113 ا﵀ سبحانو كتعالى بأف يرسؿ إليو ى اركف حتى يككف معينا لو في دعكتو. كبالتالي تكتمؿ الميمة المنكطة بو. كتتعدل مسألة الخكؼ بطريؽ التكذيب لينتقؿ إلى سياؽ آخر أكثر خطكرة كىك الخكؼ مف القتؿ لقكلو تعالى: ﴿كى لى يي ـٍ عى مى يَّ ذنب فأخاؼي أف يى قٍ تي مي كفً ﴾ (الشعراء/ 14 .)كقد أطمؽ الذنب عمى المؤاخذة بدـ القتيؿ الذم ككزه مكسى كقضى عميو، فقكلو تعالى: "فأخى اؼي أى فٍ يى قٍ تي مكفً " ليس ىمعا كخكفا مف المكت «فإنو لما أصبح في مقاـ الرسالة ما كاف بالذم يبالي أف يمكت في سبيؿ ا﵀، كلكنو خشي العائؽ مف إتماـ ما عيد إليو مما فيو لو ثكاب جزيؿ كدرجة عميا »(450)،فالخكؼ عمى ىذه الرسالة مف ال ضياع جعمو يقرف بينيا كبيف الخطر المحدؽ بو كىك خطر الانتقاـ خاصة كأف فرعكف مشيكر بالقتؿ كالتعذيب كالانتقاـ فمكسى عميو السلبـ يعبٌ ر عف خكفو عف طريؽ استحضار الحادثة التي فر منيا ىاربا كىي الحادثة التي تكرر سياقيا في سكرة الشعراء بتصريح مف مكسى عميو السلبـ في قكلو تعالى عمى لسانو ﴿فىفىرىرٍتي مًنٍكيـٍ لىمَّا خًفٍتيكيـٍ فىكىىىبى لًي رىبّْي حيكٍمنا كى جىعىمىنًي مًفى الٍميرٍسىمًيفى﴾ (الشعراء /21.) كينتقؿ سياؽ الخكؼ لدل مكسى عميو السلبـ إلى العصا التي تنقمب حيٌ ة. قاؿ تعالى: ﴿ً إذٍ قىاؿى ميكسىى لأًىىٍمًوً إًنّْي آىنىسٍتي نىارنا سىآتًيكيـٍ مًنٍيىا بًخىبىرو أىكٍ آىتًيكيـٍ بًشًيىابو قىبىسو لىعىمَّكيـٍ تىصٍطىميكفى فىمىمَّا جىاءىىىا نيكدًمى أىفٍ بيكرًؾى مىفٍ فًي النَّارً كىمىفٍ حىكٍلىيىا كىسيبٍحىافى المَّوً رىبّْ الٍعىالىمًيفى يىا ميكسىى إًنَّوي أىنىا المَّوي الٍعىزًيزي الٍحىكًيـي كىأىلٍؽً عىصىاؾى فىمىمَّا رىآىىىا تىيٍتىزُّ كىأىنَّيىا جىافّّ كىلَّى ميدٍبًرنا كىلىـٍ ييعىقّْبٍ يىا ميكسىى لاى تىخىؼٍ إًنّْي لاى يىخىاؼي لىدىمَّ الٍميرٍسىميكفى إًلاَّ مىفٍ ظىمىـى ثيـَّ بىدَّؿى حيسٍننا بىعٍدى سي كءو فىإًنّْي غىفيكره رىحًيـه كىأىدٍخًؿٍ يىدىؾى فًي جىيٍبًؾى تىخٍريجٍ بىيٍضىاءى مًفٍ غىيٍرً سيكءو فًي تًسٍعً آىيىاتو إًلىى فًرٍعىكٍفى كىقىكٍمًوً إًنَّييـٍ كىانيكا قىكٍمنا فىاسًقًيفى ﴾ (النمؿ/7..12)، فالمتأمؿ ليذه الآيات يجد ظركفا كملببسات نفسية أحاطت بمكسى عميو السلبـ كىك في رحمتو مع أىمو تنتابو لحظات البحث عف الطريؽ المنشكد . كفي ظؿ كؿ ىذا تظير دلائؿ الخكؼ في ىذه الرحمة التي تبدأ في ظلبـ دامس، يسعى فيو مكسى عميو السلبـ أف يجد حلب ليذا الضياع الذم يمثؿ لديو مصدرا آخر لمخكؼ فإذا بالحؿ يظير . إنو ذلؾ الشعاع مف النار الذم يتحكؿ إلى معجزة 450 الطاهر بن عاشور،تفسٌر التحرٌر والتنوٌر،ج19 ًص 107-108
عدد الصفحات ١١٣114 اليية فالنار تمثؿ انجلبء الكحشة كما تمثؿ مصدرا لمرىبة كالخشية يعقبيا بعد ذلؾ التحكؿ المفاجئ مف المصدر النباتي إلى الحيكاني ﴿كى أى لٍ ؽً عى صى اؾى فى مى مَّ ا رآىا تى يتى زٌ كى أىنَّ يى ا جى افٌ كى لَّ ى مي دٍ بً رن ا كى لى ـٍ يي عى قّْ بٍ ﴾ (النمؿ/10). فأكٌؿ مصدر لمخكؼ ىك ذلؾ الاىتزاز الذم اعترل العصا كحكٌ ليا إلى جاف «كالاىتزاز الاضطراب كىك افتعاؿ مف اليز كىك الرفع كأنيا تطاكع فعؿ ىاز ييزىا كالجاف ذكر الحيات كىك شديد الاىتزاز كجمعو جناف»(451) .فخكؼ مكسى عميو السلبـ كاف مف المجيكؿ فيك لـ يكف يتكقع ما سيرل ، فأكثر ما يسبٌ ب الخكؼ لمبشر في حياتيـ اليكمية ىك «مكاجية الفرد منيـ لممجيكؿ مف الأمكر كالأحداث كالأشخاص كالحيكانات كبصكرة عامة كؿ شيء غير معمكـ أك كاضح لدل الفرد أك الجماعة كيرتكز الخكؼ مف المجيكؿ عمى تكقع الخائؼ أف يكاجو شيئا أك أمرا غير معمكـ لديو »(452) .كىذا الأمر غير المعمكـ جعؿ مكسى عميو السلبـ في ىيئة نفسية يعبر بيا عف خكفو عف طريؽ حركة سريعة غير متكقعة "فكلى مدبرا كلـ يعقب" فالتكلٌ ي «الرجكع عف السير في طريقو كفعؿ تكلى مرادؼ فعؿ كلى كالإدبار التكجو إلى جية الخمؼ . كىك ملبزـ لمتكلي كالتعقيب الرجكع بعد الانصراؼ مشتؽ مف العقب لأنو رجكع إلى جية العقب أم الخمؼ فقكلو لـ يعقب تأكيد لشدة تكليو أم كلى تكليا قكيا لا تردد فيو »(453) ذلؾ لأف العصا عكد مف خشب كاف فرعا مف شجرة ، فجنسو نباتي كلما قطعت ك جفت صارت جمادا، فذلؾ التحكيؿ الذم حكليا ا﵀ سبحانو كتعالى ىك مصدر الخكؼ الحقيقي لمكسى عميو السلبـ، فتمؾ الصكرة المنقمبة عمى ما كانت عميو جعمت مكسى عميو السلبـ يضطرب كيخاؼ. 3.1. خوف قوم فرعون قاؿ تعالى:﴿فىمىا آىمىفى لًميكسىى إًلاَّ ذيرّْيَّةه مًفٍ قىكٍمًوً عىمىى خىكٍؼو مًفٍ فًرٍعىكٍفى كىمىمىئًيًـٍ أىفٍ يىفٍتًنىييـٍ كىا ًفَّ فًرٍعىكٍفى لىعىاؿو فًي الأٍىرٍضً كىا ًنَّوي لىمًفى الٍميسٍرًفًيفى ﴾ (يكنس/83.) إفٌ الإيماف برسالة النبي مكسى عميو السلبـ جعؿ فئة قميمة مف الذيف آمنكا -كعمى الرغـ مف ذلؾ الإيماف بما رأكا مف معجزات - يقترف إيمانيـ بالخكؼ مف فرعكف كحاشيتو . كجاءت صيغة الخكؼ "عمى خكؼ" التي تفيد الاستعلبء. كفي ىذا السياؽ "يككف المستعمي متمكنا 451 الطاهر بن عاشور:تفسٌر التحرٌر والتنوٌر،ج19 ص228 452 ٌحً عرودكً:الخوف داء ودواء،ص68 453 الطاهر بن عاشور:،تفسٌر التحرٌر والتنوٌر، ج19 ص228
عدد الصفحات ١١٤115 مف المستعمى عميو(454) .كالكلبـ ىنا مف الحؽ الأعمى سبحانو يبيٌف لنا «أفالخكؼ ليس مف فرعكف لأف فرعكف ، إنٌ ما يمارس التجكيؼ بمف حكلو كفرعكف في كضع و كمكانتو لايباشر التعذيب بنفسو ، بؿ يقكـ بو زبانيتو . كالإشارة ىنا تدؿ عمى الخكؼ مف شيعة فرعكف كممئيـ»(455). كبيذا، فخكؼ القكـ إذف مصدره فرعكف كحاشيتو لً مى ا ادٌ عى لنفسو مف الألكىية كتيديده اللبذع لكؿ مف خرج عف طكعو خاصة كأنو يستعمؿ كؿ ألكاف التعذيب كالتيديد خشية زكاؿ ممكو، فقد سبؽ كأف ذبح كقتؿ مف بني اسرائيؿ الكثير، الأمر الذم جعؿ بعضا منو يخافكنو أشد الخكؼ كىنا يظير ىذا النكع مف الخكؼ كىك الخكؼ مف البشر "فكثير مف الناس يخافكف أف يبطش بيـ الأقكياء كذكك النفكذ كالسمطاف كالطغاة كالظالمكف "(456). كالخكؼ ىنا جاء معنكيا كتمثؿ في قكلو تعالى: "يفتنيـ". كالفتف «إدخاؿ الركع كالاضطراب عمى العقؿ بسبب تسميط ما لا تستطيع النفس تحممو»(457). 2 .الفرح الفرح نقيض الحزف . كىك :«أف يجد في قمبو خفة. قاؿ تعالى ﴿لََ تػَفْرَحْ إِفَّ اللَّوَ لََ نُِٓبُّ الْفَرِحِيَ ﴾ (القصص/76 )فمعناه كا﵀ أعمـ لا تفرح بكثرة الماؿ في الدنيا لأف الذم يفرح بالماؿ يصرفو في غير أمر الآخرة، كالفرحة المسرة كفرح بو سي رٌ »(458) .كالإنساف يشعر بالفرح إذا قاؿ ما يتمناه كابتغاه ، كىك أمر نسبي يتكقؼ عمى أىداؼ الإنساف في الحياة، فكؿّّ يفرح حسب انقضاء حاجاتو كأمنياتو في الحياة . كقد عبٌ ر الخطاب القرآني عف سياقات الفرح في مكاضع كثيرة كيكـ الحشر إذ يقكؿ تعالى ﴿كي جي كهه يى كٍ مى ئً ذو نى اضً رى ةه »(القيامة22)(459) فالنضارة مف علبمات الفرح إذ يطفح الكجو بالبشر فتتكرد كجنتاه كتممع عيناه فرحا برؤية الحؽ". كنعثر عمى سياؽ آخر لمفرح في قكلو تعالى : ﴿فىأىمَّا مىفٍ أيكتًيى كًتىابىوي بًيىمًينًوً فىيىقيكؿي ىىاؤيـي اقٍرىءيكا كًتىابًيىوٍ إًنّْي ظىنىنٍتي أىنّْي ميلبىؽو حًسىابًيىوٍ فىييكى فًي عًيشىةو رىاضًية ﴾ (الحاقة/19،21) «فالعبارات 454 محمد متولً الشعراوي،تفسٌر الشعراوي،م10 ص6149 455 المرجع نفسه،م10 456 محمد عثمان نجاتً:القرآن وعلم النفس،دار الشروق،القاهرة،ط7،2001،ص78 457 الطاهر بن عاشور:تفسٌر التحرٌر والتنوٌر،ج11،ص260 458 ابن منظور:لسان العرب م5 ،ص3371-3372 459 كرٌم حسٌن ناصح الخالدي:الخطاب النفسً فً القرآن الكرٌم ص83
عدد الصفحات ١١٥116 التي ينطؽ بيا تفصح عف حالة الفرح الشديد الذم يعترم الإنساف كىك يكسب شيئا يثمج صدره فيسعى لإظياره لمناس كيتمنى أف يعرؼ الناس جميعا خبر ىذا الجزاء المبيج الذم نالو كقد عبر عنو الخطاب بعبارة تنطؽ بحركفيا المتجانسة كأصكاتيا كبنية التركيب الذم ضميا بالتباىي بذلؾ»(460) كتتجمى سياقات الفرح في القصة في شخصية أـ مكسى عميو السلبـ كامرأة فرعكف. 1.2 .فرح أم موسى قاؿ تعالى:﴿إًذٍ تىمٍشًي أيخٍتيؾى فىتىقيكؿي ىىؿٍ أىديلُّكيـٍ عىمىى مىفٍ يىكٍفيميوي فىرىجىعٍنىاؾى إًلىى أيمّْؾى كىيٍ تىقىرَّ عىيٍنييىا كىلاى تىحٍزىفى ﴾ (طو/40.) إفٌ كعد ا﵀ حؽٌ فقد طمأف سبحانو كتعالى أـ مكسى كأعطى ليا الأماف بإرجاع طفميا إلييا بعد أف جاؿ ككلج عباب المكج إلى أف كصؿ إلى بيت فرعكف . قاؿ تعالى: ﴿كىلاى تىخىافًي كىلاى تىحٍزىنًي إًنَّا رىادُّكهي إًلىيٍؾً كىجىاعًميكهي مًفى الٍميرٍسىمًيفى ﴾ (القصص/7). كىيبشارة ربانية ستزرع الفرح في قمب الأـ، كتيذىب الخكؼ ك تزيؿ الحزف . كفكؽ كؿ ىذا نلبحظ رسكلا مبشرا برسالة الحؽ فقد كاف الكعد عف طريؽ أختو التي خبرت بو فكانت المراقب لو تقتفي أثره حيث كاف ، فبعد أف عممت بنجاتو مف اليـ كرفضو لمم رضعات تدخمت بطريقة مباشرة لتدليـ عمى المرضعة الحقيقية التي يطمئف ليا الصبي، فكاف ما أرادت الأـ التي ان تظرتو بفارغ الصبر أف يعكد إلييا بعدما كانت خائفة عميو. ككاف شغميا الشاغؿ كيؼ تخفيو عف أعيف الناس كالمكت يحيط بو مف كؿ صكب، ككيؼ تكفو عف بكائو، ككيؼ تدارم ذلؾ ك ي لا يسمعو أحد. لقد كانت نتيجة كؿ ىذا قكؿ ا﵀ سبحانو كتعالى: ﴿فى رى جٌ عٍ نى اؾى إً لى ى أي مّْ ؾى كى يٍ تى قى رٌ عى يٍ ني يى ا كى لاى تى حٍ زى فى ﴾ (طو/40 .)ففرح الأـ سيككف عف طريؽ حسي كمعنكم في الآف ذاتو "قرة العيف "كي تقر عينيا" كتقر العيف «أم تثبت لأف التطمعات إما أف تككف معنكية أك حسية فالإنساف لديو أماف يتطمع إلى تحقيقيا فإذا ما تحققت تقكؿ لـ يتطمع إلى شيء لأف الإنساف لا يتحكؿ مف الجميؿ إلا إذا رأل ما ىك أجمؿ كىذا ما يسمكنو قرة العيف يعني الشيء الحسف الذم تستقر عنده العيف كلا تطمب عميو مزي دا في الحسف»(461)،فا﵀ سبحانو كتعالى ينفي الحزف عف أـ 460 المرجع نفسه، ص85 461 الشعراوي:تفسٌر الشعراوي،م15،ص9272
عدد الصفحات ١١٦117 مكسى، «كعطؼ نفي الحزف عمى قرة العيف لتكزيع المنة ،لأف قرة عينيا برجكعو إلييا كانتفاء حزنيا بتحقؽ سلبمتو مف اليلبؾ كمف الغرؽ كبكصكلو إلى أحسف مأكل »(462) .كما دامت ىذه أمنيتيا الكحيدة فلب يجب أف تحزف . معنى ذلؾ أف الفرح ملبزـ ليا ، فتمؾ الأياـ المريرة التي عاشتيا عكضت بكممة قطعية "لا تحزف" بمعنى أنيا لف ت عرؼ اليأس بعد اليكـ كلا الكآبة كلف تشعر بذلؾ العذاب الذم حز في نفسيا بفقدىا لكلدىا. 2.2 .فرح امرأة فرعون قاؿ تعالى:﴿ كىقىالىتً امٍرىأىةي فًرٍعىكٍفى قيرَّةي عىيٍفو لًي كىلىؾى لاى تىقٍتيميكهي عىسىى أىفٍ يىنٍفىعىنىا أىكٍ نىتَّخًذىهي كىلىدنا كىىيـٍ لاى يىشٍعيريكفى ﴾ (القصص/29). كقرة العيف في ىذا السياؽ «بمعنى ثباتيا كعدـ حركتيا . كثبات العيف كاستقرارىا إما أف يككف ثباتا حسيا أك معنكيا . كالثبات المعنكم أف تستقر العي ف عمى منظر أك شيء بحيث تكتفي كتقنع بو كيغنييا عف التطمع لغيره كمنو قكليـ فلبف ليس لو تطمعات أخرل يعني اكتفى بما عنده »(463). كالمعنى ىنا قرة عيف. كلؾ «تعني أف يككف نعمة كمتعة لنا نفرح بو كنقنع فلب ينظر إلى غيره »(464). كقد فرحت امرأة فرعكف لأفٌ أمنيتيا تحققت بفكزىا بالكلد فا﵀ سبحانو كتعالى قد رزقيا الكلد بعد أف حرمت منو . كفرحيا نجـ عنو التفكير في المستقبؿ، فيذا الكلد الذم ىك سبب فرحتيا سيصبح مصدر نفع ليما ، سينشأ في ذلؾ القصر كيعيش فيو عيشة رغدة تتكف ر فييا كؿ ممذات الحياة الكريمة ، فمحكر الفرح بالنسبة إلى امرأة فرعكف ىك الكلد فإذا كاف أصحاب القصكر العظيمة يفرحكف كيأنسكف بالأمكاؿ كالثركات ككفرتيا فإف امرأة فرعكف فرحت بالصبي الذم سيككف ليا سندا قكيا في الحياة. كىذه حكمة ا﵀ سبحانو كتعالى فقد عكضيا بالكلد البار المطيع ما جعؿ نفسيا تطمئف كترتاح مف ت مؾ الحياة القاسية الظالمة التي يعيشيا فرعكف. 3 .التسمط 462 الطاهر بن عاشور:تفسٌر التحرٌر والتنوٌر،ج16 ص219 463 الشعراوي:تفسٌر الشعراوي م،15،ص9273 464 المرجع نفسه،ج17 ًص 10889
عدد الصفحات ١١٧118 يحمؿ ىذا المصطمح كؿ معاني السطكة كالغمبة كالقير. جاء في لساف العرب مادة (س،ؿ،ط): «السلبطة ىك القير كقد سمطو ا﵀ فتسمط عمييـ . كسمطاف كؿ شيء شدتو كحدتو كسطكتو»(465). أمٌا عف التعريؼ الاصطلبحي فيعرؼ في مجاؿ عمـ النفس بأنو :«اتجاىات في سياسة الأفراد كالجماعات كا دارتيـ تتصؼ بممارسة السمطة عمييـ كعدـ احتراـ آرائيـ كمشاعرىـ كتخكيفيـ بالعقاب إف خالفكا ما يرفضو السمطاف أك صاحب السمطة عمييـ أك اعترضكا عميو»(466). كبيذا يمتقيالتعريؼ المغكم مع الاصطلبحي في ممارسة السمطة كالاعتراض في الرأم كالتعصب كالتيديد لكؿ مف يمس سمطة المتسمط كتتجسد الصفة عند فرعكف بظممو كجبركتو كتنبثؽ عف ىذه الصفة صفات نفسية أخرل تندرج تحت حقؿ التسمط كىي الطغياف كالكبر كالانتقاـ . 1.3 .الطغيان كممة طغياف مأخكذة مف طغى يطغى طغيانا. جاء في لساف العرب"طغى طغيانا جاكز القدر كارتفع كعلب في الكفر . ككؿ مجاكز حده في الطغياف طاغ كطغى الماء كالبحر ارتفع كعلب عمى كؿ شيء فاخترقو كفي التنزيؿ العزيز:﴿إًنَّا لىمَّا طىغىى الٍمىاءي حىمىمٍنىاكيـٍ فًي الٍجىارًيىةً﴾ (الحاقة/11)»(467). أما اصطلبحا فيعرفو الشريؼ الجرجاني بأنو : «مجاكزة الحد في العصياف(468) .كصفة الطغياف تمثميا شخصية فرعكف المستبد . يقكؿ تعالى: "اذٍىىبٍ إًلىى فًرٍعىكٍفى إًنَّوي طىغىى " (النازعات/ 17 .)كالطغياف في ىذا السياؽ ىكإفراط التكبر مصداقا لقكلو تعالى: ﴿لًمطَّاغًيفى مىآىبنا ﴾ (النبأ/22)،فكممة فرعكف بالذات تعني «ابف الشمس الآلية. ككاف قدماء المصرييف يسمكف ىذه الشمس رع كا لييا كاف ينتسب فرعكف ككانت كؿ امرأة تعتمي السمطة في مصر تقدـ نفسيا لمناس عمى أنيا سميمة الشمس الآلية. ككاف كؿ حاكـ يجمس في كرسي الحكـ فييا يتخذ لنفسو لقب فرعكف كيؤكد لأىؿ البلبد أنو ربيـ الأعمى »(469) . كالفرعنة ىي «الدىاء كالمكر كالكبر كالتجبر كالتفرعف ىك الخمؽ بخمؽ الفراعنة كقيؿ الفرعكف 465 ابن منظور:لسان العرب م3 ص2065 466 فرج عبد القادرطه،موسوعة علم النفس والتحلٌل النفسً ص 467 ابن منظور،لسان العرب،دار المعارفالقاهرة دط،دت ج30 ص2677 468 الشرٌف الجرجانً،التعرٌفات ص126 469 أبو الأعلى المودودي:فرعون فً القرآن،المختار الإسلامً،القاهرة،دط،دت ص11
عدد الصفحات ١١٨119 ىك التمساح في لغة القبط»(470) .كقد نتج عف طغياف فرعكف مفاسد في الأرض كأعماؿ إجرامية جمة تجسد ت في قكلو تعالى في سكرة القصص: ﴿إًفَّ فًرٍعىكٍفى عىلبى فًي الأٍىرٍضً كىجىعىؿى أىىٍمىيىا شًيىعنا يىسٍتىضٍعًؼي طىائًفىةن مًنٍييـٍ ييذىبّْحي أىبٍنىاءىىيـٍ كىيىسٍتىحٍيًي نًسىاءىىيـٍ إًنَّوي كىافى مًفى الٍميفٍ سًدًيفى ﴾ (القصص/4 .)كالعمك ىنا"القير كالغمبة كيعني أرض مممكتو كيعني الأرض مممكتو التي طغى فييا كجاك ز الحد في الظمـ كالفسؽ(471)". كمعنى علب مف العمك أم "استعمى كالمستعمى عميو ىـ رعيتو بؿ علب عمى كزرائو كالخاصة مف رعيتو كعلب حتى عمى ا﵀ عز كجؿ فادعى الألكىية كىذا منتيى الاستعلبء كالطغياف كالتكبر»(472). كتتجسد صفة الطغياف كالعمك في آية أخرل في قكلو تعالى ﴿كىا ًفَّ فًرٍعىكٍفى لىعىاؿو فًي الأٍىرٍضً ﴾ (يكنس/83 .)كالفرؽ بيف الآيتيف ىك أف الثانية بدأت بحرؼ التككيد "إف" التي تجعؿ القارئ مستعدا لتمقي الخبر كتأكيد ىذه الصفة عمى فرعكف بينما الآية الأكلى فقد كرد فييا الفعؿ ماضيا دلالة عمى سرد الأحداث كبياف سمسمة الجرائ ـ التي اقترفيا فرعكف. كتجسد آية القصص ىذه الشخصية في أكج عمكىا مف خلبؿ قكلو تعالى:"علب في الأرض" فقد قرنت بيف متناق ضيف صفة العمك كمكاف العمك، فمف المعركؼ أف العمك يككف في مكاف مرتفع أك ىك كؿ ماىك فكؽ . لكفٌ فرعكف علب في الأرض كالأرض ميبط الطيب كالخبيث كالحر كالعبد فيك عمك إذف يكحي بالسخرية كالكضيعة كالاستيزاء . كما أف العمك مناقض لمعمك الإليي الحؽ كنتصؿ بعالـ أرضي يسكده الفساد كالظمـ فمعنى العمك في ىذا السياؽ ىك "الكبر كىك المذمكـ مف العمك المعنكم "(473). كىذا الطغياف كالعمك جعمو يرتكب مفاسد جمة جسدىا ا﵀ تعالى في قكلو: ﴿كىجىعىؿى أىىٍمىيىا شًيىعنا يىسٍتىضٍعًؼي طىائًفىةن مًنٍييـٍ ييذىبّْحي أىبٍنىاءىىيـٍ كىيىسٍتىحٍيًي نًسىاءىىيـٍ إًنَّ وي كىافى مًفى الٍميفٍسًدًيفى ﴾ (القصص/4 .)فالمفسدة ىنا تنبئ عف شخصية مفرقة بيف الناس حيث جعميـ شيعا «أم فرقا يتبعكنيـ فيما يريد كيطيعكنو ، كلا يممؾ أحد منو مخالفتو أك يشيع بعضيـ بعضا في استخدامو أك أصنافا في استخدامو أك فرقا مختمفة قد أجرل بينيـ العداكة ليككنكا لو أطكع »(474) .كمف أنكاع الفساد الاستضعاؼ فقد كاف فرعكف يستضعؼ طائفة مف أىؿ مممكتو فيجعميا ميضكمة لا مساكاة بينيا كبيف فرؽ 470 الزبٌدي:تاج العروس،ج9 ص301 471 الزمخشري: الكشاف ،ج4،ص481 472 الشعراوي:تفسٌر الشعراوي، ج،17 ص10871 473 الطاهر بن عاشور:تفسٌر التحرٌر والتنوٌر،ج10 ص66 474 الفخر الرازي:التفسٌر الكبٌر ج24 ص225
عدد الصفحات ١١٩120 أخرل . كىك بذلؾ يمارس كؿ أنكاع العذاب لمذيف خرجكا عف طكعو . كتأتي بعد ذلؾ مرحمة مف أشد أنكاع الفساد تتمثؿ في خمخمة نظاـ النسؿ كىي الذبح كالاستحياء، فالفعؿ (يذبٌ ح) كرد بالتشديد دلالة عمى الت كبر كبالتالي كقع تأثير في النفس كتصكير لمشخصية المنتقمة. كالذبح في الأصؿ الشؽ كىك المذبكح . أما فعؿ (يستحي) فيدؿ عمى ترؾ النساء أحياء ليستخدميف في تحقيؽ أغراضو . كىذه المفسدة ىي تشجيع لمرذيمة كتفشي المعاصي . كتنتيي الآية الكريمة بقكلو تعالى: "إنو كاف مف المفسديف". كالإفساد "أف تأتي إلى شيء صالح في ذاتو فككف فرعكف يقتؿ الذككر مف أطفاؿ بني اسرائيؿ كيستحي النساء فيذا إفساد كبير لأف ىناؾ شيئا اسمو استبقاء النكع فيك حيف يقدـ بيذا العمؿ ييدد بقاء النكع فيك يقتؿ الأك لاد خشية أف ينالو منيـ شر، لكف النساء يستبقييف لمخدمة كالإذلاؿ لأنيف ليس ليف شككة كلا خطر منيف عمى ممكو "(475) .كقد قاؿ تعالى في شأف المفسديف : ﴿كىا ًذىا تىكىلَّى سىعىى فًي الأٍىرٍضً لًييفٍسًدى فًييىا كىيييٍمًؾى الٍحىرٍثى كىالنَّسٍؿى كىالمَّوي لاى ييحًبُّ الٍفىسىادى ﴾ ((البقرة/ 205.) معنى ذلؾ أفٌ فرعكف لا يقر ب مف مكاف في الأرض إلا ليفسد فيو كىك بذلؾ يتطاكؿ عمى النسؿ الذم يمثؿ امتدادا لمحياة البشرية. كىذه الآية تبيف «أف إىلبؾ النسؿ كناية عما يعتمؿ في نفس ىذا المخمكؽ مف الحقد كالشر كالغدر كالفساد أم كؿ مافيو ضرر كأذل لبني الإنساف»(476)، فشخصية فرعكف شخصية قمعية تم ارس ذاتيا بطريؽ القكة الجسدية كالمعنكية ، لذلؾ كانت كسائؿ القمع لدل الدكلة الفرعكنية منقسمة منيا كسائؿ القمع الجماعية ، كىي «كسائؿ استخدميا في الإبادة الجماعية كالعرفية لمجمكعة مف الأقميات داخؿ دكلتو كترتكز خاصة عمى الحد مف التزايد السكاني كا ضعاؼ القكة البشرية "الرجؿ" كتشكيو المكركثات الجينية لسلبلة تمؾ الأقميات»(477) .كتتمثؿ أدكات القمع في«تذبيح الأبناء قصد الحد مف السلبلة كا ضعاؼ القكة البشرية لمجماعات التي يحتمؿ أف تشكؿ قكة بشرية مستقبلب كتجسد ىذه القكة الأطفاؿ الذيف يذبحكف (يذبٌ حكف أبناءكـ) . كما تتمثٌؿ في استحياء النساء بيدؼ تشكيو المكركثات الجينية مف جية كضماف الحد الأدنى مف الشعكر بالدكنية نحك السمطة (كيستحيكف نساءكـ) (478) .فطغياف فرعكف إذف تمثؿ في الفساد كالتسخير فكؿ م ف عمى الأرض مسخر لتمبية رغباتو فيك لا يعترؼ بحقكؽ الآخريف كلا يحترـ إنسانيتيـ، فشخصيتو 475 متولً الشعراوي:قصص الأنبٌاء والمرسلٌن،ص310-311 476سمٌح عاطف الزٌن،معرفة النفس الإنسانٌة فً الكتاب والسنة، ج2 ص504 477 عبد العزٌز خواجة:أنماط العلاقات الاجتماعٌة فً النص القرآنً،ص215 478 المرجع نفسه، ص 215
عدد الصفحات ١٢٠121 الطاغية تعاني مف عقد نفسية يحاكؿ إخفاءىا عف طريؽ السيطر ة كا خضاع الآخريف لو بصفة دائمة، الأمر الذم يجعميـ يخافكف كيفزعكف في كؿ ثانية ككؿ دقيقة خشية منو. 2.3 .الكبر جاء في لساف العرب: «الكبر كالكبرياء المتعالي عمى صفات الخمؽ كالكبرياء العظمة كالممؾ. كقيؿ ىي عبارة عف كماؿ الذات ككماؿ الكجكد كلا يكصؼ بيا إلا ا﵀ تعالى »(479) . كالكبر عبارة عف خمؽ في النفس ، كىك شعكرىا بعظمتيا كأنيا فكؽ الآخريف، معنى ذلؾ أفٌ الكبر مصحكب باحتقار الناس كالترفع عمييـ . كالمتكبر يحاكؿ أف يتعالى بكلبمو كتصرفاتو كحركاتو ليضع نفسو في مكانة أعمى مف الآخريف . كالكبر منبكذ في الديف الإسلبمي. قاؿ صمى ا﵀ عميو كسمـ (لاى يى دٍ خي ؿي الجى نَّ ةى مى فٍ كى افى فً ي قى مٍ بً وً مً ثقى اؿي ذى رَّ ةو مً فٍ كً بى رو ) (ركاه مسمـ). كىي صفة إبميس كفرعكف كما جاء في القرآف الكريـ. كمف مظاىر كبر فرعكف إدعا ؤ ه الألكىية فيك يؤلو نفسو كيتطاكؿ عمى التكحيد «كالتأليو تطاكؿ عمى التكحيد كىك كضع الذات البشرية فكؽ الحدكد المقررة ليا كبشر يعمف الشخص المتكبر بأنو إلو كلما يككف حاكما مطمقا لا يعطي لنفسو ميمة كضع القانكف فحسب بؿ يضع نفسو فكؽ القانكف فلب بد إذف مف إعطاء أكامره لممحككميف لعبادتو كالعبادة ىنا ليست طقكسا بقدر ما ىي أداة لتجريد الناس مف قكة التفكير الحي الذم يحفظ ليـ إنسانيتيـ ككرامتيـ »(480) .كتتجمى ألكىية فرعكف في قكلو تعالى: ﴿قىاؿى فًرٍعىكٍفي كىمىا رىبُّ الٍعىالىمًيفى ﴾ (الشعراء /23)، كقكلو تعالى: ﴿قىاؿى فىمىفٍ رىبُّكيمىا يىا ميكسىى﴾ (طو/49). نلبحظأسئمة شكٌية تبيف صفة الاستيزاء لفرعكف كال تي تنـ عف الكفر كالجحكد. كقد كردت الآية الأكلى استفياميٌة عف طريؽ أداة الاستفياـ "ما" التي تستعمؿ لغير العاقؿ ك يي ستفاد منيا الاستيزاء كالتحقير . كىذا يدؿٌ عمى جبركت فرعكف كجيمو برسالة الحؽ . أما الآية ا لثٌانية فقد استيعمؿ فييا اسـ الاستفياـ "مف" الدالة عمى العاقؿ. كلكنيا في ىذا السياؽ تدؿٌ عمى الاستخفاؼ بكائف ليس مف طينتو في قكلو "مف ربكما" . ك قد أسند الرب إلى مكسى كأخيو كلـ يضفو إلى نفسو لمتشكيؾ كنفي العمـ بأمر الأ لك ىية. كيكاصؿ جبركتو كطغيانو فيك في ىذه المرة يريد أف يبمغ أسباب السماكات كالأرض كفي ذلؾ يقكؿ تعالى:\﴿كىقىاؿى فًرٍعىكٍفي يىا أىيُّيىا الٍمىلؤىي مىا عىمًمٍتي لىكيـٍ مًفٍ إًلىوو غىيٍرًم فىأىكٍقًدٍ لًي يىا ىىامىافي 479 ابن منظور:لسان العرب،م5 ص2807 480 ٌنظر:المفهوم القرآنً والتوراتً عن موسى علٌه السلام وفرعون ونفسٌة بنً اسرائٌل ،زاهٌة راغب الدجانً ص55 وص170
عدد الصفحات ١٢١122 عىمىى الطّْيفً فىاجٍعىؿٍ لًي صىرٍحنا لىعىمّْي أىطَّمًعي إًلىى إًلىوً ميكسىى كىا ًنّْي لأىىظينُّوي مًفى الٍكىاذًبًيفى ﴾ (القصص/38 .)فيذه الآية تتضمف ىدفيف لفرعكف الأكؿ "نفي إلو غيره كالثاني إثبات ألكىية نفسو»(481) ففرعكف أراد بذلؾ أف يبني عالمو الخاص المسيطر عنو فخطابو لمملؤ ىك «خطاب لمجياز المنتفع الذم ييمو بقاء فرعكف بأم ثمف . كطبعا ليذا الجياز سمطة عمى فئة الغالبية مف الناس »(482) كحتى يبمغ ىدفو كىك الارتقاء إلى السماء –كالعياذ با﵀ - يستعيف بكزيره ىاماف الذم خصو ا﵀ مع فرعكف بالعذاب في قكلو تعالى: ﴿كىنيمىكّْفى لىييـٍ فًي الأٍىرٍضً كىنيرًمى فًرٍعىكٍفى كىىىامىافى كىجينيكدىىيمىا مً نٍييـٍ مىا كىانيكا يىحٍذىريكفى﴾ (القصص/6 .)كشخصية ىاماف لا تختمؼ كثيرا عف شخصية فرعكف إلا أنو يظير في نص الآية رفيقا لفرعكف كتابعا لو فيك إذف شخصية مستضعفة خاضعة لتسمط فرعكف . كىك يأخذ صكرة المؤتمر بأمر فرعكف كالآمر لمعماؿ ببناء الصرح . كبيذا تتضح شخصيتو علبنية بسمة الإذعاف كالقيادة كالخكؼ. كبناء الصرح يتمثؿ في قكلو تعالى: ﴿فى أى كٍ قً دٍ لً ي يى ا ىى امى افي عى مى الطّْ يفً ﴾ (القصص/38 .)قاؿ الطبرم في شأنو: «المطبكخ الذم يكقد عميو كىك مف طيف يبنكف بو البنياف»(483) .كالبناء« يدؿ عمى كصكلو إلى اليقيف بأف ىناؾ إليا آخر فيك مجتيد في الكصكؿ إليو أك لعمو ظنو في مكاف كما ىك في مكاف كذلؾ يدؿ عمى إفراط جيمو »(484). كالملبحظ في ىذه الآية استعماؿ حرؼ الترجي "لعؿ" الذم يجعؿ فرعكف يحاكؿ الارتقاء إلى السماء. كبالرغـ مف ىذه المحاكلة فإف شعكرا بالخكؼ كالقير ينتابو كىك يكاجو مكسى عميو السلبـ بالرغـ مف ىا لة الممؾ كالكبرياء . كىكذا تتصارع مفاىيمو الع قائدية فيزداد تكترا كقمقا فيمكذ إلى التيديد بقتؿ مكسى تبريرا لخكفو الخفي في أغكار نفسو مف صدؽ الكحي "ذركني أقتؿ مكسى كليدع ربو" ، فصفة الخكؼ طاغية عمى فرعكف . كسبب ىذا الخكؼ ىك المنافسة عمى الممؾ كتحدم مكسى عميو السلبـ لو. كمف علبمات الكبر كالاستكبار التي يتصؼ بيا فرعكف إعراضو عف آيات ا﵀ قاؿ تعالى: ﴿ثيـَّ بىعىثٍنىا مًفٍ بىعٍدًىًـٍ ميكسىى بًآىيىاتًنىا إًلىى فًرٍعىكٍفى كىمىمىئًوً فىظىمىميكا بًيىا فىانٍظيرٍ كىيٍؼى كىافى عىاقًبىةي الٍميفٍسًدًيفى ﴾ (الأعراؼ /103 .)كالظمـ بالآياتأك اقتراؼ الظمـ في حقيا يعني «تكذيبيا 481 الفخر الرازي:التفسٌر الكبٌر ج24 ص252 482 زاهٌة راغب الدجانً،نفسٌة بنً اسرائٌل فً القرآن الكرٌم المؤسسة العربٌة للدراسات والنشر بٌروت ،ط1 2000ص71 483 الطبري،تفسٌر الطبري ج18 ص255 484 مصطفى علٌان،بناء الشخصٌة فً القصة القرآنٌة دار البشٌر عمان ،ط1 1992ص79
عدد الصفحات ١٢٢123 كعدـ الإيماف بيا كمحاكلة رفضيا با عتبارىا سحرا كدجلب »(485) .فتكذيب الآيات يعني نفي الحؽ مف طرؼ فرعكف ، لذلؾ تعتريو ظممات تختزف في طياتيا القمؽ كالاضطراب كنتيجة كؿ ىذا ظممات العقؿ الجاىؿ المنحرؼ الضاؿ المتكبر ، فيك بيذا الكبر لا يرضي إلا نفسو، فلب يميز بيف ظلبـ كنكر كلا بيف عمـ كجيؿ كلا بيف إيماف ككفر. كىي بذلؾ تلبزمو صفات ثابتة تتمثؿ في اتباع شيكاتو كأىكائو. تمؾ الأىكاء التي يدخؿ في شيكاتيا مما يبعد عنو التأمؿ كالتكبر في الآيات المرسمة إليو لذلؾ فيك مستكبر عف الأمر العجيب ا لذم يقؼ عنده العقؿ مشدكىا خاصة كأف كممة الآيات تحمؿ عدة معاني منيا «أنيا تطمؽ عمى الآيات القرآنية لأنيا عجيبة أسمكبيا معبرة عف كؿ كماؿ يكجد في الكجكد إلا أف تقكـ الساعة ككؿ قارئ ليا يأخذ منيا عمى قدر ذىنو كقدر فيمو كتطمؽ عمى المعجزات الدالة عمى صدؽ الأنبياء»(486) .لذلؾ كاف الظمـ أحد دلائؿ الكبر لأف فرعكف كقكمو رفضكا اتباع منيج الحؽ كظمكا عمى فسادىـ، كىـ بيذا أعرضكا اعتراضا تاما عمى ىذا المنيج. كفي آية أخرل يقكؿ تعالى: ﴿إًلىى فًرٍعىكٍفى كىمىمىئًوً فىاسٍتىكٍبىريكا كىكىانيكا قىكٍمنا عىالًيفى فىقىاليكا أىنيؤٍمًفي لًبىشىرىيٍفً مًثٍمًنىا كىقىكٍميييمىا لىنىا عىابًديكفى فىكىذَّبيكىي مىا فىكىانيكا مًفى الٍمييٍمىكًيفى ﴾ (المؤمنكف/46،47 .) كالملبحظ في ىذه الآية الإعراض الشديد عف الآيات المعجزات مف طرؼ فرعكف . كجاء ذلؾ عف طريؽ المفظ الصريح (استكبركا). كىذا الاستكبار نتج عنو قكلو تعالى عمى لسانيـ (أنؤمف لبشريف مثمنا كقكميما عابدكف ). يقكؿ الطاىر بف عاشكر في شأف ىذه الآية: «كىذا ليس مف قكؿ فرعكف كلكنو قكؿ بعض الملؤ لبعض كلما كانكا قد تراضكا عميو نسب إلييـ جميعا،كأما فرعكف فكاف معيقا لرأييـ كمشكرتيـ ككاف لو قكؿ آخر حكي في قكلو تعالى "كقاؿ فرعكف يا أييا الملؤ ما عممت لكـ مف إلو غيرم"، فإف فرعك ف كاف معدكدا في درجة الآلية لأنو كا ف كاف بشرا في الصكرة لكنو اكتسب الإليية بأنو ابف الآلية»(487). كيبمغ الاستيزاء في الاستفياـ الإنكارم أعمى درجاتو عند قكلو "أنؤمف" "أم ما كاف لنا أف نؤمف بيما كىما مثمنا في البشرية كليسا بأىؿ لأف يككنا ابنييف للآلية لأنيما ج اءا بتكذيب إليية الآلية »(488). كىـ بذلؾ يطالبكف بعدـ المساكاة بينيـ كبيف البشر المؤمف بآيات 485أبو الأعلى المودودي:فرعون فً القرآن ص10 486 الشعراوي:تفسٌر الشعراوي، م7 ص4270 487 الطاهر بن عاشور:تفسٌر التحرٌروالتنوٌر،ج 18 ص64 488 الطاهر بن عاشور :المرجع السابق، ج18 ص64
عدد الصفحات ١٢٣124 ا﵀،لأنيـ يعتقدكف أف إلييـ مميز كمتفرد عف الإلو الحؽ –كالعياذ با﵀- كالإعراض كالإكبار في ىذه الآية جاءا بطعف في الرسالة مف جية كطعف في مرسمييا كقكميـ مف جية أخرل "كقكميما لنا عابدكف" كىذه أعمى درجات الاستعلبء. كتزداد درجات الكبر كالاستعلبء في قكلو تعالى عمى لساف فرعكف ﴿أىـٍ أىنىا خىيٍره مًفٍ ىىذىا الَّذًم ىيكى مىيًيفه كىلاى يىكىادي ييبًيفي﴾ (الزخرؼ /52.) كبالتالي فقد "أجرل مكازنة بينو كبيف مكسى عميو السلبـ في متطمبات الممؾ كالرئاسة مف الفصاحة كالإبانة ككثرة العدد كآلات السياسة كتقاليدىا (489). كا حساس فرعكف بكاقع الممؾ كما ينضكم تحتو مف الكبرياء كالعمك جعمو عازفا عف التفكير بما يحاكؿ أف يبنيو مكسى عميو السلبـ م ف تفاصيؿ لرسالة الحؽ فيك إذف"متجاؼ عف طريقة التفكير الصائبة السميمة التي تنشأ في العادة عند الإنساف مف إحساسو بالكاقع مع تمقيو مف غيره معمكمات فيصبح عنده مف ذلؾ فكر»(490). كقد تجمت أعمى درجات العمك كالكبر في قكلو تعالى عمى لساف فرعكف: ﴿فىكىذَّبى كىعىصىى ثيـَّ أىدٍبىرى يىسٍعىى فىحىشىرى فىنىادىل فىقى اؿى أىنىا رىبُّكيـي الأٍىعٍمىى﴾ (النازعات /21..24 .)كالآية حقيقتيا "العلبمة كالأمارة كتطمؽ عمى الحجة المثبتة لأنيا علبمة عمى ثبكت الحؽ "(491). كقد انجر عف ىذه الحجة القاطع ة التي بينيا ا﵀ سبحانو كتعالى لفر عكف مكقفا معاديا مف طرؼ فرعكف ليصؿ إلى أعمى درجات الشرؾ في قكلو تعالى عمى لسانو :"أنا ربكـ الأعمى" كىذا المكقؼ تجسده أفعاؿ تندرج ضمف حقؿ الشرؾ كىي الأفعاؿ المتكالية الذكر: كذب، عصى، أدبر، فحشر، فنادل". كأكلى درجات الكبر ىي التكذيب بما جاء بو ا﵀ كىذا الفعؿ يمثؿ أكلى المراحؿ ثـ العصياف كىك أشد درجة مف التكذيب كما أنو مقركف بو الكقت ذاتو كيزداد كبرا مرة أخرل في قكلو "ثـ أدبر يسعى". كالإدبار ىك "المشي إلى الجية التي ىي خمؼ الماشي كىك ىنا مستعار للئعراض عف دعكة الداعي»(492) .كادبار كالسعي مقركف الكاحد منيما بالثاني، فالسعي حقيقتو شدة المشي كقد أنيى ىذه المراحؿ برحمة أخيرة كىي جمع الناس حكلو كىذ ا يمثمو قكلو تعالى فحشر فنادل. لقد حاكؿ أف يقنع الناس بألكىيتو لذلؾ فقد جمعيـ ليضميـ إليو حتى يسيطر عمييـ كيبطش بكؿ مف يخالؼ أكامره كنك اىيو. ك لذلؾ كصؼ نفسو بالرب الأعمى لأنو"ابف أمكف رع كىك الرب الأعمى ف ابنو ىك القائـ بكصفو أك لأنو كاف في عصر اعتقاده أف فرعكف 489 مصطفى علٌان: بناء الشخصٌة فً القصة القرآنٌة ص75-76 490 المرجع نفسه :ص75-76 491 الطاهر بن عاشور:تفسٌر التحرٌر والتنوٌر، ج30 ص78 492 الطاهر بن عاشور:المصدر السابق، ج30 ص80
عدد الصفحات ١٢٤125 رب الأرباب المتعددة عندىـ "(493). كفرعكف بيذا الاتجاه المتسمط المحب لمسمطة الدنيكية يؤلو نفسو للئبقاء عمى مصالحو»(494)،فالتأليو يضعو في مركز الأمر كالنيي بلب حدكد كمف خلبلو يستطيع تنفيذ أىدافو في السمطة المطمقة، كلكف دكف شعكر منو بأف ا﵀ تعالى لو بالمرصاد . 3.3 .الانتقام يدؿٌ لفظ الانتقاـ بمفيكمو المغكم عمى معنى الكره كالنقمة . كىك مأخكذ مف مادة (ف،ؽ،ـ). جاء في لساف العرب: «النقمة كالنقمة المكافأة بالعقكبة كانتقـ ا﵀ منو أم عاقبو كالاسـ منو النقمة كالجمع نقمات كانتقـ كنقـ الشيء كنقمو أكرمو كفي أسماء ا﵀ عز كجؿ المنتقـ ىك البالغ في العقكبة لمف شاء كىك مفتعؿ مف نقـ ينتقـ إذا بمغت بو الكراىة حد السخط» (495). أمٌا الانتقاـ مف الناحية الاصطلبحية «فيك نزعة عدكانية تغمب عمى الإنساف جراء انفعاؿ الغضب ىذا الانفعاؿ يأخذ منو كؿ مأخذ، فيعمد إلى الرد عمى الفعؿ السيئ بمثمو أك ربما بأشد منو »(496) .كالانتقاـ«لا يكلد مع الإنساف كلكف الظركؼ كالأحداث الفردية ىي التي تغرسو في الأنفس كما أف لمتربية كالعادات أثرىا أيضا في تكليد الانتقاـ كا شاعتو مما يجعؿ آثاره السيئة تطاؿ المجتمع كالأفراد عمى حد سكاء »(497) .معنى ذلؾ أف الانتقاـ مقترف بالغضب كتنتج عنو عبارات كتصرفات تدؿ عمى إرادة الانتقاـ سكاء أكانت ىذه التصرفات معنكية أك حسية. كقد صرح ا﵀ سبحانو كتعالى بقكلو: ﴿فىانٍتىقىمٍنىا مًنٍييـٍ فىانٍظيرٍ كىيٍؼى كىافى عىاقًبىةي الٍميكىذّْبًيفى ﴾ (الزخرؼ /25 .)كقاؿ تعالى ﴿فىاسٍتىخىؼَّ قىكٍمىوي فىأىطىاعيكهي إًنَّييـٍ كىانيكا قىكٍمنا فىاسًقًيفى فىمىمَّا آىسىفيكنىا انٍتىقىمٍنىا مًنٍييـٍ فىأىغٍرىقٍنىاىيـٍ أىجٍمىعًيفى فىجىعىمٍنىاىيـٍ سىمى فنا كىمىثىلبن لًلآٍىخًرًيفى﴾ (الزخرؼ /54..56 .)لذلؾ فسياؽ الانتقاـ في القرآف نتيجتو الغضب . كىك غضب ا﵀ سبحانو كتعالى مف القكـ الظالميف الجاحديف المكذبيف بآياتو»(498). كانتقاـ فرعكف انتقاـ آخر ينـ عف عدكانية شخص متسمط، فادعاؤه الألكىية كا يمانو بيذه الحياة المادية التي يغيب فييا 493 الطاهر بن عاشور،ج30 ص81 494 زاهٌة راغب الدجانً:المفهوم القرآنً والتوراتً،عن موسى علٌه السلام وفرعون دار التعرٌب بٌروت،ط1 1998 ص44 ' 495 ابن منظور،لسان العرب،م6،ص4531 496496 عاطف سمٌح الزٌن:معرفة النفس الإنسانٌة ج2 ص222 497 المرجع نفسه ج2 ص222 498 ٌنظر:كرٌم حسٌن الخالدي،الخطاب النفسً فً القرآن الكرٌم ص 77-78
عدد الصفحات ١٢٥126 المنطؽ كالتفكير السميـ جعلبه يكاصؿ طغيانو أكثر كأكثر. كقد خضع السحرة سجدا للآيات التي جاء بيا مكسى عميو السلبـ «إذ سرعاف ما استجاب السحرة لربيـ بالإيماف برسالة مكسى بعد أف بدت ليـ حقيقة معجزتو فأزاحت ما غشي أبصارىـ مف زيؼ الكاقع كبطلبنو كىـ يعمنكف إسلبميـ تحديا لفرعكف »(499). قاؿ تعالى عمى لسانيـ ﴿قىاليكا لىفٍ نيؤٍثًرىؾى عىمىى مىا جىاءىنىا مًفى الٍبىيّْنىاتً كىالَّذًم فىطىرىنىا فىاقٍضً مىا أىنٍتى قىاضو إًنَّمىا تىقٍ ضًي ىىذًهً الٍحىيىاةى ال دُّنٍيىا﴾ (طو/72). كرغـ ذلؾ كاف جكاب فرعكف كاشفا عف شخصية انتقامية تريد التخمص مف الحقيقة، فما عميو إلا أف ينتقـ مف ىؤلاء الذيف صدكا عف طريقو. قاؿ تعالى في ىذا الشأف: ﴿قىاؿى فًرٍعىكٍفي آىمىنٍتيـٍ بًوً قىبٍؿى أىفٍ آىذىفى لىكيـٍ إًفَّ ىىذىا لىمىكٍره مىكىرٍتي ميكهي فًي الٍمىدًينىةً لًتيخٍرًجيكا مًنٍيىا أىىٍمىيىا فىسىكٍؼى تىعٍمىميكفى لأىيقىطّْعىفَّ أىيٍدًيىكيـٍ كىأىرٍجيمىكيـٍ مًفٍ خًلبىؼو ثيـَّ لأىيصىمّْبىنَّكيـٍ أىجٍمىعًيفى ﴾ (الأعراؼ /123،124.) يبدأ تيديد فرعكف بالقكؿ قبؿ الفعؿ . كىي أكلى خطكات الانتقاـ. كىذا القكؿ بمثابة تييئة لمجك النفسي الذم سيككف عميو ىؤلاء الذيف آمنكا بآيات ا﵀، إنو يعارض كؿ مف يشكؾ في ألكىيتو حتى لا ينيدـ الصرح الذم بناه عمى أكاذيب ممفقة فيك يتيميـ بالمكر. كنتيجة ليذا المكر المتكىـ يتكعدىـ بأشد ألكاف العذاب. إنو انتقاـ عف طريؽ التعذيب بش دة كيتجمى ذلؾ في: 1.3.3 .قطع الأيدي والأرجل القطع في المغة: «إبانة بعض أجزاء الجرـ مف بعض فص ، كقطعو كاقتطعو فانقطع كتقطع شدد لمكثرة، كتقطعكا أمرىـ بينيـ زبرا أم تقسمكه كقكلو تعالى (كقطعف أيدييف) أم قطعنيا قطعا بعد قطع»(500) .كجاء سياؽ القطع في ىذه الآيةبصيغة المبالغة "لأقطعف" عف طريؽ اللبـ كالنكف . كىما مف أدكات التككيد كىذا دلالة عمى التأثير الجسدم العنيؼ ضد ىؤلاء، ففرعكف لـ يكتؼ بتشكيو صكرة الدعكة أماـ الناس بؿ لجأ إلى التعذيب –كما أشرنا - عف طريؽ القطع أكلا فيدد بقطع الأيدم كالأرجؿ مف خلبؼ معنى ذلؾ «أفيقطع اليد اليمنى مع الرجؿ اليسرل كالعكس بالعكس »(501) .كأسمكب التعذيب متبع كمعركؼ في 499 مصطفى علٌان،بناء الشخصٌة فً القصة القرآنٌة،ص77 500 ابن منظور،لسان العرب م5 ص3674 501 محمد متولً الشعراوي،قصص الأنبٌاء والمرسلٌن ص374
عدد الصفحات ١٢٦127 السياسة الفرعكنية بشكؿ كاضح فقد كاف أكؿ الحمكؿ الفرعكنية لمكاجية الدعكة أملب منو في رد الدعاة إلى ما كانكا عميو قبؿ تبنييـ دعكتيـ ، كما كاف ترىيبا لمناس ككعد ا ككعيدا(502). 2.3.3 .التصميب التصميب في المغة يطمؽ عمى الشدة . نقكؿ «صمب ال شيء صلببة فيك صميب كصمب أم شديد. كيقاؿ تصمب فلبف أم تشدد كصمبو جعمو صمبا شده كقكاه كالصميب الكدؾ كفي الصحاح كدؾ العظاـ، كقد صمبو صمبا صمبو شدد لمتكثير، كفي التنزيؿ العزيز "كما قتمكه كما صمبكه "كفيو "لأصمبنكـ في جذكع النخؿ »(503) .كالتصميب «أف تأتي بمصمكب عميو كىك الخشبة أك الحديد كتأتي بمصمكب كتربط المصمكب عمى المصمكب عميو كتشد الرباط »(504) .فالتصميب إذف مف المضايقات الجسدية التي نادل بيا فرعكف قصد الانتقاـ كىك طريقة مف طرقو التي يتفنف فييا "كيسبؽ الطغاة إلييا كيجعميا سنة لو مف بعده، ينقميا عنو غيره مف الطكاغيت الذيف يشترككف في الصفات كالسياسات »(505). كالتٌصميب في سياؽ الآية جاء في جذكع النخؿ تأكيدا كمبالغة في التعذيب معنى ذلؾ أف السحرة كالنخؿ شيئاف ممتصقاف الكاحد منيما بالآخر لا فكاؾ بينيما «إنو سيجعميـ فييا تنكيلب بيـ كتفننا في أنكاع التعذيب»506 .كقد دلت "ثـ" في قكلو تعالى "ثـ لأصمبنكـ أجمعيف" عمى«الارتقاء في الكعيد بالصمب الذم سيناليـ كميـ»(507). كفي آية أخرل يقكؿ سبحانو كتعالى : ﴿كىلىتىعٍمىميفَّ أىيُّنىا أىشىدُّ عىذىابنا كىأىبٍقىى﴾ (طو/71.) كيحضر الزم اف بطريقة غير مباشرة عف طريؽ الفعؿ "أبقى" فالعذاب الذم سينزؿ بيـ سيدكـ كيتركيـ عمى ىذا الحاؿ نكاية بيـ، فانتقاـ فرعكف إذف يقكـ عمى دكاـ الزمف في الشدة كالعذاب. كيتجمى دافع الانتقاـ لدل فرعكف في قكلو تعالى: ﴿ كىقىاؿى الٍمىلؤىي مًفٍ قىكٍـً فًرٍعىكٍفى أىتىذىري مي كسىى كىقىكٍمىوي لًييفٍسًديكا فًي الأٍىرٍضً كىيىذىرىؾى كىآىلًيىتىؾى قىاؿى سىنيقىتّْؿي أىبٍنىاءىىيـٍ كىنىسٍتىحٍيًي نًسىاءىىيـٍ كىا ًنَّا فىكٍقىييـٍ قىاىًريكفى ﴾ (الأعراؼ /127)،فخكؼ فرعكف مف اليزيمة جعمو يسأؿ قكمو كيستنجد بيـ بطريقة غير مباشرة فيك ينتظر تمؾ الفرصة المكاتية لكقكفيـ إلى جانبو فتحكؿ بذلؾ الحكار 502 ٌنظر :رأفت المصري:شخصٌة الحاكم فً ضوء القصص القرآنً،دار الفاروق عمان ،ط1 ،2009ع ص298 503 ابن منظور،لسان العرب،م4 ص2476-2477 504 محمد متولً الشعراوي:قصص الأنبٌاء والمرسلٌن ص374 505 رأفت المصري،شخصٌة الحاكم فً ضوء القصص القرآنً ص299 506 رأفت الحاكم:المرجع السابق، ص299 507 ٌنظر الطاهر بن عاشور:تفسٌر التحرٌر والتنوٌر،ج9 ص55
عدد الصفحات ١٢٧128 بينو كبيف قكمو الذيف ما زالكا تحت سمطانو، ىؤلاء القكـ ال ذيف أقنعكا فرعكف بحقيقة الإفساد . كالإقناع ىنا ناتج عف ذليـ كاستعبادىـ مف طرفو الأمر الذم أدل بيـ إلى سؤالو عف ترؾ ألكىيتو كعبادتو فما كاف جكاب فرعكف إلا بدافع الانتقاـ الذم يقضي عمى الحياة كالنماء. إف سمطتو كجبركتو عكداه عمى القتؿ كالتعذيب. قاؿ تعالى عمى لسانو: "قاؿ سنقتؿ أبناءىـ كنستحي نساءىـ كا نا فكقيـ قاىركف" أم «سنقتؿ أبناءىـ الذككر مف أكلاد بني إسرائيؿ كنستحيي نساءىـ »(508). ثـ يختـ قكلو "كا نا فكقيـ قاىركف". ك يفسر الشعراكم ىذه الآية بقكلو: «كالقكم حيف يممؾ القدرة عمى الضعيؼ لا يشد الخناؽ عميو شدا ليفتؾ بو لأنو يعرؼ ضعفو كيستطيع أف ينالو في أم كقت، لكف لك كاف الخصـ أمامؾ قكيا فأنت ترىبو حتى يخضع لؾ »(509) .فقتؿ الأبناء كاستحياء النساء مف أشد أنكاع القير، فالأبناء الذككر يشكمكف العدة كالكقكؼ كالتصدم، كفرعكف لا يريد ذلؾ ، فالسمطة لو كحده كاستحياء النساء ذؿ كىكاف كىتؾ لمحرمات. ك دافع الانتقاـ يتكلد مف جديد عند فرعكف لذلؾ نراه يعيد ما فعمو مف قبكؿ العادة كا عادة الكرة مرة أخرل حتى يحافظ عمى سمطانو. كخلبصة القكؿ إف صفة التسمط التي انبثقت منيا صفات ذميمة جعمت مف فرعكف شخصية طاغية سريعة الغضب، ك شخصية فييا مف العناد كالشؾ الشيء الكثير، الأمر الذم أدل إلى استمرارية الفعؿ الفرعكني المشيكر بالقتؿ كالتعذيب كالتيديد كالكعيد خصكصا عند مكاجيتو مع مكسى عميو السلبـ كظيكر الحجة القاطعة التي ىي رسالة الحؽ. 4 .النّدم الندـ في المغة الأسؼ. جاء في لساف العرب: «ندـ عمى الشيء كندـ عمى ما فعؿ ندما أسؼ كفي الحديث الندـ تكبة»(510). أما اصطلبحا فيك«حالة انفعالية تنشأ مف شعكر الإنساف بالذنب كأسفو عمى ارتكابو كلكمو لنفسو عمى ما فعؿ كتمنيو لك أنو لـ يفعؿ ذلؾ »(511) .كيعرؼ الندـ أيضا بأنو "التحسر مف تغير الرأم في أمر فات كانقضى . جاء في الآية الكريمة : ﴿ فىأىصٍبىحى مًفى 508 الطبري:تفسٌر الطبري،جامع البٌان عنتأوٌل آي القرآن م 13 ص41 509 الشعراوي:تفسٌر الشعراوي،م7 ص4305 510 ابن منظور:لسان العرب م6 ص4386 511 محمد عثمان نجاتً:القرآن وعلم النفس ص103
عدد الصفحات ١٢٨