المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أخلاق اليهود في ضوء القرآن والسنة والتاريخ

أحمد خضر حسنين الحسن

صفحة ١ من ٨

1 أخلاق اليهود في ضوء القرآن والسنة والتاريخ تأليف الدكتور : أحمد خضر حسنين الحسن

عدد الصفحات ١

2 إهداء وتذكير أهدي هذا الكتاب : إلى جميع من امتلأت قلوبهم بالإيمان. إلى الذين وثقوا بوعد الرحمن . إلى القائلين بالصدق . إلى الثابتين على الحق . من شباب ورجال ونساء أمتنا التي أعزها الله بالإيمان . تذكير : اليهود هم أخطر أعداء الأمة منذ ظهور الإسلام وإلى هذه الأيام . لكي تتذكر ذلك الأجيال الحاضرة . ولكي لا تنساه الأجيال القادمة. و لكي تنكشف الحقائق ويعرف الحق من الباطل .

عدد الصفحات ٢

3 بسم الله الرحمن الر حيم المقدمة الحمدلله كما ينبغى لجلال وجهه وعظيم سلطانه ، والشكر له شكرا استجلب به المزيد من نعمه و إحسانه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، طمعاً في بلوغ مغفرته ورحمته رضوانه ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله الداعى الى جنته و رضوانه ، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه و إخوانه . وبعد : فإن أقرب طريق للانتصار على الع دو هو أن تعرف قدراته ونقاط ضعفه كما تعرف أسباب قوته ، و لذا أخبرنا الله تعالى بما كان عليه اليهود من كفر بالله تعالى ورسله - عليهم السلام – بل هم قتلة الأنبياء والرسل أشد أهل الأ ر عنادا وطغيناً واستكبار ا أسوأ البشرية أخلاقاً وأعظمهم استخفافاً بغير هم من البشر ، وغير ذلك من صفات الخزي و العار. فاليهود لم يكتفوا بالكفر بالله حتى ألصقوا به التهم ووصفوه بكل قبيح وإن شئت فاقرأ قوله تعالى : (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُ وا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَْنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَق ٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ) سورة آل عمران ( 181) وقوله تعالى (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُ وا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا م ِنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّب ِكَ طُغْيَانًا وَكُفْرً ا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُو ا نَارًا ل ِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَْرْ ِ فَسَادًا وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ المُْفْسِدِينَ ) سورة المائدة ( 64) وغير ذلك كما أنهم لم يكتفو بالكفر بالأنبياء حتى قتلوهم، وإن شئت فاقرأ قوله تعالى (فَبِمَا نَقْضِهِم م ِيثَاقَهُمْ وَكُفْ رِهِم بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَْنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَق ٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَانً ا عَظِيمًا) سورة النساء ( 155-156)

عدد الصفحات ٣

4 مما ورد في الآيتين أعلاه يتبين أنهم قتلوا الأنبياء ولم تتوقف تآمرات يهود التي شهدتها الأزمان المتعددة، والأماكن المختلفة، فمحاولاتهم القتل وسفك الدماء تعدت كل ذلك لتصل إلى خير البشر نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم - وهو بين ظهراني قومه وصحابته الأجلاء با لمدينة، رغم تمام علم يهود بأنه نبي من عند الله تعالى: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُو نَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ 146]منه بأبي هو وأمه، حتى إنه مات متأثرًا بإحدى تآمرات يهود. فبعد فتح خيبر أبقى النبي -صلى الله عليه وسلم- بعض اليهود فيها على أن يتولوا رعاية بساتينها على نصف الغلة، إلا أن امرأة أحد زعماء اليهود أهدت للنبي -صلى الله عليه وسلم - شاة مشوية، دسَّت فيها السم، فلا ك منها شيئًا فاستكرهها، وقال: "إن هذه الشاة لتخبرني أنها مسمومة"، واستدعى المرأة فاعترفت. ولقد مات من تلك الأكلة أحد أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم - وهو بشر بن البراء، وظل النبي -صلى الله عليه وسلم- متأثرًا بما لاكه منها، بل إنه قال في مرضه الذي توفي فيه لأخت بشر: "إن هذا الأوان وجدتُ فيه انقطاع أبهري من الأكلة التي أكلت مع أخيك". وكان أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- يعدونه شهيدًا بسبب تلك الشاة. فهذا بعض ما قاله الله تعالى عنهم في القرآن الكريم؟ وبعض ما سطره تاريخهم؟ بناءاً عليه جاء موضوع بحثنا لكي نتذكر ونُذك ِرُ بكلامِ الله عن اليهودِ ونحن نرى فِعلَهم هذه الأيام مع نا معاشر أمة الإسلامية . إنها صفاتُ اليهودِ التي نريد أن نتعرَّف إليها ونُعر ِف بها ونطبقُها على ما نراه من أفعال يهود .. فليس تحليلاً سياسيًا أو رأيًا فكريًا، لكنه كلام رب العالمين عن يهو د الذي لا يأتيه الباطل من يديه ولا من خلفه، وتصرفاتهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصحابته الكرام بل ومع أهل الإسلام ، كل ذلك أثبته التاريخ ولا زال يثبته الواقع وهو خير شاهد ودليل . من هذا المنطلق كتبت هذا البحث تذكيراً للملسمين وتوضيحاً للحقائق وبيان اً للواجب في زمن التبست فيه المفاهيم وميعت فيه القضايا واختلطت فيه الموازين بل انتكست فيه القيم .

عدد الصفحات ٤

5 وجعلت هذا البحث في تمهيد وستة فصول وخاتمة وكل فصل يشتمل على مباحث وخاتمة ، كالتالي : تمهيد :في تعريف باليهود و بيان نبذة عن تاريخهم و فرقهم الدينية . الفصل الأول :أخلاق اليهود في تعاملهم مع الله تعالى كما هي في القرآن الكريم والسنة المطهرة. الفصل الثاني : أخلاق اليهود في تعاملهم مع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. الفصل الثالث :أخلاق اليهود في تعاملهم مع الملائكة والكتب السماوية . الفصل الرابع :أخلاق اليهود في تعاملهم مع المؤمنين كما هي في القرآن والسنة المطهرة . الفصل الخامس : طائفة من أخلاق اليهود النفسية . الفصل السادس : جرائم اليهود ضد الإنسانية في العصر الحديث . وختاماً : أقول : إنما كتبت هذه نصحاً للأمة – تعليماً للجاهل وتذكيراً للغافل ، وإني أرجو أن أكون قد أصبت فيما نويت وما كتبت . و أسأل الله الجواد الكريم: أن يتقبل مني هذا العمل وأن ينفعني به وأن ينفع به كل من يطلع عليه أو يعمل على نشره أو يرشد إليه أو يدل عليه . والحمد لله أولاً وآخراً وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . أخوكم : راجي رحمة الله ذي المم ن ن أحمد خضر حسنين الحسن – الدوحة ربيع الأول /1439 – الموافق : ديسمبر /2017

عدد الصفحات ٥

6 تمهيد في تعريف باليهود و بيان نبذة عن تاريخهم و فرقهم الدينية كان لا بد قبل دخول في موضوع أخلاق اليهود من بيان أصل هذه الكلمة في لغة العرب ثم بيان نسبهم و ديانتهم و هل كل يهودي يعتبر من سلالة الأنبياء أم أن الأمر أصبح بحسب اعتناق الديانة اليهودية؟ هذا ما سيتضح من خلال النقاط الآتية: أولاً: معنى كلمة يهود في اللغة العربية: جاء في لسان العرب 1: اليهود: التوبة، هاد يهود هَوْد ،و تهوَّ د : تاب و رجع إلى الحق فهو هائد، و قومٌ هودٌ ، مثل حائلٍّ و حول ٍّ، و في التنزيل العزيز(إِنَّا هُدْنَا) 2 أي تبنا إليك و هو قول مجاهد و سعيد بن جبير و إبراهيم النخعي، و التهَوُّد: التوبة والعمل الصالح و يهود يأتي اسم للقبيلة. قال الشاعر: أولئك أولى من يهود بمدحة ٍ إذا أنت يوماً قل تها لم تؤنب وقيل أن اسم هذه القبيلة يهوذا – بالذال – فعربت بقلب الذال دالاً و حُ ذف الألف فصارت يهود، و قالوا: اليهود فأدخلو الألف و الام فيها على إرادة النسب، يريدون اليهوديين .... و قوله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍّ) 3 معناه: أي دخلوا في اليهودية، يقال: هوَّد الرجل: أي حوله يهودياً، كما جاء في الحديث ( ما من مولودٍّ إلا يولد على الفطرة فأبواه يهو ِ دانه أو يُ نص ِ رانه أو يُ مج ِ سانه)4 معناه يعلمانه دين اليهودية و يدخلانه فيه ، و التهويد: أن يصير الانسان يهودياً و هاد و تهوَّد، صا ر يهودياً. 1 - لسان العرب: لابن منظور دار إحياء التراث العربي - بيروت الطبعة الثالثة - 1999 (15 /156 ) باختصار 2- الآية156منسورة ا لأعراف . 3- الآية146 من سورة الأنعام 4- أخرجه البخاري في صحيه برقم 4775

عدد الصفحات ٦

7 ثانياً: تعريف اليهود باعتبارهم قبيلة : اليهود هم بنو إسرئيل، و بنو إسرئيل هم ذرية يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم و على نبينا الصلاة و السلام، و إسرائيل لقب ليعقوب عليه السلام، قال ابن عباس رض ي الله عنهما: ( معناه عبد الله لأنَّ (إسرا ) بمعنى عبد، و(إيل) اسم الله ) فبذلك تكون إسرائيل مركبة من كلمتين إسرا ، وايل، كما يقولون بيت إيل، أي بيت الله، و بيت إيل: اسم لقرية سميت بها لوز من أر كنعان نزلها يعقوب عليه السلام في إحدى هجرته. ويعقوب عليه السلام له اثنا عشر ولداً وهم المشهورون بالأسباط لأنهم أسبا ط إسحاق بن إبراهيم و إلى هؤلاء الأسباط يرجع نسب جميع بنى إسرائيل ـ أي اليهود 1. قال القرطبي رحمه الله: الأسباط ولد يعقوب عليه السلام و هم اثنا عشر ولداً، ولد لكل منهم أمَّة من الناس، واحدهم سبط، و سبط في بني إسرائيل بمنزلة القبيلة من ولد إسماعيل، وسموا بالأ سباط من السَّبط وهو الشايع فهم جماعة متتابعون، و قيل غير ذلك في معنى السبط2. ثالثاً: التعريف باليهود باعتبار الدين و ذكر ش يء من تاريخهم اليهودية: هي ديانة العبرانيين المنحدرين من إبراهيم عليه السلام، والمعروفين بالأسباط الذين أرسل إليهم موس ى عليه الس لام مؤ يداً بالتوراة ليكون لهم نبياً و رسولاً 3. قال ابن عشور - رحمه الله - في تفسير قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى) 4 الذين هادوا: هم بنو إسرائيل، و نذكر هنا وجه تسميتهم باليهود، و معنى هادوا: كانوا يهوداً أي دانوا بدي ن اليهود، و أصل اسم يهود منقول في العربية من العبرانية و هو في العبرانية بذال معجمة إسرائيل، و هذا الاسم ـ يهود ـ أطلق على بني إسرائيل بعد موت سليما ن عليه 2- التحرير و التنوير لابن عاشور ، مؤسسة التاريخ 2000 (12 /434 .) 3- جامع الأحكام القرآن 2 /141 ) 4- الموسوعة الميسرة في الأديان و المذاهب و الأحزاب المعاصرة 1420 ( _1 /495 .) 1- الآية62 من سورة البقرة

عدد الصفحات ٧

8 السلام سنة 975 ق– م ، و ذلك لأن مملكة إسرائيل انقسمت بعد موته إلى مملكتين: المملكة الأولى: مملكة رحيعام بن سليمان، و لم يتبعه إلا سبط يهوذا و سبط بنيامين، و تُ لقَّ ب بمملكة يهوذا ،لأن معظم أتباعه من سبط يهوذا، و جعل رحيعام مقر مملكة أبيه سليمان عليه السلام أو رشليم، وهو اسم لمدينة القدس. والمملكة الثانية : هي مملكة يوريعام بن بَ نَاط غلام سليمان عليه السلام و جعل مقر مملكته السامرة، و تلقب بملك إسرائيل إلا أنه و قومه أفسروا الديانة الموسوية، و عبدوا الأوثان، و لهذا لم يدم ملكهم بل تم القضاء عليه عل يد ملوك الأشورين، فاستأصلوا الإسرائليين و خربوا عاصمتهم السامرة و نقلوهم إلى بلاد آشورهم و جعلوهم عبيداً لهم، فمنذ ذلك اليوم لم يبق لبني إسرائيل ملك إلا ملك يهوذا بأورشليم يتداولهم أبناء سليمان عليه السلام، و دام ملكهم إلى سنة 120 ق م حيث تم إجلاؤهم على يد الامبراطور دريان الروماني فتفرقوا في الأقطار باسم اليهود، هم و من التحق بهم من مل وك بقية الأسباط، ثم صار اسم اليهود بطلق على كل من دان بدين التوراة1. رابعاً: فم ر ق اليهود : لقد أخبرنا النبي صلى الله عليه و سلم بافتراق اليهود في دينهم، فقد روى ابن ماجه عن عوف بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( افترقت اليهود إلى إحدى و سبعين فرقة، .... إلى آخر الحديث ) و لا شك أن هذا الافتراق في الدين، وسأذكر هنا أبرز تلك الفرق و أكثرها انتشاراً و هي ست فرق: 1- الفريسيونأي المتشريرون ويسمون بالأحبار أو الربانيين، و هم متصوفة رهبانيون لا يتزوجون، وهم محافظون على موهبهم. 2- الص مد قم يون: نسبة إلى الصدق ،وهي تسمية اضداد ـ أي ب ضد الصدق ـ لأنهم مشهورون بالإنكار فهم ينكرون البعث و الحساب و الجنة و النار كما ينكرون الملائكة و المسيح المنتظر. 2 ـ التحرير و التنوير 1 /515 ) باختصار

عدد الصفحات ٨

9 3- المتصبونفكرهم قريب من فكر الفريسيين لكنهم اتصفوا بعدم التسامح كما اتصفوا بالعدوانية. 4- الكتبة أو النُّس اخ و هؤ لاء عرفوا الشريعة ال يهودية من خلال عملهم في النسخ و الكتابة، فاتخذوا الوع ظ وظيفة لهم، و يسمون بالحكماء و السادة،ووالدهم لقبه (أب)، و قد أثْ رَ وْ ا ثراءً فاحشاً على حساب مدارسهم و مريديهم. 5- القراؤون هم قلة من اليهود ظهروا بعد تدهور الفريسيين و ورثوا أتباعهم، و لا يعترفون إلا بالعهد القديم. 6- السامريون و هم طائفة من المتهورين الذين دخلوا اليهودية من غير بني إسرائيل، كانوا يمسكنون الجبال ببيت المقدس، اثبتوا نبوة موس ى و هارون و يوشع بن نون دون نبوة من جاء بعدهم1. خامساً: تاريخ اليهود كما يصوره القرآن الكريم 2: لقد قسم القرآن الكريم تاريخ اليهود إلى ثلاثة مراحل و ابتداء من عصر فرعون، و غلى وفاة موس ى عليه السلام.  المرحلة الأولى: مرحلة الإضطهاد : و هذه المرحلة كانت في عهد فرعون، يقول الله تعالى: ) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَْرْ ِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَب ِحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ المُْفْسِدِينَ ) 3 فهذه الآية تبين بجلاء، و وضوح أن فرعون لعنه الله كان يذبح الذكور من بني إسرائيل و يبقي الإناث على قيد الحياة بقصد الخدمة و الاستعباد.  المرحلة الثانية مرحلة الخلاص : لقد حصل تخليص بني إسرائيل من فرعون على يد سيدنا موس ى عليه السلام حيث نجاهم الله تعالى من الإضطهاد الذي عاشوه في ذلك العصر، قال تعالى: ) وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَْرْ ِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَ كْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَب ِكَ 1- الموسوعة الميسرة 1 /499 ،500 ) باختصار 2- ملخصاً من كتاب اليهود في القرآن الكريم للشيخ صلاح أبو إسماعيل ـ دار العصر للنشر ـ القاهرة - بلا تاريخ. 3- الآية4 من سورة القصص

عدد الصفحات ٩

10 الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ) 1.  المرحلة الثالثة: مرحلة الإعراض عند الله تعالى و هذه المرحلة بدأت منذ أول لحظة نجو ا فيها من بطش فرعون، و كان أول اعرا لهم ما ذكرى الله تعالى: ( وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍّ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍّ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوس َى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُ ونَ ) 2. تنبيه هذه المراحل التاريخية تعتبر من أخصب الفترات و أكثرها بياناً للأحداث التي مرتبها اليهود و برزت فيها أخلاقهم و صفاتهم .... و الله أعلم. 1- الآية137 من سورة الأعراف 2- الأية138 من سورة الأعراف

عدد الصفحات ١٠

11 الفصل الأول أخلاق اليهود في تعاملهم مع الله تعالى كما هي في القرآن الكريم و السنة المطهرة المبحث الأ ول: نقض اليهود للمواثيق و العهود. المبحث الثاني: شرك اليهود بالله تعالى و عبادتهم للعجل من دون الله. المبحث الثالث: جحود اليهود للنعم التي أنعم الله بها عليهم. المبحث الرابع: اتهام اليهود لله تعالى بالبخل و الفقر تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. المبحث الخامس: تحايل اليهود على استحلال ماحرم الله عليهم.

عدد الصفحات ١١

12 تمهيد إن القارئ لكتاب الله تعالى و للسنة النبوية المطهرة يرى بوضوح كيف كانت أخلاق اليهود في تعاملهم مع رب العزَّة جلا جلاله، و لو لا أن تلك الأخلاق السيئة راسخة في عقولهم و نفوسهم لما سطرها الله تعالى في كتاب ه و صارت تتلى صباحاً ومساءاً إلى أن يشاء الله تعالى، لقد وصلوا في قبحهم و سوء تعاملهم مع الله تعالى إلى درجة الكذب و البهتان على الله تعالى في صفاته و في تعامله جل و علا مع خلقه، فاليهود ما تركوا شيئاً من الكفر بالله إلا ووقعوا فيه، و ما تركوا شيئاً مما يغ ضب الله تعالى إلا ركبوه، فهم الذين عبدوا العجل من دون الله، فهم الذين اتهموا الله بالبخل و الفقر ـ تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً ـ وهم الذين نقضوا العهد مع الله جل جلاله بعد أن أخذه عليهم وأكده لهم كما أنهم أيضاً جحدوا نعم الله عليهم و قابلوها بالكفر بدلاً من الشكر، وهم الذين بلغوا في الوقاحة مبلغاً جعلهم يستحلون ما حرم الله عليهم إما بالجرأة و إما بالحيلة، كل ذلك مسطور في الكتاب العزيز و في السنة المطهرة و إل يك بيان تلك الأخلاق القبيحة - عافانا الله تعالى من كل سوء و بلاء -

عدد الصفحات ١٢

13 المبحث الأول نقض اليهود للمواثيق و العهود و المراد هنا أن اليهود قد وقع منهم - بل تكرر ذلك كثيراً - نقضهم للعهود التي أخذها الله عليهم ووقعوا في مخالفتهم للمواثيق التي كان من المفتر أن يلتزموا بها، و قد دل على ذلك آيات كثيرة و آثار م تعددة، و إليك بيان ذلك من خلال هذين القسمين. القسم الأول: الآيات الدالة على نقض اليهود للمواثيق والعهود: الآية الأولى: قال الله تعالى: ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالمَْسَاكِينِ وَقُ ولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ) 1، في هذه الآية الكريمة أخبر الله عزوجل أنه أخذ الميثاق على بني إسرائيل بأن يوحدوه و لا يشركوا به شيئاً و أن يقيموا العب ادات ومن أجل ِ ها وأعظمها الصلاة و الزكاة، وأن يحسنوا إلى الوالدين و إلى الأرحام و اليتامى و المساكين و لكنهم نقضوا هذا الميثاق. يقول الطاهر بن عاشور في تفسير قوله تعالى (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ ) و معنى أخذنا ميثاق الأمة الإسرائ يلية عل ى التوحيد و أصول الإحسان، فكنتم ممن تولى عن ذلك و عصيتم الشرع، و التولي : الإعرا و إبطال ما التزموه، و حذف متعلقه لدلالة ما تقدم عليه، أي توليتم عن جميع ما أُ خذ عليكم الميثاق به أي أشركتم بالله و عبدتم الأصنام و عققتم الوالدي ن و أسأتم لذوي القربى و اليتامى و المساكين، و قلتم للناس أفحش القول، و تركتم الصلاة و منعتم الزكاة2. وقال ابن كثير : يذك ِر تعالى بني إسرائيل بما أمرهم من الأوامر و أخذه ميثاقهم على ذلك وأنهم تولوا عن ذلك كله، وأعر ضوا قصداً و عمداً وهم يعرفونه و يذكرونه3. 1- الآية83 من صورة البقرة 2- التحرير و التنوير: لابن عاشور ـ ط 1 /565 . 3- تفسير بن كثير ، دار التراث الع ربي ـ مصر بدون تاريخ ـ ( 1 /119 .)

عدد الصفحات ١٣

14 الآية الثانيةقال تعالى: ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍّ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ )1. قال ابن كثيريقول تعالى مذكراً بني إسرائيل ما أخذ عليهم من العهود و المواثيق بالإيمان به وحده لا شريك له، و اتباع رسله، و أخبر تعالى أنه لما أخذ عليهم الميثاق رفع الجبل فوق رؤوسهم ليقروا بما عوهدوا عليه و يأخذوه بقوة و حزم وامتثال كما قال تعالى: ( وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍّ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) 2 فالطور هو الجبل كما فسره به في الأعراف، و نص على ذلك ابن عباس و مجاهد و عطاء و غير و احد . و قال السعدي: (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍّ ) يعني التورة، و قال قتادة (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍّ ) القوة : أي الجد وإلا قذفت الجبل عليكم قال: فأقروا على ذلك بأنهم يأخذون ما أوتوا بقوة، و قال أبو العالية و الربيع (وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ ) يقول اقرؤا ما في التورة واعملوا بما فيه. قال ابن كثير: و قال تعالى: (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ) أي ثم بعد هذا الميثاق المؤكد العظيم توليتم عنه و انث نيتم و نقضتموه 3. الآية الثالثة ( فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَْنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَق ٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ) 4. يقول السعدي " ومن امتناعهم أي بني إسرائيل من قبول أحكام كتابهم و هو التوراة، حتى رفع الطور من فوق رؤوسهم، و ه ددوا إن لم يؤمنوا أسقط عليهم، فقبلوا ذلك على وجه الإغما و الإيمان الشبيه بالإيمان الضرورى. 1- الآية63 /64 من سورة البقرة 2- الآية171 من سورة الأعراف 3- ابن كثير1/25 .) 4- الآية155 من سورة النساء

عدد الصفحات ١٤

15 و أخذ الميثاق الغليظ عليهم، فنبذوه وراء ظهورهم و كفروا بآيات الله و قتلوا رسله بغير حق1" اهـ و الآيات التي أوضحت نقض اليهود للمواثيق والعهود كثيرة و لكن اقتصرت عل ى هذه الثلاثة خشية الاطالة. القسم الثاني: الآثار الدالة على نقص اليهود للمواثيق و العهود 2. بعد أن هاجر النبي صلى الله عليه و سلم إلى المدينة عقد مع اليهود الذين كانوا يسكنونها معاهدة ضَ مِ ن لهم فيها الحرية و الاستقرار، و كان من أهم نصوص هذه المعاهدة ( أنه إذا حصل اعتداء على المدينة فعلى اليهود أن يدافعوا مع المسلمين عنها، و أن على اليهود أن يتفقوا مع المسلمين ما داموا محاربين ) و نكتفي هنا ببيان أن اليهود بطوائفهم المختلفة قد نقضوا هذا العهد الوارد في هذا النص، و إليك ما ورد في هذا الشأن. 1ـ يهود بني قينقاع: بنو قينقاع كانوا يقيمون داخل المدينة، و بيوتهم تلاصق بيوت المسلمين و عندما كانت وقعة بدر لم يكتفوا بالامتناع عن مد ِ يد العون للمسلمين بل ساءهم أن ينتصروا على قريش، و صرحوا بحزنهم لهزيمة أهل مكة و أخذوا يتحرشون بالمسلمين ... و في خلال ذلك نزل جبريل عليه السلام بقوله تعالى ( وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍّ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍّ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ) 3، فلما فرغ جبريل عليه السلام من قراءتها قال النبي صلى الله عليه و سلم ( إني أخاف من بني قينقاع ثم سار إليهم في س وقهم فقال لهم : يا معشر اليهود احذروا من الله تعالى مثل ما نزل بقريش من النقمة و أسلموا قد عرفتم أني نبي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم و في عهد الله إليكم ، فقالوا يا محمد، إنك ترى أنَّ ا كقومك، لا يغرنك أنك لقيت قوماً لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة، و إنا و الله لو حرتبنا لتعملن أننا ن حن الناس )، و لعل هذا النص واضح جداً في نقضهم للعهد و تصميمهم على الحرب، بل بدأوا 1- تسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ـ للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ـ جمعية الجيل التراث الإسلامي ـ الكويت ـ الطبعة الثانية ـ 2001 ص70 .) 2- هذا المبحث مأخوذ في مخملة من كتاب: بنوا إسرائيل في القرآن و السنة تأليف الدكتور محمد سيد الطنطاوي ـ دار الشروق ـ القاهرة ـ الطبعة الثانية ت 1997 من صفحة412 _414 ) بتسرف 3- الآية58 من سورة الأنفال

عدد الصفحات ١٥

16 بالفعل إثارة الفتن وإظهار أنهم قد نقضوا العهد و ذلك بإعتدائهم على عر امرأة مسلمة جاءت إلى سوقهم، فجلست إلى صائغ منهم فجعل اليهود يريدونها عن كشف وجهها فأبت فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوءتها، فضحكوا منها فصاحت واستغاثت فوثب رجل من المسلمين على الصائغ اليهودي فقتله، فتجمع اليهود على المسلم فقتلوه، لذلك لم يجد النبي صلى اله عليه و سلم بُدَّا من غزوهم، و قد نقضوا العه د بهذه الفعلة النكراء 1. 2- يهود بني النضير يهود بني النضير كان بينهم و بين النبي صلى الله عليه و سلم عهد كسابقيهم من بني قينقاع، و لكنهم أيضاً نقضوا العهد بصورة أبشع من سابقتها إذ خرج إليهم النبي صلى الله عليه و سلم في جماعة من الصحابة منهم أبو بكر و عمر و علي، فلما جاءهم أظهروا له حسن استعداد لأجابته، ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل هذه الحالة،و كان رسول الله صلى الله عليه و سلم جالساً إلى جنب جدار لهم، قالوا: فمَ ن رجل منكم يعلوا هلى هذا البيت، فيلقي عليه صخرة و يريحنا منه ؟ فانت دب لذلك الشقي عمرو بن جحَّاش فقال: أنا لذلك، فصعد ليلقي عليه الصخرة، فأتى رسول الله صلى الله عليه و سلم الخبر من السماء بما أراد اليهود فقام و خرج راجعاً إلى المدينة، فما استلبث الصحابة أن قاموا في طلبه حتى انتهوا إليه بالمدينة، فأخبرهم بما كانت اليهود اعت زمته من الغدر به2، و بهذا حصل النقض للعهد من هذه الطائفة من طوائف اليهود، فقام النبي صلى الله عليه و سلم لحصار هم و من ثَ م إجلاءهم من المدينة في قصة طويلة ليس هذا مجال ذكرها. 3 – يهود بني قريظة وأما يهود بني قريظة فقد نقضوا العهد مع المسلمين يوم أن أحا طت الأحزاب بالمدينة، فقد روى ابن هشام بسنده إ لى عروة بن الزبير أنه قال: خرج حُيي بن 1- السيرة النبوية في ضوء القرآن و السنة 2002 ـ2 /395 ) بتصرف 2- المرجع السابق 2 /399 ) بتصرف يسير

عدد الصفحات ١٦