك من الثاني(1)"(2) والرواة المدلسون مراتب وطبقات، فمنهم من يُدلس عن الثقات ومنهم من يُدلِّّس عن الضعفاء، وحكم رواية المُدلِّّس تختلف باختلاف طبقته ومرتبته فمنهم من يُحتمل تدليسه، ومنهم من يُردّ، ومنهم من يُقبل تدليسه إذا صرّح بالسماع .(3) نخلص مما سبق أن السقط في الإسناد نوعان: سقط ظاهر، وسقط خفي، وعدّ بعضهم وجود راوٍّ مبهم في السند نوع انقطاع؛ لذا كان التعبير بنفي الًتصال يشمل كل ما يُعلّ به الحديث في سنده من حيث السقط الظاهر أو الخفي، وسواء كان الساقط واحداً أو متعدداً، متفرقاً، أو متتالياً، وسواء كان السقط في أوّل الإسناد أو وسطه أو آخره، فإن انقطاع السند يطعن في صحته...وذلك للجهالة بحال الراوي الساقط من السند، وكلما كان احتمال كون الساقط عدلً كما في المرسل -مرسل كبار التابعين؛ لأنهم يروون في الغالب عن الصحابة- كلما خفّ ضعفه وكان قابلاً للانجبار، بينما إذا تعدد الساقط ازداد الأمر غموضاً واشتد ضعف الإسناد كما في المعضل، والله أعلم. (1) "تدليس العطف وهو: أن يروي عن الشيخين من شيوخه ما سمعاه من شيخ اشتركا فيه، ويكون قد سمع ذلك من أحدهما دون الآخر، فيصرح عن الأول بالسماع ويعطف الثاني عليه، فيوهم أنه حدث عنه بالسماع - أيضا - وإنما حدث بالسماع عن الأول، ثم نوى القطع فقال: فلان أي حدث فلان. مثاله: ما رويناه في "علوم الحديث" للحاكم قال: "اجتمع أصحاب هشيم فقالوا: لً نكتب عنه اليوم شيئا مما يدلسه. ففطن لذلك، فلما جلس قال: حدثنا حصين ومغيرة عن إبراهيم، فحدث بعدة أحاديث فلما فرغ قال: هل دلست لكم شيئا؟ قالوا: لً فقال: بلى كل ما حدثتكم عن حصين فهو سماعي، ولم أسمع من مغيرة من ذلك شيئا؟" ابن حجر، النكت، 2 /617. ينظر: الحاكم،علوم الحديث، 105. (2) ابن حجر،طبقات المدلسين، 16. (3) سبق بيان مراتب المدلسين في قيد نفي التدليس في فصل الحديث الصحيح، ينظر: العلائي،جامع التحصيل، 113-114، ابن حجر، طبقات المدلسين، 13-14، القريوتي، الإرسال والتدليس ، 47-48.

عدد الصفحات ٢٥٥

254 السبب الثاني: الطعن(1) في عدالة الرواة أو أحدهم: سبق في فصل الصحيح بيان معنى العدالة، والمراد منها، ومن ذلك قول ابن الصلاح: "أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه على: أنه يشترط فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلً... وتفصيله أن يكون مسلما، بالغا، عاقلا، سالما من أسباب الفسق وخوارم المروءة."(2) وجاءعن الإمام مالك –رحمه الله- قوله: "لً يؤخذ العلم من أربعة، وخذوا ممن سوى ذلك؛ لً يؤخذ من سفيه معلن بالسفه وإن كان أروى الناس، ولً من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه، ولً من كذاب يكذب في أحاديث الناس وإن كنت لً تتهمه أن يكذب على رسول الله ، ولً من شيخ له عبادة وفضل إذا كان لً يعرف ما يحدث."(3) والطعن في عدالة الرواة يتنوع بين وصفهم بالكذب أو التهمة به، أو بالفسق أو الجهالة بنوعيها جهالة عين أو جهالة حال أو البدعة، قال ابن حجر: " ثم الطعن يكون بعشرة أشياء بعضها أشد في القدح من بعض: خمسة منها تتعلق بالعدالة، وخمس ة تتعلق بالضبط."(4) "أما العدالة فوجوه الطعن المتعلقة بها خمس: 1 - الأول بالكذب2 - والثاني باتهامه بالكذب3 - والثالث بالفسق4 - والرابع بالجهالة 5 - والخامس بالبدع"(5) وهي على التفصيل كما يلي (1) "المراد بالطعن : جرح الراوي باللسان، والتكلم فيه من ناحية عدالته ودينه." الخضير، الحديث الضعيف، 116. (2) ابن الصلاح،علوم الحديث، 104-105 . (3) ابن عدي،الضعفاء، 1/178، ابن أبي حاتم، الجرح ، 2/32، الخطيب البغدادي،الكفاية، 160. (4) ابن حجر،النزهة، 106. (5)الدهلوي،أصول الحديث، 63.

عدد الصفحات ٢٥٦