33 و ليس جحود اليهود للنعم متوقفاً على نقض الميثاق المذكور في هذه الآية و في غيرها مما سبق ذكره في المبحث الأول بل لقد ظهر جحودهم للنعم بأنواعها في صور كثيرة سيأتي ذكرها ع ند بيان بقية ما تخلَّقوا به من أخلاق سيئة في تعاملهم مع الله تعالى و مع رسله الكرام فلا داعي لذكرها هنا خشية التكرار و الإطالة.
عدد الصفحات ٣٣34 المبحث الرابع اتهام اليهود لله تعالى بالبخل و الفقر تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً إن من أشنع و أقبح ما يصدر من هذا الإنسان الضعيف الذي خلقه الله تعالى و مكَّن له العيش في الأر أن يعود على من خلقه و أكرمه و أنعم عليه بالإتهام بما لا يليق به من أوصاف يستقبحها البشر و لا يرضون بها، لقد صدر من اليهود أمران عظيمان من سوء الأدب مع الله تعالى فقالوا يد الله مغلولة، قال الله تعالى: ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَب ِكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَْرْ ِ فَسَاداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ المُْفْسِدِينَ ) 1، و قال تعالى: ( قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِي رٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ) 2 لا يشك عاقل في أن هذا الكلام الذي صدر منهم إن دل على ش يء فإنما يدل على عدم تعظيمهم لله تعالى و على سوء أدبهم و قلة حيائهم و لو لا أن الله سَّطَر هذا القول ما كان يخطر ببال بشر، أنَّ هناك بشراً يقول هذا الكلام الذي ينم عن سوء طوية و فساد اعتقاد و بعد عن الجادة عفانا الله و المسلمين من ذلك كله. ففي هذا المبحث سأتناول آيتين تدلان على هذين الخلقين القبيحين من أخلاق اليهود : أحدهما: اتهامهم لله بالبخل، و الثاني: اتهامهم لله بالفقر تعالى عن ذلك علواً كبيراً، و تقدس و تنزه. أولاً: اتهام اليهود لله تعالى بالبخل: لقد ذكر الله تعالى ذلك في قوله جل جلاله: ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ). يقول ابن الجوزي: قوله تعالى ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ) قال أبو صالح عن ابن عباس نزلت في فنحاص اليهودي و اصحابه قالوا: يد الله مغلولة، و في سبب قولهم هذا ثلاثة أقوال: 1 ـالآية 64 من سورة المائدة 2 ـ الآية181 من سورة آل عمران
عدد الصفحات ٣٤35 القول الأول أن الله تعالى كان قد بسط لهم الرزق، فلما عصوا الله تعالى في أمر محمد صلى الله عليه و سلم و كفروا به، كف عنهم بعض ما كان بسط لهم، فقالوا: يد الله مغلولة، رواه أبو صالح عن ابن عباس و به قال عكرمة. القول الثاني: أن الله تعالى استقر منهم كما استقر من هذه الأمة، فقالوا: إن الله بخيل و يده مغلولة، فهو يستقرضنا، قاله قتادة. القول الثالث: أن النصارى لما أعانوا يختنصر المجوس ي على تخريب بيت المقدس، قالت اليهود: لو كان الله صحيحاً ـ ضد سقيم ـ لمنعنا فيده مغلولة، ذكره قتادة أيضاً 1. قلت: أياً كان السبب في هذا القول فهو قول واضح البطلات ( كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِ مْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً )، و لهذا رد الله عليهم بقوله: (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ) يعني: أُمسكت أيديهم عن كل خير و طردوا عن رحمة الله، قال الزجاج: رد الله عليهم فقال: أنا الجواد الكريم و هم البخلاء، و أيديهم مغلولة ممسوكة، و قيل: هذا دعاء على اليهود، علمنا الله كيف ندعوا عليهم، فقال: (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ) أي في نار جهنم، فعلى هذا هو من الغل حقيقة أي شدت أيديهم إلى أعناقهم و طرحوا في النار جزاءاً لهم على هذا القول، و معنى (وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ) عذبوا بسبب ما قالوا، فمن لعنتهم أنهم مسخوا في الدنيا قردة و خنازير، و ضربت عليهم الذلة و المسكنة و الجزية و في الآخرة لهم عذاب النار. و قوله تعالى: ( بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ) يعني أنه تعالى جواد كريم (يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاء ) و هذا جواب لليهود، و رد على ما افتروه و اختلقوه على الله تعالى - تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً - وإنما أجيبوا بهذا الجواب على قدر كلامهم 2. قال السعدي في تفسيره قوله تعالى : ( بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ) لا حجر عليه، و لا مانع يمنعه مما أراد، فإنه تعالى قد بسط فضله و إحسانه الديني والدنيوي، و أمر العباد أن يتعرضوا لنفحات جوده، و أن لا يسدوا على أنفسهم 1- زاد المسير في علم التفسير ـ لابن الجوزي ـ دار ابن حزم ـ بيروت ـ الطبعة الأولى ـ 2002 ص395 بتصرف يسير 2- تفسير الخازن ـ لعلاء الدين علي بن محمد البغدادي الشهير بالخازن ـ دار الكتب العلمية ـ بي روت ـ الطبعة الأولى ـ 1995 (2 /60 .)
عدد الصفحات ٣٥36 أبواب إحسانه بمعاصيهم [خيره في جميع الأوقات مدراراً، يفرج كرباً و يزيل غماً، و يغني فقيراً، و يفك أسيراً و يجبر كسيراً، و يجيب سائلاً، و يعطي فقيراً عائلاً، و ينعم على من لا يسأل و يعافي من طلب العافية، و لا يحرم من خيره عاصياً، بل خيره يرتع فيه البر و الفاجر، و يجود على أوليائه بالتوفيق لصالح الأعمال 1. ثانياً: اتهام اليهود لله تعالى بالبخل ـ تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً : قال تعالى: ( لَقَ دْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَْنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَق ٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ) 2. قال ابن الجوزيفي سبب نزولها قولان : أحدهما: أن أبابكر الص ديق رض ي الله عنه دخل بيت مدر اس لليهود- مكان للتعليم - فوجدهم قد اجتمعوا على رجل منهم ـ اسمه فنحاص ـ فقال له أبوبكر: اتق الله و أسلم فوالله إنك تعلم أن محمداً رسول الله، فقال والله يا أبابكر ما بنا إلى الله من فقر، و إنه إلينا لفقير، و لو كان غنياً ما استق ر منا، فغضب أبوبكر و ضرب وجه فناحص ضربة شديدة، و قال: والله لو لا العهد الذي بيننا لضربت عنقك، فذهب فنحاص يشكوا إلى النبي صلى الله عليه و سلم، و أخبره أبوبكر بما قال فنحاص، فجحد فنحاص فنزلت هذه الآية 3 ( لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ) هذا قول ابن عباس و إلى نحو هذا ذهب مجاهد و عكرمة و السدي و مقاتل. الثاني: أنه لما نزل قوله تعالى ( مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِ ُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَ بْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) 4، 1-ـ تفسير السعدي ص305 .) 2- الآية181 من سورة آل عمران 3- أخرجه ابن إسحاق و ابن جرير و ابن المنذر و ابن ابي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس و رجاله. إسناده ثقات خلا محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت فإنه مجهول تفر د به ابن إسحاق و قال الشيخ أحمد شاكر و إسناده جيد أو صحيح نقلاً عن هامش زاد المسير ( 245 .) 4- الآية45 من سورة البقرة
عدد الصفحات ٣٦37 قالت اليهود: إنما يستقر الفقير من الغني، فنزلت هذه الآية، هذا قول الحسن و قتادة1. قال الخازن في تفسيره " أنزل الله تصديقاً لأبي بكر و تكذيباً لفنحاص و رداً عليهم (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ) و هذه المقالة و إن كانت قد صدرت من واحد من اليهود لكنهم رضون بمقالته هذه فنسبت إلى جميعهم، و لا يخلوا أن يكونوا قالوا هذه المقالة عن اعتقاد لذلك القول أو قالوها استهزاءاً، و إيهماً كان فهذه المقالة عظيمة القبح لا تصدر عن عاقل، و إنما صدرت عن كافر متمرد في كفره و ضلاله (سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا ) يعني قولهم: أن الله فقير و نحن أغنياء، لأن ذلك القول في صحائف أعمالهم التي تكتبها الحفظة عليهم حتى يوافوا بها القيامة، فهو وعيد و تهديد لهم " 2. 1- زاد المسير ص 245 . 2- تفسير الخازن 1 /326 – 327 .)
عدد الصفحات ٣٧38 المبحث الخامس تحايل اليهود على استحلال ما حرم الله عليهم لقد ذكر الله في كتابه و النبي صلى الله عليه و سلم في سنته ما حصل من اليهود من استحلال لما حرم الله عليهم، و ليس بغريب على من وقع في كل ما سبق ذكره من قبائح الأخلاق و س يء الأعمال أن يتحايل على شريعة الله تعالى وأن يحاول الوصول إلى مصالح الدنيوية و لو بتحريف النصوص و تحميلها ما لا تحتمل ثم يظن أنه على ش يء من الشرع أو لا يزال تحت سلطانه، و ما حصل من اليهود من التحايل أو استحلال قد أخذ صوراً متعدداً، أذكر منها صورتين إحدهما من القرآن الكريم و الآخر من السنة النبوية. الصورة الأولى: تحاي لهم على الصيد في يوم السبت بعد أن حرمه الله عليهم : لقد ذكر الله تعالى قصة استحلال اليهود لما حرمه الله تعالى عليهم من صيد السمك في يوم السبت في موضعين من كتابه: أحدهما قوله تعالى: ( وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْ نَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ) 1. والثاني قوله تعالى: ( وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ) 2. وإليك مجمل ما جاء في كتب التفسير في قصة استحلال اليهود للصيد يوم السبت من خلال هاتين الآيتين. قال العلماء بالأخبار: أنهم كانوا في زمان داود عليه السلام بقرية أيلة، و حرم الله عليهم صيد السمك يوم السبت، و كان إذا دخل يوم السبت لم يبق في البحر حوت إلا اجتمع هناك حتى لا يرى الماء من كثرته، فإذا مض ى السبت تفرقت الحتيان و لزمن قعر البحر، فذلك قوله تعالى: (إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ ) ثم إن الشيطان وسوس لهم و قال: إنما نهيتم عن أخذها يوم 1 ـ الآية65 من سورة البقرة 2 ـ الآية163 من سورة البقرة
عدد الصفحات ٣٨39 السبت و لم تنهوا عن أخذها في غيره، فعمد رجال منهم فحفروا حياضاً كباراً حول البحر، و شرعوا منه إليها صغاراً فإذا كان عشية الجمعة فتحوا تلك الأنهار، فيقبل الموج من البحر بالحيتان إلى تلك الحيا فيقعن فيها و لا يقدرون على الخروج منها لعمقها، فإذا كان يوم الأحد اخذوها، ففعلوا ذلك زماناً و لم تنزل بهم عقوبة فتجرؤوا على السبت و قالوا: ما نرى السبت إلا قد أُحِل لنا فأخذوا و أكلوا و باعوا واشتروافلما فعلوا ذلك صار أهل القربة ثلاثة أصناف كما ذكر ذلك حمهور المفسرين: صنف أمسك عن الصيد و نهى عن الأصطياد، و صنف أمسك و لم ينه و صنف أنهمك في الذنب و هتكوا الحرمة، و كان هؤلاء عددهم نحواً من سبعين ألفاً. و كان الصنف الناهون اثنى عشر ألفاً فلما أبى المجرمون قبول نصحهم قالوا: والله لا نسكانكم في قرية واحدة فقسموا القرية بينه م بجدار فخرج الناهون يوماً من بابهم و لم يخرج من المجرمين أحد، فلما أبطؤوا تسوروا عليهم الجدار فإذا القوم كلهم قردة تعاوى، فمكثوا ثلاثة أيام ثم هلكوا قال تعالى: ( فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ) فجعل الذين نهوهم يقولون لهم ألم ننهكم ، يقولون برؤوسهم: نعم1 الصورة الثانية: تحايلهم على أكل الشحوم بعد أن حرمها الله عليهم فأما تحريم الشحوم عليهم فقد ورد في قوله تعالى: ( وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍّ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِ لاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍّ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ) 2 . و أما تحايلهم على أكل ما حرم عليهم من الشحوم فقد ورد في السنة و ذلك فيما رواه الشيخان و غيرهما عن جابر رض ي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول و هو بمكة عام الفتح الخنزير و الأصنام، فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة ؟ فإنه يطلى بها السفن، و يدهن بها الجلود و يستصبح بها الناس، فقال: لا هو حرم، ثم قال رسول الله صلى 1 ـ انظر تفسيرالآيتين عند ابن الجوزي و القرطبي و الخازن و ابن كثير و النسفي و ما نقلته مختصر جداً بحسب ما يقتضيه المقام. 2 ـ الآية146 من سورة الأنعام
عدد الصفحات ٣٩40 الله عليه و سلم عند ذلك قاتل الله اليهود إن الله لما حرم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه 1. وروى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الحميد بن غنم أن تميماً الداري كان يهدي لرسول الله صلى الله عليه و سلم كل عام راوية من خمر فلما كان عام حُر ِمت، فجاء ب راوية، فلما نظر إليه النبي صلى الله عليه و سلم ضحك و قال هل شعرت أنها حرمت بعدك، قال: يارسول الله، أفلا أبيعها فأنتفع بثمنها، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( لعن الله اليهود انطلقوا إلى ما حرم الله عليهم من شحوم البقر و الغنم فأذابوه فجعلوا ثمناً له ، فباعوا به ما يأكلون و إن الخمر حرام و ثمنها حرام، و إن الخمر حرام و ثمنها حرام ) . قلت رواية أحمد فسرت برواية الشيخين حيث قال هناك ( جملوه ) و قال هنا ( فأذابوه ) و الحديثين دلالة على أن اليهود احتالوا على الانتفاح بما حرم الله عليهم من تلك الشحو م حيث حولوها إلى دهون ثم قاموا ببيعها ثم اشتروا بتلك الأثمان حوائجهم، و ظنوا بذلك أنهم لم يأكلوا الحرام و هذه من الحيل التي حرمها الله تعالى كما بين ذلك النبي صلى الله عليه و سلم في هذين الحديثين و غيرهما 2. 1 ـ البخاري برقم 2236 و مسلم برقم 1571 . 2 ـ مسند أحمد4 /227 ) نقلاً عن كتاب اليهود في السنة المطهرة ـ تأليف د. عبد الله بن ناصر الشقاري ـ دار طيبة ـ الرياض ط ـ 1996 (2 /527 .)
عدد الصفحات ٤٠41 الفصل الثاني أخلاق اليهود في تعاملهم مع الأ نبياء عليهم الصلاة و السلام المبحث الأول: اليهود قتلة الأنبياء عليهم الصلاة و السلام. المبحث الثاني: اليهود يكذبون الأنبياء عليهم الصلاة و السلام. المبحث الثالث: اليهود يؤذون الأنبياء عليهم الصلاة والسلام و يستهزؤون بهم.
عدد الصفحات ٤١42 المبحث الأول اليهود هم قتلة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إن أعظم جريمة يرتكبها إنسان في حق أخيه الإنسان هي أن يقوم بقتله، ولقد قال تعالى في هذا الشأن: ( مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍّ أَوْ فَسَادٍّ فِي الأَْرْ ِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ) 1 وقال تعالى: ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُ ؤْمِنًا مُتَعَم ِدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ) 2. فإذا كان هذا في شأن المؤمنين فكيف بمن يقتل الأنبياء والمرسلين، لا شك أن هذا كفر بالله تعالى وكفر بدينه عز وجل، وأن الذي يق تل نبيا يكون قد اعتدى ثلاث مرات، مرة على مؤمن، ومرة على مقام النبوة، ومرة على بقية الناس، حيث حرمهم من الهداية والتأس ي بذلك النبي. ولقد ثبت ارتكاب اليهود هذه الجريمة البشعة النكراء التي لا تليق إلا بأمثالهم، ولقد مض ى كيف كانت أخلاقهم في تعاملهم مع الله ج ل وعلا، فلهذا لا يستغرب منهم قتلهم للأنبياء، وقد ذكر الله تقتيل اليهود الأنبياء في سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة، وسأكتفي هنا بتفسير آيتين إحداهما من سورة البقرة، والأخرى من سورة آل عمران، وفي ثنايا ذلك سأذكر الأحاديث الدالة على هذا المعنى. الآ ية الأولى: قوله تعالى: ( وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوس َى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍّ وَاحِدٍّ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَْرْ ُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْ نَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذ ِلَّةُ وَالمَْسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍّ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِي ِينَ بِغَيْرِ الْحَق ِ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ) 3 وسأقتصر في تفسيرها على محل الشاهد منها. يقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِي ِينَ بِغَيْرِ الْحَق ِ ) يقول الله تعالى: هذا الذي جازيناهم من الذلة 1 ـ الآية32 من سورة المائدة 2 ـ الآية93 من سورة النساء 3 ـ الآية61 من سورة البقرة
عدد الصفحات ٤٢43 والمسكنة وإحلال الغضب بهم بسبب استكبارهم عن اتباع الحق وكفرهم بآيات وإهانتهم حملة الشرع وهم الأنبياء وأتباعهم فانتقصوهم إلى أن أفض ى بهم الحال إلى أن قتلوهم، فلا كفر أعظم من هذا، قال أبو داود الطيالس ي بسنده عن عبد الله بن مسعود ق ال: كانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلاثمائة نبي ثم يقيمون سوق بقلهم من آخر النهار. قد روى الإمام أحمد عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل قتله نبي أو قتل نبيا) 1 . قلت: وهذه الآيات كقوله تعالىضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذ ِلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍّ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍّ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍّ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَْسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَْنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَق ٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) 2 ف حاجة إلى الكلام على تفسيرها دفعا للإطالة. الآية الثانية قوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِي ِينَ بِغَيْرِ حَق ٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِ الْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَش ِرْهُمْ بِعَذَابٍّ أَلِيمٍّ ) 3. قال السعدي : هؤلاء الذين أخبر الله عنهم في هذه الآية أشد الناس جرما، وأي جرم أعظم من الكفر بآيات الله، ويقتلون الأنبياء الذين حقهم أوجب الحقوق على العباد بعد حق الله تعالى الذين أوجب الله طاعتهم والإيمان بهم وتعزيرهم وتوقيرهم ونصرتهم، وهؤلاء اليهود قابلوهم ـ أي الأنبياء ـ بغير ذلك، فاستحقوا بهذه الجنايات المنكرات أشد العقوبات، وهو العذاب المؤلم للأبدان والقلوب والأرواح4. وقال ابن كثير: هذا ذم من الله تعالى لأهل الكتاب بما ارتكبوه من المآثم والمحارم في تكذيبهم بآيات الله قديما وحديثا التي بلغهم إياها الرسل استكبارا عليهم وعنادا لهم، ومع هذا قتلوا من قتلوا من النبيين حين بلغوهم عن الله شرعه بغير سبب ولا جريمة منهم إليهم إلا لكونهم دعوهم إلى الحق. قال ابن أبي حاتم بسنده عن أبي عبيدة بن الجراح رض ي الله عنه قال: قلت يا رسول الله أي الناس أشد عذابا يوم القيامة؟ قال: رجل قتل نبيا أو من أمر بمعروف ونهى عن المنكر، ثم قرأ رسول الله 1- تفسير ابن كثير1 /898) باختصار 2 ـ الآية112 من سورة آل عمران 3 ـ الآية21 من سورة آل عم ران. 4- تفسير السعدي ص149) باختصار
عدد الصفحات ٤٣44 صلى الله عليه وسلم وَيَقْتُلُونَ النَّبِي ِينَ بِغَيْرِ حَق ٍّ الآية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا عبيدة، قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأبعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة وتسعون رجلا من بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوهم جميعا من آخر النهار ذلك اليوم، وفيهم الذين ذكر الله عز وجل، هكذا رواه ابن جرير1. قال في الكشاف: وقد قتلت اليهو د نشعيا وزكريا ويحيى وغيرهم، فإن قلت: قتل الأنبياء لا يكون إلا بغير الحق فما فائدة ذكره؟ قلت: معناه أنهم قتلوهم بغير الحق عندهم، لأنهم لم يقتلوا ولا أفسدوا في الأر فيقتلوا وإنما نصحوهم ودعوهم إلى ما ينفعهم فقتلوهم، فلو سئلوا وأنصفوا من أنفسهم لم يذكروا وجها –أي سببا- يستحقون به القتل عندهم 2 قال السيوطي : في آل عمران يعني قوله تعالى: ( وَيَقْتُلُونَ النَّبِي ِينَ بِغَيْرِ حَق ٍّ ) خطاب للموجودين في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم بدليلله: ( يقتلون ) ولم يقل كفروا، لأنهم كانوا حريصين على قتل النبي صلى الله عليه وسلم ولذلك سموه –أطعموه سما - فجاء منك را ليكون أعم فتقوى الشناعة عليهم والتوبيخ لهم3. قلت أشار السيوطي رحمه الله إلى ما ورد في البخاري عن أنس رض ي الله عنه عن أن يهودية أتت النبي صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة فأكل منها فجيئ بها فقيل: ألا تقتلها؟ قال لا، قال أنس: فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله صلى الله عليه وسلم4 قال ابن حجر وزاد مسلم بعد قوله: فجيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها عن ذلك فقالت: أردت لأقتلك، قال: ما كان الله ليسلطك علي . قوله: في لهوات بفتح اللام جمع لهاة، وهي سقف الفم أو اللحمة المشرفة على الحلق، وقيل هي أقص ى الحلق، وقيل ما يبدو من الفم عند التبسم 5. اهـ 1- تفسير ابن كثير1/235،236) باختصار 2- الكشاف– للزمخشري - مكتبة العبيكان الرياض - الطبعة الأولى 1998،1 /276) 3- قطف الأزهار في كشف الأسرار - للسيوطي، تحقيق ودراسة أحمد الحمادي، إصدار وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية –قطر- الطبعة الأولى 1994 (1 /264) 4- صحيح البخاري برقم 2617 .) 5- فتح الباري بشرح صحيح البخاري - لابن حجر العسقلاني - دار الفكر ـ بيروت ( 5 /552 .)
عدد الصفحات ٤٤45 وهذه إحدى محاولات اليهود لقتل النبي صلى الله عليه وسلم، والمحاولة الثانية هي ما سبق ذكره في مبحث نقض اليهود للعهود والمواثيق عندما ذهب النبي صلى الله عليه وسلم غلى بني النضير فحاولوا رمي الصخرة عليه، وقد سبق ذلك، فهذا كله يدل على أن اليهود هم قتلة الأنبياء عبر التاريخ، ومن كان هذا شأنهم فلا يتورعون عن سفك دم مسلم مهما كان قدره، ومهما كان عهده ومي ثاقه، فهم لا يرغبون في مؤمن إلا ولا ذمة، وواقعهم اليوم مع الأمة الإسلامية يدل على أنهم لا يزالون كذلك،والواقع خير شاهد، والله أعلم.
عدد الصفحات ٤٥46 المبحث الثاني اليهود يكذ مبون الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إن الله تعالى قد خص الأنبياء عليهم الصلاة و السلام بمؤهلات من المزايا والفضائل والأخلاق تؤهلهم لتلقي الوحي والاضطلاع بأعباء الرسالة ليكونوا قدوة للناس يقتدى بهم في أمور الدين والدنيا، فالواجب على جميع البشر الإيمان بأن هؤلاء الأنبياء معصومون عن أية نقيصة لأنهم قد كملهم الله سبحانه في الأمانة والصدق والفطانة والتبليغ وغيرها من الأخلاق التي لا بد منها للقيام بالحمل الذي حملهم الله إياه، وقد شهد الله لهم بالصدق فقال عن شأن إسماعيل عليه السلام:( إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا ) 1. وقال عن إبراهيم عليه السلام وَاذْكُرْ فِي الْ كِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِد ِيقًا نَبِيًّا ) 2، وهكذا جميع الأنبياء والمرسلين 3، فهم أهل الصدق مع الله ومع الناس، فكان الواجب على البشر أن يؤمنوا بهم ويصدقوهم في كل ما يقولون. لقد كان اليهود على العكس من هذا تماما، إذ قاموا بتكذيبهم والاستهزاء بهم وعدم توقيرهم، ولقد اتضح جليا مما ذكرناه في المبحث السابق أن تكذيب اليهود للأنبياء يعتبر من أقل جرائمهم، كيف لا، وهم قد قاموا بقتلهم، ولكن لما كان هذا التكذيب من الجرائم ؟؟؟ سجلها الله تعالى عليهم في كتابه، كان لا بد من ذكره و للوقوف عنده، لذا سأذكر. سأذكر هنا آيتين مما يدل على هذا الخلق القبيح من أخلاق اليهود وأثناء ذلك بعضاً من الأحاديث النبوية. الآية الأولى: قوله تعالى: ( وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوس َى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآَتَيْنَا عِيس َى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَي ِنَاتِ وَ أَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ) 4 وسأقتصر هنا على ذكر تفسير الشاهد من الآية. 1 ـ الآية54 من سورة مريم 2 ـ الآية41 من سورة مريم 3 ـ الإيمان - تأليف محمد نعيم ياسين - دار التوزيع والنشر الإسلامية - مصر، ص 148 بتصرف يسير 4 ـ الآية87 من سورة البقرة
عدد الصفحات ٤٦47 قال ابن عاشور : قوله تعالى: أفكلما جاءكم" الآية، الا ستكبار الاتصاف بالكبر وهو هنا الترفع عن اتباع الرسل وإعجاب المتكبرين بأنفسهم واعتقادهم أنهم أعلى من أن يطيعوا الرسل ويكونوا أتباعا لهم، وقوله: "ففريقا كذبتم وفريقا يقتلون" مسبب عن الاستكبار، فالفاء للسببية، فإنهم لما استكبروا بلغ بهم العصيان إلى حد أن كذبو ا فريقا أي صرحوا بتكذيبهم أو عاملوهم معاملة الكاذب، و قتلوا فريقاً و هذا كقوله تعالى عن أهل مرين ( قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍّ )1 . و قوله: ( أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ )، أفاد عموم الرسول و شمل هذا موس ى عليه السلام فإنهم و إن لم يكذبوه بصريح اللفظ لكنهم عاملوه معاملة المكذبين به إذ شكوا فيه غير مرة فيما يخبرهم عن الله تعالى و أساءوا الظن به مراراً، و أما بقية الرسل فكذبوهم بصريح القوا مثل عيس ى و قتلوا بعض الرسل مثل أشعياء و زكرياء و يحي و ابنه عليهم السلام 2 . هذا في تكذيب اليهود للأنبياء السابقين و أما تكذيبهم للنبي صلى الله عليه و سلم فقد أشارت إليه الاية لأنها جاءت بصيغة الخطاب و المضار عة ففريقاً كذبتهم و فريقاً تقتلون، و قد سبق بيان محاولة اليهود قتل النبي صلى الله عليه و سلم فتكذيبهم إياه من باب أولى، و لقد ورد في القرآن و السيرة النبوية ما يدل على على تكذيبهم له صريحاً. أما القرآن فقوله تعالى: ( وَلمََّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْ دِ اللَّهِ مُصَد ِقٌ لمَِا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ) 3.فالآية دلت على كفر اليهود بالنبي محمد صلى الله عليه و سلم و لو تكذيبهم له لآمنوا به لأن أوصافه ثابتة عندهم في التوراة كما أشارت إليه الآية الكريمة. 1 ـ الآية91 من سورة هود 2 ـ التحرير و التنوير – للشيخ محمد الطاهر بن عاشور - ( 1 /580 – 581 ) باختصار 3 ـ الآية89 من سورة البقرة
عدد الصفحات ٤٧48 قال ابن كثير : قال أبو العالية: كانت اليهود تستنصر بمحمد صلى الله عليه و سلم على مشركي العرب يقولون اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوباً عندنا كي نعذب المشريكين و نقتلهم فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه و سلم و رأوا أنه من غيرهم كفروا به حسداً للعرب و هم يعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه و سلم. و أما في السيرة النبوية: فقد أورد ابن إسحاق بسنده عن ابن عباس أن يهوداً كانوا يستفتحون على الأوس و الخزرج برسول الله صلى الله عليه و سلم قبل مبعثه، فلما بعثه الله من العرب كفروا به و جحدوا ما كنوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ ابن جبل و بشر بن البراء و داود بن سلمة: يا معشر اليهود اتقوا الله و أسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد و نحن أهل شرك، و تخبروننا بأنه مبعوث و تصفونه بصفته، فقال: سلام بن مشكم: ما جاءنا ش يء نعرفه و لا هو بالذي كنا نذكره لكم فأنزل الله هذه الآية1 . الآية الثانية: قوله تعالى: ( لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُهُ مْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ) 2. قال الخازن قوله عزوجل: (لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ ) يعني أخذنا العهود عليهم في التوراة بأن يعملوا بما فيها من التوحيد، والعمل بما أمرناهم به و الانتهاء عما نصيناهم عنه، ( وَأَرْسَلْنَ ا إِلَيْهِمْ رُسُلاً ) يعني لبيان الشرائع و الأحكام ( كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ ) يعني بما يخالف أهواءهم و يضاد شهواتهم من ميثاق التكليف و العمل بالشرائع ( فَرِيقاً كَذَّبُوا ) يعني من الرسل، فكان ممن كذبوا عيس ى و محمد صلى الله عليه و سلم، و كان فيمن قتلوا زكريا و يحي عليهما السلام و إنما فعلوا ذلك نقضاً للميثاق و جرأة على الله عزوجل و مخالفة لأمره 3. قال ابن عاشور: لما وصفت بنوا إسرائيل بأنهم يكذبون الرسل و يقتلونهم إذا جاءوهم بما يخالف هواهم علمنا أن لم يخل رسول جاءهم من أحد الأمرين أو كليهما: و هما التكذيب و القتل، و ذلك مستفاد من قوله تعالى ( كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ) 1 ـ تفسير ابن كثير1 /124 .) 2 ـ الآية70 من سورة المائدة 3 ـلباب التأويل - للعلامة الخازن ( 2 /163 .)
عدد الصفحات ٤٨