175 نسب هذا التعريف لعرف المحدثين(1)، ولعله استقى ذلك من وصف الإمام مسلم لطبقة من الرواة وصفهم بالستر- وذلك في مقدمة صحيحه- فقال: "فإذا نحن تقصينا أخبار هذا الصنف من الناس (2)، أتبعناها أخباراً يقع في أسانيدها بعض من ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان، كالصنف المقدم قبلهم، على أنهم وإن كانوا فيما وصفنا دونهم، فإن اسم الستر، والصدق، وتعاطي العلم يشملهم كعطاء ابن السائب(3)، ويزيد بن أبي زياد(4)، وليث بن أبي سُليم(5)، وأضرابهم من حُمه ال الآثار، ونُ قه ال الأخبار، فهم وإن كانوا بما وصفنا من العلم، والستر عند أهل العلم معروفين، (1) اعترض الصنعاني على هذا التعريف واستشكله، فقال "فعلى كلامه لً بد أن تكون عدالته أمراً بين الأمرين، وهذا غير كلام ابن الصلاح ومن تبعه ومن تقدمه في تفسير المستور، وتقدم أن الحافظ ابن حجر قال: "إن المستور من روى عنه أكثر من واحد ولم يوثق". فلا أدري من أين جاء هذا التفسير الذي أتى به المصنف للمستور، وزعم أنه اصطلاح المحدثين؟! ثم هذه الرتبة التي ذكرها رتبة مجهولة. فهذا كلامه في عدالة المستور - أي من حيث العدالة،- وأما من حيث حفظه، فقال "أو من قصر عن الحفاظ في مرتبة الإتقان والضبط العظيم" يريد: أن المستور إما مستور العدالة: فهو الذي فسره قريباً، أو مستور الحفظ: وهو الذي لً يبلغ رتبة الإتقان والضبط، وهو الذي خف ضبطه المذكور في تعريف الحسن لذاته. قلت: ولً خفاء أن هذا خلط لشرائط الحسن لذاته والحسن لغيره" الصنعاني، توضيح الأفكار، 1/490- 491. (2) يعني بهم أهل الحفظ والإتقان، وقد سبق ذكر وصفهم في فصل الحديث الصحيحضمن تعريف الإمام مسلم له. (3) عطاء بن السائب الثقفي مولًهم، الكوفي، من التابعين، أخرج له البخاري حديثاً واحد اً في المتابعات، قال عنه الذهبي: "أحد الأعلام على لين فيه... ثقة ساء حفظه بآخرة" وقال ابن حجر في لسان الميزان: "مختلف فيه، والعمل على توثيقه" وقال: "صدوق اختلط" مات سنة 136هـ ينظر: الذهبي، الكاشف،2/22 (3798)، ابن حجر، اللسان،9/371 (1875)،ابن حجر، التقريب،391 (4592.) (4) يزيد بن أبى زياد القرشي الهاشمي، مولًهم، أبو عبد الله الكوفي، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم في المتابعات، قال الذهبي في السيّر: "كان من أوعية العلم، وليس هو بالمتقن؛ فلذا لم يحتج به الشيخان" وقال: "شيعيٌّ عالم فَهِّمٌ صدوق ردئ الحفظ لم يترك" قال ابن حجر : "ضعيف كبر فتغير وصار يتلقّن وكان شيعيا." مات سنة 136، وقيل137هـ ينظر: الذهبي، السير، 6/129، الذهبي، الكاشف،2/382 (6305)، ابن حجر،التقريب،601 (7717). (5) الليث بن أبي سُليم ابن زُنيم الأموي، مولًهم، اسم أبيه أيمن وقيل: أنس وقيل: غير ذلك، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم في المتابعات. قال الذهبي في السيّر: "محدث الكوفة، وأحد علمائها الأعيان، على لين في حديثه؛ لنقص حفظه"، وقال : "فيه ضعف يسير من سوء حفظه...وبعضهم احتج به". قال ابن حجر : "صدوق اختلط جدا ولم يتميز حديثه فتُرك". اُختلف في سنة وفاته فقيل: 138، وقيل142، وقيل:143،وقيل148هـ ينظر: الذهبي، السير، 6/179، الذهبي، الكاشف، 2/151 (4686)، ابن حجر، التقريب،464 (5685).
عدد الصفحات ١٧٧176 فغيرهم من أقرانهم ممن عندهم ما ذكرنا من الإتقان، والًستقامة في الرواية يفضلونهم في الحال والمرتبة."(1) فمسلم–رحمه الله- جمع في وصفه للقسم الثاني من الرواة بين الستر والصدق وتعاطي العلم، ونبّه إلى كونهم أدنى منزلة من المرتبة الأولى، وهم أهل الحفظ والإتقان، وهو بذلك قد جمع بين وصف الستر والشهرة(2) حين قال: "تعاطي العلم يشملهم" وقال: "وإن كانوا بما وصفنا من العلم، والستر عند أهل العلم معروفين"، وتبعه ابن الصلاح حين شرح كتابه فوصف هؤلًء الرواة بالستر والتوسط في الحفظ والإتقان، فقال: " ذكر مسلم رحمه الله أولًً: أنه يقسم الأخبار ثلاثة أقسام: الأول: ما رواه الحفاظ المتقنون. والثاني: ما رواه المستورون المتوسطون في الحفظ والإتقان. والثالث: ما رواه الضعفاء والمتروكون"(3) وقد يُستشكل صنيع ابن الصلاح ومتابعته للإمام مسلم في وصفه لطبقة الرواة الثانية وجمعه بين الستر والتوسط في الحفظ والإتقان، رغم أن اصطلاحه في المستور هو: (1) مسلم،صحيح مسلم، 1/5-6. (2) في هذا إشارة إلى تداخل بين مصطلحي الستر والشهرة، وسيأتي تحريره بإذن الله في هذا المبحث (3) شرح ذلك بقوله " فإذا فرغ من القسم الأول اتبعه بذكر القسم الثاني، وأما الثالث فلا يعرج عليه، فذكر الحاكم أبو عبد الله الحافظ وصاحبه أبو بكر البيهقي: أن المنية اخترمته قبل إخراج القسم الثاني، وذكر القاضي الحافظ عياض بن موسى من المغاربة: أن ذلك مما قبله الشيوخ والناس من الحاكم وتابعوه عليه، وأن الأمر ليس على ذلك، فإنه ذكر في كتابه هذا أحاديث الطبقة الأولى وجعلها أصولً، ثم أتبعها بأحاديث الطبقة الثانية على سبيل المتابعة والًستشهاد، وليس مراد مسلم بذلك إيراد الطبقة الثانية مفردة، وكذلك ما أشار إليه مسلم من أنه يذكر علل الأحاديث قد وفى به في هذا الكتاب في ضمن ما أتى به فيه من جمع الطرق والأسانيد والًختلاف." ثم علّق على ما نقله بقوله: " قلت: كلام مسلم محتمل لما قاله عياض، ولما قاله غيره. نعم روي بالصريح عن إبراهيم بن محمد بن سفيان أنه قال: أخرج مسلم ثلاثة كتب من المسندات، واحد الذي قرأه على الناس، والثاني يدخل فيه عكرمة، ومحمد بن إسحاق صاحب المغازي وضرباؤهما، والثالث يدخل فيه من الضعفاء، وهذا مخالف لما قاله الحاكم، والله أعلم." ابن الصلاح، صيانة صحيح مسلم، 90-91.
عدد الصفحات ١٧٨177 "الذي جُهلت عدالته الباطنة، وهو عدلٌ في الظاهر"(1)، ولعل في صنيعه إشارة إلى تعدد معاني الستر والوصف بالمستور بين اللغة والًصطلاح، والإطلاق والتقييد. والمتأمل لحال الرواة الذين وصفهم مسلم بالستر يجدهم ليسوا ممن جُهلت عدالتهم وضبطهم؛ بل توافرت أقوال نقّاد الحديث في بيان حالهم من الجرح والتعديل، وعدّهم مسلم في المرتبة الثانية بعد رواة الصحيح من الحفاظ المتقنين، ووصفهم ابن الصلاح بالتوسّط في الحفظ والإتقان. ونجد ابن الصلاح كذلك حين عرّف أحد أقسام الحسن قال: " الحديث الذي لً يخلو رجال إسناده من مستور لم تتحقق أهليته، غير أنه ليس مغفلا كثير الخطأ فيما يرويه، ولً هو متهم بالكذب في الحديث، أي لم يظهر منه تعمد الكذب في الحديث ولً سبب آخر مفسق..."(2). فقد وصف المستور بأنه لً يكون مغفلاً ولً كثير الخطأ، ولم يظهر منه تعمّد الكذب، و سبب آخر مفسّق، فالمستور بهذا الوصف قد ظهر جانب من عدالته وكذلك ضبطه، فهذا أحد معاني الستر المقيّدة بنفي بعض الأوصاف المُؤثرة في ضبط الرواة. وقد يُقصد بوصف الستر كذلك: "الرجل الفاضل النبيل العفيف الكريم في قومه، وما شابه هذه الكلمات "(3)، وقد جاء ذلك في بعض كتب التراجم، وهذا من استعمالهم الكلمة (1) ابن الصلاح،علوم الحديث، 111. (2) المرجع السابق، 31. وقد لخّص ذلك السخاوي بقولهأن يكون في الإسناد مستور لم تتحقق أهليته [ وكثير الخطأ في روايته، ولً يتهم بتعمد الكذب فيها، ولً ينسب إلى مفسق آخر، واعتضد بمتابع أو شاهد" السخاوي، فتح المغيث، 1/91 ط مكتبة السنة، وما بين المعقوفتين من ط دار المنهاج 1/123، بينما اكتفت الطبعة الأولى بذكرها في الهامش. (3) ينظرعوامة، دراسات الكاشف، 1/75 بتصرف وقد استدل المؤلف على ذلك بعشرة نصوص تؤيد ما توصّل له فقال: "ثم وقفت على نصوص كثيرة تدل على المعنى الذي قدمته، وعدد منها جاء في تراجم الأندلسيين، مما صحح ظني السابق أنها كلمة محلية (بغدادية)". 1/75-79.
عدد الصفحات ١٧٩178 استعمالًً لغوياً، أي بمعنى: "لم يظهر منه ما يُعاب عليه، ولم يريدوا المعنى الًصطلاحي الذي وُصف بنوع من أنواع الجهالة... وفي تاريخ بغداد أمثلة كثيرة جداً يوصف فيها الثقة بالمستور(1). فكل ذلك استعمال للكلمة استعمالًً لُغوياً لً اصطلاحياً، ومن ذلك أيضاً: قول مسلم في مقدمة صحيحه أن عطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سُليم، وأضرابهم من الموصوفين بعدم الحفظ: إن اسم الستر والصدق وتعاطي العلم يشملهم"(2) وبالنظر إلى ما سبق منمعاني تعددت للموصوفين بالستر نجد وصف المستور يتّسع ليشمل طبقات من مراتب الرواة تبدأ بأدناها وهو مجهول الحال - وهو الذي عُرفت عينه وجُهلت عدالته(3)- وهذا في حال إرادة المعنى الًصطلاحي من الستر، وإذا أُريد المعنى اللغوي فيراد به الرجل الفاضل الثقة، والذي لم يظهر منه ما يُعاب، وإذا جُمع مع الستر أوصاف تدل على الصدق والإتقان، فيراد به الدرجة المتوسطة من الرواة في الحفظ والإتقان، والله أعلم. وإطلاق لفظ الستر على الراوي - دون تقييد بأوصاف أخرى- يتداخل إلى حد كبير مع ما ذكرنا سابقاً من وصف الشهرة مُطلقاً - دون تقيد بالعدالة أو الطلب أو الصدق- فمطلق الستر، ومطلق الشهرة أفادا رفع جهالة العين عن الراوي ولم يفيدا تعديله؛ إلً أن أحدهما (1) من أمثلة ذلكفي تاريخ بغداد ما جاء في: ترجمة محمد بن أحمد بن روح الحريري، قيل فيه: "مستور ثقة "، وفي ترجمة: حامد بن سعدان بن يزيد الفارسي "مستور صالح ثقة " ينظر: الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، 2/162 (121)،9/37 (4232.) (2) يُنظر: الدريس،الحديث الحسن، 3/1075-1076 باختصار (3) سبق معنا الإشارة إلى أن هذا المعنى يُطلق على وصف (مشهور) بغير أن يقيّد بنوع الشهرة، إنما هو مطلق الشهرة، وهذا يتداخل مع معنى المستور.
عدد الصفحات ١٨٠179 وهو المستور روى عنه اثنان فأكثر- لكن لم يبلغ الرواة عنه عدداً يشهرون به أمره(1) بينما"المشهور بحال من الأحوال لً بد من أن يكون روى عنه تلك الحال من بلغوا الكثرة التي تُ صيّ ره في عداد المشهورين فلا يكون حينئذ مجهول العين"(2). ومما يدلل على أثر قلة حديث الراوي، أو قلة من يرون عنه في شهرته ومعرفته، قول ابن حبان في ترجمة (عبدالله بن المؤمل المخزومي )(3): "كان قليل الحديث، منكر الرواية، لً يجوز الًحتجاج بخبره إذا انفرد؛ لأنه لم يتبين عندنا عدالته فيقبل ما انفرد به؛ وذاك أنه قليل الحديث، لم يتهيأ اعتبار حديثه بحديث غيره لقلته فيحكم له بالعدالة أو الجرح، ولً يتهيأ إطلاق العدالة على من ليس نعرفه بها يقيناً فيقبل ما انفرد به، فعسى نحل الحرام ونحرم الحلال برواية من ليس بعدل، أو نقول على رسول الله ما لم يقل اعتماداً منا على رواية من ليس بعدل عندنا، كما لً يتهيأ إطلاق الجرح على من ليس يستحقه بإحدى الأسباب التي ذكرناها من أنواع الجرح في أول الكتاب"(4). (1) يؤيد ذلك ما جاء عن الخطيب البغدادي في وصفه للمجهول حيث قالالمجهول عند أصحاب الحديث: هو كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه، ولً عرفه العلماء به، ومن لم يعرف حديثه إلً من جهة راو واحد" الخطيب البغدادي، الكفاية، 88. فكلّما قلّ عدد الرواة عن الراوي، كلما اقترب من الجهالة خاصة إذا لم يُعرف بجرح ولً تعديل (2) "ثم نقول: إن كان في حاله التي اشتهر بها ما يتضمن العدالة فقد زالت عنه جهالة الحال أيضا، وانطبق عليه قوله فيما تقدم: "وصححوا استغناء ذي الشهرة عن تزكية" وإلً فهو مجهول الحال، وسيأتي ...ما يؤيد هذا من أن الشهرة تزيل الجهالة". البقاعي، النكت الوفية، 1/626. (3) عبدالله بن المؤمل بن وهب الله المخزومي، قال ابن حجر: "ضعيف الحديث" ، وقال الذهبي: "قال أبو داود: منكر الحديث ، و قال أبو حاتم : ليس بقوى " مات سنة 160هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف،1/601 (3009)، ابن حجر،التقريب، 325 (3648.) (4) ابن حبان،المجروحين، 2/28.
عدد الصفحات ١٨١180 ولذا كان أئمة الجرح والتعديل ينبهون كثيراً على قلة حديث الراوي أو كثرته؛ ليعرف محله في الًعتناء بهذا العلم من عدمه، وليعتبر ذلك في تمحيص رواياته."(1) فاسم الستر عام يشمل مطلق المستور–من عُرفت عينه ولم يوثق- وأهل الفضل والنبل والعفة، ومن عُرفت عدالته الظاهرة وجُهلت عدالته الباطنة، ومن اُختلف فيه ولم يترجّح أمره فتوقّف فيه. ومن ارتفعت عنه الجهالة ولم يُجرّ ح، قال الذهبي: "وقد اشتهر عند طوائف من المتأخرين (2) إطلاق اسم (الثقة) على: من لم يجرح، مع ارتفاع الجهالة عنه. وهذا يسمى: (مستورا)، ويسمى: (محله الصدق )، ويقال فيه: (شيخ)".(3) ولعل شمول معنى الستر هو الذي دعا الزركشي لوصف راوي الحسن بشكل عام بالمستور، حيث قال: "ولهذا فرّ ق المحدثون بين الصحيح والحسن والضعيف، فالصحيح رواية العدل، والحسن رواية المستور، والضعيف رواية المجروح"(4) فبالرغم من تقسيم المتأخرين الحسن لقسمين-قسم لرواية المشهور بالصدق، وقسم لرواية المستور- إلً أنه لم يُشر لذلك، بل اكتفى بالتعبير عن الحديث الحسن برواية المستور؛ لشمولها درجات رواة الحسن لذاته ولغيره، وذلك حسب السياق والقرينة التي تقترن بهذا الوصف.(5) (1) الجديع،التحرير، 2/781. (2) "الحد الفاصلبين المتقدم والمتأخر هو رأس سنة ثلثمائة." الذهبي، الميزان، 1/4. (3) الذهبي،الموقظة، 78. (4) الزركشي،النكت، 3/379. (5) خلص الدكتور عبدالجواد حمام إلى أن المحدثين استخدموا مصطلح (مستور) على ثلاثة معان: 1- لغرض التوثيق والمدح،2- من كان عدل الظاهر مجهول عدالة الباطن،3- من روى عنه أكثر من واحد ولم يُوثّق. ثم أشار إلى حكم رواية المستور حسب كل معنى: =
عدد الصفحات ١٨٢181 أمثلة لهؤلاء الرواة: بعد أن ذكر الذهبي أمثلة للرواة في أعلى مراتب الحديث الحسن، وأقربها للصحة، أتبعها بذكر أمثلة لرواة تتردد أحاديثهم بين الحسن والضعف فقال: "ثم بعد ذلك، أمثلة كثيرة يتنازع فيها: بعضهم يحسنونها، وآخرون يضعفونها. كحديث الحارث بن عبدالله(1)، وعاصم بن ضمرة(2)، وحجاج بن أرطاة(3)، وخصيف(4)، ودراج = فعلى المعنى الأول: فهذا الوصف يفيد صلاحية حديث الراوي للقبول، وإن لم يكن بتلك المرتبة من التوثيق والتعديل. وعلى المعنى الثالث: فحكمه حكم مجهول الحال، والجمهور على ردّه، واختار ابن حجر وغيره التوقّف فيه. وأطال في بيان الحكم على المعنى الثاني، وتوصّل إلى أن كثيراً من محققي المحدثين على قبول حديث المستور؛ لوجود مرجّح لكفّة العدالة على كفّة الجرح، وهو العلم بسلامة الظاهر، ولً ينبغي العدول عن هذا الظن الغالب إلً بدليل؛ إلً أن حديث المستور لً يُعامل معاملة الراوي الثقة المعروف، ولً يُعارض بحديثه الأحاديث الصحيحة نظيفة الإسناد مشهورة الرجال. ينظر: حمام، الجهالة، 2/838-848 باختصار.، وينظر في حكم رواية المستور كذلك ابن الصلاح، علوم الحديث، 111-112، النووي، شرح مسلم، 1/28، العراقي،التقييد، 145، ابن حجر،النزهة، 126، السخاوي،فتح المغيث، 2/57، السيوطي، التدريب، 1 /371-372. (1) الحارث بن عبدالله الأعور الهمداني الحوتي الخارفي ، أبو زهير الكوفي، قال ابن أبي حاتم: "سألت أبي عن الحارث الأعور فقال: ضعيف الحديث ليس بالقوي، ولً ممن يحتج بحديثه". قال الذهبي: "شيعي لين، قال النسائي وغيره: ليس بالقوي، وقال ابن أبي داود: كان أفقه الناس، وأفرض الناس، وأحسب الناس." قال ابن حجر: " كذبه الشعبي في رأيه، ورمي بالرفض، وفي حديثه ضعف". مات في خلافة ابن الزبير سنة 65هـ. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل ،3/78 (363)، ابن حبان، المجروحين، 1/222، الذهبي، الكاشف، 1/303 (859)، ابن حجر، التقريب، 146 (1029.) (2) عاصم بن ضمرة السلولي الكوفي، قال ابن حبان: " كان رديء الحفظ فاحش الخطأ، يرفع عن علي قوله كثيراً، فلما فحش ذلك في روايته استحق الترك، على أنه أحسن حالً من الحارث –أي: الأعور-". قال الذهبي: "وثقه ابن المديني، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن عدي بتليينه، وهو وسط". قال ابن حجر: صدوق. مات سنة 74هـ. ينظر: ابن أبي حاتم،الجرح والتعديل، 6/345 (1910)، ابن حبان، المجروحين، 2/125، الذهبي، الكاشف، 1/519 (2504)، ابن حجر،التقريب، 285 (3063.) (3) حجاج بن أَرطاة بن ثور بن هبيرة بن شراحيل النخعي، أبو أرطاة الكوفي القاضي، أحد الفقهاء، قال ابن أبي حاتم: "سمعت أبي يقول: حجاج بن أرطأة صدوق يدلس عن الضعفاء يكتب حديثه، وإذا قال: حدثنا فهو صالح لً يرتاب في صدقه وحفظه إذا بين السماع، ولً يحتج بحديثه". قال ابن حجر: صدوق كثير الخطأ و التدليس، وذكره في المرتبة الرابعة من مراتب المدلسين وقال: "أخرج له مسلم مقرونا، وصفه النسائي وغيره بالتدليس عن الضعفاء". مات سنة: 145هـ. ينظر: ابن أبي حاتم،الجرح والتعديل، 3/154 (673)، ابن حبان، المجروحين، 1/225، الذهبي،الكاشف، 1/311 (928)، ابن حجر، المدلسين، 49، ابن حجر،التقريب، 152 (1119.) (4) خُصَيف بن عبدالرحمن الجزري، أبو عون الحراني، قال ابن أبي حاتم: "سمعت أبي يقول: خصيف صالح يخلط - وتُكلِّّم في سوء حفظه...وقال: سئل أبو زرعة عن خصيف بن عبد الرحمن فقال: ثقة." قال ابن حبان: "تركه جماعة من أئمتنا واحتج به جماعة آخرون، وكان خصيف شيخنا صالحا =
عدد الصفحات ١٨٣182 أبي السمح(1)، وخلق سواهم."(2)، وبالنظر في أقوال النقاد في الرواة السابقين، نجدهم كما ذكر الذهبي تتردد بين التحسين والتضعيف. نخلص مما سبق: أن لفظ المستور ذو معنى واسع يتنوّع بحسب السياق والقرينة، وتتفاوت مراتب ستر الرواة بين: - إرادة المعنى اللغوي، فيصاحب الستر وصف الثقة أو الصلاح بشكل عام: أي لم يظهر منه ما يُعاب عليه. - وبين إرادة التوسط في الحفظ والإتقان خاصة إذا جاء في مقابلة رواة الصحيح الضابطين المتقنين. - وبين مطلق الستر وعدم الًشتهار، فهو عدلٌ في الظاهر مجهول عدالة الباطن، وقد يُراد به خفاء أمره وقلة الرواة عنه، أو اختلافهم في الترجيح بين تعديله وجرحه. وظهر من الأمثلة المذكورة للرواة المستورين تفاوت حديثهم بين التحسين والتضعيف، ولعل شمول معنى الستر هو الذي دعا الزركشي لوصف راوي الحسن بشكل عام = فقيها عابدا إلً أنه كان يخطىء كثيرا فيما يروي وينفرد عن المشاهير بما لً يتابع عليه، وهو صدوق في روايته إلً أن الإنصاف في أمره قبول ما وافق الثقات من الروايات وترك ما لم يتابع عليه وإن كان له مدخل في الثقات، وهو ممن أستخير الله فيه" قال ابن حجر: "صدوق سيِّّ ىء الحفظ ، خلط بأخرة ، ورُ مِّ ي بالإرجاء" قال الذهبي: "صدوق سيِّّ ىء الحفظ ، ضعفه أحمد". مات سنة: 137 هـ و قيل غير ذلك ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل،3/403 (1848)، ابن حبان، المجروحين،1/287، الذهبي، الكاشف،1/373 (1389)، ابن حجر، التقريب، 193 (1707.) (1) درهاج بن سمعان ، يقال اسمه عبدالرحمن و درهاج لقب، أبو السمح القرشي السهمي مولًهم المصري القاص. قال ابن أبي حاتم: "سمعت أبي يقول: دراج في حديثه ضعف". ذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن حجر: " صدوق في حديثه عن أبي الهيثم ضعف". مات سنة: 126هـ ينظر: ابن أبي حاتم،الجرح والتعديل، 3/441(2008)، ا بن حبان، الثقات، 5/114، الذهبي، الكاشف، 1/383(1473)، ابن حجر، التقريب، 201(1824.) (2) الذهبي، الموقظة، 33.
عدد الصفحات ١٨٤183 بالمستور، حيث قالولهذا فرّ ق المحدثون بين الصحيح والحسن والضعيف، فالصحيح رواية العدل، والحسن رواية المستور، والضعيف رواية المجروح."(1)، والله أعلم القيد الثالث: قيد المتابعة والمعاضدة(2) (يُروى من غير وجه جاء في تعريف الترمذي للحسن قوله: "ويُروى من غير وجه" وتبعه على ذلك ابن الصلاح(3)، وهذه العبارة تشير إلى بعض المصطلحات التي تتردد في كتب الحديث وعلومه للمرويات المعاضدة لبعضها، ومن ذلك مصطلح المتابعة، والشاهد، وطريقة التوصّل إليهما وهو ما يُسمى بالًعتبار(4). قال ابن الصلاح- مُفسراً قول الترمذي "ويُروى من غير وجه"- بقوله: "ويكون متن الحديث مع ذلك قد عُ رِّ ف بأن رُ وِّ ي مثلُ ه أو نحوه من وجه آخر أو أكثر حتى اعتضد بمتابعة من تابع راوِّ يه على مثله، أو بما له من شاهد، وهو ورود حديث آخر بنحوه، فيخرج بذلك عن أن يكون شاذا ومنكرا"(5) (1) الزركشي،النكت، 3/379. (2) المعاضدة في اللغة: "المعاونة، واعتضد به: استعان." الرازي،المختار، 211. (3) وذلك في القسم الأول من الحسن، والذي هو عنده لً يخلو من رواية المستور الذي لم تتحقق أهليته، فاشترط لحسنه روايته من وجه آخر مثله أو نحوه. ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، 31. (4) الًعتبار لغة: من اعتبر الشيء اختبره وامتحنه، والًعتبار النظر في الأمور وتدبّرها؛ ليُستدل بها على غيرها. يُنظر: مادة (عبر) ابن فارس، مقاييس اللغة، 4/210، الرازي،مختار الصحاح، 198، ابن منظور، لسان العرب، 4/531، الزبيدي،تاج العروس، 12/511. والًعتبار عند المحدثين: سبر دواوين كتب الحديث، والنظر فيها، والبحث عن من شارك أحد رواة الإسناد في روايته لهذا الحديث، سواء اتفقا في لفظ الحد يث أو معناه. فالًعتبار هو الهيئة الحاصلة في الكشف عن الشاهد والمتابعة. ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، 82-84، ابن حجر،النزهة، 87-90، ابن حجر،النكت، 2/682، السخاوي، فتح المغيث، 1/256- 258، السيوطي،تدريب الراوي، 1/281-283، الدهلوي، أصول الحديث، 56-57. (5) ابن الصلاح،علوم الحديث، 31.
عدد الصفحات ١٨٥184 ومن هذه المصطلحات التي وردت في كلام ابن الصلاح، مصطلح المتابعة والشاهد ومعنى المتابعة لغة: مأخوذة من تابع، ويأتي بمعنى الموالًة، والموافقة، والإتقان والإحكام. تابع عمله أو كلامه، أي: والًه وأتقنه وأحكمه وأحسنه.(1) اصطلاحاً أن يشارك راوي الحديث في روايته أو يوافقه راوٍّ آخر يصلح للاعتبار. فإن كانت المشاركة في جميع الإسناد -أي: حصلت للراوي في شيخه- فهي متابعة تامة، وإن كانت في أثناء الإسناد –أي: حصلت لشيخه فمن فوقه- فهي قاصرة.(2) "ولً اقتصار في هذه المتابعة- سواء كانت تامة أم قاصرة- على اللفظ، بل لو جاءت بالمعنى كفى، لكنها مختصة بكونها من رواية ذلك الصحابي"(3). ومعنى الشاهد لغة: اسم فاعل من (شهد)، وهو " أصل يدل على حضور وعلم وإعلام"(4) (1) يُنظر مادة (تبع): الرازي،المختار، 44، الزبيدي،تاج العروس، 2/382،المعجم الوسيط، 1/81 . (2) ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث ، 82-84، ابن حجر، النزهة، 87-90، ابن حجر، النكت، 2/682، السخاوي،فتح المغيث، 1/256- 258، السيوطي، تدريب الراوي، 1/281-283، الدهلوي، 56-57 (3) ابن حجر،النزهة، 87-90،والمسألة خلافية، "وبالتأمل فيه نرى أن ابن الصلاح خص المتابعة بما كان باللفظ سواء كان من رواية ذلك الصحابي أم لً، والشاهد: خصه بما كان بالمعنى سواء أكان عن ذلك الصحابي أم لً، وقيل: الشاهد أعم من أن يكون باللفظ أو بالمعنى. وقد جاء الإمام الحافظ ابن حجر فخالف ابن الصلاح في هذا واعتبر المتابعة فيما إذا كانت عن ذلك الصحابي الذي روى الحديث المتابع -بفتح الباء الموحدة- سواء أكانت باللفظ أم بالمعنى، واعتبر الشاهد فيما إذا كان عن صحابي آخر سواء أكان باللفظ أم بالمعنى." أبو شُهبة، الوسيط، 366-367. (4) ابن فارس، المقاييس ، 3/221. مادة (شهد
عدد الصفحات ١٨٦185 والشاهد: الدليل، ومن يؤدي الشهادة(1) اصطلاحاً أن يُ روى حديث آخر بلفظه أو معناه من حديث صحابي آخر.(2) "وخصّ قوم المتابعة بما حصل باللفظ، سواء كان من رواية ذلك الصحابي أم لً، والشاهد بما حصل بالمعنى كذلك. وقد تطلق المتابعة على الشاهد، وبالعكس، والأمر فيه سهل."(3) والغرض من المتابعات والشواهد للحديث تقويته، ويُضاف لذلك أغراض أخرى " تكثير طرق الحديث، وبيان التواتر من الصحابة ، أو إثبات الزيادات في المتن، أو توضيح بعض غموضه، أو لبيان الزمان والمكان وغيرها."(4) ومن الأمثلة التي ذُكِرت للمتابعة قول ابن الصلاح: "الًعتبار في الأخبار مثاله(5): أن يروي حماد بن سلمة(6) حديثا لم (1) يُنظر: مادة (شهد) الرازي، المختار، 169،الفيروزآبادي، القاموس، 292،المعجم الوسيط ، 1/497. (2) ينظر: ابن الصلاح،علوم الحديث، 82-84، ابن الملقن، التذكرة، 20، ابن حجر، النزهة، 87- 90، ابن حجر،النكت، 2/682، السخاوي،فتح المغيث، 1/256- 258، السيوطي،تدريب الراوي، 1/281-283. (3) ابن حجر،النزهة، 90. ينظر: السخاوي،فتح المغيث، 1/257، السيوطي، التدريب، 1/284. (4) ينظر: الزركشي،النكت، 2/171، الأعظمي،معجم مصطلحات الحديث،200،الغوري، موسوعة علوم الحديث، 2/261. (5) قد يُوهم أن الًعتبار قسيم للمتابعة والشاهد، وليس كذلك بل هو هيئة التوصِّّل لهما. ينظر: ابن حجر، النزهة، 91، ابن حجر،النكت، 2/681، السخاوي،فتح المغيث، 1/256، السيوطي، التدريب، 1/282. (6) حماد بن سلمة بن دينار البصري، أبو سلمة، قال الذهبي: "أحد الأعلام،...هو ثقة صدوق يغلط و ليس في قوة مالك"، وقال ابن حجر: "ثقة عابد أثبت الناس في ثابت ، وتغير حفظه بأخرة"، مات سنة 167هـ. يُنظر: الذهبي، الكاشف، 1/349 (1220)، ابن حجر،التقريب، 178 (1499) .
عدد الصفحات ١٨٧186 يتابع عليه، عن أيوب(1)، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي. فينظر: هل روى ذلك ثقة غير أيوب عن ابن سيرين؟ فإن وجد علم أنللخبر أصلا يرجع إليه، وإن لم يوجد ذلك فثقة غير ابن سيرين رواه عن أبي هريرة، وإلً فصحابي غير أبي هريرة رواه عن النبي ، فأي ذلك وجد يعلم به أن للحديث أصلا يرجع إليه، وإلً فلا. قلت: فمثال المتابعة أن يروي ذلك الحديث بعينه عن أيوب غير حماد، فهذه المتابعة التامة، فإن لم يروه أحد غيره عن أيوب لكن رواه بعضهم عن ابن سيرين أو عن أبي هريرة، أو رواه غير أبي هريرة عن رسول الله ، فذلك قد يطلق عليه اسم المتابعة أيضا، لكن تقصر عن المتابعة الأولى بحسب بعدها منها، ويجوز أن يسمى ذلك بالشاهد أيضا. فإن لم يُ رو ذلك الحديثُ أصلا من وجه من الوجوه المذكورة، لكن رُ وِّ ي حديث آخر بمعناه فذلك الشاهد من غير متابعة."(2) (1) أيوب بن أبى تميمة، أبو بكر كيسان السختيانى البصري، قال الذهبي: "قال شعبة: ما رأيت مثله، كان سيد الفقهاء"، وقال ابن حجر: "ثقة ثبت حجة من كبار الفقهاء العباد"، مات سنة 131هـ. ينظر الذهبي، الكاشف، 1/260-261 (511)، ابن حجر، التقريب، 117 (605 .) (2) ابن الصلاح،علوم الحديث، 83-84، وهذا المثال نقله ابن الصلاح من مقدمة ابن حبان لصحيحه، وقام بتوضيحه. ينظر: ابن حبان، صحيح ابن حبان، 1/155 . وقد ذكر ابن حجرمثالاً اجتمع فيه المتابعة التامة والناقصة، والشاهد باللفظ والشاهد بالمعنى فقال: "ما رواه الشافعي في "الأم" عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمرقال: إن رسول قال ((الشهر تسع وعشرون فلا تصموا حتى تروا الهلال، ولً تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثي))- كتاب الصيام الصغير 3 /231-232- فإن الحديث المذكور في جميع الموطآت عن مالك بهذا الإسناد بلفظ، "فإن غم عليكم فاقدروا له". فأشار البيهقي إلى أن الشافعي تفرد بهذا اللفظ عن مالك فنظرنا فإذا البخاري قد روى الحديث في صحيحه- كتاب الصوم 3/27 ح1906)- فقال: حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، حدثنا مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر فساقه باللفظ الذي ذكره الشافعي سواء فهذه متابعة تامة في غاية الصحة لرواية الشافعي والعجب كيف خفيت عليه؟ ، ودل هذا على أن مالكا رواه عن عبد الله بن دينار باللفظين معا. وقد توبع عليه عبد الله بن دينار من وجهين عن ابن عمر : أحدهما أخرجه مسلم من طريق أبي أسامة، عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر - فذكر الحديث وفي آخره: ((فإن غم عليكم فاقدروا ثلاثين)). كتاب الصيام، باب وجوب صيام رمضان 2/759 ح1080.) والثاني: أخرجه ابن خزيمة في صحيحه –كتاب الصيام 3/202 ح1909)- من طريق عاصم بن محمد بن زيد عن أبيه عن ابن عمر بلفظ((فإن غم عليكم فكملوا ثلاثين)). فهذه متابعة - أيضا - لكنها ناقصة. =
عدد الصفحات ١٨٨187 ما سبق كان بياناً لمعنى المتابعة والشاهد، ومثال توضيحي ذكره ابن الصلاح أشار فيه إلى أن الشاهد قد يُطلق على المتابعة، وأيّده على ذلك ابن حجر فقال: "وقد تطلق المتابعة على الشاهد، وبالعكس، والأمر فيه سهل."(1)، فالًختلاف بينهم دائر على راوي الحديث من الصحابة، هل رُوِّي الحديث من طريقه أو من طريق صحابي آخر؟، وعلى متن الحديث، هل رُوِّي بلفظه أو معناه؟ "ويستفاد من ذلك كله التقوية." (2) وقد أشار ابن رجب(3) - رحمه الله- إلى أن المعاضدة لً تقتصر على الأحاديث المرفوعة بل يحتمل كلام الترمذي التقوية بالموقوف حيث قال: "وقول الترمذي ـ رحمه الله ـ يُ روى من غير وجه نحو ذلك، لم يقل عن النبي فيحتمل أن يكون مراده عن النبي ويحتمل أن يحمل كلامه على ظاهره، وهو أن يكون معناه يُ روى من غير وجه، ولو موقوفاً، ليستدل بذلك على أن هذا المرفوع له أصل يعتضد به"(4) . = وأما شاهده فله شاهدان شاهد لحديث الشافعي: أحدهما: من حديث أبي هريرة رواه البخاري عن آدم عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة ولفظه((فإن غمي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)). وثانيهما: من حديث ابن عباس أخرجه النسائي –في سننه كتاب الصيام 4/135 ح2125)- من رواية عمرو بن دينار عن محمد بن حنين عن ابن عباس بلفظ حديث ابن دينار عن ابن عمر. فهذا مثال صحيح بطرق صحيحة للمتابعة التامة، والمتابعة الناقصة. والشاهد باللفظ والشاهد بالمعنى والله الموفق سبحانه ". ابن حجر، النكت، 2/682-685، ينظر كذلك: ابن حجر، ا لنزهة، 88-90، السخاوي، فتح المغيث، 1/259-260، السيوطي، التدريب، 1/284-285. (1) ابن حجر،النزهة، 90، السخاوي، فتح المغيث، 1/257، السيوطي،التدريب، 1/284. (2) السخاوي،المرجع السابق. (3) عبدالرحمن بن أحمد بن رجب السّلامي البغدادي ثم الدمشقيّ. زين الدين، أبو الفرج، الشهير بابن رجب. محدث، حافظ، فقيه، أصولي، مؤرخ. من مصنفاته: (شرح صحيح الترمذي) و(شرح علل الترمذي) و(جامع العلوم والحكم) وغيرها. مات سنة 795هـ. ينظر ابن العماد، الشذرات، 8/580 . الزركلي،الأعلام، 3/295. كحالة، المؤلفين ، 2/74 (6751) . (4) ابن رجب،علل الترمذي، 1/387.
عدد الصفحات ١٨٩188 أي: أن المراد البحث عن ما يعضد الحديث ويقويه سواء كان حديثاً مرفوعاً للنبي أو موقوفاً على الصحابي .(1) وقد شمل صنيع الترمذي في كتابه في بيان مراده من الرواية من غير وجه- المتابعات والشواهد، فقد أشار لورود أحاديث من غير وجه عن النبي (2)- أي: الشواهد- وكذلك ورودها من غير وجه عن أحد الصحابة(3) أي: المتابعات (1) أشار الدكتور خالد الدريس في كتابه الحديث الحسن إلى أنما ذكره ابن رجب فيه نظر، واستدل بعدد من الأمثلة - منها: قول الترمذي: "هذا حديث غريب إنما نعرفه مرفوعا من حديث ابن لهيعة. وقد رُ وِّ ي شيء من هذا عن عطية، عن أبي سعيد، موقوفا." أخرجه الترمذي في سننه، كتاب التفسير، باب من سورة المدثر، 5/286 ح3326). ففي هذا المثال لم يحسّن الترمذي هذا الحديث -رغم أنه حسّن أحاديث لًبن لهيعة- ورغم وجود شاهد موقوف لً يُقال مثله بالرأي. - ومنها: قول الترمذي في أكثر من موضع "لً نعرفه مرفوعاً إلً من هذا الوجه" مما يدل على أن همه وموضوع كتابه هو الحديث المرفوع. - وقد استقرأ الدكتور –في بحثه- سنن الترمذي وقال: "لم أجد الترمذي مطلقاً و لً في موضع واحد نصّ على تحسين حديث بسبب شاهد موقوف، وهذا كافٍّ في الرد على ما ذكره الحافظ ابن رجب من قولٍّ لم يستدل هو على وقوعه في جامع الترمذي فعلياً، وإنما ذكره على سبيل الًحتمال". الدريس، الحديث الحسن، 3/1144- 1146. بتصرّف (2) منالأمثلة لأحاديث حسّنها الترمذي، وتُروى من غير وجه عن النبي ما يلي: - ما أخرجه الترمذي في سننه، كتاب البيوع، باب ما جاء في النهي للمسلم أن يدفع إلى الذمي الخمر يبيعها له، من حديث أبي سعيد الخدري قال"كان عندنا خمر ليتيم فلما نزلت..." قال الترمذي: حديث أبي سعيد حديث حسن، وقد روي من غير وجه عن النبي نحو هذا. 2/554 ح1263.) - وفيكتاب اللباس، باب ما جاء في الًكتحال، من حديث ابن عباس :أن النبي قال"اكتحلوا بالإثمد... " قال الترمذي: حديث ابن عباس حديث حسن،... وقد روي من غير وجه عن النبي . 3/287 ح1757.) - وفي كتاب الزهد، باب ما جاء أن المرء مع من أحب ، من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله :"المرء مع من أحب...". قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من حديث الحسن عن أنس بن مالك...، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن النبي .4/174 ح2386.) (3) من الأمثلةلأحاديث حسّنها الترمذي، وتُروى من غير وجه عن الصحابي ما يلي - ما أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الطهارة، باب ما جاء أن الماء لً ينجسه شيء، من حديث أبي سعيد الخدري قال: قيل"يا رسول الله، أتتوضأ من بئر بضاعة،..."، قال الترمذي: هذا حديث حسن،... وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي سعيد. 1/122 ح66.) - وفيكتاب النكاح، باب ما جاء في الرجل يشتري الجارية وهي حامل ، من حديث رويفع ابن ثابت عن النبي قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسق ماءه ولد غيره ". قال الترمذي: هذا حديث حسن، وقد روي من غير وجه عن رويفع بن ثابت 2/428 ح1131.) - وفيكتاب الديات، باب ما جاء فيمن قتل دون ماله فهو شهيد، من حديث عبدالله بن عمرو، عن النبي قال"من قتل دون ماله فهو شهيد". قال الترمذي: حديث عبد الله بن عمرو حديث حسن، وقد روي عنه من غير وجه. 3/81 ح1419.)
عدد الصفحات ١٩٠189 وقد يشير إلى الشواهد بنوعيها- شواهد باللفظ وشواهد بالمعنى- بقوله: وفي الباب عن فلان وفلان، قال العراقي: "وهكذا يفعل الترمذي في الجامع حيث يقول وفي الباب عن فلان وفلان، فإنه لً يريد ذلك الحديث المعين، وإنما يريد أحاديث أخر يصح أن تكتب في ذلك الباب، وإن كان حديثاً آخر غير الذي يرويه في أول الباب، وهو عمل صحيح إلً أن كثيراً من الناس يفهمون من ذلك أن من سمى من الصحابة يروون ذلك الحديث بعينه الذي رواه في أول الباب بعينه، وليس الأمر على ما فهموه بل قد يكون كذلك وقد يكون حديثا آخر يصح إيراده في ذلك الباب."(1) وليس في تعريف الترمذي للحسن تحديد عدد معين للأوجه والطرق المطلوبة لتحسين الحديث؛ حيث "أطلق الترمذي كلامه ولم يحدد الحد الأدنى من تعدد الوجوه الأخرى التي تلزم لتحسين الحديث، ولكن يُفهم من ذلك أنه يتحقق عنده بأدنى شيء وأقله، وعلى هذا فيكون الحديث المراد تحسينه إذا شهد له حديث آخر نحوه تقوّى بذلك واستحق التحسين . إلى هذا ذهب ابن الصلاح(2)، وابن تيمية(3)، والعراقي(4)، وابن حجر(5)، بأن الحديث إذا رُوي من وجهين كان حسنًا عند الترمذي. "(6) (1) العراقي،التقييد، 102. (2) حيث ذكر أن الضعف المُنجَبِّر يزول بمجيء الحديث من وجه آخر، فقال: "ليس كل ضعف في الحديث يزول بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت: فمنه ضعف يزيله ذلك بأن يكون ضعفه ناشئا من ضعف حفظ راويه، مع كونه من أهل الصدق والديانة. فإذا رأينا ما رواه قد جاء من وجه آخر عرفنا أنه مما قد حفظه، ولم يختل فيه ضبطه له...إلخ" ابن الصلاح، علوم الحديث، 34. (3) "وأما الحسن في اصطلاح الترمذي فهو: ما روي من وجهين وليس في رواته من هو متهم بالكذب، بالكذب، ولً هو شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة". ابن تيمية، الفتاوى، 18/39. (4) "فمجيئه من وجهين كاف في حد الحديث الحسن" العراقي، التقييد، 48. (5) حيث ذكر منشروط الحديث الحسن عند الترمذي: "أن يروى مثل ذلك الحديث أو نحوه من وجه آخر فصاعدا" ابن حجر، النكت، 1/387. (6) الدريس،الحديث الحسن، 3 /1139-1140.
عدد الصفحات ١٩١190 والمتأمل لصنيع الترمذي في جامعه يجده لم يَقصُر تحسينه للأحاديث التي رُويت من غير وجه، بل أكثر ما اُنتقِّد عليه - في تعريفه- تحسينه لأحاديث جاءت منفردة، وجمعه بين وصفيّ الحُسن والغرابة للحديث الواحد.(1) وقد تعددت أجوبة العلماء في توجيه ذلك، ومنها: - ما أجاب به شيخ الإسلام ابن تيمية بأن الحديث قد يكون غريباً في أصله ثم تتعدد الطرق عن التابعي، فيجمع بين غرابة الأصل، والحُسن لتعدد طرقه بعد ذلك، فقال: "وأما الحسن في اصطلاح الترمذي فهو: ما رُ وِّ ي من وجهين، وليس في رواته من هو متهم بالكذب ولً هو شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة. فهذه الشروط هي التي شرطها الترمذي في الحسن، لكن من الناس من يقول: قد سُ مِّّ ى حسنا ما ليس كذلك، مثل حديث يقول فيه: حسن غريب؛ فإنه لم يرو إلً من وجه واحد وقد سماه حسنا، وقد أجيب عنه بأنه قد يكون غريبا. لم يرو إلً عن تابعي واحد، لكن رُ وِّ ي عنه من وجهين فصار حسنا لتعدد طرقه عن ذلك الشخص وهو في أصله غريب."(2) - وأجاب ابن رجب في شرحه لعلل الترمذي بأن المراد أن يُروى معناه من غير وجه، لً نفس اللفظ، فقال: "لً يشكل قوله: "حديث حسن غريب"، ولً قوله: "صحيح حسن غريب لً نعرفه إلً من هذا الوجه"، لأن مراده أن هذا اللفظ لً يُ عرف إلً من هذا الوجه، لكن لمعناه شواهد من غير هذا الوجه، وإن كانت شواهد بغير لفظه."(3) (1) فممن أشار إلى هذا الإشكال ابن دقيق العيد، فقالوهذا يشكل عليه ما يقال فيه أنه حسن مع أنه ليس له مخرج إلً من وجه واحد". ابن دقيق العيد، الًقتراح، 8، وكذلك ابن جماعة، حيث قال في تعقّبه للقسم الأول من الحسن-والذي اشترط فيه ابن الصلاح مجيئه من طريق آخر-: "ويرد على الأول الفرد من الحسن فإنه لم يرو من وجه آخر" ابن جماعة، المنهل، 36. (2) ابن تيمية، الفتاوى، 18/39. (3) ثم أتبع كلامه بذكر مثال على ذلك فقال وهذا كما في حديث "الأعمال بالبينات" فإن شواهده كثيرة جداً في السنة، مما يدل على أن المقاصد والنيات هي المؤثرة في الأعمال، وأن الجزاء يقع على العمل بحسب ما نوي به، وإن لم يكن لفظ حديث عمر مروياً من غير حديثه من وجه يصح." ابن رجب، علل الترمذي، 1/386، وقال الشيخ أحمد شاكر في حاشية كتاب الباعث الحثيث: "الذي يبدو لي في الجواب عن هذا: أن الترمذي لً يريد بقوله في بيان الحسن (ويُروى من غير وجه نحو ذاك) أن نفس =
عدد الصفحات ١٩٢