129 النَّادًمًيفى﴾ (المائدة/31.) كأصؿ الندـ مف منادمة الحزف لمنادـ أم ملبزمة الحزف ل و»(512) . فممندـ تأثير في النفس لأنو تغيير مف حالة انفعالية تنشأ مف تقصير الإنساف أك الأسؼ عمى فعؿ ارتكبو. كقد كصؼ الخطاب القرآني حالات الندـ في سياقات عديدة . كفييا كصؼه لحالات النفس حيف يدرؾ المرء خطأه كسكء عممو فيمكـ نفسو عما اقترؼ مف ذنب كىي حالات يصاحبيا الحز كالألـ لذا جاءت مكصكفة بعبارات يتمنى فييا النادـ اف تتاح لو فسحة مف العمر لكي يدرؾ الخطأ كيصحح ما فات . كىذه العبارات دالة عمى حسرة كأسؼ . نذكر عمى سبيؿ المثاؿ الياء الدالة عمى التمني أك التحسر في قكلو تعالى: ﴿كىيىكٍـى يىعىضُّ الظَّالًـي عىمىى يىدىيٍوً يىقيكؿي يىا لىيٍتىنًي اتَّخىذٍتي مىعى الرَّسيكؿً سىبًيلبن يىا كىيٍمىتىى لىيٍتىنًي لىـٍ أىتَّخًذٍ في لبىننا خىمًيلبن ﴾ (الفرقاف /28.) كيقابؿ الندـ في الخطاب القرآني مص طمحا آخر ىك النفس المكامة لقكلو تعالى: ﴿لاى أيقٍسًـي بًيىكٍـً الٍقًيىامىةً كىلاى أيقٍسًـي بًالنَّفٍسً المَّكَّامىةً ﴾ (القيامة،2)، لأف النفس في القرآف مصدر كؿ الكشائج فيي «المتيمة بالشح كالكسكاس كالفجكر كالطبيعة الأمارة . كىي كذلؾ ذات ترؽ كعركج يمكف أف تتز كى كتظير فتكصؼ بأنيا لكامة كمطمئنة كلراضية كمرضية »(513) .كما تقابؿ النفس المكامة ما نسميو «الضمير كما يسميو فركيد كالمحممكف النفسيكف بالأنا الأعمى أك الأنا المثالي كىك الجزء مف النفس الذم يحاسب الإنساف عمى أفعالو كيؤنبو عمى أخطائو كيجعمو يشعر بالندـ عمى ما ارتكبو مف ذنكب »(514) .كالقصص القرآني مميء بمكاقؼ الندـ التي اعترت أبطاؿ القصص . ك أكٌ ؿ ندـ شعر بو الإنساف ما حدث لآدـ عميو السلبـ كحكاء كىما في الجنة كقبؿ ىبكطيما إلى الأرض ، فقد عصيا أمر ربيما ك أكلب مف الشجرة التي نياىما ا﵀ عف الاقتراب منيا كظيرت سكءاتيما ف شعرا بالندـ كتكجيا إلى ا﵀ يطمباف منو المغفرة كالتكبة »(515). قاؿ تعالى عمى لسانيما﴿قىالاى رىبَّنىا ظىمىمٍنىا أىنٍفيسىنىا كىا ًفٍ لىـٍ تىغٍفًرٍ لىنىا كىتىرٍحىمٍنىا لىنىكيكنىفَّ مًفى الٍخىاسًرًيفى ﴾ (الأعراؼ /23 .)كيتجمى الندـ في قصة سيدنا مكسى عميو السلبـ في مكاقؼ عدة تتعمؽ بو كنبي كبالأشخاص المحيطيف حكلو. 1.4 .ندم موسى عميه السلام 512 عاطف سمٌح الزٌن:معرفة النفس الإنسانٌة فً الكتاب والسنة ج2 ص310 513 عبد العالً الجسمانً:القرآن وعلم النفس ،الدار العربٌة للعلوم ط1 1997 ص67 514 محمد عثمان نجاتً:القرآن وعلم النفس ص106 515 المرجع نفسه ص106
عدد الصفحات ١٢٩130 جاء سياؽ ىذا الندـ كقت خركج مكسى عميو السلبـ إلى المجتمع أيف سيكاجو المكاقؼ الصعبة، كذلؾ حيف أكرمو ا﵀ بالقكة كتماـ العقؿ . قاؿ تعالى : ﴿كىلىمَّا بىمىغى أىشيدَّهي كىاسٍتىكىل آىتىيٍنى اهي حيكٍمنا كىعًمٍمنا كى كىذىلًؾى نىجٍزًم الٍميحٍسًنًيفى﴾ (القصص/14)،فمكسى عميو السلبـ كىك بيذه الصفات يصبح مستقلب بنفسو يخرج إلى زخـ المجتمع ليككف جزء ا منو. ك سيندمج مع المجتمع كأىمو. ك سيمج عالميـ حتى يتمكف مف مساعدتيـ لمكصكؿ إلى عالـ يسكده الحؽ مف كؿ جانب. كلكف البشر كعادتيـ يخطئكف كيصيبكف بحكـ طبيعتيـ، فالكماؿ ﵀ سبحانو كتعالى كالأخطاء البشرية ناتجة ع ف دكافع نفسية أك سرعة في الفعؿ ، لذلؾ كانت أكؿ تجربة لمكسى عم يو السلبـ كىك في ظؿ ىذا المجتمع. قاؿ تعالى: ﴿كىدىخىؿى الٍمىدًينىةى عىمىى حًيفً غىفٍمىةو مًفٍ أىىٍمًيىا فىكىجىدى فًييىا رىجيمىيٍفً يىقٍتىتًلبىفً ىىذىا مًفٍ شًيعىتًوً كىىىذىا مًفٍ عىديكّْهً فىاسٍتىغىاثىوي الَّذًم مًفٍ شًيعىتًوً عىمىى الَّذًم مًفٍ عىديكّْهً فىكىكىزىهي ميكسىى فىقىضىى عىمىيٍوً قىاؿى ىىذىا مًفٍ عىمىؿً الشَّيٍطىافً إًنَّوي عىديكّّ ميضً ؿّّ ميبًيفه قىاؿى رىبّْ إًنّْي ظىمىمٍتي نىفٍسًي فىاغٍفًرٍ لًي فىغىفىرى لىوي إًنَّ وي ىيكى الٍغىفيكري الرَّحًيـي﴾ (القصص/16 .)إنو المشيد الذم يعترم مكسى عميو السلبـ كالذم يحيط بو نكع مف السككف في البداية ثـ سرعاف ما يعج بالحركة كيعكد السككف مرة أخرل فيدخؿ مكسى المدينة في كقت يستريح فيو الناس «عمت أصكات منبعثة مف رجميف أحدىما قبطي كالآخر اسرائيمي ككصؿ مكسى كا ذ بالإسرائيمي يستغيث بو لنصرتو عمى القبطي فيقكـ مكسى بضربو بقكة أدت إلى قتؿ القبطي»(516) .كجاء في تفسير القرطبي «إنو لـ يقتؿ عف عيد مريدا لمقتؿ كا نما ككزه ككزة يريد بيا دفع ظممو »(517) .كسرعاف ما يدرؾ مكسى عميو السلبـ خطأه قاؿ ىذا مف عمؿ الشيطاف إنو عدك مضؿ مبيف «لقد ندـ مكسى عميو السلبـ عمى ذلؾ الككز الذم كاف فيو ذىاب النفس كحممو ندمو عمى الخضكع لربو كالاستغفار مف ذنبو »(518)،لذلؾ انتابو شعكر بالذنب كأرجع ذلؾ إلى عمؿ الشيطاف الذم يكسكس في الصدكر كالذم يغرس الغضب كالانفعاؿ في النفكس، فالشيطاف ىك المسؤكؿ عف ىذا الفعؿ «إنو عدك لابف آدـ مضؿ لو عف سبيؿ الرشاد ظاىر العداكة »(519) .كىذا تصريح أكلي لمكسى عميو السلبـ كالذم يعتبر ردا لمفعؿ الذم قاـ بو ، لذلؾ فتجميات الندـ ظيرت في ثلبث ة ردكد كمكاقؼ تنبئ عف قمؽ ىذه النفس التي تريد أف تصبك إلى الحؽ. كىي عمى التكالي: 516 زاهٌة راغب الدجانً:المفهوم القرآنً والتوراتً عن موسى علٌه السلام وفرعون ص54 517 القرطبً:الجامع لأحكام القرآن ،ج16 ص247 518 القرطبً:المصدر السابق ج16 ص247 519 زاهٌة راغب الدجانً:المفهوم القرآنً والتوراتً عن موسى علٌه السلام وفرعون ص 54
عدد الصفحات ١٣٠131 1-ىذا مف عمؿ الشيطاف إنو عدك مبيف 2-رب إني ظممت نفسي فاغفر لي 3-رب بما أنعمت عمي فمف أككف ظييرا لممجرميف فأصؿ الخطأ يتجو إلى الشيطاف بالدرجة الأكلى، ثـ بعد ذلؾ يتجو إلى ربو عز كجؿ بنداء خفي داؿ عمى القرب بحذؼ حرؼ النداء . إنو يقر بظمـ النفس عبر ىذه الجريمة بالرغـ مف أنيا لـ تكف عمدا كيختـ ذلؾ الندـ ليعمف التكبة مف الفعؿ ك ليحدث التغيير في النفس كيقدً ـ عمى التحكؿ. إف مكسى عميو السلبـ «يعممنا أف الإنساف ساعة يقترؼ ال ذنب كيعتقد أنو أذنب لا يكابر، إنما ينبغي أف يعترؼ بذنبو كظممو لنفسو ثـ يبادر بالتكبة كالاستغفار »(520). كفي الأخير يقرٌ بما أنعـ ا﵀ عميو كذلؾ أف لا يظاىر مجرما أك يعيف مجرما عمى آخر. ك الندـ ىنا يحمؿ معنى التغيير الذم تدركو النفس الإنسانية التكاقة إلى الخير ك التي تكبح جماح الغضب كتستقر عمى الالتزاـ بمكقؼ كاحد ، «فالنمكذج الذم تقدمو الحادثة لمكسى عميو السلبـ نمكذج حيٌ عف الطبيعة النفسية كالخمقية التي تحتاج إلى إعداد خاص لمكاجيتيا كالتكيؼ مع تقمباتيا فإذا المكقؼ فيو مف الابتلبء ما يمحص فيو العيد المقطكع عمى النفس بعدـ مظاىرة المجرميف في أم خندؽ كانكا »(521) .كيقر مكسى عميو السلبـ بندمو ردا عمى فرعكف في قكلو تعالى عمى لسانو : ﴿قىاؿى فىعىمٍتييىا إًذنا كىأىنىا مًفى الضَّالّْيفى فىفىرىرٍتي مًنٍكيـٍ لىمَّا خًفٍتيكيـٍ فىكىىىبى لًي رىبّْي حيكٍمنا كىجىعىمىنًي مًفى الٍميرٍسىمًيفى ﴾ (الشعراء /21 )فمكسى عميو السلبـ لـ يكف يعمـ النتيجة بعد شجار القبطي كالإسرائيمي، كلـ يكف يعمـ أف الككزة تؤدم إلى القتؿ لذلؾ قاؿ سبحانو كتعالى "قاؿ فعمتيا إذا كأنا مف الضاليف"، فمكسى عميو السلبـ كاف يدرؾ الخطأ في قرارة نفسو ك ىك الضلبؿ الذم تسبب فيو الشيطاف. ىذا مف جية كمف جية أخرل فإف لفظ الضلبؿ "لا يعني عدـ اليدل فمف ىذا المعنى لمضلبؿ قكليـ ضؿ الطريؽ كمنو قكلو تعالى: ﴿أىفٍ تىضًؿَّ إًحٍدىاىيمىا فىتيذىكّْرى إًحٍدىاىيمىا الأٍيخٍرىل ﴾ (البقرة /287)، كقكلو تعالى مخاطبا نبيو صمى ا﵀ عميو كسمـ ﴿كىكىجىدىؾى ضىالاِّ فىيىدىل ﴾ (الضحى/7) أممحتارا بيف الباطؿ الذم يمارسو قكمو كبيف الحؽ الذم لا يجد لو بينة »(522) .كالندـ في ىذا السياؽ 520 الشعراوي:تفسٌر الشعراوي ج17 ص10898 521 حبٌب مونسً:التردد السردي فً القرآن الكرٌم دٌوان المطبوعات الجامعٌة،2010 ص160-161 522 الشعراوي:تفسٌر الشعراوي،ج17 ص10555
عدد الصفحات ١٣١132 ىك«إنكاره نفسو ضلبليا حيف الفعؿ لعدـ اتباعيا سنف التغيير التي تعمميا كتتجاكز فييا المراحؿ المحددة ليا كذلؾ ىك الضلبؿ الذم تسبب فيو ىمس الشيطاف كتحريضو كنفخو في الشعمة المتقدة في قمبو »(523) .كىذا الاعتراؼ بالخطأ جاء نتيجة مستمرة لمكسى ع ميو السلبـ. قاؿ تعالى "فكىب لي ربي حكما كجعمني مف المرسميف" . كالحكـ «الحكمة كالعمـ كأراد بيا النبكءة كىي الدرجة الأكلى حيف كممو ربو »(524) .معنى ذلؾ أف يقرٌ بميمتو الصعبة التي تكشؼ عف الرسالة المرسمة لمعالميف. كمف سياقات الندـ لمكسى عميو السلبـ قكلو تعالى: ﴿قىاؿى رىبّْ اغٍفًرٍ لًي كىلأًىخًي كىأىدٍخًمٍنىا فًي رىحٍمىتًؾى كىأىنٍتى أىرٍحىـي الرَّاحًمًيفى﴾ (الأعراؼ /151)،فالندـ كاف كليد الغضب الذم اعترل مكسى عميو السلبـ عندما جاء مف الميقات ككجد قكمو يعبدكف العجؿ . كشعكر الغضب أدل بأخذ رأس أخيو يجره إليو تأنيبا لو لعدـ أخذه بالشدة عمى عبدة العجؿ كاقتصاره عمى تغيير ذلؾ عمييـ بالقكؿ. كعمى ذلؾ يككف الغضب إيجابيا لأنو في ىذا السياؽ «انفعاؿ ىاـ يؤدم كظيفة ىامة للئنساف حيث إنو يساعده عمى حفظ ذاتو، فحينما يغضب الإنساف تزداد طاقتو عمى القياـ بالمجيكد العضمي العنيؼ مما يمكنو مف الدفاع عف النفس أك التغمب عمى العقبات التي تعكقو عف تحقيؽ أىدافو العامة »(525)،فمكسى عميو السلبـ غضب ليدؼ أسمى ىك عبادة ا﵀ لا عبادة العجؿ، الأمر الذم جعؿ غضبو يتكجو بو إلى أخيو. ك ىذا الغضب صدر عنو فعؿ عدكاني كىك جره لحية أخيو فكاف رد فعؿ أخيو ىاركف ممثلب في ذلؾ الميف كالرقة عندما يرد ذلؾ الفعؿ. ك ىذا الرد مف طرفو جعؿ مك سى عميو السلبـ يعكد إلى الكراء يعكد إلى حيث الحكمة كالتعقؿ، إلى النفس المكامة كشعكرىا خاصة أف مكسى عميو السلبـ قد أدرؾ ما في نفسو مف ألكاف حياتو الداخمية كما مرٌ بو مف الصعاب كالشدائد ف ما عميو إلا أف يقؼ لحظة تأمؿ لمنفس مع ذاتيا، فكاف منو ىذا الاستغفار كالعكدة إلى النفس اليادئة المطمئنة في قكلو تعالى عمى لسانو: "قاؿ رب اغفر لي كلأخي كأدخمنا في رحمتؾ كأنت أرحـ الراحميف" ، فالإنساف في حالة الغضب يفقد القدرة عمى التفكير السميـ كلذلؾ يجدر بو أف يسترجع تمؾ المحظات الانفعالية كيتعمـ كيؼ يكبح جماح 523 حبٌب مونسً:التردد السردي فًالقرآن الكرٌم دٌوان المطبوعات الجامعٌة الجزائر ص 237 524 الطاهر بن عاشور:تفسٌر التحرٌر والتنوٌر ،ج19 ص115 525 محمد عثمان نجاتً:القرآن وعلم النفس ص81
عدد الصفحات ١٣٢133 الغضب، فكانت السيطرة في ىذه الآية الكريمة تكجو مكسى عميو السلبـ بالدعاء الداؿ عمى التقرب منو . كجاء الدعاء متضمنا مرحمتيف أك بالأحرل خطكتيف: 1.1.4 .طمب المغفرة أصؿ الغفر «التغطية كالستر. غفر ا﵀ ذنكبو أم سترىا . كالمغفرة التغطية مف الذنكب كالعفك عنيا»(526) .كقد جاءت جممة "قاؿ رب اغفر لي" في سياؽ "جكاب عف كلبـ ىاركف حيث ابتدأ مكسى دعاءه فطمب المغفرة لنفسو تأدبا مع ا﵀ فيما ظير عميو مف الغضب، ثـ طمب المغفرة لأخيو فيما عسى أف يككف قد ظير منو مف تفريط أك تساىؿ في ردع عبدة العجؿ عف ذلؾ»(527) .كطمب المغفرة ىنا تكلد جراء صائبة كألـ اعتر يا مكسى عميو السلبـ كىك يرل قكمو بعيدم المناؿ فيما يصبك إليو فيذا الدافع الداخمي أدل بو إلى العكدة إلى ا﵀ تعالى ليغفر لو كلأخيو . كىك بيذا الطمب يكطد الصمة بينو كبيف ربو عز كجؿ القادر عمى احتكاء ىذه النفس الضعيفة. كالإسلبـ بذلؾ يأخذ بيد الإنساف في حالات قكتو كضعفو كيرل فيو مخمكقا يعمؿ السيئة كما يعمؿ الحسنة كىك يسيؿ لو السبيؿ القكيـ لمخلبص مف حالات الضعؼ بأف يمجأ إلى ا﵀ سبحانو كتعالى الذم يغفر الذنكب جميعا. قاؿ تعالى: ﴿قيؿٍ يىا عًبى ادًمى الَّذًيفى أىسٍرىفيكا عىمىى أىنٍفيسًيًـٍ لاى تىقٍنىطيكا مًفٍ رىحٍمىةً المَّوً إًفَّ المَّوى يىغٍفًري الذُّنيكبى جىمًيعنا إًنَّوي ىيكى الٍغىفيكري الرَّحًيـي ﴾ (الزمر /53 .)ككثيرا ما يسيء الإنساف إلى غيره في ذىب إليو طالبا الصفح عف إساءتو، بؿ ككثيرا ما يمجأ الإنساف إلى جميع كسائؿ الرجاء كالاعتذار كال تذلؿ، غير أف مكسى عميو السلبـ كاف عمى عكس ذلؾ فقد تكجو إلى الأعمى فكؽ كؿ شيء فيك الغفكر الكدكد ذك الرحمة . ك ىك سبحانو لا يعفك عمف يذكره كيستغفره فحسب، بؿ كيتفضؿ عميو بالأجر العظيـ كالثكاب الجزيؿ. 2.1.4 .طمب الرحمة الرحمة في المغة "الرقة كالتعطؼ . كقد رحمتو كترحمت عميو كتراحـ القكـ، رحـ بعضيـ بعضا كالرحمة المغفرة كقكلو تعالى في كصؼ القرآف: ﴿كىلىقىدٍ جًئٍنىاىيـٍ بًكًتىابو فىصَّمٍنىاهي عىمىى عًمٍـو ىيدنل كىرىحٍمىةن لًقىكٍـو ييؤٍمًنيكفى﴾ (الأعراؼ/ 52). كقاؿ عز كجؿ: ﴿كىتىكىاصىكٍا بًالصَّبٍرً 526 ابن منظور:لسان العرب م5 ص3273-3274 527 الطاهر بن عاشور:تفسٌر التحرٌر والتنوٌر،ج9 ص118
عدد الصفحات ١٣٣134 كىتىكىاصىكٍا بًالٍمىرٍحىمىةً﴾ (البمد17)، أم أكصى بعضيـ بعضا برحمة الضعيؼ »(528) .كالإدخاؿ في الرحمة «استعارة لشمكؿ الرحمة ليما في سائر أحكاليما بحيث يككناف منيا كالمستقر في بيت أك نحكه مما يحكم »(529)،فمكسى عميو السلبـ يمجأ مرة أخرل إلى ربو عز كجؿ كي يرأؼ بو كبأخيو لأف ا﵀ سبحانو كتعالى لـ يمنع الرحمة مف خمقو عمى خمقو، فمف رحـ أخاه سمي رحيما كراحما لكف ا﵀ سبحانو كتعالى أرحـ الراحميف ، لذلؾ شممت رحمتو كؿ شيء. كطمب الرحمة مف مكسى عميو السلبـ كأخيو حد مف الغضب كالقمؽ كالندـ. كأفٌ رحمة ا﵀ عميو لا حدكد ليا فيي الشافية الكافية لكؿ انفعاؿ إنساني. 2.4 .ندم السحرة يمكننا القكؿ إف السحرة ىـ مف حاشية فرعكف التي عكؿ عمييا في بادئ الأمر في الكقكؼ ضد رسالة مكسى . كما أنيا تمثؿ العنصر الياـ المساند لفرعكف في إقامة الحجج كالبراىيف كيؼ لا كىي المتخصصة في عمـ الخدع السحرية التي تقكـ عمى المخادعة كالمراكغة كخمؽ الخكارؽ . كنستطيع القكؿ إنيا مف الأجيزة القمعية الردعية التي استثمرىا فرعكف لمكاجية مكسى عميو السلبـ لكف سرعاف ما تنقمب المكازيف ككاف ذلؾ يكـ الزينة أيف تثبت الحجة القاطعة التي كانت فكؽ سحرىـ جميعا . كىنا يتدارؾ السحرة الخطأ كيخركف ركعا سجدا رغـ تيديدات فرعكف. كفي ذلؾ قاؿ تعالى: ﴿كىأىكٍحىيٍنىا إًلىى ميكسىى أىفٍ أىلٍؽً عىصىاؾى فىإًذىا ىًيى تىمٍقىؼي مىا يىأٍفًكيكفى فىكىقىعى الٍحىؽُّ كىبىطىؿى مىا كىانيكا يىعٍمىميكفى فىغيمًبيكا ىينىالًؾى كىانٍقىمىبيكا صىاغًرًيفى كىأي لٍقًيى السَّحىرىةي سىاجًدًيفى قىاليكا آىمىنَّا بًرىبّْ الٍعىالىمًيفى رىبّْ ميكسىى كىىىاريكفى﴾ (الأعراؼ /117..122.) نلبحظ أفٌ الغمبة كانت للؤقكل حجة مكسى كىاركف . كىما ينتصراف بقكة إليية فكؽ كؿ شيء فتنقمب المكازيف كاليزيمة كانت مصدر الندـ . ك قد غي مب السحرة ككطئت رؤكسيـ الأرض ، فما أركع المفردة القرآنية في كصؼ ذلؾ : ﴿فغمبكا ىنالؾ كانقمبكا صاغريف ﴾. كقد حدث الانقلبب الذم جعميـ أذلاء مذ كانكا مع أعمى سمطة يستدلكف بيا كيركضكف تحت قدميي ا، فالانقلبب إذف "تغيير الحاؿ كتبدلو كالأكثر أف يككف تغييرا مف الحاؿ المعتادة إلى حاؿ غريبة (530). كىذا الانقلبب الرىيب جعميـ يحت اجكف إلى فعؿ قكم 528 ابن منظور:لسانالعرب م 3 ص1611 529 الطاهر بن عاشور:تفسٌر التحرٌر والتنوٌر 530 الطاهر بن عاشور:تفسٌر التحرٌر والتنوٌر،ج9 ص51
عدد الصفحات ١٣٤135 يتجاكز القكؿ كىك السجكد فقد «كانكا أعمـ الناس بالسحر فلب يخفى عمييـ ما ىك خارج عف الأعماؿ السحرية ، كلذلؾ لمٌ ا رأكا عصا مكسى تمقؼ حباليـ كعصييـ جزمكا بأف ذلؾ خارج عف طكؽ الساحر فعممكا أنو تأييد مف ا﵀ لمكسى كأيقنكا أف ما دعاىـ إليو حؽ»(531). كفعؿ السجكد عممية انبيارية مما حصؿ معيـ، ككأف الندـ محصكر فيو لا غير. كالعقؿ كاف أسبؽ مف القكؿ الذم جاء عف يقيف "قالكا آمنا برب العالميف" . إنو الاعتراؼ بالذنب عف طريؽ القكؿ الصريح، كىك الإيماف، إنٌ و الإعلبف بإيمانيـ ﵀ كىذا تخصيص «لئلب يظف الناس أنيـ سجدكا لفرعكف ، إذ كانت عادة القبط السجكد لفرعكف ، كلذلؾ كصفكا ا﵀ بأنو رب العالميف بالعنكاف الذم دعا بو مكسى عميو السلبـ »(532) .كتأتي بعد ذلؾ لحظة التحدم بعدما ىددىـ فرعكف بشتى ألكاف العذاب . ﴿"قالكا إنا إلى ربنا منقمبكف كما تنقـ منا إلا أف آمنا بآيات ربنا لما جاءتن ا ربنا افرغ عمينا صبرا كتكفنا مسمميف ﴾ (الأعراؼ/ 125). جاء الاعتراؼ الأكؿ ﵀ رب العالميف، إنٌ و اليقيف كالثقة ال مذيف غي رسا في نفكسيـ فجعمتيـ أقكياء بعيديف كؿ البعد عف حياة الذؿ كالميانة كالتسمط التي عاشكىا تحت ظؿ فرعكف . إنيا الدعكة إلى القكة كالكبرياء أماـ فرعكف بعد الغمبة كالقير. انظر كيؼ يتحكؿ الانقلبب مف الذؿ إلى الرفقة ﴿إنا إلى ربنا منقمبكف ﴾ تغيير مف حاؿ إلى حاؿ أأمف كأعز «إنو التكجو إلى ا﵀ سبحانو كتعالى فقد جاء ىذا الجكاب مكجزا إيجازا بديعا لأنو يتضمف أنيـ يرجكف ث كاب ا﵀ عمى ما يناليـ مف عذاب فرعكف كيرجكف منو مغفرة ذنكبيـ ،كيرجكف العقاب لفرعكف عمى ذلؾ »(533). كىكذا كاف الندـ، كىكذا كاف الاعتراؼ عف طريؽ التحكؿ ، فالانقلبب كاف الفاصؿ بيف تكعٌ د فرعكف كا يماف السحرة الثابت. ك كاف ذلؾ الاحتكاء مف ا﵀ سبحانو كتعالى ليؤلاء «إف ا﵀ تعالى لما ىداىـ إلى الإيماف أكسبيـ محبة لقائو »(534) . كالاعتراؼ بالذنب يكجب الدعاء إلى ا﵀ سبحانو كتعالى بالرحمة كالمغفرة . ك كذلؾ كاف شأف السحرة . قاؿ تعالى "ربنا افرغ عمينا صبرا" . كفراغ ا لصبر يعني الحماية مف كعيد فرعكف . إنو لعذاب شديد، قتؿه كتصميب عمى جذكع النخؿ . كا﵀ سبحانو كتعالى مف فكقيـ رقيب . كلما كاف كذلؾ سألكا ا﵀ سبحانو كتعالى أف يجعؿ لنفكذىـ صبرا عمى ىذا العذاب المكعكد مف 531 المرجع نفسه ج9 ص52 532 الطاهر بن عاشور: المصدر السابق،ج9 ص53 533 الطاهر بن عاشور:المصدر السابق : ج9 ص55 534 المصدر نفسه، ج9 ص55
عدد الصفحات ١٣٥136 طرؼ فرعكف كيزداد اليقيف أكثر كالندـ أكثر كالرجكع أكثر ، إنيا الشيادة في سبيؿ ا﵀ "كتكفنا مسمميف"، "لقد دعكا لأنفسيـ بالكفاة عمى الإسلبـ إيذانا بأنيـ غير راغبيف في الحياة ،كلا مباليف بكعيد فرعكف ،كأف ىمتيـ لا ترجك إلا النجاة في الآخرة "(535). كيتجسد ردٌ الفعؿ مرة أخرل مف طرؼ السحرة تجاه فرعكف عبر قكلو تعالى :﴿قىاليكا لىفٍ نيؤٍثًرىؾى عىمىى مىا جىاءىنىا مًفى الٍبىيّْنىاتً كىا لَّذًم فىطىرىنىا فىاقٍضً مىا أىنٍتى قىاضو إًنَّمىا تىقٍضًي ىىذًهً الٍحىيىاةى الدُّنٍيىا إًنَّا آىمىنَّا بًرىبّْنىا لًيىغٍفًرى لىنىا خىطىايىانىا كىمىا أىكٍرىىٍتىنىا عىمىيٍوً مًفى السّْحٍرً كى المَّوي خىيٍره كىأىبٍقىى﴾ (طو/73.) كرغـ الكعد كالكعيد كالتيديد مف طرؼ فرعكف فإفٌ السحرة كانكا في مكقؼ اختيار الأفضؿ، اختياره يضمف ليـ الأمف كالأماف في رعاية ا﵀ سبحانو كتعالى . ك قد جزمكا جزما قاطعا عمى مكاجية فرعكف كعذابو ، كحمت محمو الآيات البينات التي جعمتيـ يسجدكف أماميا. كالندـ ىنا في ىذا السياؽ استيزاء كسخرية مف السحرة لفرعكف . كيؼ لا كدماء اليقيف تسرم في عركقيـ. ك ىذا الإيثار كىذا التفضيؿ جعميـ لا يبالكف بعذابو لقكلو تعالى "فاقض ما أنت قاض". كىك أسمكب أمر لاذع نابع مف قكة إليية تسيرىـ . كىذا الأمر جعميـ يحسمكف أمرىـ بالقكؿ لفرعكف سكاء أفعمت فعمتؾ أـ لـ تفعؿ فإننا تائبكف إلى ربنا منقمبكف. كيزداد الاعتراؼ أكثر في الكشؼ عف مكنكناتيـ إ ذ يقركف بحتمية السحر فيك السبب كالمسبب لو. ك ىـ بيذا يقركف بالسيطرة كالخنكع كالخضكع الذم كانكا تحت ظلبلو. لذلؾ فمكقؼ الندـ تجمى في قكة الضبط الداخمي ، أم ضبط النفس بتأكيد فرعكف أف القمع كالسيطرة ى ما الأبقى كا صرار السحرة عمى أف الاعتقاد الداخمي أبقى كأدكـ(536) .كما يتجمى أيضا في فضح مكائد فرعكف في إكراىيـ بالسحر حتى يكاجيكا مكسى عميو السلبـ كعدـ الاكتراث لمتعذيب أماـ شعكرىـ الداخمي بالإيماف با﵀. كتنتيي نتيجة الإيثار بقكلو تعالى:"كا﵀ خير كأبقى " كيدؼ أسمى يسير عميو كؿ مف آثر رسالة الحؽ عمى رسالة الباطؿ. 3.4 .ندم فرعون وحسر ته 535 المصدرنفسه ، ج 9 ص55 536 عبد العزٌز خواجة:أنماط العلاقات الاجتماعٌة فً النص القرآنً ص228
عدد الصفحات ١٣٦137 جاء ىذا العنصر بعنكاف الندـ كالحسرة معا لأف الحسرة أكثر مف الندـ فالحسرة ىي «الغـ عمى ما فات كالندـ عميو كأنما ينحسر عف الفاعؿ الجيؿ الذم حممو عمى ما ارتكبو أك انحسرت قكاه مف فرط غـ أك أدركو إعياء عف تدارؾ ما فرط منو »(537) .قاؿ ا﵀ تعالى: ﴿أىفٍ تىقيكؿى نىفٍسه يىا حىسٍرىتىا عىمىى مىا فىرَّطٍتي فًي جىنٍبً المَّوً كىا ًفٍ كينٍتي لىمًفى السَّاخًرًيفى ﴾ (الزمر /56 .)ككذلؾ كاف شأف فرعكف الذم عاث في الأرض فسادا كادعى الألكىية فكاف عاليا مف المسرفيف . يقكؿ ا﵀ تعالى في شأنو :﴿كىجىاكىزٍنىا بًبىنًي إًسٍرىائًيؿى الٍبىحٍرى فىأىتٍبىعىييـٍ فًرٍعىكٍفي كىجينيكديهي بىغٍينا كىعىدٍكنا حىتَّى إًذىا أىدٍرى كىوي الٍغىرىؽي قىاؿى آىمىنٍتي أىنَّوي لاى إًلىوى إًلاَّ الَّذًم آىمىنىتٍ بًوً بىنيك إًسٍرىائًيؿى كىأىنىا مًفى الٍميسٍمًمًيفى ﴾ (يكنس/90)، فاجتياز البحر لـ يكف بفعؿ البشر بؿ بفعؿ خالؽ قادر. كبالرغـ مف ذلؾ فقد أصر فرعكف عم ى المحاؽ بيـ قصد إذلاليـ كسرعاف ما تأتي المحظة الحاسمة التي ىي انتقاـ مف رب العالميف يغرؽ فرعكف الذم عاث في الأرض فسادا، فيذه المحظة ىي التي كلدت تمؾ الحسرة عمى ما فات ﴿حتى إذا أدركو الغرؽ قاؿ آمنت أنو لا إلو إلا الذم آمنت بو بنك إسرائيؿ كأنا مف المسمميف ﴾. لقد جاء ىذا الاعتراؼ في غير أكانو لأ ف الندـ كالحسرة ىنا جاءا بفعؿ الغرؽ ففرعكف لا يريد ذلؾ بؿ يريد التسمط ك يريد أف يبقى عاليا ك يستمر في طغيانو لحظة الغرؽ . ك يعمف إيمانو كىذا مرفكض فيذا إيماف إجبار كليس إيماف اختيار. إيمافه لـ يكف عف قناعة، بؿ خكفا مف الغرؽ . إضافة إلى ذلؾ فإنو لـ يؤمف با﵀ صراحة ب ؿ أعمف أنو آمف بالإلو الذم آمف بو بنك إس ر ائيؿ. لذلؾ فندـ فرعكف لـ يكف ندما بالمعنى المعركؼ أم ندـ التكبة كالاستغفار كطمب الرحمة إنما كاف حسرة عمى ما أصابو فكاف ندما شكميا حتى يناؿ مراده كيفر بفعمتو. 5 .الأمن تدكر مادة (ء،ـ،ف) حكؿ أصميف متقاربيف أحدىما التصديؽ كىك أصؿ الإيماف كالآخر الأمانة كىي سككف القمب، كضدىا الخيانة كالأماف ضد الإخافة. جاء في لساف العرب : «الأماف كالأمانة بمعنى كاحد. كقد أمنت فأنا آمف كآمنت غيرم مف الأمف كالأماف كالأمف ضد الخكؼ كالأمانة ضد الخيانة كآمنتو المتعدم ضد أخفتو كفي التنزيؿ العزيز 537 سمٌح عاطف الزٌن:معرفة النفس الإنسانٌة فً الكتاب والسنة ج2 ص311
عدد الصفحات ١٣٧138 ﴿كآمنيـ مف خكؼ ﴾ (قريش/ 4)»(538). كالأمف كما عرفو بعض العمماء «طمأنينة النفس كزكاؿ الخكؼ أك عدـ تكقع مكركه في الزماف الآتي »(539) .كقد ذكره ا﵀ ممتنا بو عمى عباده فقاؿ: ﴿فىمٍيىعٍبيديكا رىبَّ ىىذىا الٍبىيٍتً الَّذًم أىطٍعىمىييـٍ مًفٍ جيكعو كىآىمىنىييـٍ مًفٍ خىكٍؼو﴾ (قريش /4.) كالأمف يحققو الإيماف بحقيقة كجكد ا﵀ تعالى إذ أنو مصدر طمأنينة النفس كشعكر المؤمف بالسكينة قاؿ تعالى: "الذًيفى آىمىنيكا كىتىطٍمىئًفُّ قيميكبيييـٍ بًذًكٍرً المَّوً أىلاى بًذًكٍرً المَّوً تىطٍمىئًفُّ الٍقيميكبي " (الرعد/ 28 .)«كالنفس عندما تطمئف إلى خالقيا كبارئيا تصبح في انعتاؽ كمي مف كؿ سكء قد يشكبيا كمف كؿ أمر قد يؤذييا كىي ترنك دائما إلى لقاء ربيا كالرجكع إليو غير خائفة كلا كجمة مف أم شيء حتى مف المكت»(540) .كالقارئ ليذه القصة يجد أف ظلبؿ الأمف قد حفت أبطاؿ القصة ذلؾ الأمف الذم كاف نقيضا لمخكؼ الذم اعترل تمؾ الشخصيات. كأكٌ ؿ الأشخاص المؤمنيف ىي أـ مكسى عميو السلبـ تمؾ الأـ التي ملؤ فؤادىا إشفاقا كتعبا عمى كليدىا فكاف الكحي ىك بداية الأماف. كىك الذم يزرعو ا﵀ تعالى في قمبيا ليعطييا الحمكؿ الناجعة لمتخمص مف الفزع كالخكؼ ال مذيف اعتر ياىا، كيشعرىا بالأمف كالسكينة . ككاف بداية ذلؾ قكلو تعالى :﴿إًذٍ أىكٍحى يٍنىا إًلىى أيمّْؾى مىا ييكحىى أىفً اقٍذًفًيوً فًي التَّابيكتً فىاقٍذًفًيوً فًي الٍيىـّْ فىمٍييمٍقًوً الٍيىـُّ بًالسَّاحًؿً يىأٍخيذٍهي عى ديكّّ لًي كىعىديكّّ لىوي كىأىلٍقىيٍتي عىمىيٍؾى مىحىبَّةن مًنّْ ي كىلًتيصٍنىعى عىمىى عىيٍنًي﴾ (طو/39.) إنيا بداية أكلى مراحؿ الأمف في قكلو : إذ أكحينا «فالكحي إلييا كاف إلياما كقذفا في القمب كىك كحي جاءىا مف ا﵀ فقذؼ في قمبيا أك في نفسيا باختلبؼ الركاية»(541) . كلماكاف القذؼ في القمب، فإنو اكتسى نكعا مف السكينة كاليدكء المذيف يعدٌ اف مف درجات الأمف. كالملبحظ أف ىذا الأمف يبدأ بالمكاف كىك اليـٌ كىك عمى سعتو يكحي بالخكؼ لأكؿ كىمة، لذلؾ فقد اختار ا﵀ سبحانو كتعالى التابكت حماية لمرضيع كىك مكضع الأماف في قكلو فاقذفيو. كالقذؼ ىنا «أصمو الرمي كأطمؽ ىنا عمى الكضع في التابكت تمثيلب لييئة المخفي عممو فيك يسرع كضعو مف يده كييئة مف يقذؼ حجرا كنحكه »(542) .كيأتي التفصيؿ أكثر في الحادثة، فيذا الصندكؽ الذم يمثؿ مكضع الأماف سينتقؿ إلى أبعد مكاف. كمف جية أخرل ىك إعداد الأـ كتييئت يا لفراقو لتعرؼ النتيجة بعد أياـ. يقكؿ الشعراكم في ىذا 538 ابن منظور:لسان العرب م1 ص140 539 زٌنب الكروي:التصوٌر البٌانً فً آٌات الأمن والخوف ص27 540 سمٌح عاطف الزٌن:معرفة النفس الإنسانٌة فً الكتاب والسنة ،ج2 ص286 541 ستار جبر حمود:الوحً ودلالاته فً القرآن الكرٌم دار الكتب العلمٌة بٌروت،ط1 2001ص164 542 الطاهر بن عاشور :تفسٌر التحرٌر والتنوٌر، ج ص
عدد الصفحات ١٣٨139 الشأف: «فسكؼ يككف للؤمكمة ترتيب ككسائؿ تساعد عمى النجاة فصنعت لو صندكقا جعمت فيو ميدا لينا كاحتاطت للؤمر»(543) .كرحمة الأماف ىذه جاءت بسرعة فائقة ت ربطيا الفاء الدالة عمى التعقيب، فمف التابكت إلى اليـ إلى الساحؿ رحمة أماف كطمأنة للؤـ «فعندنا لمكسى ثلبث إلقاءات، إلقاء الرحمة كالحناف في التابكت كا لقاء التابكت في اليـ تنفيذا لأمر ا﵀ كا لقاء اليـ لمتابكت عند قصر فرعكف»(544). كأعمى درجات الأمف المحبةي مف ا﵀ ك«كصؼ المحبة بأنيا مف ا﵀ لمدلالة عمىأنيا محبة خارقة لمعادة لعدـ ابتداء أسباب المحبة العرفية عف الإلؼ كالانتفاع »(545). كالمحبة ىي الكد، فمحبة الإنساف للئنساف تكلد الطمأنينة كالتفاىـ كالتحاكر بينيما عكس الكره الذم يكلد الحقد كالبغضاء، فما بالؾ بمحبة ا﵀ تعالى ليذا الصبي الذم سيتكلاه برعايتو الخاصة "كلتصنع عمى عيني" مف أكؿ يكـ كلد فيو. كىكذا تتكالى السكينة التي غرسيا ا﵀ في قمب الأـ في قكلو تعالى : ﴿كىأىكٍحىيٍنىا إًلىى أيـّْ ميكسىى أىفٍ أىرٍضًعًيوً فىإًذىا خًفٍتً عىمىيٍوً فىأىلٍقًيوً فًي الٍيىـّْ كىلاى تىخىافًي كىلاى تىحٍزىنًي إًنَّا رىادُّكهي إًلىيٍؾً كىجىاعًميكهي مًفى الٍميرٍسىمًيفى ﴾ (القصص/7)،فمرحمة الرضاعة أعمى درجات الأمف لأفٌ الرضيع إذا رضع ثدم أمو زاؿ عنو البكاء . كبالتالي يحس بالأماف. كحتى يزيؿ عنيا الفزع فقد نياىا عف الخكؼ كالحزف لأف ىناؾ بشارة عظيمة ستجعؿ مف ىذه الأـ الخائفة الفزعة عمى كليدىا تتحكؿ إلى أـ ىادئة مطمئنة فرحة بعكدة كليدىا "إنا رادكه إليؾ كجاعمكه مف المرسميف" فيذه البشارة كانت نتيجة ال نيي عف الخكؼ كالحزف . كحتى تتحقؽ كجب أف يككف قمب الأـ ىادئا مطمئنا مف ىاذيف الشعكريف الشعكر بالخكؼ الذم ىك ىـ مف أمر قد مضى. كرده إلى الأـ مرفؽ ببشارة عظيمة ، كىك أ نو النبي الذم سيرسؿ كسيككف كجيا لمظمـ الذم ساد بني اسرائيؿ تحت سطكة الطاغية فرعكف، إف ا﵀ حفظو لأمو كحفظو لو لأف ميمة أسمى ستنتظر ه، كىذا قمة الأمف كالأماف. كىكذا كاف القذؼ رغـ قكتو مصدرا للؤماف فا﵀ سبحانو كتعالى سيحفظو كيعيده إلى أمو سالما غانما. كلسكؼ ترل أيضا ذلؾ القمب الفارغ للؤـ حينما كادت تك دم بابنيا لكلا ذلؾ 543 الشعراوي،تفسٌر الشعراوي ج15 ص9267 544 المصدر نفسه، ج15 ص9268 545 الطاهر بن عاشورتفسٌر التحرٌر والتنوٌر ص 217
عدد الصفحات ١٣٩140 الربط مف عند ا﵀ سبحانو كتعالى الذم كاف الأمف فيو في سياؽ مف الخك ؼ كاليمع «فالقصة تر ينا صكرة أـ مضطربة منزعجة خائفة كا ذا الإلياـ يخبئيا بإلقائو باليـ مع إثلبج قمبيا بألا تخاؼ كألا تحزف . كمفٌ ا﵀ عمييا بالاطمئناف بأنو سيعكد إلييا. كىكذا يككف الاطمئناف في مكطف الخكؼ كالقرار في مكطف الاضطراب كالسككف في مكطف اليمع »(546) .كقد قاؿ تعالى: ﴿كىأىصٍبىحى فيؤىادي أيـّْ ميكسىى فىارًغنا إًفٍ كىادىتٍ لىتيبٍدًم بًوً لىكٍلاى أىفٍ رىبىطٍنىا عىمىى قىمٍبًيىا لًتىكيكفى مًفى الٍميؤٍمًنًيفى ﴾ (القصص/10 .)لا مجاؿ لمعاطفة كلرقة الأمكمة الآف فيناؾ إمساؾ ككبت لمعكاطؼ. ككؿ ىذا يككف عف طريؽ الربط "كربطنا عمى قمبيا" . كالربط عمى القمب «معناه الاحتفاظ بالقضايا التي تتدخؿ في النزكع ، فإف كاف لا يصح أف تفعؿ فلب تفعؿ. كا ف كاف يصح أف تفعؿ فمتفعؿ، فيذه القضايا الراسخة ىي التي تضبط التصرفات . ككاف فؤاد أـ مكسى فارغا منيا »(547) .كربط القمب ىنا ىك الصبر «كىك حبسالنفس عمى ما يقتضيو العقؿ كالشرع أك عما يقتضياف حبسيما عنو »(548). كالصبر ىنا ىك راحة لنفس الأـ . كبالتالي مظير مف مظاىر الأماف. ككؿ ذلؾ بفضؿ التككؿ عمى ا﵀ سبحانو كتعالى مف طرفيا . إنو جزاء عظيـ مف ا﵀ ، كىك يرد ليا كليدىا كقرة عينيا كميجة قمبيا . قاؿ تعالى في ىذا الشأف: ﴿فىرىدىدٍنىاهي إًلىى أيمّْوً كىيٍ تىقىرَّ عىيٍنييىا كىلاى تىحٍزىفى كىلًتىعٍمىـى أىفَّ كىعٍدى المَّوً حىؽّّ كىلىكًفَّ أىكٍثىرىىي ـٍ لاى يىعٍمىميكفى ﴾ (القصص/13 .)صدؽ الكعد كتحقؽ«فمقد سبؽ أف كعد ا﵀ سبحانو كتعالى "إنا رادكه إليؾ" كىاىك أكاف تحقي ؽ الكعد الأكؿ كىك بشرل بتحقيؽ الكعد الثاني كجاعمكه مف المرسميف لكف ىذا في مستقبؿ الأياـ كسكؼ يتحقؽ أيضا »(549). كينتقؿ الأمف مف الأـ إلىالابف عف طريؽ الحكار الإليي مع نبيو عميو السلبـ . كىذا الحكار قائـ عمى الأمف كالطمأنة التي ىي مصطمح حديث في عمـ النفس. كىي «أسمكب مف أساليب الإرشاد النفسي كىي سمكؾ مف حيث المرشد النفسي كنكع مف المساندة الانفعالية كشرح الأفكار كتفيـ المشاعر كمنافسة الاستجابات »(550) .كعناية ا﵀ سبحانو كتعالى تفكؽ كؿ ىذه الأساليب النفسية الحديثة التي ىي مف صنع الإنساف، إنو الاطمئناف الخارؽ الذم ييدئ النفكس كيثمج الصدكر . كأكؿ مظاىر العناية قكلو تعالى "كلتصنع عمى عيني" 546 زٌنب الكروي:التصوٌر البٌانً فً آٌات الأمن والخوف ص344 547 الشعراوي: تفسٌر الشعراوي ج17 ص10891 548 صالح عظٌمة:مصطلحات قرآنٌة،الجامعة العالمٌة الإسلامٌة لندن،ط1 1994 ص250 549 الشعراوي:تفسٌر الشعراوي، ج17 ص10895 550 فرج عبدالقادرطه:موسوعة علم النفس ص489
عدد الصفحات ١٤٠141 "كاصطنعتؾ لنفسي. كمعنى لتصنع أم "لتربى كيحسف إليؾ كأنا راعيؾ كما يراعى الإنساف الشيء بعينو إذا اعتنى بو»(551)، «كلتككف حركتؾ كتصرفؾ عمى عيف مني »(552) .معنى ذلؾ أف الصناعة الأكلى ىي صناعة في فترة تربية كنشأة حينما كاف مكسى مكلكدا. كتمؾ أكلى مراحؿ الأمف كما سمؼ ذكر ه. أمٌ ا اصطنعتؾ فمعناىا اتخذ . جاء في لساف العرب «اصطنعتؾ لنفسي تأكيمو اخترتؾ لإقامة حجتي »(553)،فالصناعة الثانية ىي صناعة قكة كتبميغ. كالتبميغ يقك ـ عمى مرأل مف ا﵀ سبحانو كتعالى كرعاية منو. كيتمثؿ الأمف أيضا في نكع مف الإيناس الذم يغمر مكسى عميو السلبـ كالذم مصدره تمؾ القكة السماكية . قاؿ تعالى: ﴿فىمىمَّ ا أىتىاىىا نيكدًمى يىا ميكسىى إًنّْي أىنىا رىبُّؾى فىاخٍمىعٍ نىعٍمىيٍؾى إًنَّؾى بًالٍكىادً الٍميقىدَّسً طيكنل كىأىنىا اخٍتىرٍتيؾى فىاسٍتىمًعٍ لًمىا ييكحىى ﴾ (طو/12،13 .)لقد بدأ الحكار أنيسا تسكف لو النفس كتطمئف "نكدم يا مكسى". كمصدر ىذا الاطمئناف ىك كحي ا﵀ إلى مكسى "إني أنا ربؾ" فحر ؼ التككيد كضمير الشأف كذكر صاحب الضمير تغني جميعيا عف كؿ شيء، كىي تفيد الإيناس لأف «كممة ا﵀ مطمكبة عبادة كتكميفا لأف ا﵀ مطاع فيما يأمر لكف الرب عطا حتى لمكافر فخاطب و بصفة الرب الذم يتكلى التربية ، فالألكىية تطمب منؾ أف تفعؿ كتقيد حركتؾ بينما الربكبية كم يا عطاء فالحؽ سبحانو كتعالى خاطب مكسى بالربكبية كالعطاء »(554). كتعتبر معجزة العصا كاليد مف مظاىر الأمف ، إذ يقتصر دكر العصا في القصة عمى التحكؿ، كىك تحكؿ يتـ في صكر ثلبث ىي الجاف كالثعباف كالحية. كفي ىذا الشأف يأتي سؤاؿ ا﵀ سبحانو كتعالى إلى مكسى لغرض الإيناس كتييئتو لممعجزة "كما تمؾ بيمينؾ يا مكسى"، «فا﵀ سأؿ مكسى عف الذم في يده ككاف بإمكاف مكسى أف يجيب بأنيا عصا كلكنو اطمأف إلى كممة ربو فأراد أف يطيؿ أنسو بكلبـ ا﵀ سبحانو كتعالى فذكر صفات العصا كاستخداميا كفكائدىا لو»(555). كقد اعتراه الخكؼ لمٌا رأل تحكؿ العصا، فانظر كيؼ كانت إجابة ا﵀ لو "خذىا كلاتخؼ سنعيدىا سيرتيا الأكلى" ، ففعؿ الأمر ىنا صادر عف يقيف أما فعؿ النيي فيك مضاد لمقمؽ كعكدة إلى الاطمئناف النفسي الذم يرغب فيو، كفي 551 السمٌن الحلبً: الدر المصون فً علوم الكتاب المكنون،تح أحمد محمد،دار القلم دمشق،دط ،دت ج8 ص36-37 552 االمصدر نفسه ص ج8 ص37 553 ابن منظور:لسان العرب ج28 ص2508 554 محمد متولً الشعراوي:قصص الأنبٌاء والمرسلٌن ص330 555 المصدر نفسهص 330
عدد الصفحات ١٤١142 الكقت نفسو رفع مف قيمة شأف العصا ال تي يتككأ عمييا كييش بيا عمى غنمو، أما اليد فيي عضك مف أعضاء الإنساف لكنيا امتازت بالقياـ بدكر غرضي يعكد بالنفع عمى مكسى عميو السلبـ كالذم أخذ صفة المعجزة ﴿كاضمـ يدؾ إلى جناحؾ تخرج بيضاء مف غير سكء آية أخرل ﴾. ككممة (اضمـ) تدؿ عمى الاختفاء كالضغط. كىذه درجة مف درجات الاطمئناف فعممية الاختفاء جاءت مف العمؽ حتى تتحقؽ المعجزة ، كبالتالي نفي الخكؼ الذم انتاب مكسى أثناء استعمالو لمعصا. كيسترجع مكسى عميو السلبـ حادثة قتؿ القبطي فيتكجو إلى ربو بالدعاء بالمساعدة فيستجيب ا﵀ تعالى لدعكتو في قكلو تعالى: ﴿قىاؿى سىنىشيدُّ عىضيدىؾى بًأىخًيؾى كىنىجٍعىؿي لىكيمىا سيمٍطىاننا فىلبى يىصًميكفى إًلىيٍكيمىا بًآىيىاتًنىا أىنٍتيمىا كىمىفً اتَّبىعىكيمىا الٍغىالًبيكفى ﴾ (القصص/35 .)لقد تحقؽ الأمف عف طريؽ ذاؾ الرباط بيف الأخ كأخيو "فاستجاب ا﵀ دعكتيو كزاده تفضلب بما لـ يسألو فاستجابة الدعكة الثانية بقكلو "سنشد عضدؾ بأخيؾ" ، ك استجابة الأكلى بقكلو فلب يصمكف إليكما كالتفضؿ بقكلو كنجعؿ لكما سمطانا، فأعطى مكسى ما يماثؿ لياركف مف المقدرة عمى إقامة الحجة إذ قاؿ كنجعؿ لكما سمطانا»(556) .كالشد«الربط كشأف العامؿ بعضك إذا أراد أف يعمؿ بو عملب متعبا لمعضك أف يربط عميو لئلب يتفكؾ أك يعتريو كسر»(557) .كالعضد «الساعد كىك مابيف المرفؽ إلى الكتؼ كالعضد القكة لأف الإنساف إنما يقكل بعضده فسميت القكة بو»(558)،فالأخ ىاركف يشكؿ الحماية، ك الساعد الأيمف لمكسى عميو السلبـ الذم يشعره بالأماف كيدفع عنو كؿ مكركه. كبالتالي يحقؽ لو جكا مف الألفة كالمحبة كالتعاكف كالكقكؼ إلى جانبو في السراء كالضراء. كما يحقؽ لو الأمف أيضا التعاكفي ضد الأعداء كممارسة السمطة عمييـ كا لقاء الميابة في قمكبيـ مما يحقؽ الحماية لمكسى كأخيو، كبالتالي يز يؿ ذلؾ الخكؼ الذم اعتراه في غياب أخيو. كتتجمى مظاىر الأمف أيضا في قصة مكسى عميو السلبـ في قكلو تعالى: ﴿كىلىمَّا تىكىجَّوى تًمٍقىاءى مىدٍيىفى قىاؿى عىسىى رىبّْي أىفٍ يىيٍدًيىنًي سىكىاءى السَّبًيؿً ﴾ (القصص/22.) 556 الطاهر بن عاشور:تفسٌر التحرٌر والتنوٌر، م20 ص117 557 االمصدرنفسه ج20 ص117 558 ابن منظور:لسان العرب ج33 ص2983
عدد الصفحات ١٤٢143 لقد خرج مكسى عميو السلبـ مف مصر خائفا يريد اليرب . ك كاف ىمو أف ينجك بنفسو دكف التفكير في أم كجية يستقميا. ثـ يجد نفسو كحيدا بيف الفمكات. كأماـ كؿ ىذا يسمـ أمره ﵀ عز كجؿ «إنيا الخمكةالتي يعرؾ فييا التعب كالنصب عجينتو الشخصية لتتيذب عمى نحك يرده ا﵀ عزكجؿ »(559). كقد سمـ مكسى عميو السلبـ أمره إلى ا﵀ عز كجؿ. إف تمؾ الكحدة التي عاشيا كىك ييب لمرحيؿ ليبمغ السبيؿ تفتح أمامو آفاقا لممناجاة "قاؿ عسى ربي أف ييديني سكاء السبيؿ". كاليداية ىي الدلالة كالإرشاد «كىي سمكؾ الطريؽ الذم يكصؿ الإنساف إلى غايتو كىي اتباع شرع ا﵀ كسمي اتباع شرع ا﵀ ىداية لأنو يرشد الإنساف إلى الحؽ كيبصره بو فيميز بيف الخير كالشر »(560). كمكسى عميو السلبـ كىك يدعك بيذا الدعاء يدعـ إيمانو كيقكيو، كبالإيماف يتحقؽ الأمف النفسي، فيك يدرؾ تماما أف ا﵀ سبحانو كتعالى سيحميو مف كيد ىؤلاء . كىذا الدعاء «نممح فيو كثيرا مف الطمأنينة بعدما ابتعد عف أرض مصر كزالت أسباب الخكؼ كحرؼ "لما" ال ذم يتصدر الآية الكريمة يستغرؽ مف الزماف كالمكاف قدرا يجعمنا نتخيؿ النفس تثيب إلى رشدىا قميلب قميلب كتنتبو إلى الفضاء الممتد أماميا كا لى خمك يدىا مف الزاد كا لى عزلتيا التامة حينيا يككف الالتفات إلى ا﵀ عز كجؿ التفاتا كميا ليس فيو ىـ الطريؽ كحدىا كا نما السبيؿ المطؿ عمى المقبؿ مف الأياـ كميا»(561) .إف ىذا الدعاء كالرجاء ﵀ سبحانو كتعالى مف نبيو عميو السلبـ دعاء مضطر حيمة لو إلا عطاء ربو كا نقاذه لو. كتتكاصؿ المناجاة التي تحقؽ الأمف لمكسى عميو السلبـ. لقد خدـ الفتاتيف كأعانيما في عممية السقي، الأمر الذم أدل بإحدييما أف تدعكه بأمر مف أبييا لجزائو عم ى ما فعؿ. ك ىذا الأب سيحقؽ لو الأمف عف طريؽ إيكائو بعدما سرد لو مكسى عميو السلبـ ما جرل لو ﴿فىمىمَّا جىاءىهي كىقىصَّ عىمىيٍوً الٍقىصىصى قىاؿى لاى تىخىؼٍ نىجىكٍتى مًفى الٍقىكٍـً الظَّالًمًيفى ﴾ (القصص/25). كنفي الخكؼ مف طرؼ الأب كاف تيدئة لركعو . ك ىك يريد أف يككف لو الأب الحنكف الذم يقؼ إلى جانبو كيطمئنو بأنو في أماف. إنو بعيد الآف كؿ البعد عف ىؤلا ء القكـ المتربص يف بو، كىك في مأمف الآف خاصة كأف الشيخ يقترح عميو ابنتو لمزكاج. كنلبحظ في ىذا الإطار دكر الأب الحازـ كما ينبغي أف يتخذ ه مف إجراء في مثؿ ىذه المكاقؼ «فالرجؿ سيككف أجيرا عنده بطمب مف ابنتو ، كفي بيتو بنتاف سيتردد عمييما 559 حبٌب مونسً:التردد السردي فً القرآن الكرٌم ص169 560 http //ar.wikipedia.org 28 /07/2012 /12 :13h 561 حبٌب مونسً:التردد السردي فً القرآن الكرٌم ص 169
عدد الصفحات ١٤٣144 ذىابا كا يابا، ليلب كنيارا . كالحكمة تقتضي إيجاد علبقة شرعية لكجكده في بيتو لذلؾ رأل أف يزكجو إحداىما ليخمؼ كضعا يستريح فيو الجميع »(562) ﴿قىاؿى إًنّْي أيرًيدي أىفٍ أينٍكًحىؾى إًحٍدىل ابٍنىتىيَّ ىىاتىيٍفً عىمىى أىفٍ تىأٍجيرىنًي ثىمىانًيى حًجىجو فىإًفٍ أىتٍمىمٍتى عىشٍرنا فىمًفٍ عًنٍدًؾى كىمىا أيرًيدي أىفٍ أىشي ؽَّ عىمىيٍؾى سىتىجًدينًي إًفٍ شىاءى المَّوي مًفى الصَّالًحًيفى ﴾ (القصص/27 .)إنوبذلؾ يؤمٌ نو أكثر، فمف ككنو أبا حنكنا يكفر لو الحماية إلى نسيب يكفر لو الاستقرار ، كفكؽ كؿ ذلؾ يطمئنو بأنو مف الصالحيف معنى ذلؾ أنو حينما يعايشو سيناؿ منو طيب المعاممة خاصة كأف المدة التي يعيشيا كىك أجير عنده كىك ثمف مير الفتاة سيشعر خلبليا بالأماف أكثر، كسيشعر أكثر بالمسؤكلية تجاه مف حكلو. كىكذا يؤسس مكسى عميو السلبـ جكا أسريا يحسسو بالأمف النفسي أكثر كيقكيو ليتحدل المصاعب التي ستكاجيو أكثر في المستقبؿ كىك يؤدم الرسالة المنكطة إليو. كيحيط الأمف بمكسى عميو السلبـ حيف يصبح قائدا لأمة مسؤكلا عف رسالة يغرسيا في نفكس الناس الذيف رىبيـ فرعكف كأذليـ كتسمط عمي يـ. كمع تيديد فرعكف ليـ عندما آمنكا با﵀ كحده يطمئنيـ مكسى عميو السلبـ . قاؿ تعالى في شأف ذلؾ : ﴿قىاؿى ميكسىى لًقىكٍمًوً اسٍتىعًينيكا بًالمَّوً كىاصٍبًريكا إًفَّ الأٍىرٍضى لًمَّوً ييكرًثييىا مىفٍ يىشىاءي مًفٍ عًبىادًهً كىالٍعىاقًبىةي لًمٍميتَّقًي فى ﴾ (الأعرا ؼ/128). ا نظر كيؼ يقنع مكسى عميو السلبـ قك مو ككيؼ ينقذىـ مف اليكؿ كالخكؼ. إف تحقيؽ الأمف كالتخمص مف فرعكف يستمزـ عنصريف ىاميف أك مقكميف ىما الاستعانة با﵀ كالصبر، كبذلؾ يقرر مكسى عميو السلبـ أف ىذه الأرض ليست ممكا لفرعكف بؿ ا﵀ تعالى مالكيا كرازقيا «ككأنو بيذا القكؿ يريد أف يردىـ إلى حكـ التاريخ حيث تككف العاقبة دائما لممتقيف»(563) .كالصبر حبس النفس عف الجزع كىك خمؽ فاضؿ مف أخلبؽ النفس يمتنع بو مف فعؿ ما لا يحسف كلا يحمؿ ، كىك قكة مف قكل النفس التي بيا صلبح شأنيا كقكاـ أمرىا. كالصبر عمى بطش فرعكف مف مظاىر الأمف فمقد كاف قكـ مكسى مستضعفيف في الأرض انتيكت حرماتيـ كاستي بد بحقكقيـ، كقد كعدىـ ا﵀ أف يمكٌ ف ليـ في الأرض ، كيجعميا ليـ ذخرا كذلؾ تأميف مف ا﵀ عز كجؿ ليـ. 562 امحمد متولً الشعراوي:تفسٌر الشعراوي ج17 ص10909 563 محمد متولً الشعراوي : المصدر السابق، ص7 ص4306
عدد الصفحات ١٤٤