49 فلم يبق لقوله ( بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ ) فائدة إلا الإشارة إلى تفظيع حالهم من أنهم يكذبون الرسل أو يقتلونهم في غير حالة يلتمسون لأنفسهم فيها عذراً من تكليف بمشقة فادحة، أو من حدوث حادثة ثائرة، أو من أجل التمسك بدين يأبون مفارقته، كما فعل مشركوا العرب عند مجيء الإسلام، بل، لمجرد مخالفة الهوى 1. 1 - التحرير و التنوير 5 /70 ) باختصار
عدد الصفحات ٤٩50 المبحث الثالث اليهود يؤذون الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ويسخرون منهم مــــن أخــــلاق اليهــــود البالغــــة الغايــــة فــــي الشــــناعة والقــــبح ســــوء تعــــاملهم مــــع الأنبيــــاء وإلحــاق الأذى بهــم والســخرية مــنهم، وهــذا كلــه مــن الكفــر بــالله والكفــر بالأنبيــاء علــيهم الصـــلاة والســـلام، ومعلـــوم أن تـــوقير الأنبيـــاء وتعظـــيمهم مـــن الفـــرو العقائديـــة، فـــلا يقــــدم علــــى الجــــرأة علــــى مقــــام النبــــوة إلا مــــن فــــرغ قلبــــه مــــن الإيمــــان وخــــلا صــــدره مــــن التعظـــــيم لله تعـــــالى ولشـــــعائره، وقـــــد دلـــــت نصـــــوص كثيـــــرة علـــــى إيـــــذاء اليهـــــود للأنبيـــــاء علـــــيهم الســـــلام، وســـــأكتفي هنـــــا بـــــذكر النصـــــوص الدالـــــة علـــــى إيـــــذائهم لســـــيدنا موســـــ ى وعيس ى ومحمد عليهم الصلاة والسلام. أولاً : قولــه تعــالى ( قَــالُوا يَــا مُوســ َى إِنَّــا لَــنْ نَــدْخُلَهَا أَ بَــداً مَــا دَامُــوا فِيهَــا فَاذْهَــبْ أَنْــتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) 1 هــذا الكــلام خـــرج مــن بنـــي إســرائيل لموســ ى عليـــه الســلام بعـــد أن ذك ِــرهم بـــنعم علــيهم مــن الملــك النبــوة وبعــد أن أمــرهم بــدخول بيــت المقــدس فجــادلوه فــي ذلــك كثيــراً ولـــــــيس هــــــــو موضـــــــ وعنا – فقــــــــالوا لـــــــه أخيــــــــراً هــــــــذه المقولـــــــة الشــــــــنيعة التـــــــي تــــــــدل علــــــــى الاستخفاف به عليه السلام ( فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ). يقول السـعدي فـي تفسـيرها: فمـا أشـنع هـذا الكـلام مـنهم، ومـواجهتهم بـه لنبـيهم فـي هــــذا المقــــام الضــــيق الــــذي قــــد دعــــت الحاجــــة والضــــرورة فيــــه إلــــى نصــــرة نبــــيهم وإعــــزاز أنفسهم2. وقـــال الشـــربيني : ( قـــالوا ذلـــك اســـتهانة بـــالله ورســـوله وعـــدم مبـــالاة بهمـــا)3 وقصــــة دخول بني إسرائيل إلى الأر المقدسة طويلة ولكن اكتفيت هنا بذكر الآية التـي فيهـا دلالة على إيذاء بني إسرائيل لموس ى عليه السلام. ثانياً : قوله تعالى : ( وَإِذْ قَـالَ مُوسـ َى لِقَوْمِـهِ إِنَّ اللَّـهَ يَـأْمُرُكُمْ أَنْ تَـذْبَحُوا بَقَـرَةً قَـالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ) 4. 1 ـ الآية24 من سورة المائدة 2 ـ تفسير السعدي ص91 .) 3 ـ تفسير الشربيني 0 1 /367 .) 4 ـ الآية67 من سورة البقرة
عدد الصفحات ٥٠51 هــذه الآيـــة جـــاءت فـــي صـــدر قصـــة ذبــح البقـــرة، وســـبب أمـــر الله ت عـــالى لبنـــي إســـرائيل بــذبح البقــرة أنهــم أردوا معرفــة القاتــل الــذي قتــل ابــن عمــه الوحيــد لبرثــه فلمــا أمــرهم موس ى عليه السلام بقولـه، (إن الله أمـركم أن تـذبحوا بقـرة) أجـابوه بقـولهم أَتَتَّخِـذُنَا هُزُواً) قال الشربيني في معنى هذه الآيـة: أي أتسـتهزئ بنـا، نحـن نسـأل عـن أمـر الق تيـل وتأمرنا أن نذبح بقرة، ، وإنما قالوا ذلك استبعاداً لما قاله واستخفافاً به 1. أهـ لقد دافع موس ى عليه السلام عنه هذه التهمة التي وجهـت إليـه وهـي الاسـتهزاء بهـم فقـــال أعــــوذ بــــالله أن أكــــون مـــن الجــــاهلين تبــــرأ وتنَــــزَّه مـــن الهــــزء لأنــــه لا يليــــق بــــالعقلاء الأفاضـل وبــالغ فــي التنـزه بقولــه ( أَعُــوذُ بِاللَّـهِ ) لأن العيــاذ بــالله أبلـغ كلمــات التقــى فــإن المرء لا يعوذ بالله إلا إذا أراد التغلب على أمر عظيم لا يغلبه إلا الله تعالى . وصــيغة ( أَنْ أَكُــونَ مِــنَ الْجَــاهِلِينَ ) أبلــغ فــي انتفــاء الجهالــة مــن أن لــو قــال أعــوذ بــالله أن أجهل2 . ثالثـــاً قولـــه تعـــالى : ( يَـــا أَيُّهَـــا الَّـــذِينَ آمَنُـــوا لا تَكُونُـــوا كَالَّـــذِينَ آذَوْا مُوســـ َى فَبَـــرَّأَهُ اللَّـــهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً ) 3 هذه الآية تبين بعضاَ مما آذى به اليهود نبي الله موس ى عليه السلام، ففي صحيح البخاري 4 عن أبي هريرة رض ي الله عنه، قال قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن موس ى عليه السلام كان رجلاً حيياً ستيراً لا يرى من جلـده شـ يء اسـتحياءاً منـه، فآذاه مـن آذاه مـن بنـي إٍّسـرائيل، فقـالوا : مـا يسـتتر هـذا التسـتر إلا مـن عيـب فـي جلـده إمـا بــرص، وإمـا أدرة ، وإمــا آفـة وإن الله عــز وجـل أراد أن يبرئــه ممـا قــالوا لموسـ ى عليــه السلام، فخلا يوماً وحده فخلع ثيابه على حجر ثـم اغتسـل فلمـا فـرغ أقبـل علـى ثيابـه ليأخـــذها وإن الحجـــر عـــدا بثوبـــه فأخـــذ موســـ ى عصـــاه وطلـــب الحجـــر، فجعـــل يقـــول : (ثوبي حجر، ثوبي حجر) حتى اننتهي إلى ملإ من بني إسرائيل فرأوه ع رياناً أحسن، ما خلـــق الله عـــز وجــــل ، وأبـــرأه ممـــا يقولــــون ، وقـــام الحجـــر ، فأخــــذ ثوبـــه فلبســـه وطفــــق 1 ـ تفسير الشربيني ( 1 /68 .) 2 ـ التحرير و التنوير 1 /530 ) باختصار 3 ـ الآية69 من سورة البقرة 4 ـ صحيح البخاري رقم 3404. )
عدد الصفحات ٥١52 بــالحجر ضــرباً بعصــاه، فــو الله إن بــالحجر لنــدباً مــن أثــر ضــربه ثلاثــاً أو أربعــاً أو خمســاً قال وذلك قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْ ا مُوس َى ). قــــال ابــــن كثيــــر : قــــال ابــــن أبــــي حــــاتم بســــنده – عــــن ابــــن عبــــاس عــــن علــــي بــــن أبــــي طالــــب رضــــ ي الله عــــنهم فــــي قولــــه ( فَبَــــرَّأَهُ اللَّــــهُ مِمَّــــا قَــــالُوا ) قــــال صــــعد موســــ ى وهــــارون الجبل فمات هارون عليه السلام، فقال بنو إسرائيل لموسـ ى عليـه السـلام أنـت قتلتـه كان ألين لنا منك وأشد حياءاً فآذوه من ذلك : قال ابن كثير : قلت يحتمل أن يكون الكل مراداً وأن يكون معه غيره والله أعلم 1. قالــت: يريــد ابــن كثيــر بــأن الأذى المقصــود فــي الآيــة يشــمل اتهــام اليهــود لموســ ى عليــه الســـلام، بـــالبرص وغيـــره مـــن الآفـــات فحصـــلت للبـــراءة بمـــا ذكـــره فـــي صـــحيح ا لبخـــاري، وكذلك يشمل اتهامهم له بقتل أخيه هارون عليه السلام رابعــاً : قولـــه تعــالى: ( وَإِذْ قَـــالَ مُوســ َى لِقَوْمِـــهِ يَــا قَـــوْمِ لِــمَ تُـــؤْذُونَنِي وَقَــدْ تَعْلَمُـــونَ أَن ِـــي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) 2، هذه الآية بينت الإيذاء الذي حصل لموس ى عليه السلام من اليهود على سبيل الإجمال. قـــــال الخـــــازن فـــــي تفســـــيرها: قيـــــل أنهـــــم كـــــانوا يؤذونـــــه بـــــأنواع مـــــن الأذى، مـــــن ذلـــــك التنُّـــث، ومنهـــا قـــولهم، أرنـــا الله جهـــرة، وقـــولهم : لـــن نصـــبر علـــى طعـــام واحـــد، ومنهـــا أنـــه رمـــوه – اتهمـــوه – بـــالأدرة ( وَقَـــدْ تَعْلَمُـــونَ أَن ِـــي رَسُـــولُ اللَّـــهِ إِلَـــيْكُمْ ) يعنـــي تـــؤذنني وأنـــتم تعلمون علماً قطعياً أني رسول الله إليكم والرسول يعظَّم ويوقر ويحترم ولا يؤذى ) 3. هــذا كــان مــن شــأن اليهــود مــع موســ ى عليــه الســلام وهــو شــيخ أنبيــاء بنــي إســرائيل، فيـا تـرى كيـف كـان حــالهم مـع غيـره مـن الأنبيـاء، لا شــك أنـه أسـوأ بكثيـر، وفـي النقــاط التالية سترى كيف كان إيذاؤهم للنبي صلى الله عليه وسلم. خامساً : قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُ وا رَاعِنَـا وَقُولُـوا انْظُرْنَـا وَاسْـمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) 4. 1 ـ تفسير ابن كثير3 /499 .) 2 ـ الآية5 من سورة الصف 3 ـ تفسير الخازن 4 /287 ) باختصار 4 ـ الآية104 من سورة البقرة
عدد الصفحات ٥٢53 هذه الآية فيها إشارة إلى ما وقع من اليهـود مـن إيـذاء سـيدنا محمـد صـلى الله عليـه وســـــلم حيـــــث حرفـــــوا معـــــاني بعـــــض الكلمـــــات والتـــــي كـــــان الصـــــحابة ينادونـــــه بهـــــا، وأراد اليهــــود بــــذلك الاســــتهزاء بــــه صــــلى الله عليــــه وســــلم، ويقــــول شــــيخ الإســــلام ابــــن تيميــــة رحمـــه مـــــــن المراعـــــــاة، وكـــــــان هــــــــذه اللفظـــــــة ســـــــباً قبيحـــــــاً بلغــــــــة اليهـــــــود، فلمـــــــا ســـــــمعتها اليهــــــــود أغتنموهــا، وقــالوا فيمــا بيــنهم : كــان نســب محمــداً ســراً فــأعلنوا لــه الآن بالشــتم وكــانوا يأتونـه، ويقولــون ( راعنــا يـا محمــد ) ويضــحكون فيمـا بيــنهم ، فســمعها سـعد بــن معــاذ ففطن لهم، وكـان يعـرف لغـتهم، فقـال لهـم، علـيكم لعنـة الله ، والـذي نفسـ ي بيـده، يـا معشـــر اليهـــود لـــئن ســـمعتها مـــن رجــــل مـــنكم يقولهـــا لرســـول الله صـــلى الله عليـــه وســــلم لأضــربن عنقــه، فقــالوا : أو لســتم تقولونهــا، فــأنزل الله تعــالى : ( يَــا أَيُّهَــا الَّــذِينَ آمَنُــوا لا تَقُولُــــوا رَاعِنَــــا ) الآيــــة لكــــي لا تتخــــذ اليهــــود ذلــــك ســــبيلاً إلــــى شــــتم رســــول الله صــــلى الله عليه وسلم1 أهـ سادســــاً : ومــــن صــــور اســــتهزاء اليهــــود بســــيدنا محمــــد صــــلى الله عليــــه وســــلم عــــدم تـــــو قيره عنـــــد إلغــــــاء التحيـــــة عليــــــه ، فبـــــدلاً مـــــن أن تكــــــون التحيـــــة دلالــــــة علـــــى التــــــوفير والاحتــــرام جعلوهــــا ســــبباً للــــدعاء عليــــه بــــالموت فكــــانوا يقولــــون لــــه عنــــد تحيــــة الســــام عليـــك بـــدلاً مـــن الســـلام عليـــك، والســـام هـــو المـــوت فكـــأنهم يـــدعون عليـــه بـــالمو ت ثبـــت ذلــــك فــــي الحــــديث المتفــــق عليــــه: عــــن عائشــــة رضــــ ي الله عنهــــا قالــــت : دخــــل رهــــط مــــن اليهــود علـــى رســـول الله صـــلى الله عليـــه وســـلم فقـــالوا : الســـام عليـــك، ففهمتهـــا فقلـــت : عليك السام واللعنة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( مهلاً يا عائشة ، فإن الله يحب الرفق في الأمر كله : فقلت : يا رسول الله، أولم تسمع ما قالوا؟ قـال ( فقـد قلت: وعليكم ) ســابعاً : ومــن صــور إيــذاء اليهــود لســيدنا محمــد صــلى الله عليــه وســلم أنهــم قــاموا بسحرة ، ولاشك أن من أعظم أنـواع الإيـذاء لأي، إنسـان هـو سـحره ، وذلـك لتعطيـل حياته فما أجرأ اليهود علـى ارتكـاب المنكـرات وأنـواع المعا،ـ ي ، والسـيئات ، فقـد ثبـت عن البخاري ومسلم – واللفظ له – عند عائشة رض ي الله عنهـا قالـت ( سـحر رسـول 1- الصارم المسلول على شاتم الرسول لابن تيمية ص 241
عدد الصفحات ٥٣54 الله صلى الله عليه وسلم يهـوديٌ مـن يهـود بنـي زريـق، يقـال لـه لبيـد بـن الأعصـم، حتـى كــان رســول الله صــلى الله عليــه وســلم يخيــل إليــه أنــه يفعــل التــ يء ومــا يفعلــه ، حتــى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة دعـا رسـول الله صـلى الله عليـه وسـلم ثـم دعـا، ثـم قـال : يـــــــا عائشـــــــة ، أشـــــــعرت أن الله أفتـــــــاني فيمـــــــا اســـــــتفتيته فيـــــــه، جـــــــاءني رجـــــــلان فقعـــــــد أحـــدهما عنـــد رأســـ ي والأخـــر عنـــد رجلـــي ، فقـــال الـــذي عنـــد رأســـ ي للـــذي عنـــد رجلـــي، أو الــذي عنــد رأســ ي للــذي عنــد رجلــي مــا وجــع الرجــل ؟ قــال : مطبــوب قــال : مــن طبــه ؟ قـــال لبيـــد بـــن الأعصـــم ، قـــال : فـــي أي شـــ يء ؟ قـــال : فـــي مشـــط ومشـــاطة، قـــال : وحـــب طلعــة ذكــر، قــال : فــأين هــو ؟ قــال : فــي بئــر ذى أروان، قالــت: فأتاهــا رســول الله صــلى الله عليه وسلم في أناس من أصحابه ، ثم قال الحنــاء ، ولكــأن نخلهــا رؤوس الشــياطينلــت : يــا رســول الله، أفــلا أحرقتــه ؟ قــال : لا أما أنا فقد عافاني الله؛ وكرهت أن أثير على الناس شراً، فأمرت بها فدفنت 1 وفي روايتـــــــه للنســـــــائي فاستخرجها فجاء بها فخللها، فقام رسول الله صلى الله عليـه وسـلم كأنمـا نشـط مـن عقـــال ، فمـــا ذكـــر لـــذلك اليهـــودي ولا رآه فـــي وجهـــه قـــط حتـــى مـــات2 مـــن روايـــة زيـــد بـــن أرقم. ثامنـــاً : ومـــن صـــور إيـــذائهم للأنبيـــاء علـــيهم الســـلام، ذكـــر الله فـــي كتابـــه مـــن إيـــذائهم للمســيح عيســ ى ابــن مــريم عليهمــا الســلام حيــث قــال تعــالى ( وَقَــوْلِهِمْ إِنَّــا قَتَلْنَــا المَْسِــ يحَ عِيس َى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُب ِهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّـذِينَ اخْتَلَفُـوا فِيهِ لَفِي شَك ٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍّ إِلاَّ ات ِبَاعَ الظَّن ِ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً ) 3 . قــــال الطــــاهر ابــــن عاشــــور: أن قــــولهم إنــــا قتلنــــا المســــيح عيســــ ى بــــن مــــريم فحمــــل المؤاخــــــذة علــــــيهم منــــــه : هــــــو أنهــــــم قصــــــدوا أن يعــــــدوا هــــــذا الإثــــــم فــــــي مفــــــاخر إســــــلافهم الراجعة إلى الإخلاف بالعهد المبين في سبيل نصر الدين 4. 1 ـ صحيح البخاري برقم 5793 ) و مسلم برقم 2189 . ) 2 ـ سنن النسائي ـ دار الكتاب العربي ـ بيروت ـ 1 /113 .) 3 ـ الآية107 من سورة النساء 4 ـ التحرير و التنوير 4 /305 . )
عدد الصفحات ٥٤55 لقـــدبســـط ابـــن كثيـــر قصـــة محاولـــة اليهـــود لقتـــل المســـيح عيســـ ى عليـــه الســـلام، فـــي تفســـــيره فقــــــال رحمـــــه الله: كــــــان مــــــن خبـــــر اليهــــــود علــــــيهم لعـــــائن الله وســــــخطه وغضــــــبه وعقابه أنه لما بعث الله عيس ى بن مريم بالبينات والهدى حسدوه على ما آتاه الله من النبــوة والمعجــزات ... ومــع هــذا كــذبوه وخــالفوه وســعوا فــي أذاه بكــل مــا أمكــنهم ، حتــى جعــــل نبــــي الله عيســــ ى عليــــه الســــلام لا يســــاكنهم فــــي بلــــدة بــــل يكثــــر الســــياحة هــــو وأمــــه عليهمــا الســلام ثــم لــم يقــنعهم ذلــك حتــى ســعوا إلــى ملــك دمشــق فــي ذلــك الزمــان وكــان رجـلاً مشـركاً مـن عبـده الكواكـب كـان يقـال لأهـل ملتـه اليونـان، وأنهـوا إليـه أن فـي بيــت المقــــدس رجــــلاً يفــــتن النــــاس ويضــــلهم ويفســــد علــــى الملــــك رعايــــاه، فغضــــب الملــــك ذلــــك وكتب إلى نائبه بالقدس أنه يصـلبه – أي المسـيح – ويضـع الشـوك علـى رأٍّسـه ويكـف أذاه عن الناس فلما وصل الكتاب أمتثـل والـي بيـت المقـدس ذلـك، وذهـب هـو وطائفـة مــن اليهــود إلــى المنــزل الــذي فيــه عيســ ى عليــه الســلام وهــو فــي جماعــة مــن أصــحابه اثنــى عشـر أو ثلاثـة عشـر وقيـل ســبعة عشـر نفـراً ، وكـان ذلـك يــوم الجمعـة بعـد العصـر ليلــة الســـــبت، فحصـــــروه هنالـــــك، فلمـــــا أحـــــس بهـــــم، وأنـــــه لا محالـــــة مـــــن دخـــــولهم عليـــــه أو خروجـــه إلـــيهم، قـــال لأصـــحابه أيكـــم يلقـــى عليـــه شـــبهي وهـــو رفيقـــي الجنـــة ؟ فانتـــدب لذلك شاب منهم فكأنه استصغره عن ذلك فأعادها ثانية وثالثة وكل ذلك لا ينتدب إلا ذلك الشاب، فقال : أنت هو ، وألقى الله عليه شبه عيسـ ى حتـى كأنـه هـو وفتحـت روزنـــــة مـــــن ســـــقف البيـــــت، وأخـــــذت عيســـــ ى عليـــــه الســـــلام ســـــنة مـــــن النـــــوم فرفـــــع إلـــــى السماء، وهو كذلك كما قال الله تعالى: ( إِذْ قَـالَ اللَّـهُ يَـا عِيسـ َى إِن ِـي مُتَوَف ِيـكَ وَرَافِعُـكَ إِلَــــيَّ وَمُطَه ِــــرُكَ مِــــنَ الَّــــذِينَ كَفَــــرُوا وَجَاعِــــلُ الَّــــذِينَ اتَّبَعُــــوكَ فَــــوْقَ الَّــــذِينَ كَفَــــرُوا إِلَــــى يَــــوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَـا كُنْـتُمْ فِيـهِ تَخْتَلِفُـونَ ) 1، فلمـا رفـع ، خـرج أولئــــــك النفـــــــر، فلمـــــــا رأى أولئــــــك ذلـــــــك الشـــــــاب ظنــــــوا أنـــــــه عيســـــــ ى فأخــــــذوه فـــــــي الليـــــــل وصـــلبوه، ووضـــعوا الشـــوك علـــى رأســـه، وأظهـــر اليهـــود أنهـــم ســـعوا فـــي صـــلبه وتبجحـــوا بذلك، وسلم لهم طوائف من النصارى ذلك لجهلهم وقلة عقلهـم مـا عـدا مـن كـان فـي البيت مع المسيح فإنهم شاهدوا رفعه2. 1 ـ الآية55 من سورة آ ل عمران . 2 ـ تفسير ابن كثير1 /574 ) باختصار
عدد الصفحات ٥٥56 ثـــم أورد رحمـــه الله عـــدداً مـــن الروايـــات فـــي ذلـــك تـــدل علـــى مـــا ســـبق ذكـــره فـــي هـــذه القصـــة، ولســـنا فـــي حاجـــة إلـــى ذكرهـــا خشـــية الإطالـــة إذ يحصـــل المقصـــود مـــن الآيتـــين اللتين ذكرناهما للتدليل على إيذاء اليهود لعيس ى عليه السلام بما سبق ذكره. وأخيراً : أقول : من جميع تلك النصوص والآثار يبدو لـك أيهـا القـارئ واضـحاً جليـاً مـا كــان مــن اليهــود مــن الأذى والاســتهزاء تجــاه أعظــم الأنبيــاء بــل مــن أعظــم أولــى العــزم مــــن الرســــل وهــــم ســــيدنا محمــــد وموســــ ى وعيســــ ى علــــيهم الســــلام فيــــا تــــرى كيــــف كــــان حالهم مع بقية الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه.
عدد الصفحات ٥٦57 الفصل الثالث أخلاق اليهود في تعاملهم مع الملائكة والكت ب السماوية المبحث الأول : عداوة اليهود لجبريل عليه السلام. المبحث الثاني : تحريف اليهود للتوراة . المبحث الثالث : إنكار اليهود الكتب السماوية . المبحث الرابع: أخلاق اليهود مع القرآن الكريم و كيفية تعاملهم معه.
عدد الصفحات ٥٧58 المبحث الأول عداوة اليهود لجبريل عليه السلام مــــن المعلــــوم ضــــرورة وجــــوب الإيمــــان بالملائكــــة وإجلالهــــم وتــــوقيرهم علــــى كــــل مــــن آمــــن بـــالله تعـــالى وعلـــم بوجـــود الملائكـــة يقينـــاً عـــن طريـــق إخبـــار الرســـل علـــيهم الســـلام لكـــن لليهـــود موقـــف مختلـــف تمامـــاً فهـــم مـــع علمهـــم وإيمـــانهم بوجـــود الملائكـــة إلا أنهـــم والـــوا بعــض الملائكــة وعــادوا بعضــهم فســجل الله تعــالى هــذا التصــرف الــذميم مــن اليهــود فــي كتابـــه فقـــال جـــل وعـــلا: ( قُـــلْ مَـــنْ كَـــانَ عَـــدُو اً لِجِبْرِيـــلَ فَإِنَّـــهُ نَزَّلَـــهُ عَلَـــى قَلْبِـــكَ بِـــإِذْنِ اللَّـــهِ مُصَد ِقاً لمَِا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ) 1. يقـــول القرطبــــي : ســـبب نزولهـــا أن اليهــــود قـــالوا للنبــــي صـــلى الله عليــــه وســـلم : إنــــه ليس نبي مـن الأنبيـاء إلا يأتيـه ملـك مـن الملائكـة مـن عنـد ربـه بالرسـالة وبـالوحي فمـن صاحبك حتى نتابعك ؟ قال : جبريل ، قالوا : ذاك الـذي ينـزل بـالحرب وبالقتـال ذاك عدونا، لو قلت ميكائيل الذي ينزل بالقطر والرحمة تابعناك فأنزل الله الآية إلى قولـه ( فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ) 2. قــال ابــن عاشــور : وقــد عــرف اليهــود فــي المدينــة بــأنهم أعــداء جبريــل ففــي البخــاري عن أنس بن مالك قال، ، وهـو فــي أر يختــر ف فـأتى النبــي صــلى الله عليـه وســلم فقــال : إنـي ســائلك عــن ثــلاث لا يعلمهـــن إلا نبـــي ، فمـــا أول أشـــراط الســـاعة ؟ ومــــا أول طعـــام أهـــل الجنـــة؟ مـــا ينــــزع الولد إلى أبيه أو إلـى أمـه؟ قـال رسـول الله أخبرنـي بهـن جبريـل آنفـاً، قـال: جبريـل ؟ قـال نعم، قال ذاك عدو اليهود مـن الملائكـة، فقـرأ النبـي صـلى الله عليـه وسـلم هـذه الآيـة ( قُلْ مَنْ كَانَ عَدُو اً لِجِبْرِيلَ )، "وأما أول أشراط الساعة فنار تحشـر النـاس مـن المشـرق إلـــى المغـــرب، وأمـــا أول طعـــام يـــا أكلـــه أهـــل الجنـــة فزيـــادة كبـــد الحـــوت، وإذا ســـبق مـــاء الرجل المرأة نزع الولد وإذا سبق ماء المـرأة نزعـت" قـال عبـ د الله بـن سـلام : أشـهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول3 1 ـ الآية89 من سورة البقرة 2 ـ تفسير القرطبي 1 /603 . ) 3 ـ التحرير و التنوير 1 /603 . )
عدد الصفحات ٥٨59 وذكرابن كثيـر روايـات أخـرى لنـزل الآيـة الكـريم، فمـن ذلـك مـا رواه ابـن أبـي حـاتم بســـنده عـــن الشـــعبي قـــال: انطلـــق عمـــر بـــن الخطـــاب إلـــى اليهـــود فقـــال أنشـــركم بالـــذي أنـــــزل التــــــوراة علــــــى موســــــ ى هــــــل تجــــــدون محمـــــداً فــــــي كتــــــبكم ؟ قــــــالوا نعــــــم، قــــــال: فمــــــا يمــنعكم أن تتبعــوه ؟ قــالوا : إن الله لــم يبعــث رســولاً إلا جعــل لــه الملائكــة كِفْــلاً ، وإن جبريــل كفــل محمــداً، وهــو الــذي يأتيــه وهــو عــدونا مــن الملائكــة، و ميكائيــل ســلمنا ، لــو كـــان ميكائيـــل الـــذي يأتيـــه أســـلمنا ، قـــال فـــإني أنشـــدكم بـــالله الـــذي أنـــزل التـــوراة علـــى موس ى ما منزلتهما عند الله تعالى ؟ قالوا جبريل عن يمينه وميكائيـل عـن شـماله، قـال عمر : وإني أشهد ما ينزلان إلا بإذن الله، وما كان ميكائيل ليسـالم عـدو جبرائيـل ، ومـا كـــان جبرائيـــل ليســــالم عـــدو ميكائيـــل، فبينمــــا هـــو عنـــدهم إذ مــــر النبـــي صـــلى الله عليــــه وســلم فقــالوا : هــذا صــا حبك يــا ابــن الخطــاب فقــام إليــه عمــر فأتــاه وقــد أنــزل الله عــز وجل (مَنْ كَانَ عَدُو اً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) 1 قـــال الســـعدي فـــي تفســـيرها : قـــل لهـــؤلاء لليهـــود الـــذين زعمـــوا أن الـــذي مـــنعهم مـــن الإيمــان بــك ، إن وليــك جبريــل عليــه الســلام ، لــو كــان غيــره مــن ملائكــة الله لآمنــوا بــك وصـــدقوا : إن هــــذا الــــزعم مــــنكم، تنــــاقض وتهافـــت وتكبُّــــر علــــى الله، فــــإن جبريــــل عليــــه الســلام هــو الــذي نــزل بـــالقرآن مــن عنــد الله علــى قلبــك، وهـــو الــذي ينــزل علــى الأنبيـــاء قبلـــك فالعـــداوة لجبريــــل كفـــر بــــالله و آياتـــه وعــــداوة لله ولرســـله وملائكتــــه، فـــإن عــــداوة اليهــود لجبريــل ليســت لذاتــه وإنمـــا لمــا ينــزل بــه مــن عنـــد الله مــن الحــق علــى رســـل الله، فيتضــمن الكفــر والعــداوة للــذي أنزلــه والــذي أرســل بــه، والــذي أرســل إليــه فهــذا وجــه ذلك2. يؤخــذ مــن هــذا كلــه أن اليهــود لــم يســتحوا مــن الله حيــث زعمــوا أنــه يعــادون جبريــل عليــه الســـلام لأنـــه ينــزل بـــالحرب والشـــدائد وهــم يعلمـــون يقينـــاً أنــه عليـــه الســـلام كـــان ينـــزل بـــالوحي علـــى الأنبيـــاء والرســـل الســـابقين ومـــن بيـــنهم موســـ ى عليـــه الســـلام وكـــذلك ســـــائر أنبيـــــاء بنـــــي إســـــرائيل، ولـــــيس هـــــدفهم كمـــــا قـــــال الســـــعدي – عـــــداوة جبريـــــل بـــــل هدفهم عدم اتباع النبي صلى الله عليه وسلم. 1 ـ تفسير ابن كثير1 /131 . ) 2 ـ تفسير السعدي - ص ( 57 ) تبصرف يسير
عدد الصفحات ٥٩60 المبحث الثاني تحريف اليهود للتوراة إن واجب أهل الإيمان مع الكتب السماوية تلقيها بالإجلال والإعظام وذلك لأنها من كلام اله تعالى وهذا هو الخُلُق الذي لا يجوز سواه مع كلامه عز وجل، ولكن اليهود كما كانوا سيئين في أخلاقهم وفي تعاملهم مع أنبياء الله ورسله فكذلك ساءت أخلاقهم مع الكتب المنزلة وذلك من عدة نواحي تبين من خلال النصوص الآتية : أولاً : قولـــه تعـــالى: ( أَفَتَطْمَعُـــونَ أَنْ يُؤْمِنُـــوا لَكُـــمْ وَقَـــدْ كَـــانَ فَرِيـــقٌ مِـــنْهُمْ يَسْـــمَعُونَ كَـــلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَر ِفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) 1. يقــــول الشــــنقيطي: قــــال العلمــــاء : هــــذا الفريــــق هــــم علمــــاؤهم ومعنــــى (يَسْــــمَعُونَ كَــلامَ اللَّــهِ) أي يســمعون كــلام الله يتلــى فــي كتابــه التــوراة ويفهمونــه ( ثُــمَّ يُحَر ِفُونَــهُ مِــنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ ) من عبد ما أدركوه بعقولهم، فيج دون ـ مثلاً ـ في التـوراة : مـن صـفات النبي صلى الله عليه وسلم ( أبيض ) فيحرفونها إلى ( أسمر ) ويجـدون مـن صـفاته : ( ربعة ) فيحرفونها إلى طويل شذب ونحو ذلك. ومــن ذلــك أن علمــاء اليهــود كــانوا يحرفـــون أحكــام التــوراة بــأن يبــدلوها بمــا يوافـــق أهــــواءهم فيجعلــــون الحــــرام حــــلالاً ، والحــــلال حرامــــاً، وينكــــرون بعــــض آياتهــــا كــــالرجم، وغير ذلك من تحريفهم لأحكام التوراة. وإذا كـــان هـــذا حـــال خيـــارهم وعلمـــائهم مـــع التـــوراة بعـــد فهمهـــا وعلـــم مـــا فيهـــا، ممـــا يـــــدل علـــــى عـــــدم إجلالهـــــم لكـــــلام الله فكيـــــف يغيـــــرهم ، فمـــــالكم تطمعـــــون فـــــي أن مثـــــل هؤلاء يؤمنون في أن مثل هؤلاء يؤمنون لكم يهتدون إلى خير2 وقــال ابــن عاشــور : والتحريــف أصــله مصــدر حــرف التــ يء إذا مــال لــه إلــى الحــرف وهو يقتض ى الخروج عن حادة الطريق، وقولـــــه ( وَهُـــــمْ يَعْلَمُـــــونَ ) حـــــال مـــــن ( فريـــــق ) وهـــــو قيـــــد فـــــي القيـــــد يعنـــــي يســـــمعونه ثـــــم يعقلونــه ثــم يحرفونــه، وهــم يعلمــون أنهــم يحرفــون ، وأن قومــاً توارثــوا هــذه الصــفة لا يطمع في إيمانهم ، فالغالب أن يكون خلقهم واحداً ، وطباعهم متقاربة كما قـال نـوح 1 ـ الآية57 من سورة البق رة . 2 ـ العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير1 /145 ) بتصرف يسير
عدد الصفحات ٦٠61 ( إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً 1 . ثانيـــاً قولـــه تعـــالى : ( فَوَيْـــلٌ لِلَّـــذِينَ يَكْتُبُـــو نَ الْكِتَـــابَ بِأَيْـــدِيهِمْ ثُـــمَّ يَقُولُـــونَ هَـــذَا مِـــنْ عِنْـــــــدِ اللَّـــــــهِ لِيَشْـــــــتَرُوا بِـــــــهِ ثَمَنـــــــاً قَلِـــــــيلاً فَوَيْـــــــلٌ لَهُـــــــمْ مِمَّـــــــا كَتَبَـــــــتْ أَيْـــــــدِيهِمْ وَوَيْـــــــلٌ لَهُـــــــمْ مِمَّـــــــا يَكْسِبُونَ) 2 قــال الطــاهر بــن عاشــور : معنــى (يَكْتُبُــونَ الْكِتَــابَ بِأَيْــدِيهِمْ ) أنهــم يكتبــون شــيئاً لــم يـــأتهم مـــن رســـلهم، بـــل يضـــعونه ويبتكرونـــه كمـــا دل عليـــه قولـــه (ثُـــمَّ يَقُولُـــونَ هَـــذَا مِـــنْ عِنْــدِ اللَّــهِ) المُشــعر بــأن ذلــك قــولهم بــأفواههم لــيس مطــابق لمــا فــي نفــس الأمــر ... ولــيس هــذا القــول (ثُــمَّ يَقُولُــونَ) متراخيــاً عــن كتــابتهم مــا كتبــوه فــي الزمــان بــل همــا متقارانــات لأن ( ثــــم) للترتيــــب الرُّتبــــي، وقولــــه (لِيَشْــــتَرُوا بِــــهِ ثَمَنــــاً قَلِــــيلاً) الــــثمن المقصــــود هنــــا هــــو إرضــاء العامــة بــأن غيــروا لهــم أحكــام الــدين علــى مــا يوافــق أهــواءهم أو انتحــال العلــم لأنفســـهم مـــع أنهـــم جـــاهلون فوضـــعوا كتابـــاً تافهـــاً مـــن القصـــص والمعلومـــات البســـيطة ليتفقهــــوا بهــــا فــــي المجــــامع ، لأن عقــــولهم لــــم تصــــل إلــــى العلــــم الصــــحيح، وهــــذه شنشــــة الجهلــــة المتطلبــــين إلــــى الرئاســــة عــــن غيــــر أهليــــة يظهــــروا فــــي صــــور العلمــــاء لــــدى أنظــــار العامة . وكــأن هــذه الآيــة تشــير إلــى مــا كــان فــي بنــي إســرائيل مــن تلاشــ ي التــوراة بعــد تخريــب بيــت المقـــدس فـــي زمـــن نختصـــر ثـــم فــي زمـــن طـــيطس القائـــد الرومـــاني وذلـــك أن التـــوراة التي كتبها موسـ ى عليـه السـلام قـد أمـر بوضـعها فـي تـابوت العهـد فلمـا غـزاهم بختنصـر ســنة 588 ق .م أحــرق الهيكــل والمدينــة كلهــا بالنــار وأخــذ معظــم اليهــود فبــاعهم عبيــداً فــي بلــدة ومعلــوم أنهــم لــم يكونــوا يومئــذ يســتطيعون إنقــاذ التــور اة وهــم لــم يكونــوا مــن حفظتهــــا يضــــاف إلــــى ذلــــك أن اليهــــود قــــد عبــــدوا الأصــــنام غيــــر مــــرة وهــــذا فــــي حــــد ذاتــــه مــؤذن بضــياع الــدين وتناســيه، ولهــذا اتفــق المثقفــون مــن العلمــاء البــاحثين عــن تــاريخ الـــدين علـــى أن التـــوراة قـــد دخلهـــا التحريـــف والزيـــادة والتلاشـــ ي، وقـــد قـــال ( لنحـــرك ) أحــــــد علمــــــاء الإفــــــر نج – ( أن الكتــــــب الخمســــــة التــــــي هــــــي مجمــــــوع للتــــــوراة قــــــد دخلهــــــا 1 ـ الآية27 من سورة نوح 2 ـ الآية79 من سورة البقرة
عدد الصفحات ٦١62 تحريف كثير عن علم صموئيل أو عزير، ويذكر علماؤنا أن اليهود إنما قالوا عزير ابـن الله لأنه أدعى أنه ظفر بالتوراة1 . ثالثــــــاً قولــــــه تعــــــالى: ( وَإِنَّ مِــــــنْهُمْ لَفَرِيقــــــاً يَلْــــــوُونَ أَلْسِــــــنَتَهُمْ بِالْكِتَــــــ ابِ لِتَحْسَــــــبُوهُ مِــــــنَ الْكِتَابِ وَمَـا هُـوَ مِـنَ الْكِتَـابِ وَيَقُولُـونَ هُـوَ مِـنْ عِنْـدِ اللَّـهِ وَمَـا هُـوَ مِـنْ عِنْـدِ اللَّـهِ وَيَقُولُـونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) 2. هذه الآية قريبة في معناها من الآيـة السـابقة إلا أن فيهـا معنـى أ شـد مـن تلـك يشـير إليـــــه الســـــعدي حيـــــث قـــــال: يخبـــــر تعـــــالى أن مـــــن أهـــــل الكتـــــاب فريقـــــاً يلـــــوون ألســـــنتهم بالكتــاب، أي يميلونــه ويحرفونــه عــن المقصــود بــه، ويشــمل الآتــي : التحريــف لألفاظــه ومعانيــه، وذلــك أن المقصــود مــن الكتــاب حفــظ الألفــا وعــدم تغييرهــا ، وفهــم المــراد منهــــــا ، وإفهامــــــه ، وهــــــؤلاء عكســــــوا القضــــــية ، وأفهمــــــوا غيــــــر المــــــراد مــــــن الكتــــــاب ؛ إمــــــا تعريضـــــاً وإمــــــا تصــــــريحاً ، فــــــالتعريض فــــــي قولــــــه ( لِتَحْسَــــــبُوهُ مِــــــنَ الْكِتَــــــابِ ) أي يلــــــوون ألســـــنتهم ويوهمـــــونكم أنـــــه هـــــو المـــــراد مـــــن كتـــــاب الله ولـــــيس هـــــو المـــــراد، والتصـــــريح فـــــي قولهم،لا علـم ، وهـؤلاء يقولـون علـى الله الكـــذب فيجمعـــون بـــين نفـــي المعنـــى الحـــق، وإثبـــات المعنـــى الباطـــل ، وتنزيـــل اللفـــظ الدال على الحق على المعنى الفاسد مع علمهم بهذا3 . رابعـاً أورد ابـن هشـام فـي السـيرة وابـن جريــر فـي تفسـيره أثـراً يـدل علـى إنكـار اليهــود صـــفات النبـــي صـــلى الله عليـــه وســـلم عـــن ابـــن عبـــاس قـــال : معـــاذ بـــن جبـــل وســـعد بـــن عبــادة وعتبــة بــن وهــب لليهــود : يــا معشــر اليهــود اتقــوا الله، فــو الله أنكــم لتعلمــون أنــه رسـول الله، لقـد كنــتم تذكرونـه لنــا قبـل مبعثــه، وتصـفونه لنــا بصـفته فقــال رافـع بــن حرملـة ووهــب بــن يهــوذا ـــــــــ وهمــا يهوديــان ـــــــــذا ومــا أنــزل الله مــن كتــاب بعــد موســ ى ولا أرســل بشــيراً ولا نــذيراً بعــده ( يَــا أَهْــلَ الْكِتَــابِ قَــدْ جَــاءَكُمْ رَسُـــولُنَا يُبَـــي ِنُ لَكُـــمْ عَلَـــى فَتْـــرَةٍّ مِـــنَ الرُّسُـــلِ أَنْ تَقُولُـــوا مَـــا جَاءَنَـــا مِـــنْ بَشِـــيرٍّ وَلا نَـــذِيرٍّ فَقَـــدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُل ِ ش َيْءٍّ قَدِيرٌ) 4 1 ـ التحرير و التنوير 1 /559 ) باختصار 2 ـ الآية78 من سورة آل عمران 3 ـ تفسير السعدي162 . ) 4 ـ الآية19 من سورة المائدة
عدد الصفحات ٦٢63 خامســاً : قــال ابــن هشــام : قــال ابــن إســحاق - بســنده - عــن أبــي هريــرة رضــ ي الله عنــه" أن أحبــار اليهــود اجتمعــوا فــي بيــت المــدارس حــين قــدم رســول الله صــلى الله عليــه وسلم المدينة، وقد زنى رجل مـنهم بعـد إحضـانه بـامرأة مـن يهـود قـد أحضـنت فقـالوا : ابعثوا هذا الرجل وهذه المرأة إلى محمد، فسلوه كيف الحكم فيهما ، وولوه الحكـم عليهمــا، فــإن عمــل فهمــا التجبيــة، فــاتبعوه فإنمــا هــو ملــك و التجبيــة هــي الجلــد بحبــل مـــــــن ليـــــــف مطلـــــــي بقـــــــار، ثـــــــم تســـــــود وجودههمـــــــا ثـــــــم حمـــــــلان علـــــــى حمـــــــارين ، وتجعـــــــل وجوههما إلى أدبار الحمار ين – قالوا ( وإن هـو حكـم فيهمـا بـالرجم فأنـه نبـي فاحـذروه على ما في أيـديكم أن يسـلبكموه ، فـأتوه ، فقـالوا : يـا محمـد ، هـذا رجـل قـد زنـى بعـد إحضـانه بــامرأة أحضــنت ، فــاحكم فيهمــا، فقــد ولينــاك الحكــم فيهمــا، فمضــ ى رســول الله صـلى الله عليــه وســلم حتــى أتــى أحبــارهم فـي بيــت المــدراس، فقــالوا : يــا معشــر يهــود أخرجـــوا إلـــيَّ علمـــاءكم ، فـــأخرجوا لـــه عبـــد الله بـــن صـــوريا، فخـــلا بـــه رســـول الله صـــلى الله عليه وسلم وكان غلاماً شاباً فألظ به رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي المسـألة ، يقول له : يا ابن صوريا أنشدك الله ، وأذكرك بأيامه عند نبي إسرائيل ، هـل تعلـم أن الله حكـم فــي مــن زنــى بعــد إحضــانه فــي التــوراة بــالرجم، قــال : اللهــم نعــم، أمــا والله يــا أبــا القاســم أنهــم ليعرفــون أنــك نبــي مرســل، ولكــنهم يحســدونك ، قــال فخــرج رســول الله صـــلى الله عليـــه وســـلم، فـــأمر بهمـــا فرجمـــا، ثـــم كفـــر بعـــد ذلـــك ابـــن صـــوريا وجحـــد نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفـــــي روايـــــة ابـــــن عمـــــر قـــــال : لمـــــا حكَّمـــــوا رســـــول الله صـــــلى الله عليـــــه وســـــلم فيهمـــــا ، دعــــاهم بــــالتوراة ، وجلــــس حبــــر مــــنهم يتلوهــــا، وقــــد وضــــع يــــده علــــى آيــــة الــــرجم ــــــــــــــــــــــــ أي ليغطيهـا لكـي لا يقرؤهـا ـــ قـال ابـن عمـر : فضـرب عبـد الله بـن سـلام يـد الحبـر ثـم قـال : هـــذه يـــا نبـــي الله آيـــة الـــرجم، يـــأبى أن يتلوهـــا عليـــك ؟ فقـــال لهـــم رســـول الله صـــلى الله عليه وسلم فقــالوا: والله إنــه قــد كــان فينــا يعمــل بــه، حتــى زنــى رجــل منــا بعــد أحضــانه مــن بيــوت الملــوك وأهــل الشــرف، فمنعــه الملــك مــن الــرجم ، ثــم زنــى بعــده ر جــل فــأراد أن يرجمــه فقالوا : لا والله حتى ترجم فلاناً ، فلمـا قـالوا لـه ذلـك اجتمعـوا فأصـلحوا أمـرهم علـى التجبيـــــة ، وأمـــــاتوا ذكـــــر الـــــرجم والعمـــــل بـــــه، قـــــال : فقـــــال رســـــول الله صـــــلى الله عليـــــه
عدد الصفحات ٦٣64 وســـلم " فأنـــا أول مـــن أحيـــا أمـــر الله وكتابـــه وعمـــل بـــه " ثـــم أمـــر بهمـــا فرجمـــا عنـــد بـــاب مسجده قال ابن عمر : فكنت فيمن رجمهما1 . قلت : وأصل القصة في الصحيحين 2 ولكنها مختصرة عما هاهنا ، والله أعلم. خلاصـــة المبحــــث : تبــــين مـــن خــــلال تلــــك الآيـــات والآثــــار أن اليهــــود كـــانوا يقــــدمون علــــى تعريـــف التــــوراة بكــــل جــــرأة ووقاحــــة، ولهــــم دوافــــع بهــــذا الإجــــرام العظــــيم وقــــد أشــــارت الآيات إلى تلك الدوافع وإليك بعضها. 1- ابتغــاء جمــع المــال وذلــك مــا أشــارت إليــه الآيــة ( ليشــتروا بــه ثمنــاً قلــيلاً ) وقــد نهاهم الله عن ذلك ( ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً ) 2- المحافظــــة علــــى المكانــــة بــــين العامــــة لــــئلا يوصــــموا بالجهــــل، إذ فقــــدوا التــــوراة منذ زمن طويل، وذلك في الفتـرة التـي تلـت مـا أصـابهم علـى يـدي بختنصـر كمـا سبق ذكره. 3- عـــدم رغبـــة الأشـــراف والملـــوك فـــي النـــزول إلـــى تطبيـــق حكـــم الله علـــيهم كمـــا مـــر قريباً في حادثة الرجم . 4- حســدهم للنبــي صــلى الله عليــه وســلم لمــا وجــدوا أنــه مــن العــرب بعــد أن كــانوا يتوقعون أن يبعث فيهم، فدفعهم الحسد إلى تحريف صفاته لئلا يتبعـوه بـل صـــــدوا عـــــامتهم عـــــن إتباعـــــه صـــــلى الله عليـــــه وســـــلم ( فَلَمَّـــــا جَـــــاءَهُمْ مَـــــا عَرَفُـــــوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ). 1 ـ السيرة النبوية ـ لبن هشام ـ 2 /186 – 188 . ) 2 ـ البخاري برقم 4556 ) و مسلم برقم ـ 1699 . )
عدد الصفحات ٦٤