81 اجتمعوا بها من قرار، فأمر شاباً من اليهود كان معه، فقال: أعمد إليهم فأجلس معهم، ثم ذكرهم بيوم بعاث وما كان فيه، وأنشدهم بعض ما تقاولوا فيه من الأشعار، وكان بعاث يوماً اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج، ففعل ـ أي جاء ذلك الشاب وجلس معهم، وذكرهم بلأشعار ـ فتكلم القوم عند ذلك، فتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيَّين: أوس بن قيظى من الأوس، وجابر بن صخر أحد بن سلمة من الخزرج فتقاولا، وقال أحدهما لصاحبه، إن شئت رددتها جذعاً، وغضب الفريقان جميعاً، وقال إرجعا السلاح السلاح، موعدكم الظاهرة ـ وهي حرة ـ فخرجوا إليها فانضمت الأوس و الخزرج بعضها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين حتى جاءهم، فقال: يا معشر المسلمين، أتدعون بدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن أكرمكم الله بالإسلام، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوهم، فألقوا السلاح من أيديهم، وبكوا وتعانقوا، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين، فأنزل الله عز وجل: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ" أي الأوس والخزرج ( إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا م ِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ" يعني شاس بن قيس وأصحابه " يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ) 1 ... لعل سبب نزول الآية يبين حرص اليهود على إثـارة الفتنـة بـين المسـلمين لإضـعافهم وإشـــــغالهم بـــــأمور تافهـــــة عـــــن المهمـــــة التـــــي يجـــــب أن يقومـــــوا بهـــــا مـــــن الـــــدعوة إلـــــى الله، وإصلاح المجتمعات وغير ذلك، ولست في حاجة إلى الإطالة بتفسيرها فهي واضحة. ثانياً: تأليب اليهود كفار قريش ضد ال حابة رض ي الله عنهم: لقــــد ســــبق وأن ذكرنــــا أن اليهــــود نقضــــوا عهــــدهم مــــع النبــــي صــــلى الله ع ليــــه وســــلم وأرادوا قتالـــه وذلـــك فـــي إجــــلاء قبـــائلهم الثلاثـــة، وســـنذكر هاهنــــا أنـــه كـــان يقـــوم الفــــرد مــنهم بــلا ســبب يؤلــب كفــار قــريش علــى قتــال المســلمين هــذا والله هــو الحقــد والحســد، وهــذه حادثــة أذكرهــا هنــا لبيــان الأذى الــذي كــان يقــوم بــه اليهــود ضــد أصــحاب النبــي 1 ـتسهيل الوصول إلى معرفة أسباب النزول –تصنيف خالد عبد الرحمن البيك - دار المعرفة –بيروت- الطبعة الأولى 1998 ص77،78.)
عدد الصفحات ٨١82 صـــلى الله عليـــه وســـلم ألا وهـــي قصـــة كعـــب بـــن الأشـــرف اليهـــودي و هـــو حبـــر ثـــري مـــن أحبار اليهود . يقــول المفســـرون: خــرج كعــب بـــن الأشــرف راكبـــاً فــي ســبعين مـــن اليهــود إلـــى مكــة بعـــد غــزوة أحــد، ليحــالفوا قريشــاً علــى عــداوة النبــي صــلى الله عليــه وســلم وينقضــوا العهــد الذي كان بينهم وبينه، فنزل كعـب علـى أبـي سـفيان، و نزلـت اليهـود دور قـريش، فقـال أهـــــل مكـــــة: إنكـــــم أهـــــل كتـــــاب ومحمـــــد صـــــحاب كتـــــاب، ولا نـــــأمن أن يكـــــون هـــــذا مكـــــر مــنكم، فــإن أردت أن نخــرج معــك فاســجد لهــذين الصــنمين وآمــن بهمــا ففعــل، فــذلك قولــه تعــالى: ( يُؤْمِنُــونَ بِالْجِبْــتِ وَالطَّــاغُوتِ ) 1، ثــم قــال كعــب لأهــل مكــة: ليجــيء مــنكم ثلاثـــون و منـــا ثلاثـــون، فلنـــزق أكبادنـــا بالكعبـــة فنعاهـــد رب البيـــت لنجهـــدن علـــى قتـــال محمــــد، ففعلــــوا ذلــــك، فلمــــا فرغــــوا قــــال أبــــو ســــفيان لكعــــب: إنــــك أمــــرؤ تقــــرأ الكتــــاب وتعلـــم، ونحـــن أميـــون لا نعلـــم، فأينـــا أهـــدى طريقـــاً وأقـــرب إلـــى أحـــق أنحـــن أم محمـــد؟ فقـــال كعـــب: اعرضـــوا علـــ يَّ ديـــنكم، فقـــال أبـــو ســـفيان: ن حـــن ننحـــر للحجـــيج الكومـــاء - نـوع مــن الإبــل - ونســقيهم المـاء، ونقــرى الضــيف ونفــك العـاني - الأســير - ونصــل الــرحم ونعمـــــر بيـــــت ربنـــــا، ونطـــــوف بـــــه، ونحـــــن أهـــــل الحـــــرم، ومحمـــــد فـــــارق ديـــــن آبائـــــه وقطـــــع الـــرحم، وفـــارق الحـــرم، وديننـــا القـــديم وديـــن محمـــد الحـــديث، فقـــال كعـــب أنـــتم والله أهــــدى ســــبيلاً ممــــا هــــو عليــــه 2، فــــأنزل الله تعــــالى: ( أَلَــــمْ تَــــرَ إِلَــــى الَّــــذِينَ أُوتُــــواْ نَصِــــيبًا م ِــــنَ الْكِتَـــابِ يُؤْمِنُـــونَ بِالْجِبْـــتِ وَالطَّـــاغُوتِ وَيَقُولُـــونَ لِلَّـــذِينَ كَفَـــرُواْ هَـــؤُلاء أَهْـــدَى مِـــنَ الَّـــذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً ). ولكعـب هـذا موقـف آخـر كـان بعـد غـزوة بـدر وهـو أنـه لمـا أصـيب المشـركون فـي بــدر، وقبـــــل رجـــــوع النبـــــي صـــــلى الله عليـــــه وســـــلم إلـــــى المدينـــــة بعـــــث رجلـــــين ليبشـــــرا المســـــلمين بالمدينــة بقتــل مــن قُتــل مــن المشــركين، فلمــا ســمع كعــب بــن الأشــرف بهــذا قــال: أتــرون أنَّ محمـــداً قتـــل هـــؤلاء الـــذين يســـمى هـــذان الـــرجلان، فهـــؤلاء أشـــراف العـــرب وملـــوك النــاس، والله لــئن كــان محمــد أصــاب هــؤلاء القــوم لــبطن الأر خيــر مــن ظهرهــا. فلمــا تــيقن الخبــر، خــرج حتــى أتــى مكــة، فنــزل علــى المطلــب بــن أبــي وداعــة الســهمي، وجعــل 1ـ الآية51 من سورة النساء 2ـ تسهيل الوصول - ص (102،103) والتحرير والتنوير 4 /156)
عدد الصفحات ٨٢83 يحر على رسول الله صـلى الله عليـه وسـلم وعلـى المسـلمين، وينشـد الأشـعار، ويبكـي أصـــــحاب القليـــــب مـــــن قـــــريش الـــــذين أصـــــيبوا ببـــــدر، لإثـــــارة حميـــــة قـــــريش علـــــى حـــــرب المسلمين، ولم يكتف بهذا بل رجع المدينة، وشيب نساء المسلمين حتى آذاهم1 . ثالثاً: اليهود يتحالفون مع المنافقين ضد ال حابة رض ي الله عنهم مــن أبــرز أخــلاق اليهــود الغــدر، ونقــض العهــد، وقــد ســبق ذكــر شــ يء مــن غــدرهم فــي الفصـــل الأول مـــن هـــذا البحـــث، ومـــا ســـأذكره هنـــا هـــو أعظـــم مـــن الغـــدر إذ جمـــع يهـــود بني النضير بين الغدر والتحالف مع المنافقين، فقد ذكر أهـل التفسـير قصـتهم تلـك فـي أول سورة الحشر وسأذكرهاهنا باختصار: قــال المفســرون: نزلــت هــذه الســورة فــي بنــي النضــير وهــم طائفــة مــن اليهــود، وذلــك أن النبي صلى الله عليـه وسـلم لمـا دخـل المدينـة صـالحه بنـو النضـير علـى أن لا يقـاتلوه ولا يقـــاتلوا معـــه، فقبلمـــنهم ذلـــك رســـول الله صـــلى الله عليـــه وســـلم، فلمـــا كانـــت غـــزوة أحد أظهروا العداوة للمسلمين ونقضوا العهد الذي كـان بيـنهم، وحـالفوا كفـار قـريش والمنافقين لقتال المسلمين. روى أبـــو داود فـــي ســـننه بســـنده عـــن عبـــد الـــرحمن بـــن كعـــب بـــن مالـــك عـــن رجـــل مـــن أصــحاب النبــي صــلى الله عليــه وســلم مــا خلاصــته: "كتبــت كفــار قــريش إلــى اليهــود بعــد وقعــــــــة بــــــــدر، إنكــــــــم أهــــــــل الحلقــــــــة والحصــــــــون، وإنكــــــــم لتقــــــــاتلن صــــــــاحبنا أو لــــــــنفعلن ولــنفعلن، فلمــا بلــغ كتــابهم اليهــود أجمعــت بنــو النضــير علــى الغــدر، فأرســلت إلــى النبــي صلى الله عليه وسلم: أخـرج إلينـا ثلاثـين رجـلاً مـن أصـحابك، ولنخـرج لـك ثلاثـين حبـراً حتــى نلتقــي فــي مكــان كــذا وكــذا، نَصَــفٌ بيننــا وبيــنكم، فيســمعوا منــك، فــإذا صــدقوك وآمنــوا بــك آمنــا كلنــا، فخــرج رســول الله صــلى الله عليــه وســلم فــي ثلاثــين مــن أصــحابه، وخــرج إليـــه ثلاثـــون حبـــراً حتــى إذا بـــرزوا فـــي بـــراز مــن الأر ، قـــال بعـــض اليهـــود لـــبعض كيف تخلصون إليه ومعه ثلاثون رجلاً من أصحابه كلهم يحب الموت قبله؟ فأرسـلوا إليــــه كيــــف تفهــــم ونفهــــم ونحــــن ســــتون رجــــلاً؟ أخــــرج فــــي ثلاثــــة مــــن أصــــحابك، ويخــــرج إليــك ثلاثــة مــن علمائنــا فليســمعوا منــك، فخــرج النبــي صــلى الله عليــه و ســلم فــي ثلاثــة نفـــر مـــن أصـــحابه، واشـــتمل اليهـــود علـــى الخنـــاجر وأرادوا الفتـــك برســـول الله صـــلى الله 1 ـ السيرة النبوية –لابن هشام (3 /47- 49)
عدد الصفحات ٨٣84 عليـه وسـلم فأرسـلت امـرأة ناصـحة إلـى أخيهـا ــــ وهـو رجـل مسـلم مـن الأنصارــ فأخبرتـه خبــــــر مــــــا أرادت اليهــــــود مــــــن الغــــــدر برســــــول الله صــــــلى الله عليــــــه وســــــلم، فخــــــرج أخوهــــــا ســريعاً إلــى النبــي صــلى الله عليــه وســلم فســار بخبــرهم قبــل أن يصــل إلــيهم النبــي صــلى الله عليه وسلم، فرجع عليه الصلاة والسـلام 1 ونبـذا إلـيهم عهـدهم وقـال لهـم أخرجـوا مــــن المدينــــة وقــــالوا: المــــوت أقــــرب إلينا،رســــول لهــــم ثــــم إن المنفقــــين، عبــــد الله بــــن أبــــي وأصـحابه إلــيهم أن تخرجـوا مــن الحصــين ـــــــــ جمــع حصـن ـــــــــ فــإن قـاتلوكم فــنحن معكــم ولا نخذلكم ولننصرنكم لئن أخرجتم لنخرجن معكم فـدربوا علـى الأزقـة وحصـنوها2، فشــد ذلــك مــن عــزم اليهــود علــى الغــدر وعــد الخــروج مــن المدينــة، وفــي ذلــك يقــول الله تعــالى: ( أَلَــمْ تَــر إِلَــى الَّــذِينَ نَــافَقُوا يَقُولُــونَ لإِِخْــوَانِهِمُ الَّــذِينَ كَفَــرُوا مِــ نْ أَهْــلِ الْكِتَــابِ لَــئِنْ أُخْـــــرِجْتُمْ لَنَخْـــــرُجَنَّ مَعَكُـــــمْ وَلاَ نُطِيـــــعُ فِـــــيكُمْ أَحَـــــدًا أَبَـــــدًا وَإِن قُـــــوتِلْتُمْ لَنَنصُـــــرَنَّكُمْ وَاللَّـــــهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) 3 . قـــال ابـــن كثيـــر رحمـــه الله : ( يخبـــر تعـــالى عـــن المنـــافقين كعبـــد الله بـــن أبـــي وأحزابـــه حيث بعثوا إلى يهود بني النضـير يعـدونهم النصـر مـن أنفسـهم فقـال الله تعـالى إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِِخْوَانِهِمُ ). فهــذا مــن أقــوى الشــواهد علــى تحــالف اليهــود مــع المنــافقين بــل لقــد كانــت هنــاك مــودة ومحبـــة علـــى المســـتوى الشخصـــ ي يـــدل علـــى ذلـــك مـــا حصـــل مـــن اليهـــود عنـــدما أوشـــك رأس النفـــاق عبــــد الله بـــن أبــــي علـــى مفارقــــة الحيـــاة إذ أحــــاط اليهـــود بســــريره، وأخــــذوا يبكـــــــون وينتحبــــــــون، فغضــــــــب لــــــــذلك ابنــــــــه عبـــــــد الله بــــــــن عبــــــــد الله بــــــــن أبــــــــي، وأراد أن يطردهم فقال له أبوه: دعهم فـإن قـربهم منـي يشـفي صـدري، فقـال لـه اليهـود: يـا عبـد الله نـــو د أن نفـــديك بأموالنـــا ودمائنـــا، فلمـــا مـــات أرادوا دفنـــه فمنعـــوا مـــن ذلـــك، وبعـــد دفنه أخذ اليهود ينثرون التراب على رؤوسهم من شدة حزنهم عليه4 . الخلاصــة لقـــد تعامــل اليهـــود مــع المـــؤمنين فـــي مختلــف العصـــور أســوأ معاملـــة وبـــأقبح الأخلاق وأسوئها، إذ لا يوجد أسوأ من التجرؤ على قتل مؤمن بغير جرم ارتكبـه، ومـع 1 ـ سنن أبي داود- في كتابي الخراج و الأمارة رقم 3004 . 2 ـ تفسير الخازن 4/272 /273 ) و غيره من كتب التفسير كالقرطبي و ابن كثير في أول سورة الحشر 3 ـ الآية11 من سورة الحشر 4 ـ بنو إسرائيل في القرآن و السنة - ص 240 (بتصرف ).
عدد الصفحات ٨٤85 ذلــك أقــدم اليهــود علــى قتـــل بعــض المــؤمنين بــل الصـــالحين مــن المــؤمنين... هــذا فضـــلاً عن انتهاك الأعرا وتدبير المكائد ضدهم، ومن فعل هـذا مـع أنبيـاء الله ورسـله فإنـه يهون عليه مع المؤمنين، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. والله أعلم.
عدد الصفحات ٨٥86 الفصل الخامس طائفة من أخلاق اليهود النفسية المبحث الأول: البخل والجشع. المبحث الثاني: الحسد والحقد. المبحث الثالث: النفاق والمداهنة. المبحث الرابع: التكبر والغرور. المبحث الخامس: الجبن من مقاتلة أعداء.
عدد الصفحات ٨٦87 المبحث الأول البخل والجشع إن من صفات اليهو د التي اشتهروا وعرفوا بها البخل والجشع وكل واحـدة منهـا شـر مــن الأخــرى، لأنهمــا تؤديــان أحيانــاً إلــى ســفك الــدماء وانتهــاك الحرمــات بــل وقــد يــؤدي البخـــل إلــــى ضـــياع الــــدين والكفـــر بــــرب العـــالمين ولهــــذا قـــال الله تعــــالى نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُْفْلِحُونَ )1 . ولقـــــد ســـــجل الله تعـــــالى فـــــي كتابـــــه مـــــا اتصـــــف بـــــه اليهـــــود مـــــن البخـــــل والجشـــــع تحـــــذيراً للمـــــؤمنين مـــــن الوقـــــوع فيمـــــا وقـــــع فيـــــه اليهـــــود مـــــن الصـــــفات الذميمـــــة، وســـــأتكلم عـــــن هذين الخلقين على حسب ما ورد في الآيات والأحاديث باختصار: أولاً: الجشع: وهـــو نـــاتج عـــن شـــدة حـــرص اليهـــود علـــى الحيـــاة وقـــد دل علـــى ذلـــك قـــول الله تعـــالى: ( وَلَتَجِـــدَنَّهُمْ أَحْـــرَصَ النَّـــاسِ عَلَـــى حَيَـــاةٍّ وَمِـــنَ الَّـــذِينَ أَشْـــرَكُواْ يَـــوَدُّ أَحَـــدُهُمْ لَـــوْ يُعَمَّـــرُ أَلْـــفَ سَنَةٍّ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَالل هُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ) 2 . يقـــول الســـعدي رحمـــه الله تعـــالى: (وهـــم - اليهـــود - أحـــرص علـــى الحيـــاة مـــن كـــل أحـــد مـــن النـــاس حتـــى مـــن المشـــركين الـــذين لا يؤمنـــون بأحـــد مـــن الرســـل والكتـــب، ثـــم ذكـــر شــدة محبــتهم للــدنيا فقــال: "يَــوَدُّ أَحَــدُهُمْ لَــوْ يُعَمَّــرُ أَلْــفَ سَــنَةٍّ" وهــذا أبلــغ مــا يكــون مــن الحرص )3. وقال الخـازن رحمـه الله تعـالى: (فـإن قلـت: الـذين أشـركوا قـد دخلـوا تحـت النـاس فــي قولــه "أحــرص النــاس" فلــم أفــردهم بالــذكر؟ قلــت: أفــردهم بالــذكر لشــدة حرصــهم وفيه توبيخ عظيم لليهود لأن الـذين لا يؤمنـون بالمعـاد ولا يعرفـون إلا الحيـاة الـدنيا لا يســـتبعد حرصـــهم عليهـــا، فـــإذا زاد علـــيهم فـــي الحـــرص مـــن لـــه كتـــاب وهـــو مقـــر بالبعـــث والجزاء كان حقيقاً بالتوبيخ العظيم 4 . 1ـ الآية9 من سورة الحشر 2ـ الآية96 من سورة البقرة. 3ـ تفسير السعدي56 /57 .) 4ـ تفسير الخازن 1 /61 ) باختصار
عدد الصفحات ٨٧88 ومما يدل على جشع اليهود وحرصـهم علـى الحيـاة الـدنيا مـا حصـل مـنهم مـع بعـض الصحابة من مواقف مخجلة نذكر منها هذين الموقفين: أحدهما: روى البخـاري 1 فـي صـحيحه عـن جـابر بـن عبـد الله قـال: كـان بالمدينـ ة يهـودي وكان يسـلفني فـي ثمـري إلـى الجـذاذ –أي الحصـاد- فجلسـت الأر فخـلا النخـل عامـاً، فجـــاءني اليهــــودي عنــــد الجــــذاذ، ولــــم أجـــذَّ منهــــا شــــيئاً، فجعلــــت اســــتنظره –أي يطلــــب منـــــــه التـــــــأخير- إلـــــــى قابـــــــل فيـــــــأبى، فـــــــأُخبر بـــــــذلك النبـــــــي صـــــــلى الله عليـــــــه وســـــــلم، فقـــــــال لأصــــحابه: ( امشــــوا نســــتنظر لجــــابر مــــ ن اليهــــودي )، فجــــاءوني فــــي نخلــــي، فجعــــل النبــــي صــــلى الله عليــــه وســــلم يكلــــم اليهــــودي، فيقــــول: أبــــا القاســــم لا أُ نظِــــ رْ ه، فلمــــا رأى النبــــي صــلى الله عليــه وســلم ذلــك منــه، قــام فطــاف فــي النخــل ثــم جــاءه فكلمــه فــأبى، فقمــت فجئـــت بقليـــل مـــن الرطـــب فوضـــعته بـــين يـــدي النبـــي صـــلى الله عليـــه وســـلم فأكـــل، ثـــم قال: أين عريشك يا جابر؟ فأخبرته، فقـال: افـرش لـي فيـه، ففرشـته فـدخل فرقـد ثـم اســتيقظ، فجئتــه بقبضــة أخــرى، فأكــل منهــا ثــم قــام فكلــم اليهــودي فــأبى عليــه، فقــام في النخلة الثانية، ثم قال: يا جابر، جذ واقـض، فوقـف فـي الجـذاذ، فجـذذت منهـا مـا قضــــيته، وفضــــل منـــــه، فخرجــــت حتـــــى جئــــت ال نبـــــي صــــلى الله عليـــــه وســــلم، فبشـــــرته، فقال أشهد أني رسول الله؟ قلــت: انظــر إلــى هــذا اليهــودي يطلـــب منــه أمــين أهــل الســماء والأر ســيدنا محمـــد صــلى الله عليــه وســلم أن يؤجــل ديــن جــابر فــلا يقبــل منــه ذلــك، فكيــف لــو طلــب منــه مــــاهو أكبــــر مــــن ذلــــك ك إســــقاط جــــزء مــــن الــــدين مــــثلاً ؟ فهــــذا إن دل فإنمــــا يــــدل علــــى شدة حرصه وعلى جشعه. الثــــاني: روى أحمــــد فــــي مســــنده والطبرانــــي فـــــي الصــــغير والأوســــط عــــن ابــــن أبــــي حـــــدود الاســلمي أنــه كــان ليهــودي عليــه أربعــة دراهــم، فاســتعدى عليــه، فقــال: يــا محمــد إن لــي على هذا أربعة دراهم، وقد غلبني عليهـا، قـال: أعطـه حقـه، قـال: والـذي بعثـك بـالحق مــا أقــدر عليهــا، قــال: أعطــه حقــه، وقــال: الــذي بعثــك بــالحق لا أقــدر عليهــا، قــد أخبرتــه أنــك تبعثنــا إلــى خيبــر فــأرجو أن تُغْنِمَنــا شــيئاً فــأرجع فأقضــه، قــال: أعطــه حقــه، قــال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال ثلاثاً لم يراجع، فخـرج بـه ابـن أبـي حـدود إلـى 1ـ صحيح البخاري رقم 5443)
عدد الصفحات ٨٨89 الســوق وعلــى رأســهعصــابة وهــو متــزر ببــردة، فنــزع العمامــة عــن رأســه فــأتزر بهــا، ونــزع البـردة، فقــال: اشــتر منــي هــذه البــردة، فباعهــا منــه بأربعــة دراهــم، فمــرت عجــوز فقالــت مالـــك يــــا صــــاحب رســـول الله صــــلى الله عليــــه وســـلم فأخبرهــــا، فقالــــت: هـــا دونــــك هــــذا البرد، لبرد طرحته عليه 1 . ثانيــاً: البخــل : وهــو منــع ا لحــق الواجــب، وقــد دل علــى بخــل اليهــود قولــه تعالى يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَـا آتَـاهُمُ الل ـهُ مِـن فَضْـلِهِ وَأَعْتَـدْنَا لِلْكَـافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا ) 2. قـال الخـازن (قـال ابـن عبـاس: نزلـت فـي كـروم بـن زيـد، ويحيـى بـن أخطـب ورفاعـة بـــن زيـــد بـــن التـــابوت وأســـامة بـــن حبيـــب، ونـــافع بـــن أبـــي نـــافع ويحيـــى بـــن يعمـــر -هـــؤلاء كلهـــــــم يهـــــــود- وكـــــــانوا يـــــــأتون رجـــــــالاً مـــــــن الأنصـــــــار ويخـــــــاطبونهم يقولـــــــون لهـــــــم لا تنفقـــــــوا أمـــوالكم، فإنَّـــا نختـــ ى علـــيكم الفقـــر، ولا تـــدرون مـــا يكـــون، فـــأنزل الله عـــز وجـــل هـــذه الآيــة، وقيــل: يحتمــل أن يكــون المــراد بالبخــل كتمــان العلــم، ومنــع المــال، لأن البخــل فــي كــلام العــرب منــع الســائل مــن فضــل مــا لديــه وإمســاك المقتنيــات، وفــي الشــرع البخــل: عبــارة عــن إمســاك الواجــب ومنعــه، وإذا كــان ذلــك فــأمكن حملــه علــى منــع المــال ومنــع العلم. قولــــه تعــــالى: ( و ي ك ت م ــــون م ــــا آت ــــاه م الل ــــه ممــــن ف ض ــــلمهم ) يعنــــي اليهــــود كتمــــوا صــــفة محمد صلى الله عليه وسـلم، ومـا عنـدهم مـن العلـم، وقيـل: هـم الأغنيـاء كتمـوا الغنـى وأظهروا الفقر، وبخلوا بالمال، عن أبي سـعيد الخـدري قـال: قـال رسـول الله صـلى الله عليـــــــه وســـــــلم ] الترمذي وقال: حديث غريب 3. وممــا يـــدل علـــى بخـــل اليهـــود وجشـــعهم مــا رواه الشـــيخان عـــن أبـــي هريـــرة رضـــ ي عنــــه أنــــه ســــمع رســــول الله صــــلى الله عليــــه وســــلم يقــــول: ( إن ثلاثــــة فــــي بنــــي إســـــرائيل 1ـ اليهود في السنة المطهرة 2 /487 .) 2ـ الآية37 من سورة النساء 3ـ تفسير الخازن 1 /375 .)
عدد الصفحات ٨٩90 أبـــرص وأقـــرع وأعمـــى بـــدا لله)1 عـــز وجـــل أن يبتلـــيهم، فبعـــث إلـــيهم ملكـــاً، فـــأتى الأبـــرص فقــال: أي شــ يء أحــب إليــك؟ قــال: لــون حســن وجلــد حســن، قــد قــذرني النــاس، قــال: فمسحه، فذهب عنه، فاعطى لوناً حسنا وجلداً حسناً، فقـال: أي المـال أحـب إليـك، قـــال: البقـــر... والحـــديث طويـــل مشـــهور جـــاء فـــي آخـــره: فـــأنتج لهـــذا ووَّلـــد هـــذان، فكـــان لهــذا واد مــن الإبــل ولهــذا واد مــن البقــر ول هــذا واد مــن الغــنم، ثــم إنــه –أي الملــك- أتــى الأبــــرص فــــي صــــورته وهيئتــــه –عنــــدما كـــــان أبــــرص - فقــــال: رجــــل مســــكين تقطعــــت بـــــه الحبال في سفره فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالـذي أعطـاك اللـون الحسـن والجلــد الحســن والمــال بعيــراً أتبلــغ بــه فــي ســفري، فقــال لــه: الحقــوق كثيــرة، قــال: كــأني أعرفـك، ألــم تكــن أبــرص يقـذرك النــاس، فقيــراً فأعطــاك الله؟ فقـال: لقــد ورثــت لكــابر عــن كــابر، وهكــذا كــان شــأن الملــك مــع صــاحب البقــر وكــان جوابــه لــه كصــاحب الإبــل، وأمــــا صــــاحب الغــــنم فقــــال لــــه: قــــد كنــــت أعمــــى فــــرد الله بصــــري وفقيــــراً فأغنــــاني الله، فخذ ما شئت فوالله لا أجهدك اليوم بت يء أخذته لله، فقال له الملك: أمسك مالك فإنما ابتليتم، فقد رض ى الله عنك وسخط عن صاحبيك2 . فهــذا الموقــف مــن الأقــرع والأبــرص يــدل علــى البخــل ونكــران الجميــل فــي آن واحــد، ولعـــل فـــي هـــذا الأثـــر والـــذي قبلـــه مـــا يكفـــي للدلالـــة علـــى اتصـــاف اليهـــود بهـــذه الخصـــلة الذميمة... والله أعلم. وأخيراً قد وصف الله تعـالى اليهـود بأشـد البخـل وأقبحـه حيـث قـال جـل جلالـه: ( أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ م ِنَ المُْلْكِ فَإِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا ) 3. قـــال الخـــازن قولـــه تعـــالى: ( أَمْ لَهُـــمْ نَصِـــيبٌ م ِـــنَ المُْلْـــكِ ) هـــذا اســـتفهام اســـتنكاري، يعنـي لــيس لهـم مــن الملـك شــ يء البتــة، وذلـك أن اليهــود كـانوا يقولــون نحـن أولــى بالملــك والنبـــــوة مـــــن العـــــرب، فكيـــــف نتـــــبعهم، فأكـــــذبهم الله تعـــــالى وأبطـــــل دعـــــواهم ( فَـــــإِذًا لاَّ يُؤْتُــونَ النَّــاسَ نَقِيــرًا ) هــذا جــواب وجــزاء لمضــمر تقــديره، ولــئن كــان لهــم نصــيب وحــظ مـــن الملـــك فـــلا يؤتـــون النـــاس منـــه نقيـــراً فوصـــفهم الله بالبخـــل فـــي هـــذه الآيـــة ووصـــفهم 1ـ بدا لله: أي سبق في علمه فأراد إظهاره، و في رواية ( أراد الله أن يبتليهم ) نقلا عن هامش اليهود في السنة المطهرة ( 2/489 .) 2ـ البخاري رقم 3464) ومسلم رقم 2964.) 3ـ الآية53 من سورة النساء
عدد الصفحات ٩٠91 بالجهـــــل فـــــي الآيـــــة الســـــابقة ( وَيَقُولُـــــونَ لِلَّـــــذِينَ كَفَـــــرُواْ هَـــــؤُلاء أَهْـــــدَى مِـــــنَ الَّـــــذِينَ آمَنُـــــواْ سَـــــــبِيلاً) 1 ووصـــــــفهم بالحســـــــد فـــــــي الآيـــــــة الآتيـــــــة( أَمْ يَحْسُـــــــدُونَ النَّـــــــاسَ ) وهـــــــذه ســـــــيأتي تفسيرها 2 . لعلــــك أخــــي الكــــريم قــــد اتضــــح لــــك بجــــلاء مــــدى مــــا وصــــل إليــــه اليهــــود مــــن البخــــل والشــــح ولهــــذا حــــذر النبــــي صــــلى الله عليــــه وســــلم مــــ ن الشــــح وهــــو أشــــد البخــــل وقــــال: ( إيـــاكم والشــــح؛ فإنمـــا هلــــك مـــن كــــان قـــبلكم بالشــــح: أمـــرهم بالبخــــل فبخلـــوا، وأمــــرهم بالقطيعــــة فقطعــــوا، وأمــــرهم بــــالفجور ففجــــروا) رواه أبــــو داود و صــــححه الألبــــاني فــــي السلسلة الصحيحة . 1ـ الآية51 من سورة النساء 2 ـ الخازن 1 /389) بتصرف يسير
عدد الصفحات ٩١92 المبحث الثاني الحسد والحقد إن مـــن أقـــبح الصـــفات التـــي يتصـــف بهـــا إنســـان أن يحســـد أخـــاه الإنســـان علـــى فضـــل أعطــــاه الله تعــــالى إيــــاه، ولقــــد كــــان الحســــد والحقــــد مــــن أبــــرز صــــفات اليهــــود النفســــية ودل على ذلك آيات من الكتاب وآثار من السنة فإلى بيانها بع ون الله تعالى: أولاً : قال الله تعالى حَسَدًا م ِنْ عِندِ أَنفُسِهِم م ِن بَعْدِ مَـا تَبَـيَّنَ لَهُـمُ الْحَـقُّ فَـاعْفُواْ وَاصْـفَحُواْ حَتَّـى يَـأْتِيَ الل ـهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ الل هَ عَلَى كُل ِ ش َيْءٍّ قَدِيرٌ ) 1 . قـــال الخـــازن رحمـــه الله تعـــالى : نزلـــت هـــذه الآيـــة فـــي نفـــر مـــن اليهـــود، وذلـــك أنهـــم قالوا لحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر بعد وقعة أحد لو كنتم على الحق ما هـربتم فارجعا إلى ديننا فنحن أهدى سـبيلاً مـنكم، فقـال عمـار بـن ياسـر: كيـف نقـض العهـد فــيكم؟ قــالوا: شــديد، قــال: إنــي عاهــدت أن لا أكفــر بمحمــد صــلى الله عليــه وســلم مــا عشـــت، قالـــت اليهـــود: أمـــا هـــذا فقـــد صـــبأ، وقـــال حذيفـــة: أمـــا أنـــا فقـــد رضـــيت الله ربـــاً وبمحمــد رســولاً وبالإســلام دينــاً، وبــالقرآن إمامــاً وبالكعبــة قبلــة وبــالمؤمنين إخوانــاً، ثــ م إنهمـــــا أتيـــــا رســـــول الله صـــــلى الله عليـــــه وســـــلم فـــــأخبراه بـــــذلك، فقـــــال: أحســـــنتما الخيـــــر وأفلحتمـا فــأنزل الله الآيــة، قولـه تعــالى: ( وَدَّ كَثِيــرٌ م ِـنْ أَهْــلِ الْكِتَــابِ ) أي تمنـى كثيــر مــن اليهود ( لَوْ يَرُدُّونَكُم ) يا معشر المؤمنين ( م ِن بَعْـدِ إِيمَـانِكُمْ كُفَّـاراً ) أي ترجعـون إلـى مـا كنــــتم عليـــــه مـــــن الكفــــر النعمة عمن يستحقها، وربما يكون مع ذلك سعي لإزالتها2. وقـــال ابـــن كثيـــر رحمـــه الله تعـــالى: (يُحـــذ ر تعـــالى عبـــاده المـــؤمنين عـــن ســـلوك طريـــق الكـــــافرين مـــــن أهـــــل الكتـــــاب، ويعلمهـــــم بعـــــداوته م لهـــــم فـــــي البـــــاطن والظـــــاهر، ومـــــا هـــــم مشــتملون عليــه مــن الحســد للمــؤمنين مــع علمهــم بفضــلهم وفضــل نبــيهم محمــد صــلى الله عليــه وســلم، قــال محمــد بــن إســحاق بســنده عــن ابــن عبــاس قــال أخطـــب وأبـــو ياســـر ابـــن أخطـــب مـــن أشـــد يهـــود للعـــرب حســـداً إذ خصـــهم الله برســـوله 1ـ الاية109 من سورة البقرة 2ـ تفسير الخازن 1 /70) باختصار
عدد الصفحات ٩٢93 صلى الله عليه وسلموكانا جاهدين في رد عن الناس الإسلام ما استطاعا، فـأنزل الله فيهما ( وَدَّ كَثِيرٌ م ِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ) الآيـة، قولـه تعـالى: ( كُفَّـاراً حَسَـدًا م ِـنْ عِنـدِ أَنفُسِـهِم م ِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ) يقول من بعـد مـا أضـاء لهـم الحـق لـم يجهلـوا منـه شـيئاً، ولكن حملهم الحسد على الجحود فغيرهم الله تعالى ووبخهم ولا مهم أشد الملامة1. ثانيـــاً: قولـــه تعـــالى إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمً ا )2 . قــال النســفي رحمــه الله تعــالى : (ثــم وصــف الله اليهــود بالبخــل والحســد وهمــا مــن شر الخصال، يمنعون ما لهم ويتمنون ما لغيرهم.... قوله تعالى ( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ ) بـــل أيحســـدون رســـول الله صـــلى الله عليـــه وســـلم والمـــؤمنين، جـــاء الاســـتفهام للدلالـــة علـــى إنكـــار الح ســـد واســـتقباحه وكـــان اليهـــود يحســـدون الرســـول صـــلى الله عليـــه وســـلم والمؤمنين على ما آتاهم الله من النصرة والغلبة وازدياد العز، والتقدم كل يوم. قولـــــه تعـــــالى ( فَقَـــــدْ آتَيْنَـــــآ آلَ إِبْـــــرَاهِيمَ الْكِتَـــــابَ ) يعنـــــي بالكتـــــاب التـــــوراة وبالملـــــك ملـــــك يوســــف وداود وســــليمان علــــيهم الســــلا م، وهــــذا إلــــزام لليهــــود بمــــا عرفــــوه مــــن إيتــــاء الله الكتــــاب والحكمــــة آل إبــــراهيم الــــذين هــــم أســــلاف محمــــد صــــلى الله عليــــه وســــلم وأنــــه ليس ببدع أن يؤتين الله مثل ما أوتى أسلافه3 . ثالثــاً روى ابــن ماجــه فــي ســننه بســنده عــن ابــن عبــاس قــال: قــال رســول الله صــلى الله عليه وسلمسدتكم اليهود على ش يء ما حسدتكم على آمين، فـأكثروا قـول آمين4 . رابعـــاًروى الإمـــام أحمـــد وابـــن خزيمـــة فــــي صـــحيحه عـــن عائشـــة قالـــت: "بينمـــا أنــــا عنــد النبــي صــلى الله عليــه وســلم إذ اســتأذن رجــل مــن اليهــود، فــأذن لــه فقــال: الســام عليك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وعليك، قالت: فهممت أن أتكلم، قالت: ثـم دخــل الثانيــة، فقــال مثــل ذلــك، فقــال النبــي صــلى الله عليــه وســلم: وعليــك، ثــم دخــل الثالثــــة، فقــــال: الســــام عليــــك، قالــــت: فقلــــت: بــــل الســــام علــــيكم وغضــــب الله إخــــوان 1ـ تفسير ابن كثير1 /153 ) باختصار 2ـ الآية54 من سورة النساء 3ـ تفسير النسفي1 /365 .366 ) بتصرف يسير 4ـ سنن ابن ماجه رقم 857 .)
عدد الصفحات ٩٣94 القـردة والخنــازير، أتحيــون رســول صـلى الله عليــه وســلم، بمــا لـم يحيــه بــه الله، قالــت فنظــــر إلــــيَّ وقــــال ( إن الله لا يحــــب الفحــــش ولا الــــتفحش، قــــالوا قــــولاً فرددنــــاه علــــيهم، فلم يضرنا شيئاً، ولزمهم إلى يوم القيامـة، إنهـم لا يحسـدونا علـى شـ يء كمـا يحسـدونا علــــى يــــوم الجمعــــة التــــي هــــدانا الله لهــــا وصــــلوا عنهــــا، وعلــــى القبلــــة التــــي هــــدانا الله لهــــا وضلوا عنها وعلى قولنا خلف الإم ام آمين )1. وقد ذكر الهيثمي عن معاذ بن جبل قصة مشـابهة لكـن فـي آخرهـا: "إن اليهـود قـوم ســــئموا ديــــنهم، وهــــم قــــوم حســــد، ولــــم يحســــدوا المســــلمين علــــى أفضــــل مــــن ثــــلاث: رد الســـــلام، وإقامـــــة الصـــــفوف، وقـــــولهم خلـــــف إمـــــامهم فـــــي المكتوبـــــة آمـــــين. ثـــــم قـــــال رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن 2 . إن هذه النصوص وما شاكلها ممـا لـم نثبتـه هنـا لتـدل دلالـة واضـحة علـى الحسـد الـــــذي مـــــلأ قلـــــوب اليهـــــود تجـــــاه المســـــلمين وقـــــد تحـــــول الحســـــد عنـــــدهم إلـــــى حقـــــد، لأن الحســـــد إذا تجـــــاوز عـــــن كونـــــه شـــــيئاً يخـــــتلج فـــــي الصـــــدر ألـــــى شـــــدة الحقـــــد و الكراهيــــــة للمحسـود أو المحقــود عليــه، ولســت فــي حاجــة إلـى إطالــة هــذا المبحــث بنقــل النصــوص الدالة على كراهية اليهود للمسلمين والحقد عليهم لأنه قد سبق فـي الفصـلين الأول و الثــاني شــ يء مــن مكائــدهم ضــد الإســلام والمســلمين إذ كــل مــا ذكــر مــن نقضــهم للعهــود ومحـاولتهم لقتــل النبـي صــلى الله عليـه وســلم وتحـالفهم مــع المشـركين والمنــافقين ليــدل دلالة واضحة على حقدهم وكراهيتهم للإسلام وللمسلمين. والله أعلم. 1ـ مسند الإمام أحمد6 /134) وصحيح ابن خزيمة 1 /388) رقم 574 2ـ نقلاً منكتاب اليهود في القرآن و السنة المطهرة - د. محمد اديب الصالح -(2/484)
عدد الصفحات ٩٤95 المبحث الثالث النفاق والمداهنة لقــــد قــــدمنا فــــي الفصــــل الســــابق فــــي مبحــــث أخــــلاق اليهــــود مــــع القــــرآن الكــــريم أن مــــن الأخـــــلاق التـــــي تخلقـــــوا بهـــــا لمحـــــو نـــــور القـــــرآن أنهـــــم أظهـــــروا الإيمـــــان بـــــه وأبطنـــــوا الكفـــــر نفاقـــاً، و ذكرنـــا هنـــاك بعـــض أســـماء المنـــافقين مـــن يهـــود بنـــي قينقـــاع وغيـــرهم، وســـأذكر هنا ما يدل على نفـاقهم مـن القـرآن بحسـب مـا يقتضـيه المقـام، ثـم أعـر ِج علـى مـا كـان مــــنهم مــــن المداهنــــة وهــــي المجاملــــة فــــي الباطــــل ومســــايرة الواقــــع بحســــب المصــــلحة دون الرجوع إلى الحق ولا شك أن ذلك لون من ألـوان النفـاق لا يرضـاه أصـحاب المـروءات فضــــلاً عــــن أهــــل الديانــــة الــــذين يجــــب أن يستمســــكوا بــــالحق، والآن إليــــك النصــــوص الدالة على ذلك: أولاً: قوله تعالى:(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِالل هِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ) 1 . قبـــــل نقـــــل كـــــلام المفســـــرين فـــــي هـــــ ذه الآيـــــة أقـــــول: (لـــــم تكـــــن العـــــرب تعـــــر ف النفـــــاق بـــــل أنقســــــموا عنــــــد مبعــــــث النبــــــي صــــــلى الله عليــــــه وســــــلم إلــــــى طــــــائفتين: طائفــــــة آمنــــــت بــــــه وصـــــدقته وصـــــبرت علـــــى مـــــا أصـــــابها مـــــن الأذى، حتـــــى تركـــــوا الأوطـــــان فـــــي ســـــبيل ديـــــنهم وهؤلاء هم أجلاء الصحابة من المهاجرين، وطائفة أخرى: كفرت بـالله وآذت مـن آمـن برســـوله صـــلى الله عليـــه وســـلم وهـــؤلاء هـــم كفـــار قـــريش، ثـــم لمـــا هـــاجر النبـــي صـــلى الله عليـــــه وســــــلم بحســــــب مــــــا كــــــان مــــــن اتفــــــاق بينــــــه وبــــــين الأنصــــــار المخلصــــــين فــــــي إيمــــــانهم وبيعـــتهم، إلا أنـــه كـــان مـــن أهـــل المدينـــة أنـــاس لا يرغبـــون فـــي الإســـلام ولا فـــي نصـــرة مـــن هــــاجر إلــــى المدينـــــة مــــن المهــــاجرين وكانـــــت ثلــــة لا تســــتطيع أن تجهـــــر بالعــــداوة فـــــأبطنوا الكفر وأظهروا الإسلام نفاقاً، وكما قلت لم تكن العـرب تعـرف النفـاق ولكـنهم تعلمـوا ذلك من اليهود المجاورين لهم). قـــال الخـــازن: قولـــه عـــز وجـــل: ( وَمِـــنَ النَّـــاسِ مَـــن يَقُـــولُ آمَنَّـــا بِالل ـــهِ وَبِـــالْيَوْمِ الآخِـــرِ ) نزلـــــت فـــــي ا لمنـــــافقين: عبـــــد الله ابـــــن أبـــــي ســـــلول، ومعبـــــث بـــــن قيشـــــير، وجـــــد بـــــن قـــــيس وأصـــحابهم، وذلـــك أنهـــم أظهـــروا كلمـــة الإســـلام ليســـلموا بهـــا مـــن النبـــي صـــلى الله عليـــه 1ـ الآية7 من سورة البقرة
عدد الصفحات ٩٥96 وســـــلم وأصـــــحابه وأســـــروا الكفـــــر واعتقـــــدوه وأكثـــــرهم مـــــن اليهـــــود، وصـــــفة المنـــــافق: أن يعترف بلسانه بالإيمان ويقر به، وينكره بقلبه، ويصبح على حال ويمس ي على غيرها 1 . وقـــال ابـــن كثيـــر: النفـــاق هـــو إظهـــار الخيـــر وإســـرار الشـــر وهـــو أنـــواع: اعتقـــادي: وهـــو الـــــذي يخلـــــد صـــــاحبه فـــــي النـــــار، وعملـــــي: وهـــــو مـــــن أكبـــــر الـــــذنوب، وإنمـــــا نزلـــــت صـــــفات المنــافقين فــي الســور المدنيــة لأن مكــة لــم يكــن فيهــا نفــاق، فلمــا هــاجر رســول الله صــلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وكان بها الأنصار مـن الأوس والخـزرج وبهـا اليهـود مـن أهـل الكتـــاب و كـــانوا علـــى طريقـــة أســـلافهم وكـــانوا ثـــلاث قبائـــل: بنـــو قينقـــاع حلفـــاء الخـــزرج وبنـــو النضـــير وبنـــو قريظـــة حلفـــاء الأوس، فلمـــا قـــدم رســـول الله صـــلى الله عليـــه وســـلم المدينة وأسلم من أسلم مـن الأنصـ ار مـن قبيلتـي الأوس والخـزرج، وقـلَّ مـن أسـلم مـن اليهـــود، ولـــم يكـــن إذ ذاك نفـــاق أيضـــاً لأنـــه لـــم يكـــن للمســـلمين بعـــدُ شـــوكة تُخـــاف بـــل كان عليه الصلاة والسلام وادع اليهود وقبائـل كثيـرة مـن أحيـاء العـرب حـوالي المدينـة، فلمـــا كانـــت وقعـــة بـــدر، قـــال عبـــد الله بـــن أبـــي بـــن ســـلول: هـــذا أمـــر قـــد توجـــه، فـــأظهر الــــدخول فــــي الإســــلام ودخــــل معــــه طوائــــف ممــــن هــــو علــــى طريقتــــه، وآخــــرون مــــن أهــــل الكتاب، فمن ثم وجد النفاق في أهل المدينة ومن حولها من الأعراب 2 . ثانيــاً: قولــه تعــالى ابْــنِ مَــرْيَمَ ذَلِــكَ بِمَــا عَصَــوا وَّكَــانُواْ يَعْتَــدُونَ كَــانُواْ لاَ يَتَنَــاهَوْنَ عَــن مُّنكَــرٍّ فَعَلُــوهُ لَبِــئْسَ مَــا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ) 3 وقـــال ابـــن كثيـــر (يخبـــر تعـــالى أنـــه لعـــن الكـــافرين مـــن بنـــي إســـرائيل مـــن دهـــر طويـــل فيمــا أنزلــه علــى داود عليــه الســلام وعلــى لســ ان عيســ ى ابــن مــريم عليــه الســلام بســبب عصـــيانهم لله، واعتـــدائهم علـــى خلقـــه، قـــال العـــوفي عـــن ابـــن عبـــاس: لعنـــوا فـــي التـــوراة والإنجيــل وفــي الزبــور فــي الفرقــان ثــم بــين حــالهم فيمــا كــانوا يعتمدونــه فــي زمــانهم فقــال تعـــالى: ( كَـــانُواْ لاَ يَتَنَـــاهَوْنَ عَـــن مُّنكَـــرٍّ فَعَلُـــوهُ لَبِـــئْسَ مَـــ ا كَـــانُواْ يَفْعَلُـــونَ ) أي كـــان أحـــد لا ينهى منهم أحداً عن ارتكاب المآثم والمحـارم ثـم ذمهـم علـى ذلـك، وقـال الإمـام أحمـد – 1 ـ تفسير الخازن 1 /26 .) 2ـ تفسير ابن كثير1 /45 .46 ) باختصار 3 ـ الآية78 /79 من سورة المائدة
عدد الصفحات ٩٦