المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

المصطلحات الحديثية بين الاتفاق والافتراق دراسة تحليلية موضوعية

راوية بنت عبد الله علي جابر

صفحة ١٥ من ٤٠

223 نجدبعضاً ممن جاء بعد ابن الصلاح قد صرّح باشتراط اتصال السند في قسم الحديث الحسن –الموسوم بالحسن لذاته- كالطيبي(1)، وابن حجر(2)، وتبعه الشمّني، والسخاوي، بينما اشترطه ابن جماعة في الحسن بقسميه –كما يظهر من تعريفه (3)- وقد تعقّبه ابن حجر في ذلك، فقال بأن: "قيد الًتصال إنما يُ شترط في رواية الصدوق الذي لم يوصف بتمام الضبط والإتقان، وهذا هو الحسن لذاته، وهو الذي لم ي تعرض الترمذي لوصفه. بخلاف القسم الثاني الذي وصفه، فلا يشترط الًتصال في جميع أقسامه كما قررناه".(4) أما من جاء قبل ابن الصلاح، فقد فُهِم اشتراط الاتصال من تعريف بعضهم ضمناً، من ذلك: تفسير قول الخطابي: (عُرف مخرجه) بكون سنده لم يفقد الًتصال ظاهرا - كالًنقطاع، والإرسال، ونحوهما- ولً خفيا، كالتدليس. وقيل: عُرف مخرجه من حيث كونه شاميا عراقيا مكيا كوفيا. كأن يكون الحديث من رواية راو قد اشتهر برواية حديث أهل بلده، كقتادة ونحوه في البصريين، فإن حديث البصريين إذا جاء عن قتادة ونحوه، كان مخرجه معروفا بخلافه عن غيرهم، وذلك كناية (1) حيث قال: "مُسند من قَرُب من درجة الثقة". الطيبي، الخلاصة، 45. (2) إذ الحسن لذاته كالصحيح في شروطه وقيوده، وإنما يفترقان في درجة ضبط راويهما (3)" ولو قيل الحسن كل حديث خال من العلل وفي سنده المتصل مستور له به شاهد أو مشهور قاصر عن درجة الإتقان" . ثم اختصره بقوله:" ما اتصل سنده وانتفت علله في سنده مستور وله شاهد أو مشهور غير متقن". ابن جماعة، المنهل، 36. (4) ابن حجر،النكت، 1/408.

عدد الصفحات ٢٢٥

224 عن الًتصال؛ إذ المرسل والمنقطع والمعضل - لعدم بروز رجالها - لً يعلم مخرج الحديث منها.(1) هذا بالإضافة إلى أن الخطابي أعلّ أحاديث وضعّفها -في شرحه لسنن أبي داود- لعلة الًنقطاع في سندها.(2) وكذلك يُفهم من تعريف ابن القطان اشتراطه للاتصال، فقد خصّ وصف الحسن عنده ببيان حال الراوي ودرجته دون التطرق لشروط الإسناد الأخرى من الًتصال، ونحوه، إلً أنه قد صرّح في كتابه بتضعيف الحديث الذي يفقد سنده الًتصال فقال: " والضعيف الذي أنبه عليه إن شاء الله في هذا الباب مما سكت عنه، هو ضعيف إما بضعف راو من رواته، وإما بكونه مجهولً البتة عينه وحاله، وإما بالًنقطاع، أو الإعضال، أو الإرسال."(3) ومما يدلل على عناية ابن القطان باتصال الإسناد، وتعليل بعض الأحاديث بالًنقطاع أنه عنون لباب في كتابه بيان الوهم بقوله: "باب ذكر أحاديث أوردها(4) على أنها متصلة وهي منقطعة، أو مشكوك في اتصالها" ثم سرد تحته الطرق التي يستدل بها على وجود الًنقطاع فقال: "اعلم أن ما أذكره في هذا الباب من انقطاع الأحاديث، هو مدرك من إحدى أربع جهات: (1) المراجع: ينظر: العراقي، التقييد، 44، البقاعي،النكت، 1/221، السخاوي، فتح المغيث، 1/86، والمَخْرَج: موضع خروج الحديث، وهو رواة الإسناد الذين خرج الحديث من طريقهم. الخيرآبادي، معجم المصطلحات، 135. (2) سبق ذكر أمثلة على ذلك في فصل الحديث الصحيح، ينظر: الخطابي،معالم السنن، 1/94،4/7، 3/259. (3) ابن القطان،بيان الوهم، 4/25-26. (4) يريد: أبو محمد عبدالحق الإشبيلي في كتابهالأحكام.

عدد الصفحات ٢٢٦

225 الأولى قول إمام من أئمة المحدثين: هذا منقطع، لأن فلانا لم يسمع من فلان، فنقبل ذلك منه ما لم يثبت خلافه. الثانية: أن توجد رواية المحدث عن المحدث، لحديث بعينه بزيادة واسطة بينهما، فيقضى على الأولى التي ليس فيها ذكر الواسطة بالًنقطاع، وسنزيد هذا شرحا إذا انتهينا إليه. الثالثة: أن تعلم من تاريخ الراوي والمروي عنه أنه لم يسمع منه. الرابعة: أن يكون الًنقطاع مصرحا به من المحدث، مثل أن يقول: حُ دثت عن فلان، أو بلغني، إما مطلقا، وإما في حديث"(1) وكذلك يُفهم من تعريف ابن دحية(2)، ومن استدراك ابن حجر عليه؛ اشتراطه الضمني للاتصال، حيث جوّد ابن حجر تعريفه، وجعله صالحاً لتعريف الحسن لذاته في حال تم إضافة قيد نفي الشذو ذ والنكارة إليه، فقال: "فإذا اعتبر في مثل هذا سلامة راويه الموصوف بذلك من الشذوذ والإنكار كان من أحسن ما عرف به الحديث الحسن الذاتي"(3). ومن ثمه فإن اشتراط الًتصال تصريحاً أو ضمناً يُعدّ لًزماً للتأكد من حال رواة الإسناد، من حيث قبول روايتهم أو ردّها، وإ نّ انقطاع السند ظاهراً أو خفياً يحول دون ذلك، ويؤدي للجهالة بحال الساقط منه، لذا فإن من عرّف الحسن باشتراط وصف معين لرواته، وضمّ إلى ذلك نفي العلل، فإن اتصال السند يستتبع ذلك ضمناً، ليخلو من جميع أنواع (1) ابن القطان،بيان الوهم، 2/371. يُنظر ما ذكره من أمثلة تحت هذا الباب قال الدكتور خالد – فيما يخص اشتراط الًتصال وغيره في تعريف ابن القطان-: "لم يتعرض للاتصال أو عدم الشذوذ والسلامة من العلة، ولكن يُجاب على ذلك بأن ابن القطان يرى أن هذه الأمور موجبة لضعف الحديث، وإن كان لم يذكر هذا في كلامه على الحسن لكن عُرِّف ذلك من كلامه في مواضع أخرى إلً أنه له بعض الآراء الخاصة تخالف جمهور المحدثين في العلة". الدريس، الحديث الحسن، 4 / 1670. (2) "الحديث الحسن هو: ما دون الصحيح مما فيه ضعف قريب محتمل عن راو ينتهي إلى درجة العدالة، ولً ينحط إلى درجة الفسق" ينظر:الزركشي، النكت،1/310، ابن حجر،النكت، 1/404-405. (3) ابن حجر،المرجع السابق1/405.

عدد الصفحات ٢٢٧

226 الًنقطاع الظاهر أو الخفي، التي تحول دون تحقق شرطي معرفة حال الراوي، وانتفاء العلة، وينطبق على ذلك تعريف ابن الصلاح للقسم الثاني من الحسن، الذي نزّله على تعريف الخطابي، والذي يوصف بالحُسن لذاته؛ إذ لم يشترط فيه مجيئه من وجه آخر. والله أعلم. وتجدر الإشارة أن ما سبق من اشتراط اتصال السند في الحديث الحسن، إنما يخ ص الحسن لذاته، أما ما يُحمل تعريفه على الحسن لغيره، والذي هو في أصله ضعيف ضعفاً مُنجبراً تقوّى بمجيئه من وجه آخر، فإن كان سبب الضعف انتفاء شرط الًتصال، فينبغي الإشارة إلى أن ارتقاءه للحسن لغيره يكون حسب قابلية هذا الًنقطاع للانجبار وعدمه، فمن أنواع الًنقطاع ما ينجبر ومنها ما لً ينجبر، "فالذي يصلح للشواهد ما كان من قسم المنقطع الًصطلاحي، لً المعضل ولً المعلق إذا كان الساقط فيه أكثر من واحد، والله أعلم."(1) نخلص مما سبق أن وصف الحديث بالحُسن، والذي يُعدّ من أدنى مراتب الصحيح يستلزم اتصال سنده، وقد ظهر ذلك في التعريفات الخاصة بالحسن لذاته، إما صراحة أو ضمناً، بينما لم يُشترط هذا الشرط في الحسن لغيره، والذي اكتسب وصف الحُسن بمجموع طرقه، إذ ان بعض أنواع انقطاع السند تُجبر بمجيء الحديث من طريق آخر. (1) السليماني،الجواهر، 78. سيأتي تفصيل أنواع الًنقطاع في فصل الحديث الضعيف

عدد الصفحات ٢٢٨

227 المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف - بعد سرد التعريفات والًطلاع على ما كتبه السابقون عن المراد بالحديث الحسن، فإن أقدم من عرّف الحسن كمصطلح هو الترمذي - وإن كان مصطلحاً خاصاً به وبكتابه الجامع، كما قرر بعضهم- إلً أن ورود مصطلح الحسن في أحكام الأئمة على الأحاديث أقدم من ذلك، وهذا ما أشار إليه ابن الصلاح بقوله: "كتاب أبي عيسى الترمذي -رحمه الله - أصل في معرفة الحديث الحسن، وهو الذي نوه باسمه وأكثر من ذكره في "جامعه". ويوجد في متفرقات من كلام بعض مشايخه، والطبقة التي قبله كأحمد بن حنبل، والبخاري، وغيرهما"(1) - تكاد تدور أغلب التعريفات على بيان درجة راوي الحديث الحسن، وتحديد درجته من حيث الجرح والتعديل بين درجات الصحيح نزولًً إلى ما يُضعّف به الراوي ضعفاً يسيراً منجبراً بغيره، فكان أن قسّم ابن الصلاح الحسن إلى قسمين: جعل رواة قسم منه من المشهورين بالصدق والإتقان شهرة تقصر قليلاً عن شهرة رواة الصحيح. والقسم الآخر يكون في إسناده مستور لم تتحقق أهليته، إلً أنه لم يُتهم بالكذب، ولم يُتصفّ بالغفلة وكثرة الخطأ،... ومن كانت هذه حاله يحتاج حديثه للمعاضدة بالمتابعة أو الشواهد ليرتقي حديثه إلى الحسن. وهذا ما دعا ابن حجر لتسمية الأول بالحسن لذاته، والثاني الحسن لغيره. قيود الحديث الحسن: (1) ابن الصلاح،علوم الحديث، 35-36.

عدد الصفحات ٢٢٩

228 - قيد الشهرة للراوي بالصدق والأمانة، وهي مرتبة رواة الحسن لذاته، فلا تقل مرتبتهم عن درجة الشهرة بالصدق والأمانة، والتي تقصر عن رواة الصحيح في الحفظ والإتقان قصوراً لً يُستنكر به حديث الراوي حال انفراده بالإسناد. وهذا القيد يُقابل اشتراط العدالة مع تمام الضبط في شروط الحديث الصحيح، فالشهرة المطلوبة في رواة الحسن لذاته هي درجة متوسطة في الإتقان والضبط، عبّر عنها ابن حجر بخفة الضبط. وشهرة الرواة درجات: أعلاها شهرة بالعدالة والإمامة والحفظ، تليها شهرة بطلب الحديث والعناية به، ثم شهرة تقصر في ضبطها عن رواة الصحيح، ثم مطلق الشهرة دون تقييد بوصف معيّن، وتُفيد رفع جهالة العين عن الراوي، وكثرة الرواة عنه، لكنها لً تُفيد تعديله. وممن ورد وصف الرواة بالشهرة في تعريفه للحديث الحسن: الخطابي، والميانشي، وابن الصلاح في أحد قسميّ الحسن (الحسن لذاته)، ومن اختصر تعريفه كالنووي، وابن كثير، وابن جماعة. وتتفاوت أحاديث هؤلًء الرواة في القوة بين الصحة والحُسن، إلً أنها في الأغلب تقصر عن درجة الصحيح المتفق عليه. - قيد الستر للراوي: يتنوع المراد بستر الرواة حسب القرينة والسياق، فإذا اقترن بوصف الصدق والأمانة أُريد به التوسط في الحفظ والإتقان، وكان كالقيد السابق في مقابلة رواة الصحيح من حيث نزول ضبطه قليلاً عن رواة الصحيح، وإذا أُريد بالستر المعنى الًصطلاحي من خفاء أمره وقلة الرواة عنه أو اختلاف النقاد بين تعديله أو تجريحه، فهو في أدنى مراتب التعديل، وحديثه في أصله ضعيف إنما يرتقي إلى الحسن لغيره في حال مجيئه من طرق أخرى تعضده.

عدد الصفحات ٢٣٠

229 وممن ورد وصف الرواة بالستر في تعريفه للحديث الحسن: ابن القطان، وابن الصلاح في أحد قسميّ الحسن (الحسن لغيره)، ومن اختصر تعريفه كالنووي، وابن كثير، وابن جماعة. - وتجدر الإشارة إلى أن: أدنى درجات الشهرة هي وصف الراوي بالشهرة مُطلقاً دون تقييده بأي وصف آخر، ويدل ذلك على رفع جهالة العين، بينما يظل حاله من حيث العدالة أو الجرح مجهولًً، وهذا يتداخل مع وصف الراوي بالستر مطلقاً، فالمستور معروف العين مجهول الحال، وعلى هذا فإن (مطلق الشهرة) و(مطلق الستر) يجتمعان في معرفة عين الراوي مع جهالة حاله من حيث عدم وجود أقوال لأئمة الجرح والتعديل في بيان درجة عدالته أو ضبطه، أو كونه ممن اُختلِّف فيه، ولم يترجّح أمره فتظل حاله مجهولة إلً أن الفرق بين مطلق الشهرة ومطلق الستر إنما هو في عدد الرواة عنهما، ففي المستور روى عنه اثنان فأكثر- لكن لم يبلغ الرواة عنه عدداً يُ شهرون به أمره(1) بينما "المشهور بحال من الأحوال لً بد من أن يكون روى عنه تلك الحال من بلغوا الكثرة التي تُ صيّ ره في عداد المشهورين فلا يكون حينئذ مجهول العين"(2). - قيد المتابعة والم عاضدة، والمراد به: أن يُروى الحديث من غير وجه، وتتنوع بين المتابعات والشواهد سواء باللفظ أو بالمعنى، والغرض منها تقوية الأحاديث وجبر ضعفها. ولً يُشترط في المعاضدة عدد معين، بل يكفي على الراجح مجيئه من طريق آخر، وإنما يُشتَرط صلاحيتها للاعتبار والًعتضاد. (1) يؤيد ذلك ما جاء عن الخطيب البغدادي في وصفه للمجهول حيث قال: "المجهول عند أصحاب الحديث: هو كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه، ولً عرفه العلماء به، ومن لم يعرف حديثه إلً من جهة راو واحد" الخطيب البغدادي، الكفاية، 88 . (2) البقاعي ،النكت، 1/626.

عدد الصفحات ٢٣١

230 واختلفوا في مرتبة المُعاضِد من المتابِع أو الشاهِد ؛ لينجبر به الضعف اليسير، ويصبح الحديث بمجموعهما حسناً لغيره. - ففي حال كون المعاضِد أعلى وأقوى فهناك من جعله جابراً، فيرتقي به الضعيف للحسن لغيره، وهناك من رأى أنه لً يَجبُر ضعفه، ولً يُصبِّح بمجموعهما حسناً؛ لأن الًعتماد في هذه الحالة على القوي الصحيح دون الضعيف. - وأما في حال كون المتابَع والمتابِع متساويين ومتماثلين في الضعف اليسير، فعند بعضهم يتقوّى قوة لً تخرجه عن حيّز الضعيف، واعتبر آخرون أنه يتقوّى ويصبح بمجموعهما حسناً لغيره. - وأما إن كان المتابِع مُنحَطاً عن درجة المتابَع وأدنى منه، فلا يجبره ولً يُلتفَت إليه، وهناك رأي لًبن حجر – وتبعه بعض تلامذته في ذلك- وهو: في حال كثرت طرق المتابِّع الضعيف ضعفاً شديداً، فإن كثرة الطرق تكسبه قوة بحيث يرتقي عن كونه منكراً أو لً أصل له، وفيما ذهبوا إليه - رحمهم الله- نظر، إذ كثرة الطرق الواهية لً تزيد الحديث إلً وهناً وضعفاً، ويخالف ما عليه كبار أئمة النقد المتقدمين.(1) والله أعلم - قيد السلامة من الشذوذ والنكارة: نص الترمذي على اشتراط نفي الشذوذ في تعريفه للحديث الحسن عنده، واختلف من جاء بعده في تفسير مراده بالشذوذ، فهناك من فسّره بالمخالفة، وهناك من فسّره بالتفرّد، وهناك من جمع بينهما –أي: بين المخالفة والتفرّد كمعنى للشذوذ - دون مُرجِّّح. (1) ينظر: الدريس، الحديث الحسن، 5/2183.

عدد الصفحات ٢٣٢

231 وبالنسبة لغير الترمذي، واشتراطهم نفي الشذوذ في تعريف الحسن: فإن غالب التعريفات يدخل فيها ذلك إما نصاً أو مفهوماً، ويتردد فيها المعنى المراد بالشذوذ -بين التفرّد أو المخالفة - حسب السياق أو نوع الحسن –لذاته أو لغيره- الوارد به. أما بالنسبة لاشتراط نفي النكارة في تعريفات الحسن: فإن ابن الصلاح قد صرّح في قسميّ الحسن بنفي النكارة تبعاً لنفي الشذوذ؛ لأن المنكر عنده بمعنى الشاذ. أما ابن حجر فلم يتطرق لنفي النكارة في الحسن بقسميه بل اكتفى بنفي الشذوذ عن الحسن لذاته تبعاً لًشتراطه ذلك في الصحيح. واشترط في الحسن لغيره أن يكون ضعفه منجبراً، وفي كلا القسمين– سواء في الحسن لذاته أو الحسن لغيره- لم يبلغ الراوي عنده من الضعف ما يستدعي نفي النكارة، لأن المنكر أشدّ ضعفاً عنده من الشاذ، والله أعلم. - قيد السلامة من العلة: إن اشتراط السلامة من العلة في تعريف الحديث الحسن سواء أُريد بها المعنى الًصطلاحي أو المعنى العام، فذلك متوجه إلى القسم الموسوم بالحُسن لذاته، والذي هو من أدنى مراتب الصحيح، ويُشكل اشتراط ذلك في الحسن لغيره، إذ أنه من الضعيف المُنجبر، والعلة في الًصطلاح إنما تتطرق للأحاديث التي ظاهرها الصحة، والحديث هنا ضعيف جُبر بالمتابعة والمعاضدة بمثله، والمعاضدة قد تقوي الحديث الضعيف قوة لً تخرجه من حيّز الضعف عند بعضهم؛ لكن قد يوجّه مرادهم بنفي العلة في هذا القسم بأن العلة المنفية هي: الضعف الشديد غير المنجبر، وممن صرّح بهذا الشرط في تعريفه للحسن (لذاته ولغيره) ابن الصلاح - على الراجح- وابن جماعة، والطيبي، والسخاوي، أما ابن حجر فقد اشترطه في الحسن لذاته، وتبعه الشمني. أما من جاء قبل ابن الصلاح فلم يُصرّحوا بهذا الشرط في تعريفهم للحديث الحسن، وإنما فُهم ذلك ضمناً من شروطهم الأخرى.

عدد الصفحات ٢٣٣

232 - من القيود الزائدة على تعريف ابن الصلاح،قيد اتصال السند، فكل من جاء بعد ابن الصلاح اشترط هذا القيد في قسم الحسن لذاته، بينما لم يُشترط هذا الشرط في الحسن لغيره، والذي ا كتسب وصف الحُسن بمجموع طرقه، إذ أن بعض أنواع انقطاع السند تُجبر بمجيء الحديث من طريق آخر. أما من جاء قبل ابن الصلاح، فقد فُهِّم هذا الشرط من تعريفات بعضهم، كالخطابي، وابن القطان، وصنيعهما في نقد الأحاديث يدل عليه. - إن المتأمل لقيود الحديث الحسن يجدها تتقابل مع قيود الصحيح، فاشتراط شهرة الرواة بالصدق والأمانة - في قسم الحسن لذاته - يقابله اشتراط العدالة والضبط في رواة الصحيح، بحيث يكون رواة الصحيح في أعلى درجات العدالة والضبط بينما يقصر رواة الحسن لذاته في درجة الضبط عن التمام. وكذلك الأمر بالنسبة لًشتراط ستر الرواة في الحسن لغيره، فهو يقابل اشتراط العدالة والضبط في الصحيح؛ إلً أن مرتبة راوي الحسن لغيره تصل إلى أدنى مراتب التعديل، شريطة ألً ينزل عمن يُجبر حديثه بمجيئه من وجه آخر. - وجاء شرط المعاضدة لجبر النقص الحاصل في قيد العدالة والضبط عند رواة الحسن، أو ل جبره في بعض أنواع الًنقطاع، ونجد أن ابن الصلاح في القسم الموسوم بالحسن لغيره، لم يذكر أنواع الحديث الضعيف بسبب الًنقطاع (كالمرسل والمنقطع والمعضل، ولم يذكر المختلط..) وإنما وصف الراوي بكونه مستوراً، وأوضح مراده بالستر، بأن الراوي لم تتحقق أهليته، أي لم يتر جّح جانب ضبطه للرواية، ولم ينزل إلى درجة المتروك والمردود، ونجد في كلا القسمين تركيز ابن الصلاح على تحديد درجة الراوي ومدى ضبطه وإتقانه، ولم يتطرّق لشرط الًتصال، ولكنه عاد ونفى الشذوذ والعلة، وفي

عدد الصفحات ٢٣٤

233 هذا ملحظ لًنتفاء العلل الظاهرة من باب أولى كأنواع الًنقطاع؛ لأن الًنقط اع جهالة بالراوي الساقط، وبالتالي جهالة بحاله. وإن كان المستور كما تم إيضاحه في تحرير القيد يشمل درجات من الرواة، فهنا ابن الصلاح وضع حداّ أدنى وأعلى للراوي، فلا يكون مشهوراً - معتنٍّ بالرواية والضبط، وإن قَصُر فلا يصل إلى حد الًتهام بالكذب والتغفيل وكثرة الخطأ، والله أعلم. قال الذهبي في الموقظة: "ثم لً تطمع بأن للحسن قاعدة تندرج كل الأحاديث الحسان فيها، فأنا على إياس من ذلك! فكم من حديث تردد فيه الحفاظ: هل هو حسن؟ أو ضعيف؟ أو صحيح؟ بل الحافظ الواحد يتغير اجتهاده في الحديث الواحد: فيوما يصفه بالصحة، ويوما يصفه بالحسن، ولربما استضعفه! وهذا حق، فإن الحديث الحسن يستضعفه الحافظ عن أن يرقيه إلى رتبة الصحيح. فبهذا الًعتبار فيه ضعف ما، إذ الحسن لً ينفك عن ضعف ما. ولو انفك عن ذلك، لصح باتفاق".(1) وبكلام الذهبي نختم فصل الحديث الحسن، وننتقل للفصل الثالث، وتحرير ثالث أنواع علوم الحديث عند ابن الصلاح، وهو: الحديث الضعيف. (1) الذهبي،الموقظة، 28-29.

عدد الصفحات ٢٣٥

234 الفصل الثالث الحديث الضعيف المبحث الأول: تعريف الضعيف لغة واصطلاحاً: المطلب الأول: تعريفه لغة: المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً (حسب الترتيب الزمني): المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها: المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.

عدد الصفحات ٢٣٦

235 المبحث الأول: تعريف الضعيف لغة واصطلاحاً المطلب الأول: تعريف الضعيف لغة: الضعيف من الض عف أو الضهعف – بضم الضاد وفتحها -: خلاف القوة والصحة، ويُستعمل في ضعف الجسد، وكذلك في ضعف العقل والرأي.(1) المطلب الثاني: تعريف الضعيف اصطلاحاً (حسب الترتيب الزمني عند البحث عن حدّ الحديث الضعيف قبل ابن الصلاح نجد أن بعضهم اكتفى بتعريف الصحيح بينما عرّف آخرون الحسن، ولم يضعوا حداّ للضعيف؛ ولعلهم -بتعريف الصحيح والحسن - يشيرون إشارة ضمنية إلى أن ما خلا من هذه القيود فهو حديث مردود. فقد أشار ابن رجب في شرحه لعلل الترمذي، إلى مصنفات بعض أئمة الحديث ونقاده، وأن منهم من أفرد الصحيح كالبخاري ومسلم، ومنهم من لم يشترط الصحة، وجمعوا الصحيح وما يقاربه، لكنهم لم يتكلموا على الصحيح والضعيف، ثم قال: "وأول من علمناه بيه ن ذلك عيسى الترمذي (ت279هـ - رحمه الله - وقد بين في كلامه هذا أنه لم يسبق إلى ذلك "(2)، فقد أكثر الترمذي رحمه الله من إطلاق الحكم - بالصحة أو الحُسن أو الغرابة أو الضعف -على الأحاديث في جامعه، واكتفى ببيان مراده بالحسن في كتابه – كما سبق في الفصل الماضي- وبيان أنواع الغريب عند المحدثين(3)، وكان رحمه الله إماماً (1) ينظر: الفراهيدي، العين ، 1/281، الرازي، مختار الصحاح ، 184، الفيروزآبادي، القاموس المحيط ، 829، الزبيدي، تاج العروس، 24/48. (2) ابن رجب،شرح العلل، 1/345. (3) الترمذي،الجامع، 6/251.

عدد الصفحات ٢٣٧

236 من أئمة العلل، استفاد كثيراً مما ذكره في كتاب العلل في آخر جامعه ممن سبقوه من أئمة الحديث ونقاده، وأكثر النقل عن شيخه البخاري (1)، في تعليل الأحاديث، وبيان أوجه ضعفها، وأشار إلى تفاوت الرواة في مراتب التعديل والتجريح، وأسباب ضعف بعضهم، ومن يُحتج به ومن لً يُحتج، ولعل هذا ما دعا ابن رجب –حسب علمه - للقول بأن الترمذي هو أوّل من تكلّم في الصحيح والضعيف، وميّز بينهما في كتابه. ثم نجد الخطابي (ت 388هـ) عرّف الصحيح وأتبعه بالحسن ثم قال: "فأما السقيم منه فعلى طبقات شرها الموضوع ثم المقلوب أعني ما قلب إسناده ثم المجهول وكتاب أبي داود خلي منها بريء من جملة وجوهها، فإن وقع فيه شيء من بعض أقسامها لضرب من الحاجة تدعوه إلى ذكره، فإنه لً يألو أن يبين أمره ويذكر علته ويخرج من عهدته".(2) وهو بذلك ذكر أنواعاً من الحديث السقيم–الضعيف- دون أن يذكر حداً له(3). وكذاالحاكم (ت 405هـ) في كتابه "معرفة علوم الحديثذكر النوع التاسع عشر من علوم الحديث وهو معرفة الصحيح والسقيم، ..."(4)، وقد استطرد في بيان الصحيح (1) قال الترمذي: "وما كان فيه من ذكر العلل في الأحاديث والرجال والتاريخ فهو ما استخرجته من كتاب التاريخ، وأكثر ذلك ما ناظرت به محمد بن إسماعيل، ومنه ما ناظرت عبدالله بن عبدالرحمن، وأبا زرعة، وأكثر ذلك عن محمد، وأقل شيء فيه عن عبدالله وأبي زرعة. ولم أر أحدا بالعراق، ولً بخراسان، في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد كبير أحد أعلم من محمد ابن إسماعيل." الترمذي،المرجع السابق6/229. (2) الخطابي،معالم السنن ، 1/6. (3) ولقد ضعّف الخطابي في كتابه معالم السنن أحاديث لأسباب عدة، سبق ذكر أمثلة منها في فصل الحديث الصحيح، فمنها ما ضعفها بسبب انقطاع في السند، ينظر: الخطابي،المرجع السابق1/94،4/7، 3/259 . وهناك أحاديث ضعّفها لوهم رواتها واضطرابهم. ينظرالمرجع السابق، 3/96،3/154،4/54. وضعّف أحاديث لما ظهر له من علة فيها، ينظرالمرجع السابق، 3/95،1/175. (4) الحاكم،معرفة علوم الحديث ، 58.

عدد الصفحات ٢٣٨

237 وتعريفه وأمثلته ولم يذكر تعريفاً للسقيم –الضعيف- اكتفاءً بتمييز الصحيح، فبالضدِّّ تتميّز الأشياء(1). أماابن القطان (ت628هـ) فبعد أن عرّف الحسن - في كتابه "بيان الوهم والإيهام"، وجعله في منزلة متوسطة بين الصحيح والضعيف(2)- لم يذكر حداّ للضعيف بل ذكر أمثلة عليه فقال: "الضعيف الذي أنبه عليه إن شاء الله في هذا الباب ...هو، ضعيف إما بضعف راو من رواته، وإما بكونه مجهولً البتة عينه وحاله، وإما بالًنقطاع، أو الإعضال، أو الإرسال..."(3) ثم أشار إلى أنه اجتهد حسب ما غلب على ظنه في تمييز الضعيف عن الصحيح والحسن فقال: "ولست أدعي - فيما أنبه عليه في جميع هذا الباب، وأزعم أنه ليس بصحيح أو حسن،... أني مصيب فيما ذهبت إليه من ذلك، ولكنه مبلغ علمي، بعد بحث يغلب لأجله الظن. "(4)، وهو بتعريفه للحسن ميهز بينه وبين الضعيف، وجعل الضعيف أدنى منزلة منه. (1) نجد أنه في كتابه المدخل إلى الإكليل، والذي ألّفه سابقاً على كتابه المعرفة، ذكر أقسام الصحيح وجعلها على عشرة أقسام، خمسة متفق عليه، وخمسة مختلف فيها، ثم أتبعها بذكر أنواع الجرح والمجروحين، وجعلهم على عشر طبقات. ينظر: الحاكم، المدخل إلى الإكليل، . (2) كما سبق في فصل الحديث الحسن، حيث قالونعني بالحسن، ما له من الحديث منزلة بين منزلتي الصحيح والضعيف" ابن القطان، بيان الوهم، 4/13. (3) ابن القطان،المرجع السابق4/25-26 باختصار (4) المرجع السابق، 27.

عدد الصفحات ٢٣٩

238 تعريف ابن الصلاح (ت643هـ "كل حديث لم يجتمع فيه صفات الحديث الصحيح ولً صفات الحديث الحسن المذكورات فيما تقدم فهو حديث ضعيف."(1) تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح لقد دارت أغلب تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح للحديث الضعيف حول اختصار تعريف ابن الصلاح وإعادة صياغته، أو الًقتصار على بيان مرتبة الضعيف مما سبقه، ومن أبرزها: تعريف ابن دقيق العيد (ت 702هـ حيث عرّف الضعيف بأنه: " ما نقص ع ن درجة الحسن"(2)، وقد حدد هذا النقصانالذهبي (ت748هـفي تعريفه - في كتاب الموقظة(3)- فقالما نقص عن درجة الحسن قليلاً"(4)،وقريب منه ما نظمه العراقي (ت806هـفي (1) ابن الصلاح،علوم الحديث ، 41، وقد ذكر الزركشيالًعتراض الذي وُجّه لهذا التعريف بقوله: "اعترض عليه بأنه لً حاجة إلى ذكر الصحيح لأن ما قصر عن الحسن فهو على الصحيح أقصر" ثم رد على هذا الًعتراض، إلً أن ابن حجر تعقّب رد الزركشي وأيّد الًعتراض على ابن الصلاح فقال: "والحق أن كلام المصنف معترض؛ وذلك أن كلامه يعطي أن الحديث حيث ينعدم فيه صفة من صفات الصحيح يسمى ضعيفا، وليس كذلك؛ لأن تمام الضبط مثلا إذا تخلف صدق أن صفات الصحيح لم تجتمع، ويسمى الحديث الذي اجتمعت فيه الصفات سواه حسنا لً ضعيفا. " إلً أن السيوطي تعقّب اعتراض ابن حجر فقال: "في صدر الكلام نظر؛ لأنه إنما كان يرد عليه ذلك لو اقتصر على قوله لم يجتمع فيه صفات الصحيح، أما وقد ضم إليه قوله (ولً صفات الحسن) فكيف يعطي ذلك؟". المراجع: ينظر: الزركشي، النكت، 1 /389- 390، ابن حجر،النكت، 1/492، السيوطي،البحر، 3/1286 . (2) ابن دقيق العيد،الًقتراح، 11. (3) أشار محق ق الكتاب الدكتور عبدالفتاح أبو غدة –رحمه الله - إلى أن كتاب الموقظة للذهبي هو اختصار لكتاب الًقتراح لًبن دقيق العيد، وإن لم يُشر الذهبي إلى ذلك في كتابه. ينظر: عبدالفتاح أبو غدة "مقدمة الطبعة الأولى" 6، من تحقيقه لكتاب الذهبي،الموقظة، . (4) الذهبي،المرجع السابق33 . ثم أوضح ذلك بقولهفآخر مراتب الحسن هي أول مراتب الضعيف، أعني الضعيف الذي في "السنن" وفي كتب الفقهاء " وقد ذكر أمثلة للرواة الضعفاء غير المتروكين ينظر: المرجع السابق، 34.

عدد الصفحات ٢٤٠