17 أخطب حتى أتى كعب بن أسد صاحب عقد بنى قريظة و عهدهم - يعني صاحب الأمر وانهي فيهم - فلما سمع به كعب أغلق حصنه دونه، فقال: ويحك ياكعب افتح لي حتى أدخل عليك فقال: و يحك يا حيي، إنك امرؤ مشؤوم، و إنه لا حاجة لي بك و لا بما جئتني به، إني لم أر من محمد إلا صدقاً و وفاء، ووادعني موادعة،فدعني وارجع فلم يزل به كعب حتى فتح له، فلما دخل عليه قال له: ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر بقريش مع قادتها حتى أنزلتها بمجمع الأسيال من رومة ، و جئتك بعط فان مع قادتها و سادتها حتى أنزلتهم إلى جانب أُحد، و قد عاهدوني و عاقدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمداً و من معه، فقال له كعب: جئتني و الله بذل الدهر فلم يزل به حتى سمع له على أن أعطاه عهداً وميثاقاً، لئن رجعت قريش و غطفات، و لم يصيبوا محمداً أن أدخل م عك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك فنقض كعب بن أسد عهده و برئ مما كان بينه و بين رسول الله صلى الله عليه و سلم. فهؤلاء اليهود بطوائفهم الثلاثة ينقضون عهدهم مع الله و مع رسوله صلى الله عليه و سلم، و قد يقول قائل هذا المبحث لبيان أخلاقهم مع الله تعالى فما علاقة نقضهم العهد مع رسول الله بذلك؟ الجواب: أقول إن نقض العهد مع الرسول صلى الله عليه و سلم هو في الحقيقة نقض له مع الله عزوجل، لقوله تعالى: ( قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ) 1، و الله أعلم 1 ـ الآية32 من سورة آل عمران
عدد الصفحات ١٧18 المبحث الثاني شرك اليهود بالله و عبادتهم للعجل من دون الله تعالى أولاً : عبادة اليهود للعجل: قبل بيان الآيات التي أشارت إلى عبادة اليهود للعجل يج در بنا أن نذكر باختصار قصتهم مع العجل أعني كيف تمت صناعته، فأقول: ( بعد أن أغرق الله تعالى فرعون و من معه أمام أ عين بني إسرائيل و نجاهم من ظلمه، و سار بهم نبيهم موس ى عليه السلام إلى أر الشام أراد سبحانه أن يكرمهم ببيان شريعته فواعد موس ى أن يعطيه التوراة بعد أربعين يوماً يصومها و استخلف موس ى عليه السلام أخاه هارون عليه السلام خلال فترة غيابه و قال له: ( اخْلُفْنِي فِ ي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُْفْسِدِينَ ) 1، و لكن بني إسرائيل بعد أن فارقهم موس ى لتلقي التوراة انتهزوا لين جانب هارون معهم، فعبدوا العجل الذي صنعه لهم السامري من حلى نسائهم و حاول هارون أن يصدهم عن ذلك بشتى السبل، و لكنهم أعرضوا عنه قائل ين: ( قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوس َى) 2، فاعلم الله تعالى موس ى أن قومه قد فتنهم السامري بعبادة العجل فعاد إليهم حزيناً مغضباً، و أخذا يوبخهم على فعلتهم الشنيعة المنكرة فاعتذروا إليه بأن السامري هو الذي خدعهم و أض لهم3، كل ذلك قصه الله علينا في سورة طه و الأعراف، و الذي يهمنا الآن هو إيراد ما ذكره الله تعالى في شأن عبادة العجل و إليك بيانها. الآية الأولى: قال تعالى: ( و إمذ و اع د ن ا م وس ى أ ر ب عمين ل ي ل ةً ث م ات خ ذ ت م ال عمج ل ممن ب ع دمهم و أ ن ت م ظ المم ون ) 4. قالابن عاشور رحمه الله : ( ث م ات خ ذ ت م ال عمج ل ) إنما اتخذوا العجل تشبُّ هاً بالكنعانيين الذين دخلوا إلى أرضهم و هم الفينيقيون سكان سواحل بلاد الشام فإنهم كانوا عبدة أوثان و كان العجل مقدساً عندهم، و كانوا يمثلون أعظم الآلهة عندهم بصورة إنسان من نحاس له رأس عجل جالس على كرس ي ... 1- الآية142 من سورة الأعراف 2- الآية91 من سورة طه 3- بنو إسرائيل في القرآن و السنة ( 500 _501 ) بتصرف 4- الآية51 من سورة البقرة
عدد الصفحات ١٨19 فكانوا يقربون إليه القرابين فتباً لجهلهم و ما يصنعون، فلما مر بهم بنوا إسرائيل قالوا لموس ى ( اج ع ل ل ن ا إمل هاً ك م ا ل ه م آلمه ةٌ ) 1،فانتهرهم موس ى وكانوا يخشونه، فلما ذهب للمناجاة و استخلف عليهم هارون استضعفوه و اتخ ذوا العجل الذي صنعوه من الذهب و الفضة من حليهم و عبدوه 2. الآية الثانية: قال الله تعالى: ( و ات خ ذ ق و م م وس ى ممن ب ع دمهم ممن ح لمي مهمم عمج لاً ج س داً ل ه خ و ارٌ أ ل م ي ر و ا أ ن ه لا ي ك ل مم ه م و لا ي ه دميهمم س بميلاً ات خ ذ وه و ك ان وا ظ المممين ) 3. قال السعدي رحمه الله : (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوس َى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِي ِهِمْ عِجْلاً جَسَداً ) صاغه السامري و ألقى عليه قبضة من أثر الرسول أي جبريل فصار (لَهُ خُوَارٌ) و صوت فعبدوه و اتخذوه إلهاً ( فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِ جْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوس َى فَنَس ِيَ ) 4 يعنونموسىعايه السلام - وحاشاه - ، و ذهب يطلبه ـ اي يطلب إلهه وهذا من سفههم، و قلة بصي رتهم، كيف اشتبه عليهم رب الأر والسموات بعجل من أنقص المخلوقات ... و لهذا قال مبيناً أ نه ليس فيه من الصفات الذاتية، و لا الفعلية ما يوجب أن يكون إلهاً ( أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَل ِمُهُمْ ) أي وعدم الكلام نقص عظيم، فهم أكمل حالة من هذا الحيوان أو الحماد الذي لا يتكلم، ( وَ لاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً ) أي يدلهم طريقاً دينياً، و لا يحصل له م مصلحة دنيوية، لأن من المتقرر في العقول والفِ طَ ر أن اتخاذ إلهٍّ لا يتكلم و لا ينفع و لا يضر من أبطل الباطل و أسمج السفه، و لهذا قال تعالى: (اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالمِِينَ ) حيث وضعوا العبادة في غير موضعها، و أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً . 1- الآية138 من سورة الأعراف 2- التحرير و التنوير 1 /483 /484 ) باختصار 3- الآية148 من سورة الأعراف 4- الآية88 من سورة طه
عدد الصفحات ١٩20 و في الآ ية دلالة على أن من أنكر كلام الله تعالى فقد أنكر خصائص إلهية الله تعالى، لأن الله ذكر أن عدم الكلام دليل على عدم صلاحية الذي لا يتكلم لإلهية 1 ثم ختم الله تعالى الكلام على عبدة العجل ببيان حكمه عليهم فقال جل وع ( إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْ لَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَب ِهِمْ وَبذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُْفْتَرِينَ ) 2. قال ابن كثير رحمه الله : أما الغضب الذي نال بني إسرائيل في عبادة العجل فهو أن الله تعالى لم يقبل لهم توبة حتى قتل بعضهم بعضاً كما تقدم في س ورة البقرة ( فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) 3، و أما الذلة فأعقبهم ذلك ذ لة و صغاراً في الحياة الدنيا، و قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُْفْتَرِينَ ) نائلة لكل من افترى بدعة فإن ذُّل البدعة و خالفة الرشاد متصلة من قلبه على كتفيه... قال أبو قلابة " هي و الله متصلة لكل مفتر إلى يوم القيامة " 4. ثانياً: مظاهر شرك اليهود بالله تعالى سوى عبادة العجل : ما بق ذكره إن ما هو يختص بعبادتهم للعجل و لا شك أنه من أقبح الشرك و الظلم، و لكن اليهود لم يكتفوا بهذا بل أحدثوا أنواعاً من الشرك أشار الله إليها في كتابه و أشار إليها النبي صلى الله عليه و سلم في أحاديث صحيحة و نحن نشير هنا إلى تلك الأنواع باختصار. النوع الأول: من شرك اليهود نسبهم الولد إلى الله تعالى: لقد نسب اليهود الولد إلى الله زوراً و نهتاناً، قال تعالى: ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى المَْسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) 5. 1- تفسير السعدي404 /405 .) 2- الىية152 من سورة الأعراف. 3- الآية54 من سورة البقرة 4- تفسير ابن كثير2 /241 .) 5- الآية30 من سورة التوبة
عدد الصفحات ٢٠21 قال ابن عاشور : ع ز ي رٌ : اسم حبر كبير من احبار اليهود الذين كانوا في الأسر البابلي، و اسمه في العبرانية: عِزْرا بن سرايا من سبط اللاويين كان حافظ اً للتوراة، و قد تفضل عليه كورش ملك فارس فاطلقة من الأسر و أطلقه معه عدداً من بني إسرائيل و أذن لهم في الرجوع إلى أورشليم و بناء هيكلهم فيه، و ذلك سنة 451 قبل ميلاد المسيح، فكان عزير هو زعيم أحبار اليهود الذين رجعوا بقومهم إلى أورشليم و جددو الهيكل وأعاد شريعة التوراة من حفظه، فكان اليهود يعظموه إلى حد أن ادعى عامتهم أن عزيراً اب ن الله - تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً - غلواً منهم في تقديسه، و الذين وصفوه بذلك جماعة من أحبار اليهود في المدينة و تبعه كثير من عامتهم1. و قال الشيخ الشنقيطي (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ) قال بعض العلماء قالته جماعة من اليهود، منهم سلام بن مشكم، و شاس بن قيس، و نعمان بن أوفي ومالك بن الصيف، من اليهود ـ قبحهم الله ـ زعموا أن عزيراً ابن الله، و قال بعضهم: قال القدماء من اليهود فاتبعهم الأخرون، و قال بعضهم: أن سبب هذا القول أنهم قتلوا الأنبياء فرفع الله التوراة و مسخه من قلوبهم، و كان ع زير قد جاء بعد أن أماته الله مائة عام ثم بعثه، فجاء و قد ضاعت التوراة؛ بقوا لم يحفظوا منها شيئاً، فقرأها عزير و لم يخرم منها حرفاً فقالوا: ما علمه الله إياها إلا لأنه ابنه، ومما يدل على أن هذه المقالة صدر ت منهم عدم إنكارهم إياها عبر كل العصور مع أنهم أسرع الناس إلى الإنكار2. النوع الثاني : من شرك اليهود اتخاذهم الأحبار أربابا من دون الله: المراد بالأحبار العلماء، لأن أحبار جمع حَ بْ ر و الحَ بْ ر هو العالم من علماء اليهود، ومعنى اتخاذ اليهود الأحبار أرباباً هو طاعتهم في تحليل الحرام أو تحريم الحلال، يدل على ذلك قوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالمَْسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) 3. 1- التحرير و التنوير 10 /69 .) 2- العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير ـ اعتنى به خالد بن عثمان السبت ـ دار ابن القيم ـ الطبعة الأولى 2003 ص( 5 /2264 ) باختصار 3- الآية31 من سورة التوبة
عدد الصفحات ٢١22 قالابن عاشور رحمه الله : الرهبان: اسم جمع لراهب و هو التقيُّ المنقطع لعبادة الله تعالى من أهل النصرانية، و الحبر العالم من علماء اليهود ومعنى اتخاذهم أرباباً أنهم كانوا يأخذون بأقوال أحبارهم و رهبانهم المخالفة لما هو معلوم بالضرورة أنه من الدين، فكانوا يعتقدون أن أحبارهم و رهبانهم يحللون ما حرم الله، و يحرمون ما أحل الله، و هذا مطرد في جميع أهل الدينيْ ن، يعني اليهود و النصارى 1. قال الشيخ الشنقيطي: و هذه الآية جاء عن النبي صلى الله عليه و سلم أن ه فسرها لعدي بن حاتم رض ي الله عنه لما سأله عنها، فقد أخرج الترمذي عن عدي بن حاتم قال: أتيت النبي صلى الله عليه و سلم و في عنقى صليب من ذهب، فقال: يا عدي اطرح عنك هذا الوثن، و سمعته يقرأ في سورة براءة ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ ) فقال عدي: ما كنا نعبدهم من دون الله، فقال له : ( ألم يحلوا لكم ما حرم الله، و يحرموا لكم ما أحل الله فتتبع و نهم ؟ قال: بلى قال: فتلك عبادتهم) 2، و هو معنى اتخاذهم أرباباً، و هذا التفسير النبوي المقتض ى أن كل من يتبع مشر ِعاً فيما أحل و حرم مخالفاً لتشريع الله أنه عابد له، متخذه رباً، مشرك به، كافر بالله تعالى، هو تفسير صحيح لا شك في صحته، و الآيات القرآنية الشاهدة لصحته لا تكاد تحصيها في المصحف الكريم 3، ثم بين رحمه الله بعضاً من الكل الآيات و ليس هذا محال ذكرها. النوع الثالث: من مظاهر شرك اليهود اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد: عن عائشة رض ي الله عنها: لما نزل برسول الله صلى الله عليه و سلم ـ قض ى الموت ـ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم كشفها عن وجهه فقال - وهو كذلك - ( لعنة على اليهود و النصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد )4، يحذر ما صنعوا 1- التحرير و التنوير 10 /171 ) تبصرت يسير 2- أخرجه الترمذي في سننه برقم 3095 و الطبراني في معجمة الكبير 17 /92 ) مطبعة الأمة ـ بغداد ـ بدون تاريخ 3- العذب المنير من مجالس الشنقيطي في التفسير5 /2266 . ) 4- رواه البخاري في صحيحه رقم 435 /436 ) و راوه مسلم في صحيحه برقم 377 .)
عدد الصفحات ٢٢23 وعن أبي هريرة رض ي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال :( قاتل الله اليهود اتخذو ا قبور أنبيائهم مساجد )1. قال العلامة ملا علي قاريسبب لعنهم إما لأنهم كانوا يسجدون لقبور أنبيائهم تعظيما لهم ، وذلك هو الشرك الجلي ، وإما لأنهم كانوا يتخذون الصلاة لله تعالى في مدافن الأنبياء ، والسجود على مقابرهم ، والتوجه إلى قبورهم حالة الصلاة ; نظر ا منهم بذلك إلى عبادة الله والمبالغة في تعظيم الأنبياء ، وذلك هو الشرك الخفي لتضمنه ما يرجع إلى تعظيم مخلوق فيما لم يؤذن له ، فنهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته عن ذلك لمشابهة ذلك الفعل سنة اليهود ، أو لتضمنه الشرك الخفي ، كذا قاله بعض الشراح من أئمتنا ، ويؤيده ما جاء في رواية : ( يحذر ما صنعوا ) . وقال القاض ي : كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور أنبيائهم ويجعلونها قبلة ، ويتوجهون في الصلاة نحوها ، فقد اتخذوها أوثانا ، فلذلك لعنهم ، ومنع المسلمين عن مثل ذلك ، أما من اتخذ مسجدا في جوار صالح ، أو صلى في مقبرة وقصد الاستظهار بروحه ، أو وصول أثر ما من أثر عبادته إليه ، لا للتعظيم له والتوجه نحوه ، فلا حرج عليه ، ألا ترى أن مرقد إسماعيل - عليه السلام - في المسجد الحرام عند الحطيم ، ثم إن ذلك المسجد أفضل مكان يتحرى المصلي لصلاته ، والنهي عن الصلاة في المقابر مختص بالقبور المنبوشة ، لما فيها من النجاسة ، كذا ذكره الطيبي وذكر غيره أن صورة قبر إسماعيل - عليه السلام - في الحجر تحت الميزاب ، وأن في الحطيم بين الحجر الأسود وزمزم قبر سبعين نبيا ، وفيه أن صورة قبر إسماعيل - عليه السلام - وغيره مندرسة فلا يصلح الاستدلال به "2 1- رواه البخاري في صحيحه رقم 437 ) و مسلم في صحيحه رقم 376 .) 2- مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح - للعلامة ملا علي قاري - حديث 712
عدد الصفحات ٢٣24 المبحث الثالث جحود اليهود للنعم التي أنعم الله بها عليهم1. قبل بيان ما حدث من اليهود من جحود لنعم الله عليهم يجدر بنا أن نبين تلك النعم التي أفاضها الله عليهم، و هنا أذكرها بالجمال ثم أفعلها، حمد الله عليهم أن فضلهم على العالمية ـ أي عالمي زمانهم ـ وكثرة الأنياء فيهم ـ و انجائهم من أعداء، و من نعم الله عليهم ما شهدوه من الىيات و المعجزات على يد موس ى عليه السلام، و توبة الله عليهم بعد نقضهم للمواثيق، و توبة الله عليهم بعد عبادتهم العجل و غير ذلك و سيكون الكلام في هذا المبحث على قسمين: القسم الأو ل: بيان نعم الله على اليهود : 1 /نعمة تفضيلهم على العالمينمن نعم الله على اليهود أن فضلهم على العالمي زمانهم و ذلك إنما هو في الدين قال الله تعالى: ( يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَن ِي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْ عَالمَِينَ ) 2. قال ابن كثيررحمه الله تعالى : يذ ِكرهم تعالى بسالف نعمه على آبائهم و ما كان فضَّلهم به من إرسال الرسل منهم، و إنزال الكتب عليهم ،كما قال تعالى: ( وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍّ عَلَى الْعَالمَِينَ ) 3، و قال تعالى:(وَإِذْ قَالَ مُوس َى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعَالمَِينَ ) 4. قال أبو العالية في قوله تعالى: ( وَأَن ِي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالمَِينَ ) قال بم ا أعطوا من الملك و الرسل و الكتب، على العالم ين، أي مَ نْ كان في ذلك الزمان فإن لكل زمان عالمَ اً، و هذا قول مجاهد و الربيع و قتادة و إسماعيل بن أبي خالد، و يجب حمل الآية على هذا المعنى ، لأن هذه الأمة المحمدية أفضل منهم لقوله تعالى: ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍّ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَْعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُْنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ 1 - أصل هذا البحث من كتاب بنو إسرائيل في القرآن والسنة – د. محمد طنطاوي ص (331 )بتصرف وزيادات 2 - الآية47 من سورة البقرة 3 - الآية32 من سورة الدخان 4 - الآية20 من سورة المائدة
عدد الصفحات ٢٤25 الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ المُْؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ 1، و قد ذكَّر الله تعالى بني إسرائيل المعاصري ن للعهد النبوي بهذه النعم مع أنها كانت لآبائهم، لأن النعم على الآباء نعمة على الأبناء لكونهم منهم، و لأن شرف الاصول يسري إلى الفروع، فكان التذكير بتلك النعم فيه شرف لهم، و حسن سمعة تعود عليهم، و تغريهم بالإيمان و الطاعة لو كانوا يعقلون 2. 2 /نعمة إنجائهم من الأعداء : لا شك أن من جليل النعم أن ينجيك الله من العدو المتبرص بك و قد أشار الله تعالى إلى نعمة اليهود بإنجائهم من فرعون في غير موضع من القرآن الكريم فقال تعالى مخاطباً اليهود ( وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَب ِحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَب ِكُمْ عَظِيمٌ ) 3. يقول الرازيرحمه الله : و اعلم أن فائدة ذكر هذه النعمة يتأتى من وجوه، أهمها و جهاتهما : أ/ إن هذه الأشياء التي ذكرها الله تعالى لما كانت من أعظم ما يمتحن به الناس من جهة الملوك ال ظلمة، صار تخليص الله لهم من هذه المحنة من أعظم النعم و ذلك لأنهم عاينوا الهلاك من حاول إهلاكهم، و شاهدوا ذل من بالغ في إذلالهم، ولا شك في أن ذلك من عظم النعمة، و أعظم النعم يوجب المبالغة في الطاعة و البعد عن المعصية، لذا ذكر الله النعمة العظيمة ليلزمهم ـ أي اليهود ـ الحجة، و ليقطع عذرهم. ب/ أنهم اليهود : لما عرفوا أنهم كانوا في نهاية الذل، و كان عدوهم في نهاية العز، إلا أنهم كانوا محقين، و كان خصمهم مبطلاً، لا جرم زال ذل المحقين و بطل عز المبطلين، و كان الله يقول لهم: " لا تغتروا بكثرة أموالكم، و لا بقوة مركزكم، و لا تستهينوا بالمسلمين لقلة ذات يدهم، فإن الحق إلى جانبهم، و من كان الحق إلى جانبه فإنَّ العاقبة لا بد أن تكون له "4. 1- الآية110 من سورة آل عمران 2- بنو إسرائيل في القرآن و السنة 344 .) 3- الآية49 من سورة البقرة 4- تفسير الفخر الرزي 3 /74 ) باختصار
عدد الصفحات ٢٥26 و خوطب بهذه النعمة اليهود الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه و سلم مع أنَّ هذا الإنجاء كان لأ سلافهم، لأن في نجا ة أسلافهم نجاة لهم، فإنه لو استمر عذاب فرعون لآبائهم لأفناهم، و لما بقي هؤلاء الأبناء، فلذلك كانت منَّة التنجية تحمل في طياتها منَّ تين، منَّ ة على السلف لتخلفهم مما كانوا فيه من العذاب، ومنَّ ة على الخلف لتمتعهم بالحياة بسببها. فكان من الو اجب عليهم جميعا أن يقد ِ روا هذه النعمة حق قدرها، وأن يعرفوا فضل الله تعالى عليهم فيخلصوا له العبادة حيث أنجاهم من عدوهم1. وقد تكرر التذكير بهذه النعمة في عدد من الآيات القرآنية، فمن ذلك قوله تعالى وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَب ِحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَب ِكُمْ عَظِيمٌ ) 2. و قال تعالى: ( وَإِذْ قَالَ مُوس َى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَب ِحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَب ِكُمْ عَظِيمٌ ) 3، و قال تعالى: ( يَا بَنِي إِسْرائيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُو ِكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأَْيْمَنَ وَنَزَّلْنَ ا عَلَيْكُمُ المَْنَّ وَالسَّلْوَى ) 4. 3 /نعمة فرق البحر بهم و إغراق آل فرعون : قال تعالى: ( وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ) 5، و قال تعالى: ( فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْ حَابُ مُوس َى إِنَّا لمَُدْرَكُونَ قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَب ِي سَيَهْدِينِ فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوس َى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍّ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآْخَرِينَ وَأَنْجَيْنَا مُوس َى وَمَنْ مَ عَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآْخَرِينَ ) 6. 1- بنو إسرائيل في القرآن و السنة 315 .) 2- الآية141 من سورة الأعراف 3- الآية6 من سورة إبراهيم 4- الآية80 من سورة طه 5- الآية50 من سورة البقرة 6- الآيات من سورة الشعراء (61-66)
عدد الصفحات ٢٦27 يقول الفخر الرازي : في بيان فوائد نعم الله على بني إسرائيل في فرق البحر بهم ما ملخصه: اعلم أن هذه الواقعة - أي واقعة الغرق في البحر - تضمنت نعماً كثيرة على بني إسرائيل في الدين و الدنيا. أ / نعم الدنيا : فمن وجوه : أولها : أنهم لم اقتربوا من البحر أصبحوا في موقف حرج لأن فرعون و جنوده من ورائهم و البحر من أمامهم، فإن هم توقفوا أدراكهم عدوهم و أهلكهم، و أن تقدموا غرقوا، فهل لهم خوف عظيم، جاءهم بعدها الفرج بانفلاق البحر و هلاك عدوهم. ثانياً : أن الله تعالى خصهم بهذه النعمة العظيمة و المعجزة الباهرة تكريماً و رعاية لهم. ثالثاً : أنهم بإغراق فرعون و آله تخلصوا من العذاب، و تم لهم الأمن و الإطمئنان و ذلك نعمة عظمى، لأنهم لو نجوا دون هلاك فرعون لبقى خوفهم على حاله، فقد يعود لتعذيبهم مستقبلاً، لأنهم لا يأمنون شره، فلما تم الفرق تم الأمان لليهود. ب ـ و أما نعم الدين فمن وجوه : اولها:أن اليهود لما شاهدو ا تلك المعجزة الباهرة زالت عن قلوبهم الشكوك و الشبهات لدلالة هذه المعجزة على وجود الصانع الحكيم و على صدق موس ى عليه السلام تقترب من العلم الضروري. ثانها: أنهم لما شاهدو ا ذلك صار داعياً لهم على الثبات و الانقياد لأوامر نبيهم موس ى عليه السلام. ثالثها: أنهم عرفوا أن الأمور كلها بيد الله فإنه لا ع ز في الدنيا أكمل مما كان لفرعون و لا ذل أشر مما كان لبني إسرائيل، ثم إن الله تعالى في لحظة واحدة جعل العزيز ذليلاً، و القوى ضعي فاً، و الضعيف قوياً، و ذلك يوجب الإقبال على اتباع أوامر الخالق عزوجل1. 4 /نعمة عفو الله عنهم بعد عبادتهم للعجل لقد سبق و أن ذكرن ا ما حصل من اليهود من عبادة العجل و برغم ذلك فقد ذكر الله تعالى أنه عقا عنهم و ذلك في قوله عزوجل: ( وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوس َ ى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً 1 ـ تفسير الفخر الرازي 2 /74 ) باختصار و تصرف
عدد الصفحات ٢٧28 ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالمُِونَ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) 1، أما الآية الأولى فقد سبق ذكر تفسير، و أما الآية الثانية فقد قال الطاهر ابن عاشور: و قوله ( ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ) هو محل المنَّة و عطفه بثم لتراخي رتبة هذا العفو في أنه أعظم من جميع النعم التي سبق عدها، و ذلك لعظم الذنب الذي وقعوا فيه. 5 /نعمة إرشادهم إلى أسباب توبة الله عليهم من العذاب يقول الله تعالى ( وَإِذْ قَالَ مُوس َ ى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِات ِخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) 2. قالابن كثير هذه صفة توبته تعالى على بني إسرائيل من عبادة العجل. قال الحسن البصري رحمه الله في قوله تعالى:( وَإِذْ قَالَ مُوس َى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ ) فقال ذلك حين وقع في قلوبهم من شأن عبادتهم العجل ما وقع، قال الله تعالى: ( وَلمََّ ا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) 3، قال فذلك حين قال موس ى: ( يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِات ِخَاذِكُمُ الْعِجْل). قال ابن كثير: و في قوله هاهنا ( إِلَى بَارِئِكُمْ ) تنبيه على عظم جرمهم أي فتوبوا إلى الذي خلقكم و قد عبدتم معه غيره. و قد روى النسائي عن ابن عباس قال: فقال الله تعالى: " إن توبتهم أن يقتل كل واحد منهم من لقي من والد و ولد فيقتله بالسيف، و لا يبالي من قتل في ذلك الموطن.... فغفر الله للقاتل و المقتول "،و قال قتادة: أمر القوم بشديد من الأمر، فقاموا يتناحرون بالشفار يقتل بعضهم بعضاً حتى بلغ الله فيهم نقمته فسقطت الشفار من أيديهم فأمسك عنهم القتل فجعل لحيهم توبة، و للمقتول شهادة4 1- الآية51 /52 من سورة البقرة 2- الآية54 من سورة البقرة 3- الآية149 من سورة الأعراف 4- تفسير ابن كثير1/86 ) باختصار
عدد الصفحات ٢٨29 قال دكتور سيد ط نطاوي: و هذه الآية الكريمة تضمنت نعمة كبرى على بني إسرائيل، فإن الله تعالى لطف بهم و رحمهم قبل توبتهم، و عفى عن قتلهم لأنفسهم بعد أن صدر منهم ما يدل على صدقهم و توبتهم، كما تضمنت ـ أيضاً ـ تذكير بني إسرائيل المعاصرين للعهد النبوي بنعم الله عليهم، لأنه لولا عفوه س بحانه عن آبائهم لما وجدوا هم ـ يعني الأبناء ـ و فيها إشارت إلى سماحة الإسلام حيث لم تقبل فيها التوبة دوق قتل النفس و ما هذا إغراء لهم بدخول الإسلام1. 6 /نعمة بعثهم من بعد موتهم : لقد أنعم الله على بني إسرائيل بنعمة البعث بعد الموت، و إنما كانت أماتتهم بسبب طلبهم من موس ى عليه السلام أن يريهم الله جهره فأماتهم الله بسبب هذا السؤال الذي يدل على الجفاء و الغلظة و عدم فقههم لقضية الإيمان بالغيب، ثم أحياهم الله بعد ذلك، فقال تعالى: ( وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوس َى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) 2. قال ابن كثيريقول تعالى و اذكروا نعمة الله عليكم في بعثي لكم بعد الصعق إذ سألتم رؤيتي جهرة عياناً مما لا يستطاع لكم و لا لأمثلكم. .... قال الربيع بن أنس كان موتهم عقوبة لهم فبعثوا من بعد الموت يستوفوا آجالهم، و كذا قال قتادة. قال ابن جرير: و القائلون لموس ى عليه السلام أرنا الله جهرة هم السبعون الذين اختارهم موس ى كلاماً فساروا معه و قالوا له اطلب لنا ربك لنسمع كلامه، قال: الربيع ب ن أنس رض ي الله عنه : سمعوا كلاماً فقلوا: ( لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ) 3. و نسبه ابن كثير هذا القول إلى أكثرهم فقال: ( الذين قالوا لموس ى أرنا الله جهرة المراد بهم السبعون المختارون، و لم يحك كثير من المفسرين سواه )4 . 1- بنو إسرائيل في القرآن و السنة 363 ) باختصار 2- الآية55 /56 من سورة البقرة 3- تفسير ابن جرير ـ دار المعرفة ـ بيروت ـ الطبعة الثانية ـ 1972 (1 /232 .) 4- ـ تفسير ابن كثير1/93 .)
عدد الصفحات ٢٩30 7 /نعمة شمول الله إياهم بفضله و رحمته رغم نقضهم الميثاق: لقد سبق و أن ذكرنا في المبحث الأول أنَّ اليهود نقضوا مواثيقهم مع الله تعالى و لكن مع هذا فقد شملهم الله برحمته و أراد منهم العودة إلى ما يرضيه و لا شك أن هذا من أجل ِ نعم الله عليهم، و قد أ شار الله تعالى إلى ذلك بقوله: ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍّ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُ هُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) 1 . قالالنسفي في تفسيرها: ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ ) بقبول ما في التوراة (وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ ) أي الجبل قبلتم و أعطيتم الميثاق ( خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ ) من الكتاب أي التوراة ( بِقُوَةٍّ ) بجد و عزيمة ( وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ ) و احفظوا ما في الكتاب و أدرسوه، و لا تنسوه، و لا تغفلوا عنه (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، رجاء منكم أن تكونوامتقين، (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ )ثم أعرضتم عن الميثاق و الوفاء به و من بعد ذلك، أي من بعد القبول، فلولا فضل الله عليكم و ر حمته، بتاخير العذاب عنكم أو بتوفقيكم للتوبة لكنتم من الخاسرين، الضالين 2. ففي هذه الآية الكريمة تصريح بما حباهم الله من رأفة بهم و قبول لتوبتهم و عفو عن خطيئاتهم، فكأنه سبحانه يقول لهم: إنكم بإعراضكم عن طاعتي و نقصنكم لعهدى و إهمالكم العمل بكتابي، و عدم تأثركم بآياتي و نذري، قد استحققتم عذابي ة عفني عليكم، و لكن حال دون حلولها بكم فضلى الذي تدارككم و رحمتي و سعتكم و لطفي و إمهالي لكم، و لو لا ذلك لكنتم من الخاسرين في دنياكم و آخرتكم بسبب ما اخترتم من نقض ميثاقكم 3 . لعلك أخي القارئ الكريم بالإطلاع على هذه النعم تدرك كم كان لله تعالى على بني إسرائيل من نعمة، و كم كان الله بهم رؤوفاً رحيماً، و ليست نعمته تعالى قاصرة على ما سبق ذكره بل هناك نعم أخرى كثيرة أشارت إليها آيات القرآن الكريم، 1- الآيتان63 /64 من سورة البقرة 2- تفسير النسفي ــ تأليف أبي البركات عبد الله بن أحمد النسفي ـ دار الكلام الطيب ـ بيروت ـ الطبعة الأولى ـ 1998 ـ ( 1 /95 ،96 .) 3- بنوا إسرائيل في القرآن و السنة 380 .)
عدد الصفحات ٣٠31 و لكن تركنا ذكرها خشية الإطالة، فمن ذلك قوله تعالى: ( وَظَلَّلْنَا عَ لَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ المَْنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَي ِبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَا دْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ المُْحْسِنِينَ ) 1. و قوله تعالى: ( وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوس َى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍّ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَْرْ ِ مُفْسِدِينَ ) 2. القسم الثاني: بيان جحود اليهود بنعم الله عليهم مما هو معلوم ضرورة أن الإنسان كلما ازدادت نعم الله عليه كان الشكر في حقه أوجب و كان للطاعة أقرب و عن المعصية لله أبعد، لأنه يستشعر تلك النعم فيزداد بذلك خضوعاً لله تعالى … و لكن ياترى هل كان واقع اليهود كذلك ؟ كلا، بل كانوا أشد الناس ابتعاداً من منهج الله تعالى و اكثرهم كفراً بالله و بأنبيائه و رسله، فهم جحدوا نعم الله عليهم الدينية و الدنيوية و لعلى هنا اكتفي بذكر آيتَين تدلان على هذا المعنى. أ/ جحود اليهود للنعم الدنيوية: من نعم الله تعالى على اليهود في أيام التيه أن أطعمهم أفضل أنواع الطعام و سقاهم أفضل الشراب و جعل الغمام يظلهم حيثما ساروا، قال تعالى: ( وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَ نْزَلْنَا عَلَيْكُمُ المَْنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَي ِبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) 3. يقول السعدي رحمه الله : ثم ذكر نعمته عليهم أي على اليهود في التيه و البرية من الظلال و سعة الارزاق فقال تعالى: ( وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ المَْنَّ ) هو اسم جامع لكل رزق يحصل بلا تعب، و منه الزنجبيل و الكماة و الخبز و غير ذلك ( وَالسَّلْوَى ) طائر حفيد يقال له السماني، طيب اللحم، كان ينزل عليهم من المن و السلوى ما يكفيهم و يقيتم ( كُلُوا مِنْ طَي ِبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ) أي رزقاً لا يحصل لأهل 1- الآية57 /58 من سورة البقرة 2- الآية60 من سورة البقرة 3- الآية57 من سورة البقرة
عدد الصفحات ٣١32 المدن المترفهين فلم يشكروا هذه النعمة و استمروا على قسوة القلوب و كثرة الذنوب ( وَ مَا ظَلَمُوناَ ) يعني بتلك الأفعال المخالفة لأوامرنا، لأن الله لا تضره معصية العاصين كما لا تنفعه طاعات الطائعين ( وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) فيعود لضرر عليهم1. قلت: أشار السعدي إلى جحود اليهود إلى تلك النعمة الدنيوية من خلال تفسيره لهذه الآية الكريمة، و كذلك هناك صورة أخرى من صور جحودهم لتلك النعم و هي قوله تعالى: ( وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوس َ ى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍّ وَاحِدٍّ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَْرْ ُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذ ِلَّةُ وَالمَْسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍّ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِي ِينَ بِغَيْرِ الْحَق ِ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ) 2، فكأنهم سئموا تلك النعم و أرادا استبدالها فبدلاً من أن يعملوا على أداء شكرها جحدوها و طلبوا غيرها، فبئس ما لاقوا به تلك النعم. ب/ جحود اليهود للنعم الدينية : إن من أجل النعم الدينية عليهم ما وعدهم الله من معيَّته و ما أمرهم به من عبادات تتسبب في سعادتهم في ال دنيا و الآخرة فقال تعالى: ) وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ اللَّهُ إِن ِي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْ تُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لأَُكَف ِرَنَّ عَنْكُمْ سَي ِئَاتِكُمْ وَلأَُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَْنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ) 3.فانظر أخي الكريم إلى وعد الله لهم بالمعية شريطة إق امة العبادات المذكورة في الآية الكريمة و لكنهم قابلوا هذا الإنعام و الإكرام بالجحود و النكران و نقض المواثيق، فقال تعالى: ( فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَْنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَق ٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْ فٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ) 4. 1-ـ تفسير السعدي ص46. 2- الآية61 من سورة اليقرة 3- الآية12 من سورة المائدة 4-ـ الآية13 من سورة المائدة
عدد الصفحات ٣٢