المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أخلاق اليهود في ضوء القرآن والسنة والتاريخ

أحمد خضر حسنين الحسن

صفحة ٥ من ٨

65 المبحث الثالث إنكار اليهود للكتب السماوية اليهود إنما هم قوم يشيعون أهـواءهم فمتـى مـا وجـدوا شـيئاً مـن الأحكـام الشـرعية فـي التــــوراة أو غيــــره يخــــالف أهــــواءهم أنكــــروه بالكليــــة أو حرفــــوه حتــــى يوافــــق أهــــواءهم ، ولعلــه قــد تبــين لــك أيهــا القــارئ الكــريم ممــا ســبق أنهــم لــن يتوقفــوا عــن إنكــار الشــرائع عنــدما تخــالف أهــواءهم ، وإنمــا قلــت هــذه المقدمــة لأن عنــوان المبحــث قــد يكــون فيــه شـــ يء مـــن الغر ابـــة ولكـــن دل علـــى ذلـــك الكتـــاب والســـنة، وأبـــين ذلـــك مـــن خـــلال الآيـــة الكريمة : قال تعالى : ( وَمَا قَدَرُوا اللَّـهَ حَـقَّ قَـدْرِهِ إِذْ قَـالُوا مَـا أَنْـزَلَ اللَّـهُ عَلَـى بَشَـرٍّ مِـنْ ش َيْءٍّ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَـاءَ بِـهِ مُوسـ َى نُـوراً وَهُـدىً لِلنَّـ اسِ تَجْعَلُونَـهُ قَـرَاطِيسَ تُبْـــدُونَهَا وَتُخْفُــــونَ كَثِيــــراً وَعُل ِمْــــتُمْ مَــــا لَــــمْ تَعْلَمُــــوا أَنْـــتُمْ وَلا آبَــــاؤُكُمْ قُــــلِ اللَّــــهُ ثُــــمَّ ذَرْهُــــمْ فِــــي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ) 1 سبب نزولها : ورد في سبب نزولها عدة روايات الروايـــة الأولـــى : عـــن ابـــن عبـــاس وســـعيد بـــن جبيـــر وعكرمـــة مالــك بــن الصــيف رأس اليهــود ، أتــى رســول الله صــلى الله عليــه وســلم ذات يــوم فقــال له رسول الله صلى الله عليـه وسـلم " أنشـدك بالـذي أنـزل التـوراة علـى موسـ ى ، أتجـد فيهــا أن الله يــبغض الحبــر الســمين ؟ قــال " نعــم" قــال فأنــت الحبــر الســمين " فغضــب ، ثم قال "ما أنـزل الله علـى بشـر مـن شـ يء " فنزلـت الآيـة ذكـره ابـن الجـوزي2، والقرطبـي وزاد " فقـــال لـــه أصـــحابه الـــذين معـــه " وحـــاك ، ولا علـــى موســـ ى ؟ : فقـــال : " والله مـــا أنزل الله على بشر من ش يء3 الروايــة الثانيــة هــذه مرويــة عــن ابــن عبــاس أيضــا اليهــود قــالوا : يــا محمــد أنـــزل الله عليـــك كتابـــاً ؟ قـــال " نعـــم" فقـــالوا لـــه والله مـــا أنـــزل الله كتابـــاً مـــن الســـماء " فنزلت هذه الآية 4 الرواية الثالث [ عند الله تعالى، فأتنا بآية كما جاء موس ى ، فنزل)يَسْ أَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَز ِلَ عَلَيْهِمْ 1 ـ الآية91 من سورة الأنعام 2 ـ زاد المسير 453 . ) 3 ـ القرطبي 5 /37 . ) 4 ـ زاد المسير 453 . )

عدد الصفحات ٦٥

66 كِتَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوس َى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَ ي ِنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوس َى سُلْطَاناً مُبِيناً) 1 فلما حدثهم بأعمالهم الخبيثة ، قالوا : والله ما أنزل عليك و على موس ى ولا على عيس ى ولا على بشر من ش يء فنزلت هذه الآية محمد بن كعب القرظى 2 الرواية الرابعة [لت في كفار قريش ، وهذا على قول من يقول إن جميع السورة مكية، وذلك أن قريشاً قالوا : والله ما أنزل الله على بشر من ش يء ابن نجيح عن مجاهد3. والذي قاله به جمهور المفسرين أنها نزلت في اليهود، قال الخازن : سبب نزول هذه الآية وهو قول جمهور المفسرين، أنها نزلت في اليهود، وهذا على قول من يقول : إن هذه الآية نزلت بالمدينة، وأنها من الآيات المدنيات التي في السور المكية، قال ابن عباس: نزلت سورة الأنعام بمكة إلا ست آيات منها قوله تعالى حق قدره4.. 1 ـ الآية153 من سورة النساء. 2 ـ زاد المسير – لابن الجوزي - ص ( 453 ) و تفسير الخازن 2 /134 . ) 3 ـ المرجعيين السابقين 4 ـ تفسير الخازن 2 /134 . )

عدد الصفحات ٦٦

67 المبحث الرابع أخلاق اليهود مع القرآن الكريم وكيفية تعاملهم معه لقد كانت أخلاق اليهود مع القرآن الكريم هي الكفر والجحود والعناد شأنهم في ذلك شأن أسلافهم مع التوراة، ولقد سجل الله عليهم هذا الكفر في كتابه العزيز في آيات عديدة، وقبل التعر لها أقول: لقد كان من المفتر من اليهود أن يسارعوا بالإيمان بالقرآن لأن الله تعالى قد وصف لهم نبي ِ آخر الزمان وصفاً لا يرتابون معه عند رؤيته حتى قال قائلهم لو اشتبه عليَّ ولدي من صلبي لم يشتبه عليَّ محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فإذا كان هذا هو الحال فكان الواجب عليهم أن يؤم نوا به وبما أنزل عليه، ولكنهم كانوا على العكس من ذلك بل حاربوه بكل ما يستطيعون فكفروا به كفراً ظاهر، تارة ونافقوا في الإيمان به ثانية، وآمنوا ثم ارتدوا تارة أخرى فهذه ثلاثة مواقف من اليهود تجاه القرآن الكريم و إليك بيانها: 1- كفر اليهود بالقرآن الكريم ومج اهرتهم بعداوته: يدل على ذلك آيات منها ما يأتي: الآيـــة الأولـــى: َِـــا مَعَهُـــمْ قـــال الله تعـــالى: ( وَلمََّـــا جَـــاءهُمْ كِتَـــابٌ م ِـــنْ عِنـــدِ الل ـــهِ مُصَـــد ِقٌ لم وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَـرُواْ فَلَمَّـا جَـاءهُم مَّـا عَرَفُـواْ كَفَـ رُواْ بِـهِ فَلَعْنَـةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ ) 1 . قـــال الســـعدي رحمـــه الله تعـــالى فـــي تفســـيرها : أي ولمـــا جـــاءهم كتـــاب مـــن عنـــد الله علــــــى أفضــــــل الخلــــــق وخــــــاتم الأنبيــــــاء، الكتــــــاب المشــــــتمل علــــــى تصــــــديق مــــــا معهــــــم مــــــن التـــــوراة، وقـــــد علمـــــوا بـــــه، وتيقنـــــوه علـــــى أنهـــــم إذا كـــــان وقـــــع بيـــــنهم وبـــــين المشـــــركين فـــــي الجاهلية حروب استنصروا بهذا النبي وتوعـدوهم بخروجـه، وأنهـم يقـاتلون المشـركين معـه، فلمــا جــاءهم هــذا الكتــاب وهــذا النبـي صــلى الله عليــه وســلم الــذي عرفــوا كفــروا بــــه، بغيــــاً وحســــداً، أن ينــــزل الله مــــن فضــــله علــــى مــــن يشــــاء مــــن عبــــاده، فلعــــنهم الله، وغضب عليهم غضباً بعد غضب لكثرة كفرهم وتوالي شكهم وشركهم 2 1- الآية89 من سورة البقرة 2- تفسير السعدي - ص (55)

عدد الصفحات ٦٧

68 وقـال الخــازن رحمــه الله تعــالى :( وَلمََّــا جَـاءهُمْ كِتَــابٌ م ِــنْ عِنـدِ الل ــه ) يعنــي القــرآن ( َِا مَعَهُمْ ) يعني التوراة، وهذا التصديق في صحة نبوة محمد صلى الله عليـه مُصَد ِقٌ لم وسلم لأن نبوته ثابتة في التوراة (وَكَا نُواْ) –يعني اليهود- (مِن قَبْلُ) أي مـن قبـل مبعـث النبي صلى الله عليه وسلم (يَسْتَفْتِحُونَ) أي يستنصرون به (عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ) يعنـي مشــركي العـــرب، وذلـــك أن اليهـــود كـــانوا إذا أحــزنهم أمـــر أو دهمهـــم عـــدو يقولـــون: اللهـــم أنصــرنا بــالنبي المبعــوث فــي آخــر الزمــان الــذي نجــد صــفته فــي التــوراة فكــانوا ينصــرون، وكــــانوا يقولــــون لأعــــدائهم مــــن المشــــركين: قــــد أظــــل زمــــان نبــــي يخــــرج بتصــــديق مــــا قلنــــا فنقـــتلكم معـــه قتـــل عـــاد وإرم (فَلَمَّـــا جَـــاءهُم مَّـــا عَرَفُـــواْ) أي الـــذي عرفـــوه يعنـــي محمـــداً صــلى الله عليــه وســلم عرفــوا نعتــه وصــفته وأنــه مــن غيــر بنــي إســرائيل (كَ فَــرُواْ بِــهِ) أي حجدوه وأنكره بغياً وحسداً ( فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ ) 1. الآيـــــــة الثانيـــــــة قولـــــــه تعـــــــالى: ( وَلَقَـــــــدْ أَنزَلْنَـــــــآ إِلَيْـــــــكَ آيَـــــــاتٍّ بَي ِنَـــــــاتٍّ وَمَـــــــا يَكْفُـــــــرُ بِهَـــــــا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ) ( أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَ رِيقٌ م ِنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ) 2 . قـــال ابـــن كثيـــر رحمـــه الله تعـــالى: قـــال الإمـــام أبـــو جعفـــر بـــن جريـــر فـــي قولـــه تعـــالى " وَلَقَـــــدْ أَنزَلْنَـــــآ إِلَيْـــــكَ آيَـــــاتٍّ بَي ِنَـــــاتٍّ" الآيـــــة: أي أنزلنـــــا إليـــــك يـــــا محمـــــد علامـــــات واضـــــحات دالات علــى نبوتـــك وتلـــك الآيـــات هـــي مـــ ا حـــواه كتـــاب الله تعـــالى مـــن خفايـــا علـــوم اليهـــود ومكنونـــات ســـرائرهم وســـرائر أحبـــارهم، وأخبـــار أوائلهـــم مـــن بنـــي إســـرائيل، والنبـــأ عمـــا تضـــــــمنته كتـــــــبهم التـــــــي لـــــــم يكـــــــن يعلمهـــــــا إلا أحبـــــــارهم وعلمـــــــاؤهم ومـــــــا حرَّفـــــــه أوائلهـــــــم وأواخرهم وبدلوه من أحكامهم التي كانت في التوراة، فأطلع الله فـي كتابـه الـذي أنزلـه على محمد صلى الله عليه وسلم. فكــان ذلــك مــن أمــره الآيــات البينــات لمــن أنصــف مــن نفســه ولــم يــدعها إلــى هلاكــه الحسد والبغي إذ كان في فطرة كل ذي فطرة صحيحة تصـديق مـن أتـى بمثـل مـا جـاء بــه محمــد صـــلى الله عليــه وســلم مـــن الآيــات البينــات التـــي وصــف مــن غيـــر علــم تعل مـــه مـــن البشـــر ولا أخـــذ شـــيئاً منـــه عنـــد آدمـــي، كمـــا قـــال الضـــحاك عـــن ابـــن عبـــاس: "لقـــد أنزلنـــا إليـــك آيـــات بينـــات" يقـــول: فأنـــت تتلـــوه علـــيهم وتخبـــرهم بـــه غـــدْوة وعشـــية وبـــين 1- تفسير الخازن 1 /60 2- الآية99 /100 من سورة البقرة

عدد الصفحات ٦٨

69 ذلــك وأنــتم عنــدهم أمــي لا تقــرأ كتابــاً وأنــت تخبــرهم بمــا فــي أيــديهم علــى وجهــه، يقــول الله لهم في ذلك عبرة وبيان وعليه م حجة لو كانوا يعلمون" وقـــــال محمـــــد بـــــن إ ـــــحاق بســـــنده عـــــن ابـــــن عبـــــاس قـــــال ابـــــن صـــــوريا القطـــــويني لرســــول الله صــــلى الله عليــــه وســــلم: "مــــا جئتنــــا بتــــ يء نعرفــــه ومــــا أنــــزل الله عليــــك آيــــة بينة، فنتبعك، فأنزل الله " وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ آيَاتٍّ بَي ِنَاتٍّ".. إلخ. 1 الآيــة الثالثــة: َِــا قولــه تعــالى: ( يَــا أَيُّهَــا الَّــذِينَ أُوتُــواْ الْكِتَــابَ آمِنُــواْ بِمَــا نَزَّلْنَــا مُصَــد ِقًا لم مَعَكُـــم م ِـــن قَبْـــلِ أَن نَّطْمِـــسَ وُجُوهًـــا فَنَرُدَّهَـــا عَلَـــى أَدْبَارِهَـــا أَوْ نَلْعَـــنَهُمْ كَمَـــا لَعَنَّـــا أَصْـــحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ ال ل هِ مَفْعُولاً ) 2 . ســـبب نزولهـــا: قـــال القرطبـــي رحمـــه الله تعـــالى: قـــال محمـــد بـــن إســـحاق: كلـــم رســـولُ الله صــلى الله عليـــه وســـلم رؤســـاء مـــن أحبـــار اليهـــود مـــنهُم عبـــد الله بـــن صـــوريا الأعـــور، وكعــب بــن أســد فقــال لهــم: "يــا معشــر اليهــود اتقــوا الله وأســلموا فــوالله إنكــم لتعلمــون أن الـــــذي جئــــــتكم بــــــه الحــــــق" قــــــالوا: مــــــا نعــــــرف ذلــــــك يــــــا محمــــــد، وجحــــــدوا مــــــا عرفــــــوا وأصروا على الكفر فأنزل الله فيهم هذه الآية.3 وقــــــال الخــــــازنرحمــــــه الله : بعــــــد ذكــــــره للســــــبب الســــــابق: (فــــــأنزل الله هــــــذه الآيــــــة وأمــرهم بالإيمـــان وقـــرن بهـــذا الأمـــر الوعيـــد الشــديد فقـــال تعـــالى:( م ِـــن قَبْـــلِ أَن نَّطْ مِـــسَ وُجُوهًــا فَنَرُدَّهَــا عَلَـــى أَدْبَارِهَــا ) روى أن عبــد الله بـــن ســلام لمـــا ســمع هــذه الآيـــة جــاء إلـــى النبـــي صـــلى الله عليـــه وســـلم قبـــل أن يـــأتي أهلـــه، فأســـلم وقـــال: يـــا رســـول الله مـــا كنـــت أرى أن أصل إليك حتى يحَّول وجهي إلى قفاي. 4 فمن سبب النزول نعلم أن هذه الآية ج اءت بهذا الوعيد الشديد وهو طمس الوجوه وتحويلها إلى القفا أو أن يلعنوا – أي يطردوا من رحمة الله- كما لُعن أباؤهم حين اعتدوا في السبت، أقول ما جاء هذا الوعيد إلا لشدة إنكارهم لكتاب الله تعالى وعدم إيمانهم به إلا قلة منهم. 1 ـ تفسير ابن كثير 1 /133 باختصار 2 ـ الاية47 من سورة النساء 3 ـ تفسير القرطبي 5 /244 4 ـ تفسير الخازن 1 /386 باختصار

عدد الصفحات ٦٩

70 الآيــــة الرابعــــة قولــــه تعــــالى: ( قُــــ لْ يَــــا أَهْــــلَ الْكِتَــــابِ لَسْــــتُمْ عَلَــــى شــــ َيْءٍّ حَتَّــــىَ تُقِيمُــــواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم م ِن رَّب ِكُـمْ وَلَيَزِيـدَنَّ كَثِيـرًا م ِـنْهُم مَّـا أُنـزِلَ إِلَيْـكَ مِـن رَّب ِـكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَا فِرِينَ ) 1 . قــال القرطبــي (قــال ابــن عبــاس: جــاء جماعــة مــن اليهــود إلــى النبــي صــلى الله عليــه وســلم فقــالوا: ألســت تقــرَّ أن التــوراة حــق مــن عنــد الله؟ قــال: بلــى فقــالوا: فإنــا نــؤمن بها ولا نؤمن بما عداها" فنزلت الآية –أي لستم على ش يء من الدين حتـى تعملـوا بمـا فـــــي الكتـــــابين مـــــن الإيمـــــان بمحمـــــد صـــــلى الله عليـــــه وســـــلم، والعمـــــل بمـــــا يوجبـــــه ذلـــــك منهما2،أي من الكتابين. وقــال الطــاهر بــن عاشــور: (والمقصــود مــن الآيــة: إنمــا هــو إقامــة التــوراة والإنجيــل عند مجيء القرآن بالاعتراف بما فيهما من التبشـير بمحمـد صـلى الله عليـه وسـلم حتـى يؤمنـوا بـه وبمــا أنـزل عليــه، ولقـد أومـأت هــذه الآيـة إلــى توغـل اليهـود فــي مجانبـة الهــدى لأنهــم قــد عطلــوا إقامــة التــوراة منــذ عصــور قبــل عيســ ى عليــه الســلام وعطلــوا إقامــة الإنجيل إذ أنكروه، وأنكروا ما جاء به، ثم أنكروا نبوءة محمد صـلى الله عليـه وسـلم فلـــم يقيمـــوا مـــا أنـــزل إلـــيهم مـــن ربهـــم، وقـــد فنَّـــدت هـــذه الآيـــة مـــزاعم اليهـــود أنهـــم علـــى التمسك بالتوراة، وكـانوا يزعمـون أنهـم علـى هـدى مـا تمسـكوا بـالتوراة، ولا يتمسـكون بغيرها، وهذا واضح من سبب النزول الذي رواه ابن عباس وقد تقدم. وقوله: ( و ل ي زميد ن ك ثميرًا م من ه م م ا أ نزمل إمل ي ـك ممـن ر ب مـك ط غ ي انًـ ا و ك ف ـرًا ) أي مـن أهـل الكتــــــاب، وذلــــــك إمــــــا بباعــــــث الحســــــد علــــــى مجــــــيء هــــــذا الــــــدين ونــــــزول القــــــرآن ناســــــخاً لدينهم، وإما بما في بعض آيات القرآن من قوارعهم وتفنيد مزاعمهم. ولـــــــم يـــــــزل الكثيـــــــر مـــــــنهم –ألـــــــى هـــــــذا الوقـــــــت- إذا ذكـــــــروا الإســـــــلام حتـــــــى فـــــــي المباحـــــــث التاريخيـــة والمدنيــــة يحتــــدون علــــى مدنيــــة الإســــلام ويقلبــــون الحقــــائق ويتميــــزون غيظــــاً وتكـــــــابراً حتـــــــى تـــــــرى العـــــــالم المشـــــــهود لـــــــه مـــــــنهم يتصـــــــاغر ويتســـــــفل إلـــــــى دركـــــــات التبالـــــــه والتجاهل إلا قليلاً ممن اتخذ الإنصاف شعاراً 3 . 1 ـالآية 68 من سورة المائدة 2 ـتفسير القرطبي ( 6 /245 .) 3 ـ التحرير والتنوير 5 /159 باختصار

عدد الصفحات ٧٠

71 2- اليهود ينافقون بإظهار الإيمان بالقرآن دون أن يؤمنوا حقيقة ولليهــود موقــف آخــر مــن القــ رآن هــو أشــد مــن الأول ألا وهــو التظــاهر بــأنهم آمنــوا بــه وإنما كان ذلك منهم نفاقاً وكيداً على الإسلام والمسلمين، ولهـذا ذكـر ابـن هشـام عـدوا كبيـراً مــن أحبـار اليهــود المنــافقين وسـأذكر هنــا بعضــاً مـنهم، فممــن أســلم نفاقـاً مــن بنــي قينقاع: سعد بن حنيف، وزيد بن اللصيث، ونعمان بـن أوفـى بـن عمـرو، وعثمـان بـن أوفـــى، وزيـــد بـــن اللصـــيت هـــو الـــذي قاتـــل عمـــر بـــن الخطـــاب فـــي ســـوق بنـــي قينقـــاع وهـــو الــــذي قــــال حــــين ضــــلت ناقــــة رســــول الله صــــلى الله عليــــه وســــلم: يــــزعم أنــــه يأتيــــه خبــــر السماء وهو لا يـدري أيـن ناقتـه، فقـال رسـول الله صـلى الله عليـه وسـلم، وجـاءه الخبـر بمـــا قـــال عـــدو الله فـــي رحلـــه ودل الله تبـــارك وتعـــالى رســـوله صـــلى الله عليـــه وســـلم علـــى ناقتـــه (إن قـــائلاً يقـــول يـــزعم محمـــد أنـــه يأتيـــه خبـــر الســـماء ولا يـــدري أيـــن ناقتـــه، وإنـــي والله لا أعلــــم إلا مــــا علمنــــي الله، وقــــد دلنــــي عليهــــا، فهــــي فــــي هــــذا الشــــعب قــــد حبســــتها شـجرة بزمامهـا" فــذهب رجـال مـن المســلمين فو جـدوها حيـث قــال رسـول الله صــلى الله عليه وسلم وكما وصف. ومــن منــافقي أحبــار اليهــود مــن بنــي قينقــاع: رافــع بــن حريملــة، ورفاعــة بــن زيــد ابــن تابوت، وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين هبت ريـح وهـو قافـل مــن غــزوة بــن المصــطلق، فاشــتدت حتــى أشــفق المســلمون منهــا، فقــال لهــم رســول الله صــلى الله عليــه وســلم: "لا تخــافوا، فإنمــا هبــت لمــوت عظــيم مــن عظمــاء الكفــار" فلمــا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد رفاعة بني زيد مات ذلك اليوم الذي هبت فيه الريح، وسلسة بن برهان وكنانة بن صوريا1. 3- اليهود يؤمنون بالقرآن ثم يرتدون بنية الصد عن سبيل الله: ومـــن مواقـــف اليهـــود فـــي تعـــاملهم مـــع القـــرآن الإيمـــان بـــه أول النهـــار والكفـــر بـــه فـــي آخـــر النهـــــار بنيـــــة التلبـــــيس علـــــى المســـــلمين، وقـــــد فضـــــحهم الله فـــــي قولـــــه عـــــز وجـــــل: (وَقَالَـــــت طَّآئِفَــةٌ م ِــنْ أَهْــلِ الْكِتَــابِ آمِنُــواْ بِالَّــذِيَ أُنــزِلَ عَلَــى الَّــذِينَ آمَنُــواْ وَجْــهَ النَّهَــارِ وَاكْفُــرُواْ آخِــرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) 2. 1 ـ السيرة النبوية لابن هشام 2 /148،149 باختصار 2 ـ الآية72 من سورة آل عمران

عدد الصفحات ٧١

72 قــال الخــازن فــي تفســيرها: (وهــذا نــوع آخــر مــن تلبيســات اليهــود، وقيــل تواطــأ اثنــا عشــر حبراً من يهود خيبر وقرى عرينة، فقال بعضـهم لـبعض: ادخلـوا ديـن محمـد أول النهـار باللســان دون اعتقــاد بالقلــب ثــم اكفــروا آخــر النهــار، وقولــوا: نظرنــا فــي كتبنــا وشــاورنا علماءنا، فوجدنا أن محمداً ليس هو المنعوت، وظهر لنا كذبـه فـإذا فعلـتم ذلـك شـك أصـــحاب محمـــد فـــي دينـــه وأتهمـــوه وقـــالوا: إنهـــم أهـــل الكتـــاب وأعلـــم بـــه منـــا، فيرجعـــون عن دينهم، فأطلع الله رسوله على ذلك فنزلت الآية1 . وقال القرطبي: (ومع نى الآيـة أن اليهـود قـال بعضـهم لـبعض: أظهـروا الإيمـان لمحمـد فـي أول النهار ثم اكفروا بـه آخـره، فـإنكم إن فعلـتم ذلـك ظهـر لمـن يتبعـه إرتيـاب فـي دينـه، فيرجعــون عــن دينــه إلــى ديــنكم، ويقولــون إن أهــل الكتــاب أعلــم بــه منــا، وقــال مقاتــل: معنــــــاه أنهــــــم جــــــاءوا محمــــــداً صــــــلى الله عليــــــه وســــــلم أول النهــــــار، ورجعــــــوا مــــــن عنــــــده، فقــالوا: للســفلة: هــو حــق فــاتبعوه، ثــم قــالوا: حتــى ننظــر فــي التــوراة ثــم رجعــوا فــي آخــر النهــار فقــالوا: قــد نظرنــا فــي التــوراة فلــيس هــو بــه، يقولــون إنــه لــيس بحــق وإنمــا أرادوا أن يلبسوا على السفلة، و إن يشككوا فيه 2 خلاصة ما جاء في هذا المبحث أن اليهود كان أكبر همهم هو الصد عن الإيمـان بـالقرآن الكـريم وبـذلوا فـي سـبيل هـذه الغاية وسائل منها ما يأتي: 1- أنهـم كفـروا بـالقرآن الكـريم وجـاهروا بعــداوتهم لـه وللرسـول المنـزل عليـه صــلى الله عليه وسلم. 2- أنهـــــم أظهـــــروا الإســـــلام وأبطنـــــوا الكفـــــر بـــــالقرآن بنيـــــة التجســـــس علـــــى الإســـــلام والمسلمين كمحاولة لصد الناس عن الإيمان بالقرآن. 3- عزموا على إظهار الإيمان في أول النهار بالقرآن ثم كفروا به في آخر النهار ليقولوا للناس لم نجد في القرآن ولا في محمد صلى الله عليه وسلم ما يدل على أنه منزل من عند الله، ولقد فضحهم الله تعالى قبل تطبيق هذه المحاو لة الخبيثة. 1- تفسير الخازن 1 /259 2- تفسيرالقرطبي ( 4 /111.)

عدد الصفحات ٧٢

73 خلاصة ما جاء في تعامل اليهود مع الكتب السماوية إن هــذه التصــرفات كلهــا مــن الأخــلاق الســيئة التــي تــدل علــى الانحطــاط الــذي وصــلوا إليه في تعاملهم مع الكتب السماوية ابتداء من التوراة وانتهاء بالقرآن الكـريم، إذ لـم يـــدخروا وســـعاً فـــي تحريـــف وتبـــديل مـــا أنُـــزل علـــ ى موســـ ى عليـــه الســـلام بـــل وصـــلوا حـــد إنكـــار أن يكـــون الله قـــد أنـــزل عليـــه كتابـــاً، ثـــم لمـــا أنـــزل القـــرآن حـــاربوه بشـــتى الوســـائل وبــذلوا كلمــا فــي وســعهم لإطفــاء نــوره، ولكــن الله قــد أكمــل نــوره وأتــم نعمتــه علــى أهــل الإسلام بإكمال الدين والحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً على ذلك.

عدد الصفحات ٧٣

74 الفصل الرابع أخلاق اليهود في تعاملهم مع المؤمنين كما هي في القرآن والسنة المطهرة المبحــــث الأول: أخــــلاق اليهــــود مــــع المــــؤمنين مــــا بــــين زمــــان ي يوســــف وع عــــ ى عليهمــــا السلام. المبحث الثاني: أخلاق اليهود مع المؤمنين في زمان النبي صلى الله عليه وسلم.

عدد الصفحات ٧٤

75 المبحث الأول أخلاق اليهود مع المؤمنين ما بين زماني يوسف وع ع ى عليهما السلام فـــي هـــذا المبحـــث إن شـــاء الله ســـأذكر عـــدداً مـــن الأخـــلاق الســـيئة التـــي كـــان يتعامـــل بهـــا اليهود من المؤمنين في زمـاني يوسـف وعيسـ ى علـيهم السـلام، ومـا بـين ذلـك وقـد لا تـأتي مرتبــــة ترتيبــــاً زمنيــــاً وإنمــــا هــــي بحســــب مــــا وجــــد مــــن النصُــــوص ســــواء كــــان فــــي القــــرآن الكريم أو السنة المطهرة، وقبل الشروع في ذلك أقول: لعلـه تبـين مـن خـلال الفصـول الثلاثــــة الســــابقة أن هــــؤلاء اليهــــود لــــن يتورعــــوا عــــن أي خلــــق قبــــيح أو عمــــل ســــ يء مــــع المـــؤمنين إن كـــان ذاك –المتقـــدم- هـــو حـــالهم مـــع الله ومـــع أنبيائـــه ورســـله صـــلوات الله علــيهم، فهــل مــن معتبــر ؟ والآن أشــرع فــي بيــان مــا كــان مــن أخــلاق اليهــود مــع المــؤمنين، ولعلــــي أكتفـــــي بثلاثـــــة وقــــائع ســـــجلها القـــــرآن الكـــــريم وســــطرتها الســـــنة المطهـــــرة خشـــــية الإطالة فأقول ومن الله العون والقبول: أولاً: اليهود يرمون مريم عليها السلام بالزنا يـــدل علـــى ذلـــك قولـــه تعـــالى:( وَبِكُفْـــرِهِمْ وَقَـــوْلِهِمْ عَلَـــى مَـــرْيَمَ بُهْتَانًـــا عَظِيمًـــا) 1، وقولـــه تعالى: ( فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّ ا يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍّ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) 2. قــال ابــن كثيــر فــي قولــه تعــالى: ( وَقَــوْلِهِمْ عَلَــى مَــرْيَمَ بُهْتَانًــا عَظِيمًــا ) عــن ابــن عبــاس يعنــي أنهــم رموهــا بالزنــا وكــذلك قــال الســدي وغيــر واحــد، وهــو ظــاهر الآيــة أنهــم رموهــا وابنهــــا بالعظــــائم، فجعلوهــــا زانيــــة، وجعلوهــــا حملــــت ولــــدها عيســــ ى عليــــه الســــلام مــــن الزنــــــا، بـــــــل زاد بعضــــــهم أنهـــــــا زنــــــت وهـــــــي حــــــائض علـــــــيهم لعــــــائن الله المتتابعـــــــة إلــــــى يـــــــوم القيامة.3 وقــال الســعدي فــي قولــه تعـــالى: ( فَأَتَــتْ بِــهِ قَوْمَهَــا تَحْمِلُـــهُ ) إلــى قولــه ( أُمُّــكِ بَغِيًّـــا ) أي فلمـــــا تعلـــــت مـــــريم مـــــن نفاســـــها أتـــــت بعيســـــ ى قومهـــــا تحملـــــه، وذلـــــك لعلمهـــــا ببـــــر اءة نفســــها وطهارتهــــا، فأتــــت غيــــر مكترثــــة ولا مباليــــة، فقــــالوا: " لَقَــــدْ جِئْــــتِ شَــــيْئًا فَرِيًّــــا" أي 1 ـ الآية156 من سورة النساء 2 ـ الآية27 /28 من سورة مريم 3 ـ تفسير ابن كثير 1 /419

عدد الصفحات ٧٥

76 عظيمــــاً وخيمــــاً وأرادوا بــــذلك البغــــاء، حاشــــاها "يَــــا أُخْــــتَ هَــــارُونَ" الظــــاهر أنــــه أ لهــــا حقيقـــي، فنســـبوها إليـــه، وكـــانوا يســـمون بأســـماء الأنبيـــاء، ولـــي هـــو هـــارون بـــن عمـــران أخــا موســ ى، لأن بينهمــا قرونــاً كثيــرة "مَــا كَــانَ أَبُــوكِ امْــرَأَ سَــوْءٍّ وَمَــا كَانَــتْ أُمُّــكِ بَغِيًّــا" أي لـــم يكـــن أبـــواك إلا صـــالحين ســـالمين مـــن الشـــر، وخصوصـــاً هـــذا الشـــر الـــذي يشـــيرون إليــه، وقصــدهم الزنــا فكيــف كنــت علــى غيــر وصــفهما؟ وأتيــت بمــا لــم يأتيــا بــه، وذلــك أن الذريـة ــــ فـي الغالـب ــــ بعضـها مـن بعـض فـي الصـلاح وضـده فتعجبـوا ــــ بحسـب مـا فـي قلوبهم من كونها زانية ـ كيف وقع منها ذلك.1 ثانيا: اليهود يقتلون الصالحين من المؤمنين لقــد ســبق ذكــر قولــه تعــالى: ( إِنَّ الَّــذِينَ يَكْفُــرُونَ بِآيَــاتِ الل ــهِ وَيَقْتُلُــونَ النَّبِي ِــينَ بِغَيْــرِ حَق ٍّ وَ يَقْتُلُونَ ال ِذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَش ِرْهُم بِعَذَابٍّ أَلِيمٍّ) 2 . ففي هذه الآية دلالـة واضـحة علـى قتـل اليهـود لمـن يـأمر بالقسـط مـن النـاس والمـراد – كمـــا قـــال الســـعدي- القســـط هـــو العـــدل وهـــو الأمـــر بـــالمعروف والنهـــي عـــن المنكـــر الـــذي حقيقتـــه إحســـان إلـــى المـــأمور ونصـــح لـــه، فقـــابلوهم –أي اليهـــود- شـــر مقابلـــة.... وهـــذه الحالة نم قتل الأنبياء والصالحين صفة اليهود قـبحهم الله مـا أجـرأهم علـى الله وعلـى أنبيائه وعباده الصالحين3 . وقال ابن كثير: (قال ابن أبي حاتم –بسنده- عن أبي عبيدة بن الجراح قال: قلـت يــــا رســــول الله، أي النــــاس أشــــد عــــذاباً يــــوم القيامــــة؟ قــــال: رجــــل قتــــل نبيــــاً أو مــــن أمــــر بمعــــــروف ونهــــــى عــــــن منكــــــر، ثــــــم قــــــرأ رســــــول الله صــــــلى الله عليــــــه وســــــلم: ( إِنَّ الَّــــــذِينَ يَكْفُــرُونَ بِآيَــاتِ الل ــهِ.. الآيــة، قــال: يــا أبــا عبيــدة، قتلــت بنــو إســرائيل ثلاثــة وأربعــين نبيــاً من أول النهار في ساعة و احدة، فقام مائة وسبعون رجلاً من بني إسرائيل فـامروا مـن قــتلهم –أي قتــل الأنبيــاء- بــالمعروف ونهــوهم عــن المنكــر فقتلــوهم جميعــاً فــي آخــر النهــار من ذلك اليوم فهم الذين ذكر الله عز وجل 4 . 1 ـ تفسير السعدي677 بتصرف يسير 2 ـ الآية21 من سورة آل عمران 3 ـتفسير السعدي 149 باختصار 4 . تفسير ابن كثير1 /355 .)

عدد الصفحات ٧٦

77 قلت: ولا شك أن هؤلاء الذين كانوا يـأمرون بـالمعروف والنهـي عـن المنكـر كـانوا مـن العلماء كما يظهر هذا من قصة أصحاب القرية الذين كانوا يعـدون فـي السـبت، يـدل علــــــى ذلــــــك قــــــولهم لمــــــن قــــــالوا لهــــــم: لــــــم تعظــــــون قومــــــاً الله مهلكهــــــم أو معــــــذبهم عــــــذاباً شــديداً، كــان جــوابهم ( مَعْــذِرَةً إِلَــى رَب ِكُــمْ وَلَعَلَّهُــمْ يَتَّقُــونَ ) 1، لأن جــوابهم هــذا يــدل علــى علمهـــــم وإخلاصـــــهم وصـــــبرهم علـــــى الـــــدعوة، وخشـــــيتهم لله تعـــــالى وخـــــوفهم مـــــن عقابـــــه العــــام والخــــاص، فهــــم يخشــــون علــــى أنفســــهم مــــن العــــذاب إذا تركــــوا الأمــــر بــــالمعروف والنهي عن المنكر، يدل على ذلك قولهم( مَعْذِرَةً إِلَى رَب ِكُـمْ ) أي لنعـذر أمـام الله تعـالى، ويخشــــون مــــن نــــزول عقوبــــة عامــــة، يــــدل علــــيهم قــــولهم ( وَلَعَلَّهُــــمْ يَتَّقُــــونَ) لأن التقــــوى تدفع العذاب. هذه الصفات التـي اتصـف بهـا هـؤلاء الصـالحون مـن مـؤمني بنـي إسـرائيل لـم تشـفع لهـــم عنـــد اليهـــود حتـــى يُتْركـــوا ويُعفْـــوا مـــن القتـــل، ومـــن المعلـــوم أنـــه مـــن الواجـــب تجـــاه العلمـــــاء هـــــو التـــــوقير والاحتـــــرام ولـــــيس التعـــــدي علـــــيهم و قـــــتلهم.... ولكـــــن لا نعجـــــب مـــــن صنيع اليهود مع علمائهم إذ هم قتلة الأنبياء عليهم السلام. ومما يدل من السنة على حـب اليهـود لسـفك الـدماء، دون تمييـز بـين صـالح وطـالح ما رواه الشيخان وغيرهما عـن أبـي سـعيد الخـدري رضـ ي الله عنـه عـن النبـي صـلى الله عليـــه وســـلم قـــال: "كـــان فـــي بنـــي إســـرائيل رجـــل قتـــل تســـعة وتســـعين إنســـاناً، ثـــم خـــرج يســــأل، فــــاتى راهبــــاً فســــأله، فقــــال لــــه: هــــل لــــه مــــن توبــــة؟ قــــال: لا، فقتلــــه –فــــي روايــــة (فقتلــه فكمــل بــه المائــة)- فجعــل يســأل....2 إلــخ، هــذا فيــه دلالــة واضــحة علــى أن هــذا القاتل لم يكن يفرق في سفكه للدماء بين الصالح والطالح إذ قتل الراهب، والراهب هو الذي فرغ نفسه للعبادة فلا يخالط الناس، فهل يستحق القتل؟!! ثالثاً: إيذاء اليهود لأبيهم يعقوب ولأخيهم يوسف بمحاولتهم قتله. هـــذه أقـــدم حادثـــة فـــي تـــاريخ اليهـــود وهـــي تـــدل علـــى أن الأخـــلاق الســـيئة أمـــر متاصـــل فـــيهم، لقـــد حـــاولوا قتـــل يوســـف !!! مـــن الـــذي حـــاو ل إنهـــم إخوتـــه لأبيـــه يعقـــوب عليـــه 1ـ الآية164 من سورة الأعراف 2 . صحيح البخاري رقم 3470) وصحيح مسلم رقم 2766)

عدد الصفحات ٧٧

78 الســـلام، وقصـــة يوســـف مـــع إخوتـــه مشـــهورة معلومـــة، ولكـــن نـــذكر هنـــا الآيـــات الدالـــة على سوء صنيعهم مع أخيهم يوسف ومع أبيهم يعقوب عليه السلام، يقـــول تعـــالى: ( لَّقَـــدْ كَـــانَ فِـــي يُوسُـــفَ وَإِخْوَتِـــهِ آيَـــاتٌ ل ِلسَّـــائِلِينَ إِذْ قَـــالُوا لَيُوسُـــفُ وَأَخُـــوهُ أَحَــبُّ إِلَــى أَبِينَــا مِنَّــا وَنَحْــنُ عُصْــبَةٌ إِنَّ أَبَانَــا لَفِــي ضَــلالٍّ مُبِــينٍّ اقْتُلُــوا يُوسُــفَ أَوِ اطْرَحُــوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِـنْ بَعْـدِهِ قَوْمـاً صَـالِحِينَ قَـالَ قَائِـلٌ مِـنْهُمْ لا تَقْتُلُـوا يُوسُ فَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُب ِ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّـيَّارَةِ إِنْ كُنْـتُمْ فَـاعِلِينَ قَـالُوا يَـا أَبَانَـا مَــا لَـــكَ لا تَأْمَنَّـــا عَلَـــى يُوسُـــفَ وَإِنَّـــا لَـــهُ لَنَاصِـــحُونَ أَرْسِـــلْهُ مَعَنَـــا غَـــداً يَرْتَـــعْ وَيَلْعَـــبْ وَإِنَّـــا لَـــهُ لَحَــــــافِظُونَ قَــــــالَ إِن ِــــــي لَيَحْزُنُنِــــــي أَنْ تَــــــذْهَبُوا بِــــــهِ وَأَخَــــــافُ أَنْ يَأْكُلَــــــهُ الــــــذ ِئْبُ وَأَنْــــــتُمْ عَنْــــــهُ غَـــــــافِلُونَ قَـــــــالُوا لَـــــــئِنْ أَكَلَـــــــهُ الـــــــذ ِئْبُ وَنَحْـــــــنُ عُصْـــــــبَةٌ إِنَّـــــــا إِذاً لَخَاسِـــــــرُونَ فَلَمَّـــــــا ذَهَبُـــــــواْ بِـــــــهِ وَأَجْمَعُــــــواْ أَن يَجْعَلُــــــوهُ فِــــــي غَيَابَــــــ ةِ الْجُــــــب ِ وَأَوْحَيْنَــــــآ إِلَيْــــــهِ لَتُنَب ِئَــــــنَّهُم بِــــــأَمْرِهِمْ هَــــــذَا وَهُــــــمْ لاَ يَشْعُرُونَ ) 1. خلاصة قصة إخوة يوسف مع يوسف عليه السلام قال الخازن: (قال وهب وغيره من أهل السير والأخبار: إن إخـوة يوسـف قـالوا لـه: أمـا تشـتاق أن تخـرج معنـا إلـى مواشـينا، فن صــيد ونسـتبق، قـال: بلـى، قـالوا لـه: أنســأل أباك أن يرسلك معنـا، قـال يوسـف: افعلـوا، فـدخلوا بجمـاعتهم علـى يعقـوب، فقـالوا: يــا أبانــا إن يوســف قــد أحـــب أن يخــرج معنــا إلــى مواشــينا، فقـــال يعقــوب: مــا تقــول يـــا بني؟ قالكـان يعقــوب يكــره مفارقتــه، ويحــب مرضــاته فــأذن لــه، وأرســله معهــم، فلمــا خرجــوا بــه مــن عنـــــد يعقـــــوب جعلـــــوا يحملونـــــه علـــــى رقـــــابهم، ويعقـــــوب ينظـــــر إلـــــيهم، فلمـــــا بعـــــدوا عنـــــه وصــــاروا إلــــى الصــــحراء، وألقــــوه علــــى الأر وأظهــــروا لــــه مــــا فــــي نفوســــهم مــــن العــــداوة وأغلظوا له القول، وجعلوا يضربونه، فجعل كلمـا اسـتغاث بواحـد مـنهم ضـربه، فلمـا فطــن لمــا عزمــوا عليــه مــن قتلــه، جعــل ينــادي: يــا أبتــاه يــا يعقــوب لــو رأيــت يوســف ومــا نــزل بــه مــن إخوتــه لأحزنــك ذلــك وأبكــاك، يــا أبتــاه مــا أســرع مــا نســوا عهــدك وضــيعوا وصــيتك، وجعــل يبكــي بكــاء شــديداً، فأخــذه روبيــل وجلــد بــه الأر وجــثم علــى صــدره يريـــد ق تلـــه، فاســـتغاث يوســـف بيهـــوذا وقـــال لـــه: اتـــق الله فِـــيَّ وحُـــلْ بينـــي وبـــين مـــن يريـــد 1 ـ الآية7 إلى الآية15 من سورة يوسف

عدد الصفحات ٧٨

79 قتلي، فأدركته رحمـة الأخـوة ورقَّ لـه، فقـال يهـوذا يـا أخـوتي مـا علـى هـذا عاهـدتموني، ألا أدلكــــم علــــى مــــا هــــو أهــــون لكــــم وأرفــــق بــــه، فقــــالوا: ومــــا هــــو؟ قــــال: تلقونــــه فــــي هــــذا الجــــب إمــــا أنْ يمــــوت أو يلتقطــــه بعــــض الســــيارة فــــانطلقوا بــــه إلــــى بئــــر هنــــاك علــــى غيــــر الطريق واسع الأسفل ضيق الرأس فجعلـوا يدلونـه فـي البئـر، فتعلـق بشـفيرها فربطـوا يديــه ونزعــوا قميصــه فقــال: يــا أخوتــاه ردوا علــيَّ قميصــه لأســتتر بــه فــي الجــب؟ فقــالوا له: ادع الشمس والقمر والكواكب تخلصك وتؤنسك 1 . قلت:هــــذا خلاصــــة المشــــهد الــــذي حصــــل فيــــه إيــــذاء إخــــوة يوســــف ليوســــف عليــــه الســلام وفــي الحقيقــة قــد وقــع إخــوة يوســف فــي عــدد مــن الجــرائم بهــذا التصــرف أعنــي إلقــــاء أخــــاهم يوســــف فــــي الجــــب، فهــــم بــــذلك قطعــــوا الــــرحم التــــي بيــــنهم وبينــــه وعقــــوا أبــــاهم ولــــم يرحمــــوا شــــيخوخته ولــــم يحترمــــوا نبوتــــه ولــــم يــــوقروا أبوَّتــــه لهــــم و ليوســــف عليـــه الســـلام، و الســـبب فـــي ذلـــك كلـــه هـــو الحســـر، و بهـــذا يكـــون إخـــوة يوســـف علـــيهم السلام جمعوا بين الكبائر الظاهرة و الكبائر الباطنة، فهـذا مــن الإيـذاء الــذي كـان فــي تلـك الفتــرة الزمنيـة وهــو كـاف فــي إقامـة الــدليل علــى إيذاء اليهود للمؤمنين، والله أعلم. 1 ـ تفسير الخازن 2 /516 باختصار

عدد الصفحات ٧٩

80 المبحث الثاني أخلاق اليهود مع المؤمنين في زمان النبي صلى الله عليه وسلم إن تعامـــل اليهـــود مـــع المـــؤمنين فـــي زمـــان النبـــي صـــلى الله عليـــه وســـلم لـــم يكـــن بأحســـن حــالاً مــن تعــاملهم مــع ســائر المــؤمنين عبــر التــاريخ كمــا ســبق ذكــره مــن خــلال الآيــات فــي المبحـــث الســـابق، وإن الأبنـــاء علـــى خطـــى آبـــائهم و أجـــدادهم الســـابقين بـــل لعـــل هـــؤلاء أشــــد وطــــأه علـــــى المســــلمين، مـــــع علمهــــم بـــــأن النبــــي صـــــلى الله عليــــه وســـــلم علــــى الحـــــق وأتباعه من الصحابة ومن يأتي بعدهم على الحق، ولكنها الأخلاق التـي تأصـلت فـيهم، الكــذب والخيانــة والكيــد ضــد الإســلام والمســلمين (يريــدون ليطفئــوا نــور الله ويــأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون). ولهـــذا أحببـــت أن أذكـــر فـــي هـــذا المبحـــث بعضـــاً مـــن الإســـاءات التـــي لقيهـــا الصـــحابة رضــ ي الله عــنهم مــن اليهــود الــذين آكلــوهم وشــاربوهم حينــاً مــن الــدهر فــي المدينــة فلمــا جــاء الإســلام قلبــوا لهــم ظهــر المجــن ولبســوا لهــم جلــد النمــر كــأن لــم تكــن بيــنهم مــودة، ولكــــــن الله غالــــــب علــــــى أمــــــره، فــــــإلى بيــــــان شــــــيئاً مــــــن مخــــــازي اليهــــــود علــــــيهم لعــــــائن الله المتتابعة، من خلال بعض الآيات القرآنية والآثار التي تعالج هذا الموضوع: أولاً: محاولـــة اليهـــود لإثـــارة الفتنـــة بـــين ال ـــحابة: يقـــول الله عـــز وجـــل: ( قُـــلْ يَـــا أَهْـــلَ الْكِتَـــابِ لِـــمَ تَكْفُـــ رُونَ بِآيَـــاتِ الل ـــهِ وَالل ـــهُ شَـــهِيدٌ عَلَـــى مَـــا تَعْمَلُـــونَ قُـــلْ يَـــا أَهْـــلَ الْكِتَـــابِ لِـــمَ تَصُـــدُّونَ عَـــن سَـــبِيلِ الل ـــهِ مَـــنْ آمَـــنَ تَبْغُونَهَـــا عِوَجًـــا وَأَنـــتُمْ شُـــهَدَاء وَمَـــا الل ـــهُ بِغَافِـــلٍّ عَمَّـــا تَعْمَلُـــونَ يَـــا أَيُّهَـــا الَّـــذِينَ آمَنُـــوَاْ إِن تُ طِيعُـــواْ فَرِيقًـــا م ِـــنَ الَّـــذِينَ أُوتُـــواْ الْكِتَـــابَ يَـــرُدُّوكُم بَعْـــدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ) 1 . وسبب نزول هذه الآيات: عن زيد بن أسلم قال: "مر شاس بن قيس اليهودي، وكان شيخاً قد غبر في الجاهلية عظيم الكفر شديد العنف على المسلمين، شديد الحسد لهم، فمر على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج في مجلس جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من جماعتهم وألفتهم وصلاح ذات بينهم في الإسلام، بعد الذي كان بينهم في الجاهلية من العداوة، فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة –يعني الأنصار - بهذه البلاد، لا والله ما لنا معهم إذا 1 ـ الآيات(99-101) من سورة آل عمران

عدد الصفحات ٨٠