191 - وأجاب ابن حجر بأن الترمذي حين عرهف الحسن في كتابه اقتصر على نوع منه، حيث قال: "فإن قيل: قد صرح الترمذي بأن شرط الحسن أن يُ روى من غير وجه؛ فكيف يقول في بعض الأحاديث: "حسن غريب، لً نعرفه إلً من هذا الوجه"؟. فالجواب: أن الترمذي لم يُ عرِّّ ف الحسن مطلقا، وإنما عره ف نوعا خاصا منه وقع في كتابه، وهو ما يقول فيه: "حسن"، من غير صفة أخرى"(1) - ومن الأجوبة أيضاً: ما ذكره العراقي في شرحه لألفيته حيث قال: "(قلتُ وقد حسه ن بعض ما انفرد). هذا من الزوائد على ابن الصلاح. وهو إيرادٌ على الترمذي، حيث اشترط في الحسن أن يُ روى من غير وجه نحوه. ومع ذلك فقد حسه ن أحاديث لً تُ روى إلً من وجه واحدٍّ ، كحديث إسرائيل(2)، عن يوسفَ بن أبي بردة(3)، عن أبيه (4)، عن عائشة، قالت ((كان رسول الله إذا خرج من الخلاء قال: = الحديث عن الصحابي يُ روى من طرق أخرى؛ لأنه لً يكون حينئذ غريبا، وإنما يريد أن لً يكون معناه غريبا: بأن يروى المعنى عن صحابي آخر، أو يعتضد بعمومات أحاديث أخر، أو بنحو ذلك، مما يخرج معناه عن أن يكون شاذا غريبا. فنأمل". شاكر، الباعث الحثيث، 39-40. (1) ابن حجر،النزهة، 80. (2) إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الهمداني، أبو يوسف الكوفي، أخرج له البخاري ومسلم، قال الذهبي: "قال أحمد: ثقة وتعجب من حفظه، وقال أبو حاتم: هو من أتقن أصحاب أبى إسحاق، وضعفه ابن المديني"، وقال ابن حجر: "ثقة تُكلم فيه بلا حجة" مات سنة 160، وقيل162هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، 1/241 (336)، ابن حجر،التقريب، 104 (401.) (3) يوسف بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، روى له البخاري في الأدب المفرد، قال الذهبي: ثقة، وقال ابن حجر: مقبول. ينظر: الذهبي، الكاشف،2/399 (6427)، ابن حجر،التقريب، 610 (7857.) (4) أبو بردة بن أبي موسى الأشعري، قيل: اسمه عامر وقيل: الحارث، قاضي الكوفة، أخرج له البخاري ومسلم، قال الذهبي: كان من نبلاء العلماء، وقال ابن حجر: ثقة. مات سنة 104ه، وقيل غير ذلك. ينظر: الذهبي، الكاشف، 2/407 (6508) ، ابن حجر،التقريب، 621 (7952.)
عدد الصفحات ١٩٣192 غفرانك)). فإنه ه قال فيه: حسن غريب لً نعرفه إلً من حديث إسرائيل، عن يوسف بن أبي بردة. قال: ولً يُ عرفُ في هذا الباب إلً حديثُ عائشة.(1) وأجاب أبو الفتح اليعمري عن هذا الحديث(2) بأنّ الذي يحتاج إلى مجيئِّ ه من غير وجه ما كان راويه في درجة المستور ومن لم تثبت عدالته"(3) . وقد توصّل الدكتور خالد الدريس إلى: "أنّ ما يقول الترمذي فيه: "حسن غريب يخلو من حالتين: 1- ما توجد له متابعات أو شواهد، ولو بعموم المعنى (1) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الطهرة، باب ما يقول إذا خرج من الخلاء،1/57 ح7)، وأبو داود في سننه، كتاب الطهارة، باب ما يقول الرجل إذا خرج من الخلاء، 1/8 ح30)، وابن ماجة في سننه، كتاب الطهارة وسننها، باب ما يقول إذا خرج من الخلاء، 1/110 ح300)، وأحمد في مسنده، 42/142 ح25220)، وابن خزيمة في صحيحه، كتاب الوضوء، باب الخروج من المتوضأ،1/48 ح90)، وابن حبان في صحيحه، كتاب الطهارة، باب الًستطابة،4/291 ح1444 .) قال ابن أبي حاتمسمعت أبي يقول: أصح حديث في هذا الباب- يعني: في باب الدعاء عند الخروج من الخلاء -: حديث عائشة". عبد الرحمن بن محمد بن إدريس ابن أبي حاتم الرازي، العلل، تحقيق: فريق من الباحثين بإشراف وعناية سعد بن عبدالله الحميد، خالد بن عبدالرحمن الجريسي، (الرياض: مطابع الحميضي، 1427ه2006م1/540-541 ح93.) (2) وذلك في كتابه النفح الشذي، حيث قالوأما أنه لً يعرف في الباب إلً حديث عائشة، مع قوله في "الحسن": إنه يُروى مثل ذلك الحديث، أو نحوه، من وجه آخر، فهذا قد يوهم منافاة الحُسن الذي وصفه به، على شرطه، فيحتاج إلى الجواب عن ذلك، فنقول: لا يشترط في كل حسن أن يكون كذلك، بل الذي يحتاج فيه إلى أن يُروى نحوه من وجه آخر، هو: ما كان راويه في درجة المستور، ومن لم تثبت عدالته، ولً ارتقى إلى أن تدخل في "الصحيح" مع المتابعة، روايته. فهناك يحتاج إلى تقويته بالمتابعات والشواهد؛ ليصل بمجموع ذلك إلى تلك الدرجة. وأما هذا، فقد كان من شأنه أن يكون من الصحيح؛ فإن إسرائيل المنفرد به، متفق على إخراج حديثه عند الشيخين وقد تقدم في الكلام على الشذوذ، والمنفردات، ما يوضح أن ما انفرد به الثقة، ولم يتابَع عليه، لً يرتقي إلى درجة الصحيح، حتى يكون -مع الثقة- في المرتبة العليا من الحفظ والإتقان، وإن لم يتجاوز الثقة، فحديثه هناك حسن كما أن المستور، مع التفرد، لً يرتقي إلى درجة الحسن، بل تفرده مردود فكذلك هذا الحديث، لو وَجَد شاهدًا له، لما وقف أبو حاتم بن حبان، في صحيحه، كما يأتي بيانه. وأكثر ما في الباب، أن الترمذي، في الموضع الذي شرط فيه، في الحسن، تقويته بالمتابعات، عرف بنوع منه، وهو أكثره وقوعًا عنده، لً بكل أنواعه." ابن سيد الناس، النفح الشذي، 1/423-424 . وفي كلام اليعمري بيان لًختلاف الحكم على الحديث الفرد، وذلك بحسب مرتبة الراوي في العدالة والضبط، وتفريقه بين وصف الراوي بالثقة المجردة، وبين وصفه بالحفظ والإتقان، وسيأتي –بإذن الله- بيان ذلك في فصل الأفراد. (3) العراقي،شرح التبصرة، 1/153.
عدد الصفحات ١٩٤193 2- ما لً توجد له متابعات وشواهد، ولكن السند قوي لذاته لً يحتاج لعاضد(1) وتوصّل كذلك إلى أن اشتراط تعدد الطرق-(يُروى من غير وجه) في الحديث الحسن عند الترمذي - : شرط أغلبي لً كُلّي، واستدل على ذلك بتحسين الترمذي لأحاديث لً يوجد فيها أي مغمز سوى رواة من أهل الصدق قد خفّ ضبطهم...، ومن ذلك مثلاً: أحاديث لبهز بن حكيم، وأحاديث لعمرو بن شعيب...إلخ.(2) والحديث الحسن الذي لً يحتاج للمعاضدة هو ما أُطلِّق عليه الحسن لذاته(3)؛ وما يحتاج للمعاضدة هو الحسن لغيره؛ لذا حين قسهم ابن الصلاح الحديث الحسن إلى قسمين نجده: وافق الترمذي في اشتراط مجيء الحديث من وجه آخر- وذلك في أحد قسميّ الحسن، - حيث جعله قيداً لرواية المستور الذي لم تتحقق أهليته. ولم يشترطه في القسم الآخر الذي هو من رواية المشهور بالصدق، وتبعه في ذلك ابن جماعة، وابن سيد الناس(4)، إلً أن الطّ يّ بي حين تعقّب من سبقه وعرّف الحسن اشترط المعاضدة للقسمين(1). (1) ثم قالويخلص إلى حمل الأمر على فهم الترمذي واجتهاده؛ لأن الأصل أنه لً يُخالِّف ما اشترطه في تعريفه الذي حكاه بنفسه عن عمله في كتابه" ينظر: الدريس، الحديث الحسن، 3/1063- 1064 باختصار (2) ينظر: الدريس،المرجع السابق، 4/1643-1645 باختصار (3) أطلقه ابن حجر، وذلك حين أردف تعريف الصحيح لذاته بالحسن لذاته بفارق خفة ضبط راوي الحسن. ينظر: ابن حجر، النزهة، 78. ويرى الدكتور الدريس: أن تعريف ابن القطان يقرّبه من الحسن لذاته، ولً يدخل فيه حديث الضعيف المعتضد بمثله؛ لأن ابن القطان لً يحتجّ بمثله فضلاً عن أن يسميه حسناً. ينظر: الدريس، المرجع السابق، 4/1670. (4) محمد بن محمد بن محمد بن أحمد، اليعمري الربعي، أبو الفتح، فتح الدين، المعروف بابن سيّد الناس. مؤرخ، عالم بالأدب. من حفاظ الحديث، من مصنفاته: (عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير) و(النفح الشذي في شرح جامع الترمذي) لم يكمله. مات سنة 734هـ. ينظر الصفدي، الوافي بالوفيات،1/219(200)، ابن العماد، الشذرات، 8 /189. الزركلي،الأعلام، 7/34.
عدد الصفحات ١٩٥194 وأمّا ابن حجر فقد وافق ابن الصلاح في تقسيم الحديث الحسن لقسمين، أطلق على أحدهما الحسن لذاته؛ لقوته وعدم احتياجه للمعاضدة، والآخر الذي اكتسب الحُسن بمعاضدة غيره له هو الحسن لغيره. ومما ينبغي الإشارة إليه أنّ الضعف يتفاوت في درجاته (2)، فليس كل ضَعفٍّ قابلاً للانجبار، قال ابن الصلاح: "ليس كل ضعفٍّ في الحديث يزول بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت: فمنه ضعف يزيله ذلك بأن يكون ضعفه ناشئا من ضعف حفظ راويه، مع كونه من أهل الصدق والديانة. فإذا رأينا ما رواه قد جاء من وجه آخر عرفنا أنه مما قد حفظه، ولم يختل فيه ضبطه له. وكذلك إذا كان ضعفه من حيث الإرسال زال بنحو ذلك، كما في المرسل الذي يرسله إمام حافظ، إذ فيه ضعف قليل، يزول بروايته من وجه آخر(3). = (1) "مُسند من قَرُب من درجة الثقة أو مُرسَل ثقة، ورُوِّي كلاهما من غير وجه، وسَلِّم عن شذوذ وعلة". الطيبي، الخلاصة، 45. بلإن الفرد عنده يأتي على أنواع، فرد مطلق ليس له معاضد لً في سنده ولً في متنه، وفرد حسن وهو ما كان فرد الإسناد ورُوي معناه بإسناد آخر حيث قال: "إن قولنا يروى من غير وجه يحتمل وجوها؛ أن يروى الحديث بعينه بإسناد آخر، وأن يروى معناه بإسناد آخر، أو بهذا الإسناد بلفظ آخر، ولً يبعد تسمية القسم الأخير بالفرد الحسن، فهو بالنظر إلى أفراد الإسناد، فرد وبالنظر إلى تغيير اللفظ، حسن، إذ بهذا الًعتبار يغلب ظنا احتمال طريق آخر يتقوى به، بخلاف الفرد المطلق." ثم ذكر وجهاً آخر للمعاضدة فقال: "وجه آخر، وهو أن يكون الحديث مشهورا عن صحابي، فيرويه تابعي عن صحابي آخر، ويكون له في الطريق رواة أفراد في جميع المراتب، فظهر من هذا أن الغرض من التقييد بقوله، ويروى من غير وجه واحد، اعتضاد الحديث المروي بما ينجبر به ضعفه، وإزالة ما به من الوهم السابق والإرسال والًنقطاع وغيرهما، فلا يؤتى بالرواية من غير وجه، إلً على وجه يرفع به ذلك الضعف وإلً كان عبثا." الطيبي،المرجع السابق41-42 . ويفهم مما قاله أن الحديث لً يُطلق عليه حسناً إلً إذا رُوي من وجه آخر، وعلل ذلك بكون الحسن من الحديث استحق ذلك الوصف لًنجبار ضعفه بالمعاضد، والله أعلم. (2) يأتي توضيح ذلك وتفصيله–بإذن الله- في الفصل الثالث: الحديث الضعيف. (3) تقوية المرسل بالمرسل لها ضوابط، إذ ماكل مرسل يجبر مثله. ينظر في حكم الًحتجاج بالمرسل: العلائي،جامع التحصيل،33-50،ابن رجب،علل الترمذي، 1/546-547، الجديع،التحرير، 2/1096.
عدد الصفحات ١٩٦195 ومن ذلك ضعف لً يزول بنحو ذلك ؛ لقوة الضعف وتقاعد هذا الجابر عن جبره ومقاومته.(1) وذلك كالضعف الذي ينشأ من كون الراوي متهما بالكذب، أو كون الحديث شاذا. وهذه جملة تفاصيلها تدرك بالمباشرة والبحث، فاعلم ذلك، فإنه من النفائس العزيزة. والله أعلم."(2) وعقّبابن حجر على ذلك بقوله: "لم يذكر للجابر ضابطا يعلم منه ما يصلح أن يكون جابرا أو لً، والتحرير فيه أن يقال: إنه يرجع إلى الًحتمال في طرفي القَ بول والرد، فحيث يستوي الًحتمال فيهما فهو الذي يصلح لأن ينجبر، وحيث يقوى جانب الرد فهو الذي لً ينجبر. وأما إذا رجح جانب القَ بول فليس من هذا، بل ذاك في الحسن الذاتي، والله أعلم"(3). فيُفهممن ذلك أن ما يصلح للاعتبار من الأحاديث يُشترط فيها: - ألً يكون ضعفها شديداً بحيث لً ينجبر هذا الضعف بمجيئه من طرق أخرى. - وألً يكون المتابِّع منحطاً عن هذه الدرجة، بل لًبد من أن يكون المتابَع والمتابِّع مما يصلح كلاهما للاعتبار، ويجبر كلا منهما ضعف الآخر. (1) وقد مثّل ابن الصلاح لذلك بحديث ((الأذنان من الرأس)) أخرجه أبو داود في سننه كتاب الطهارة، باب صفة وضوء النبي 1/33 ح134)، والترمذي في سننه كتاب الطهارة،باب ما جاء أن الأذنين من الرأس 1/93 ح37)، وابن ماجة في سننه كتاب الطهارة، باب الأذنان من الرأس وقال: " إنا نجد أحاديث محكوما بضعفها مع كونها قد رويت بأسانيد كثيرة من وجوه عديدة ." ابن الصلاح، علوم الحديث، 33. وقد نُوزع رحمه الله في تمثيله بهذا، وتُعقّب عليه، ومن ذلك قول ابن حجر "إذا نظر المنصف إلى مجموع هذه الطرق علم أن للحديث أصلا، وأنه ليس مما يطرح، وقد حسنوا أحاديث كثيرة باعتبار طرق لها دون هذه - والله أعلم –" ثم قال: "ينبغي أن يمثل في هذا المقام بحديث ((من حفظ على أمتي أربعين حديثا))- أخرجه ابن حبان في المجروحين من حديث ابن عباس 1/134، ومن حديث أبي الدرداء2/133، وابن عدي في الكامل في الضعفاء من حديث ابن عباس 3/436، ومن حديث أبي هريرة6/27/454- فقد نقل النووي اتفاق الحفاظ على ضعفه مع كثرة طرقه- والله أعلم -." ابن حجر، النكت، 1/415. (2) ابن الصلاح،المرجع السابق34. (3) ابن حجر،النكت، 1/409.
عدد الصفحات ١٩٧196 وقد أوضح ابن حجر ذلك بذكر أمثلة للرواة التي تنجبر روايتهم، وترتقي للحسن بمجيئها من طريق آخر مثلها أو نحوها، فقال في كتابه النزهة: "ومتى توبع السيِّّ ىء الحفظ(1) بمُعتبر: كأن يكون فوقه، أو مثله، لً دونه، وكذا المختِّ لط الذي لم يتميز(2)، والمستور، والإسناد المرسل(3)، وكذا المدله س إذا لم يُ عرف المحذوف منه(1) صار حديثهم حسنا، لً لذاته، بل وصفه بذلك باعتبار المجموع، من المتابِّ ع والمتابَ ع؛ لأن كل واحدٍّ منهم (1) استشهد ابن حجر لما ذكره بأمثلة لما حسّنه الترمذي في كتابه، فقال من أمثلة ما وصفه الترمذي بالحسن وهو من رواية الضعيف السيئ الحفظ: 1- ماأخرجه في سننه كتاب النكاح، باب ما جاء في مهور النساء، من طريق شعبة عن عاصم ابن عبيدالله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه قال: "إن امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين، فقال رسول الله (( :أرضيت من نفسك ومالكبنعلين؟)) قالت: نعم. قال: فأجازه النبي ". قال الترمذي هذا حديث حسن. 2/411 ح1113.) وفي الباب عن عمر وأبي هريرة وعائشة ،وذكر جماعة غيرهم. وعاصم بن عبيدالله ضعفه الجمهور ووصفوه بسوء الحفظ وعاب ابن عيينة على شعبة الرواية عنه، وقد حسن الترمذي حديثه هذا لمجيئه من غير وجه كما شرط، والله أعلم. 2- ومن أمثلة ما وصفه الترمذي بالحسن وهو من رواية الضعيف الموصوف بالغلط والخطأ: ما أخرجه في سننه كتاب البيوع، باب ما جاء في النهي للملم أن يدفع إلى الذمي الخمر ليبيعها، من طريق عيسى بن يونس عن مجالد عن أبي الوداك، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: كان عندنا خمر ليتيم، فلمّا نزلت المائدة سألت رسول الله فقلت: "إنه ليتيم"، فقال رسول(( :أهريقوه)). قال: هذا حديث حسن. 2/544 ح1263.) قلت: ومجالد ضعفه جماعة ووصفوه بالغلط والخطأ، وإنما وصفه بالحسن لمجيئه من غير وجه عن النبي من حديث أنس، وغيره وذكر ابن حجر غيرها من الأمثلة لأحاديث حسّنها الترمذي لرواة ضُعّفوا لسوء حفظهم وكثرة غلطهم، جاء ما يعضدها من المتابعات والشواهد. ينظر: ابن حجر، النكت، 1/388-392 بتصرف (2) من أمثلة ما وصفه الترمذي بالحسن وهو من رواية من سمع من مختلط بعد اختلاطه: - ما أخرجه في سننه كتاب الصلاة، باب ما جاء في الإمام ينهض في الركعتين ناسيا، من طريق يزيد ابن هارون عن المسعودي عن زياد بن علاقة قال: "صلى بنا المغيرة بن شعبة فلما صلى ركعتين قام فلم يجلس فسبح به من خلفه، فأشار إليهم أن قوموا، فلما فرغ من صلاته سلم وسجد سجدتي السهو وسلم". وقال: "هكذا صنع رسول الله ". قال الترمذي: هذا حديث حسن. 1/474 ح365.) قلت: "والمسعودي اسمه: عبدالرحمن وهو ممن وصف بالًختلاط وكانسماع يزيد منه بعد أن اختلط. وإنما وصفه بالحسن لمجيئه من أوجه أخر بعضها عند المصنف أيضا والله أعلم. ينظر: ابن حجر، المرجع السابق، 1/393. (3) من أمثلة ما وصفه بالحسن وهو منقطع الإسناد: - ما أخرجه في سننه كتاب المناقب، باب مناقب أبي الفضل عم النبي وهو العباس بن عبدالمطلب ،من طريق عمرو بن مرة عن أبي البختري عن علي قال: "إن النبي قال لعمر في العباس :((إن عم الرجل صنو أبيه)). وكان عمر تكلم في صدقته. وقال: هذا حديث حسن6/112 ح (3760.) قلت: "أبو البختري: اسمه سعيد بن فيروز ولم يسمع من علي ." =
عدد الصفحات ١٩٨197 احتمال أن تكون روايته صوابا، أو غير صو اب، على حد سواء، فإذا جاءت من المعتبرين روايةٌ موافقةٌ لأحدهم رَ جَ ح أحد الجانبين من الًحتمالين المذكورين، ودل ذلك على أن الحديث محفوظ؛ فارتقى من درجة التوقف إلى درجة القبول. ومع ارتقائه إلى درجة القبول فهو مُ نحَ طٌّ عن رتبة الحسن لذاته، وربما توقف بعضهم عن إطلاق اسم الحسن عليه."(2) ولعل ابن حجر- رحمه الله- يُشير بعبارته الأخيرة - والتي تفيد توقف بعضهم عن إطلاق اسم الحسن على الحديث الضعيف المعتضد بغيره- إلى ما نقله الزركشي وعزاه لًبن سيّد الناس،- من أن المتابِع إذا كان بمنزلة المتابَع في الضعف ومساوياً له، فإنه قد يقويه لكنها قوة لا تخرجه عن حيّز الضعف- فقال: "الحق في هذه المسألة أن يقال: إما أن يكون الراوي المتابِّ ع مساويا للأول في ضعفه أو منحطا عنه أو أعلى منه، فأما مع الًنحطاط فلا تفيد المتابعة شيئا وأما مع المساواة فقد تقوي، ولكنها قوة لً تخرجه عن رتبة الضعيف، بل الضعيف يتفاوت فيكون الضعيف الفرد أضعف رتبة من الضعيف المتابَع، ولً يتوجه الًحتجاج بواحد منهما، وإنما يظهر أثر ذلك في الترجيح، وأما إن كان المتابِّع أقوى من الراوي الأول، إن أفادت = فالإسناد منقطع ووصفه بالحسن؛ لأن له شواهد مشهورة من حديث أبي هريرة وغيره، وأمثلة ذلك عنده كثيرة. ينظر: ابن حجر، المرجع السابق، 1/396. (1) من أمثلة ما وصفه الترمذي بالحسن وهو من رواية مدلس قد عنعن: - ما أخرجه في سننه كتاب الجنائز، باب ما جاء في أن المؤمن يموت بعرق الجبين، من طريق يحيى ابن سعيد عن المثنى بن سعيد عن قتادة عن عبدالله بن بريدة عن أبيه عن النبي قال: "المؤمن يموت بعرق الجبين". قال: "هذا حديث حسن". 2/301 ح982.) وقد قال بعض أهل العلم: "لم يسمع قتادة من عبد الله بن بريدة - - قلت: وهو عصريه وبلديه كلاهما من أهل البصرة ولو صح أنه سمع منه فقتادة مدلس معروف بالتدليس، وقد روى هذا بصيغة العنعنة، وإنما وصفه بالحسن؛ لأن له شواهد من حديث عبدالله بن مسعود وغيره - ومن ذلك ما أخرجه الترمذي في سننه كتاب الجمعة، باب في السواك والطيب يوم الجمعة، من طريق هشيم عن يزيد عن أبي زياد عن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله : "إن حقا على المسلمين أن يغتسلوا يوم الجمعة وليمس أحدهم من طيب أهله فإن لم يجد فالماء له طيب". قال: "هذا حديث حسن".1/662 ح528.) قلت: "وهشيم موصوف بالتدليس، لكن تابعه عنده أبو يحيى التيمي". وللمتن شواهد من حديث أبي سعيد الخدري وغيره ابن حجر، المرجع السابق ، 1/394-395 بتصرف يسير (2) ابن حجر،النزهة، 129-130.
عدد الصفحات ١٩٩198 متابعته ما دفع شبهة الضعيف عن الطريق الأول، فلا مانع من القول بأنه يصي ر حسناً".(1) فالحديث الضعيف الصالح للاعتبار إذا توبع بما دونه لً يتقوّى، وإذا توبع بمثله يتقوى ويرتقي للحسن لغيره، وعند ابن سيد الناس – يتقوى قوة لا تخرجه عن وصف الضعف، بل يَشترط لوصفه بالحُسن أن يكون المتابِّع أقوى منه. أما البلقيني فكان رأيه معاكساً لرأي ابن سيد الناس، حيث أشار إلى أنه: "لً يقال: ينجبر بأن يُ روى من وجه صحيح؛ لأن الكلامَ فيما إذا رُوِّي بطرقٍّ كل منها مثلُ الأخرى في ذلك الضعف."(2) ومفهوم كلامهأن الضعيف ينجبر بما يماثله في الضعف، أما إن ورد من طريق صحيح، فلا يُقال أنه انجبر به؛ لأن الاعتماد حينئذ على الصحيح.(3) وعليه فإن الضعيف الصالح للاعتبار: - إذا توبع بأقوى منه ارتقى إلى الحسن لغيره عند ابن سيد الناس وابن حجر، ومن وافقهم في ذلك، بينما رأى البلقيني أن الًعتماد في هذه الحالة يكون على الحديث القوي، ولً يُقال أن الضعيف انجبر به. - أما إذا تُوبع بمثله فإنه ينجبر ويرتقي إلى الحسن لغيره، بينما عند ابن سيد الناس فإنه يتقوى قوة لً تخرجه عن حيّز الضعف. - وإذا توبع الضعيف الصالح للاعتبار بما هو أدنى منه، فإنه لً يتقوى بذلك ولً ينجبر على ما سبق من كلام نقاد الحديث،. (1) الزركشي،النكت، 1/322، قال الزركشي معقِّّبا "قلت: وهو تفصيل حسن، ولً يخفى أن هذا كله فيما إذا كان الحديث في الأحكام، فإن كان من الفضائل فالمتابعة فيه تقوم على كل تقدير لأنه عند انفراده مفيد". (2) البلقيني،محاسن الًصطلاح، 106. (3) ينظر: الدريس،الحديث الحسن، 3/1181. وقد ذكر المؤلف رأيه في ذلك فقال"وفي نظري أن (الحسن لغيره) ينبغي أن يُقتصر استعماله على الضعيف المعتضد بمثله فقط".
عدد الصفحات ٢٠٠199 - فإن جاء هذا الحديث شديد الضعف من طرق متعددة، فهناك من يرقّيه من كونه ضعيفاً منكراً لً يجوز العمل به بحال إلى الضعيف الذي يجوز العمل به في فضائل الأعمال، حيث قال ابن حجر: "الضعف يتفاوت، فإذا كثرت طرق حديث رجح على حديث فرد، فكون الضعف الذي ضَ عفُ ه ناشئٌ عن سوء حفظ رواته إذا كثرت طرقه ا رتقى إلى مرتبة الحَ سن، والذي ضَ عفُ ه ناشئٌ عن تُ همة أو جهالة إذا كثرت طرقه ارتقى عن مرتبة المردود المنكر الذي لً يجوز العمل به بحال إلى رتبة الضعيف الذي يجوز العمل به في فضائل الأعمال."(1) وقد تتابع بعض تلامذة ابن حجر -رحمهم الله - كالبقاعي(2) والسخاوي(3) وتبعهم السيوطي(4) في الإشارة إلى هذا الرأي في كتبهم، وصرّحوا فيه بارتقاء الحديث بمجموع ذلك إلى مرتبة الحسن. دون أن يتعقّبوا هذا القول، بل أكّده السيوطي في ألفيته فقال: .....................كما يَرْقَى إِّلى الحُسْنِّ الذي قد وُسِّمَ ا ضَعفًا لِّسُوءِّ الحِّفظِّ أَو إِّرسَالٍّ أو تَدليسٍّ أو جَهالةٍّ إِّذا رَأَوا مَ جِّيئَهُ من جِّهةٍّ أُخرى، وما كان لِّفِّسقٍّ اْو يُرَى مُتههَمَا يَرْقَ ى عن الإنكار بالتهعَد دِّ بل رُبهما يَصيرُ كالذي بُدِّي(5) (1) ابن حجر، الإمتاع بالأربعين المتباينة السماع ، 70. (2) البقاعي،النكت الوفية، 1/248. (3) السخاوي،فتح المغيث، 1/97. (4) السيوطي،تدريب الراوي، 1/194، السيوطي،البحر الذي زخر، 3/1029. (5) السيوطي، ألفية ال سيوطي، 10، وقد تعقّب الشارح ما ذهب إليه السيوطي بقوله"وأما اذا كان ضعف الحديث لفسق الراوي أو اتهامه بالكذب ثم جاء من طرق أخرى من هذا النوع، فإنه لً يرقى الى الحسن، بل يزداد ضعفاً إلى ضعف، إذ أن تفرد المتهمين بالكذب أو المجروحين في عدالتهم بحديث لً =
عدد الصفحات ٢٠١200 بينما أقوال من سبقه تنفي تقوية الحديث الواهي بكثرة الطرق،منها: قول ابن جماعة في المنهل الروي: "وأما الضعيف لكذب راويه وفسقه فلا ينجبر بتعدد طرقه"(1)، وكذلك قول ابن رجب في شرحه للعلل: "وتسمية الحديث الواهي التي تعددت طرقه حسناً، لً أعلمه وقع في كلام الترمذي في شيء من أحاديث كتابه"(2). وسيأتي مزيد إيضاح لذلك في الفصل الخاص بالحديث الضعيف بإذن نخلص مما سبق: أنه قيد (يُروى من غير وجه) في تعريف الترمذي للحسن عنده، هو ما يُفسّر باشتراط المعاضدة للحديث، وتتنوع هذه المعاضدة بين المتابعات والش واهد سواء باللفظ أو بالمعنى، والغرض منها تقوية الأحاديث وجبر ضعفها. ولا يُشترط في المعاضدة عدد معين، بل يكفي على الراجح مجيئه من طريق آخر. وإنما يُشتَرط صلاحيتها للاعتبار والاعتضاد ، وضابط ذلك يرجع كما ذكر ابن حجر رحمه الله: "إلى الًحتمال في طرفي القبول والرد، فحيث يستوي الًحتمال فيهما فهو الذي = يرويه غيرهم يرجح عند الباحث المحقق التهمة، ويؤيد ضعف رواياتهم. وبذلك يتبين خطأ المؤلف وخطؤه في كثير من كتبه في الحكم على أحاديث ضعاف بالترقي الى الحسن مع هذه العلة القوية". السيوطي، المرجع السابق، 10. ينظر كذلك: شاكر،الباعث الحثيث، 40. وهناك من أيّد هذا التعقيب فقال: "وهذا هو الحق الذي لً مرية فيه، فإن الضعفاء قد يسرق بعضهم من بعض ويشتهر عندهم فقط، ولً نجده في روايات الثقات الأثبات مما لً يزيد الضعيف إلً ضعفا على ضعف. " فحل، أثر علل الحديث، 36-37. وسيأتي مزيد توضيح لمسألة تعدد طرق الحديث الضعيف في الفصل الثالث بإذن الله. (1) ابن جماعة،المنهل الروي، 37-38. (2) ابن رجب،شرح العلل، 1/394.
عدد الصفحات ٢٠٢201 يصلح لأن ينجبر، وحيث يقوى جانب الرد فهو الذي لً ينجبر وأما إذا رجح جانب القبول فليس من هذا، بل ذاك في الحسن الذاتي."(1) فما أُطلِّق عليه الحسن لذاته ترجّح فيه جانب القَبول، وإن وُجد عاضد له زادت قوته والتحق بالصحيح لغيره. بينما الضعيف ضعفاً يسيراً - حيث يستوي فيه الًحتمال بين القبول والرد - هو الذي يحتاج المعاضَدة؛ لترجيح جانب القبول، وهو الذي يَصلُح للانجبار بعكس الضعيف ضعفاً شديداً حيث ترجّح فيه جانب الرد. واختلفوا - في مرتبة المُعاضِد من المتابِع أو الشاهِد ؛ لينجبر به الضعف اليسير، ويصبح الحديث بمجموعهما حسناً لغيره- هل يُشترط فيه أن يكون مساوياً لمرتبة المتابَع أو أعلى منه أو أدنى؟ - أما في حال كونه أعلى منه وأقوى فهناك من جعله جابراً للمتابَع وعاضداً له فيُرقِّّيه للحسن لغيره، وهناك من رأى أنه لً يَجبُر ضعفه، ولً يُ صبِّح بمجموعهما حسناً؛ لأن الًعتماد في هذه الحالة على القوي الصحيح دون الضعيف. - وأما في حال كون المتابَع والمتابِع متساويين ومتماثلين في الضعف اليسير، فعند بعضهم يتقوّى قوة لً تخرجه عن حيّز الضعيف، واعتبر آخرون أنه يتقوّى ويصبح بمجموعهما حسناً لغيره. - وأما إن كان المتابِع مُنحَطاً عن درجة المتابَع وأدنى منه، فلا يجبره ولً يُلتفَت إليه، وهناك رأي لًبن حجر – وتبعه بعض تلامذته في ذلك- وهو: في حال كثرت طرق المتابِّع الضعيف ضعفاً شديداً، فإن كثرة الطرق تكسبه قوة بحيث يرتقي عن كونه منكراً أو لً أصل له، وأضافوا: "بل ربما كثرت الطرق حتى أوصلته إلى درجة المستور والسيئ الحفظ، بحيث إذا وجد له طريق آخر فيه ضعف (1) ابن حجر،النكت، 1/409.
عدد الصفحات ٢٠٣202 قريب محتمل ارتقى بمجموع ذلك إلى درجة الحسن "(1)، وفيما قاله - رحمه الله - نظر، إذ كثرة الطرق الواهية لً تزيد الحديث إلً وهناً وضعفاً، وكذلك يخالف ما عليه كبار أئمة النقد المتقدمين.(2) والله تعالى أعلم وكان من أكثر ما اُنتقد على الترمذي في تعريفه، اشتراط تعدد الطرق في الحديث الحسن، بينما جمع في أحكامه على بعض الأحاديث بين وصفيّ الحسن والغرابة للحديث الواحد، وقد تعددت أجوبة العلماء في توجيه صنيعه رحمه الله، من ذلك: - جواب شيخ الإسلام ابن تيمية بأن الحديث قد يكون غريباً في أصله، ثم تتعدد الطرق عن التابعي، فيجمع بين الغرابة في الأصل، والحُسن لتعدد طرقه بعد ذلك. - وكان جواب ابن رجب بأن المراد أن يُروى معناه من غير وجه، لً بنفس اللفظ، فهذا اللفظ لً يُ عرف إلً من هذا الوجه، لكن لمعناه شواهد بغير لفظه. - وأجاب ابن حجر بأن الترمذي حين عرهف الحسن في كتابه اقتصر على نوع خاص، وهو ما يقول فيه (حسن) من غير صفة أخرى. - وأجاب أبو الفتح اليعمري بأنّ ه لً يُشترط في كل حديث يصفه الترمذي بالحسن مجيئه من غير وجه، إنما الذي يحتاج إلى مجيئِّ ه من غير وجه ما كان راويه في درجة المستور ومن لم تثبت عدالته. - وتوصّل بعض الباحثين إلى أن اشتراط تعدد الطرق في الحديث الحسن عند الترمذي: شرط أغلبي لً كُلّي، واستدل على ذلك بتحسين الترمذي لأحاديث لً يوجد فيها أي مغمز (1) ينظرالبقاعي، النكت، 1/248،السخاوي، فتح المغيث ، 1/97،السيوطي، التدريب، 1/194، السيوطي، البحر الذي زخر، 3/1029. (2) ينظر: الدريس،الحديث الحسن، 5/2183.
عدد الصفحات ٢٠٤203 سوى رواة من أهل الصدق قد خفّ ضبطهم، أي أن وصف الحديث بكونه حسناً عند الترمذي لً يختص بالحسن لغيره، بل يدخل فيه الحسن لذاته(1)، والله أعلم القيد الرابع: قيد السلامة من الشذوذ والنكارة(2): أولاً: السلامة من الشذوذ سبق الإشارة إلى معاني الشاذ في اللغة والاصطلاح - وذلك عند الحديث عن قيود الحديث الصحيح- وأن الشذوذ في الًصطلاح يتراوح بين معانٍّ ثلاثة هي: مخالفة الثقات، أو تفرّدهم، أو التفرّد بشكل عام . وقد نصّ الترمذي باشتراط نفي الشذوذ في تعريفه للحديث الحسن، لكنه لم يحدد معنى الشذوذ، ولم يصف أي حديث في جامعه بالشذوذ، مما جعل تحديد مراده من هذا الًصطلاح أمراً صعباً؛ لً سيما وأن المحدثين لم يتفقوا على تعريف واحد للشذوذ.(3) وقد اجتهد العلماء في تفسيرمُراد الترمذي بالشذوذ على ثلاث مذاهب: - المذهب الأول: تفسيره بالمخالفة(4)، (1) ينظر: الدريس،الحديث الحسن، 4/1643-1645. (2) سبق في فصل الحديث الصحيح الكلام عن قيد نفي الشذوذ، وزِّيد في قيود الحسن نفي النكارة، والمنكر بمعنى الشاذ عند ابن الصلاح، وسيأتي بإذن توضيح كل مصطلح منهما في فصل مستقل، وبيان أوجه التداخل بينهما. (3) ينظر: الدريس، الحديث الحسن، 3/1106 . (4) يرى الدكتور أبو سمحة: أن المراد بالشاذ عند الترمذي: هو مخالفة الراوي -سواء كان ثقةً أو ضعيفاً - للأوثق منه. وأضاف الدكتور الدريس إلى ما ذكره أبو سمحة : شرط ألً يكون الجمع بين الحديثين ممكناً . وقد أضاف الدريس هذا القيد ليجيب عن إشكال تحسين الترمذي لبعض الأحاديث رغم مخالفتها لأحاديث صحيحة، وله في ذلك الشرط سلف، وهو السخاوي حيث قال في تعريف الشاذ اصطلاحا: "ما يخالف =
عدد الصفحات ٢٠٥204 وقال بذلك كلٌ من: ابن تيمية(1)، والزركشي(2)، وابن رجب(3)، وابن حجر(4). - المذهب الثاني فسّره بالتفرّد : وقال به ابن الصلاح (5)، ومن سار على نهجه في تلخيص كتابه أو شرحه دون تعقيب، إلً أن الحافظ ابن حجر تعقهب هذا التفسير لمعنى الشذوذ فقال في كتابه النكت على ابن الصلاح: "قوله(6) :حكاية عن بعض المتأخرين (7) أنه زعم أن قول الترمذي: ولً يكون شاذا "زيادة لً حاجة إليها، لأن قوله يُ روى من غير وجه يغني عنه، ثم قال: فكأنه كرره بلفظ مباين". أقول: ليس في كلامه تكرار بل الشاذ عنده ما خالف فيه الراوي من هو أحفظ منه أو أكثر سواء انفرد به أو لمن ينفرد، كما صرح به الشافعي - رضي الله عنه -. وقوله: يُ روى من غير وجه شرط زايد على ذلك. وإنما يتمشى ذلك على رأي من يزعم أن الشاذ ما تفرد به الراوي مطلقا. وحمل كلام الترمذي على الأول أليق؛ لأن الحمل على التأسيس أولى من الحمل على التأكيد، ولً سيما في التعاريف - والله أعلم"(8). = الراوي الثقة فيه بالزيادة أو النقص فيالسند أو في المتن الملا -بالهمز وسُ هِّّ ل تخفيفا- أي الجماعة الثقات من الناس؛ بحيث لً يمكن الجمع بينهما." المراجع: ينظر: السخاوي، فتح المغيث، 1/244. الدريس، 3/1133، عبدالسلام أبو سمحة،الحديث المنكر، 149-152. (1) " وأما الحسن في اصطلاح الترمذي فهو: ما روي من وجهين وليس في رواته من هو متهم بالكذب ولً هو شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة." ابن تيمية، الفتاوي، 18 /39. (2) "احترز بقوله: "ولً يكون حديثا شاذا" عن الشاذ، وهو: ما خالف فيه الثقة روايات الثقات ". الزركشي، النكت، 1/307 . (3) "الظاهر أنه أراد بالشاذ ما قاله الشافعي، وهو أن يروي الثقات عن النبي خلافه" ابن رجب، شرح العلل، 1/384. (4) ينظر: ابن حجر،النكت، 1/406. (5) حيث صرّح بذلك في تعريفه للحسن الذي نزّله على تعريف الترمذي، وفسّر نفي الشذوذ بمجيء الحديث أو نحوه من طريق آخر. ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، 31. (6) أي الحافظ العراقي،عبدالرحيم بن الحسين العراقي (ت806هـ). ينظر: العراقي،التقييد، 39-40 . (7) يقصد: الحافظ أبي عبدالله علاء الدين مُغلطاي (ت762هـ). ينظرمُغلطاي، إصلاح كتاب ابن الصلاح، 2/122. (8) ابن حجر،النكت، 1/406.
عدد الصفحات ٢٠٦205 - المذهب الثالث : ما ذهب إليه ابن سيّد الناس حيث جمع بين المعنيين (1) ولم يرجّح أحدهما على الآخر، فقال – بعد أن ذكر معاني الشاذ في الًصطلاح: "والذي يظهر من كلام الترمذي التوسع في ذلك، وأن تفرد المستور داخل في مسمى الشاذ."(2) ثم قال بعد ذلك- وهو يظهر تردده في الجزم بالمراد من الشذوذ في تعريف الترمذي-: " إن كان الترمذي يرى الشذوذ: تفرد الثقة أو المستور، من غير اشتراط لمخالفة ما روى الناس، كما اشترط الشافعي، فالشرطان واحد وقوله: "ويُ روى من غير وجه نحو ذلك"، تفسير (1) وهو ما ذهب إليه الدكتور عداب الحمش في كتابه عن منهج الإمام الترمذي في جامعه، فقد تتبع إطلاق الترمذي للفظ (غير محفوظ) -والذي يُعدّ رديفاً للشاذ عند أهل الًصطلاح- على ثمانية وعشرين حديثاً، واستنتج من صنيع الترمذي أنه: استعمل هذا اللفظ استعمالًً يشمل الشاذ والمنكر أو استعمالًً يشمل كل ما يندرج تحت المخالفة وتفرد الضعفاء، ومن يلتحق بهم. فمن أمثلة إطلاقه وصف (غير محفوظ) على مخالفة الثقات: ما أخرجه الترمذي في سننه كتاب الصلاة، باب ما جاء في الأذان بالليل، من حديث ابن عمر: أن النبي قال((إن بلا لً يؤذن بليل...))...ثم قال الترمذي: وروى حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: ((أن بلالً أذن بليل، فأمره النبي أن ينادي: إن العبد نام)) قال الترمذي: هذا حديث غير محفوظ، ... وهذا لً يصح، واستدل بقول علي بن المديني بأنه غير محفوظ، وأخطأ فيه حماد بن سلمة. 1/276 ح203). وحماد بن سلمة من الثقات. يُنظر: الذهبي، الكاشف، 1/349 (1220)، ابن حجر،التقريب، 178 (1499 .) ومن أمثلة إطلاقه وصف (غير محفوظ) على مخالفة الضعيف ما أخرجه الترمذي في سننه كتاب الحج، باب ما جاء في الًغتسال لدخول مكة، من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر قال: ((اغتسل النبي لدخوله مكة بفخ)) قال الترمذي: هذا حديث غير محفوظ، والصحيح ما روى نافع، عن ابن عمر أنه ((كان يغتسل لدخول مكة))،... وعبدالرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف في الحديث؛ ضعفه أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني وغيرهما، ولً نعرف هذا الحديث مرفوعا إلً من حديثه ". 2/200 ح852.) ومن أمثلة إطلاقه وصف (غير محفوظ) على تفرد الضعيف ما أخرجه الترمذي في سننه كتاب الأحكام، باب ما جاء فيمن يكسر له الشيء ما يحكم له من مال الكاسر؟، من حديث سويد بن عبدالعزيز، عن حميد، عن أنس، ((استعار النبي قصعة فضاعت، فضمنها لهم)) قال الترمذي: وهذا حديث غير محفوظ، وإنما أراد عندي سويد الحديث الذي رواه الثوري. 3/33 ح1360.) وسويد بن عبدالعزيز بن نمير السلمي، أبو محمد الدمشقي، قاضي بلعبك، نقل الذهبي قول البخاري: فيه نظر لً يُحتمل، وقال ابن حجر: ضعيف. مات سنة 194هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، 1/472 (2195)، ابن حجر،التقريب، 260 (2692.) ينظر الحمش، الإمام الترمذي، 1/336-342. (2) ابن سيد الناس،النفح الشذي، 1/244-245.
عدد الصفحات ٢٠٧206 لقوله: ولً يكون شاذًا، وإن كان شرطين."(1) وقد ذهب أحد الباحثين إلى أن الخلاصة من مراد الترمذي بالشاذ هو: - أن لً يتفرد الراوي – الذي هو دون الثقة- بالحديث إن كان ممن لً يقوى حاله على التفرّد. - وأن لً يخالف الراوي الثقة غيره إن كان ممن يسمح حاله بالتفرّد. - وأن لً يعارض هذا الحديث أصلاً من الأصول.(2) ما سبق كان بياناً لبعض الًجتهادات في تفسير مراد الترمذي بنفي الشذوذ في حد الحديث الحسن، أما الخطابي فلم ينص على نفي الشذوذ في تعريفه، لكن قد يُشير إليه قوله: "يقبله أكثر الع لماء" إذ الشاذ مردود عندهم، ويُضاف إليه ما ذكره البقاعي من أن: " قول الخطابي: "ما عرف مخرجه" يُ خرِّ ج المعلل فإنه لم يُ عرف مخرجه، والشاذ قسم من أقسام المعلل، والمنكر معلل على كل حال."(3) ورغم اختصار ابن الجوزي لتعريف الحسن إلً أن مفهوم قوله "ما فيه ضعف قريب محتمل"(4) يتضمن نفي الشذوذ المُسبب لضعف الحديث ضعفاً لً يُحتمل، هذا عدا أنه أضاف "ويصلح البناء عليه والعمل" بينما الشاذ لً يصلح لذلك. (1) ابن سيد الناس،المرجع السابق، 1/266-267. (2) ينظر: بلعمري،الشاذ، 72 بتصرّف يسير (3) البقاعي،النكت، 1/232. (4) ابن الجوزي،الموضوعات، 1/35.
عدد الصفحات ٢٠٨